اذهب الي المحتوي
منتدى العقاب

"اتفاقية مكة": أمنٌ للمسلمين أم آليةٌ للاستدراج إلى حرب إقليمية؟


Recommended Posts

بسم الله الرحمن الرحيم

 

"اتفاقية مكة": أمنٌ للمسلمين أم آليةٌ للاستدراج إلى حرب إقليمية؟

 

يبدو دفاعياً في ظاهره الاتفاقُ الذي وقّعته تركيا والسعودية وباكستان في مكة المكرمة، مستهدفاً تعزيز الضمانات الأمنية المتبادلة بين البلاد الإسلامية الثلاث. ولكن، في ظل الوضع العسكري المتوتر في المنطقة، هل يُعدّ هذا الاتفاق خطوة نحو بناء نظام أمني مستقل للبلاد الإسلامية، أم أنه آلية قد تُوسّع نطاق الصراع المحيط بإيران وتستدرج الدول الثلاث إلى حرب إقليمية كبرى؟

 

يُضفي اسم "مكة" على الاتفاق دلالة رمزية تعبر عن وحدة المسلمين، غير أن مدى خدمة هذا الاتفاق الموقّع في البقعة المقدسة لمصالح المسلمين لا يُقاس باسمه، بل بأهدافه ونتائجه.

 

كيف سيُسهم هذا الاتفاق في تحقيق الأمن العام للمسلمين؟ يكتسب هذا السؤال أهمية بالغة، لا سيما مع مرور زهاء 80 عاماً على نشوء القضية الفلسطينية، واستمرار الحرب في غزة للسنة الثالثة على التوالي، وفي وقت يُوسّع فيه كيان يهود مستوطناته في الضفة الغربية ويُحكم سيطرته عليها. ومما يزيد من خطورة التوسع الإقليمي لكيان يهود، المصادقةُ في تموز/يوليو 2026 على تخصيص 1.3 مليار شيكل لبناء 34 مستوطنة جديدة في الضفة الغربية. وفي ظل هذا الواقع، يطرح السؤال نفسه بطبيعة الحال:

 

لماذا تتشكل آلية الدفاع المشترك بين البلاد الإسلامية في هذا التوقيت بالذات؟ وما هو سيناريو الخطر الأساسي منها؟

 

لم ينشأ هذا الاتفاق من عدم؛ ففي عام 2025 أبرمت السعودية وباكستان اتفاقية دفاع استراتيجي مشترك تنص على أن أي عدوان على إحداهما يُعدّ عدواناً على كلتيهما. وفي أوائل عام 2026، كشف حقان فيدان عن محادثات لانضمام تركيا إلى هذا الإطار. وبناءً عليه، تُعدّ اتفاقية مكة توسيعاً للتعاون السعودي الباكستاني ليصبح ثلاثي الأطراف، وتصديقُها الرسمي في هذا الوقت بالذات يمنحها مضموناً استراتيجياً جديداً. أما الخطر الأكبر فيكمن في إقليمية الحرب.

 

فإذا وجهت إيران ضربة قوية لأراضي تركيا أو السعودية أو باكستان، سيتولد دافعٌ لتفعيل آلية الدفاع الجماعي لهذه الدول. وعندئذٍ، سيرتفع مستوى الصراع بين الولايات المتحدة وكيان يهود من جهة وإيران من جهة أخرى إلى مرحلة جديدة، ما يفتح المجال لاحتمال نشوب حرب إقليمية تشمل البلاد الإسلامية الثلاث. وهذا يُعدّ أحد أكثر السيناريوهات خطورة؛ إذ لن ينحصر الضرر في إيران وحدها إذا ما تحقق هذا السيناريو.

 

ومع جرّ تركيا وباكستان والسعودية إلى الحرب، ستستنزف هذه الدول قدراتٍ عسكرية واقتصادية هائلة: حيث ستتقلص مخزونات الأسلحة المتاحة، وتتحدد إمكانيات شراء أو تصنيع أسلحة جديدة. كما ستفقد إيران أجزاءً كبيرة من مواردها لحماية أراضيها وبنيتها التحتية العسكرية. ونتيجة لذلك، ستضعف عسكرياً عدة بلاد إسلامية رئيسية في وقت واحد.

 

وهنا يكمن جوهر المسألة الاستراتيجية: استنزاف القدرات العسكرية المتوفرة لدى البلاد الإسلامية والحد من إمكانياتها العسكرية المستقلة. ومن منظور الغرب، يُنظر إلى إمكانية ظهور مركز قوة سياسي مستقل في البلاد الإسلامية، ولا سيما إعادة قيام الخلافة، بصفته تهديداً استراتيجياً.

 

ومن هذا المنطلق، توفر اتفاقية مكة للولايات المتحدة فرصة لاستدراج دول المنطقة إلى صراع يلتهم القدرات العسكرية لبعضها البعض. ويمكن الاستشهاد هنا بمثال استنزاف الموارد العسكرية لروسيا في سوريا لسنوات طويلة قبل دخولها الحرب في أوكرانيا؛ حيث كان الهدف من توريط روسيا في تلك الحروب هو إنهاكها وإضعافها. وبالأسلوب نفسه، إذا ضعفت القوى الإقليمية الرئيسية بسبب الحروب، فستتمكن الولايات المتحدة من الحفاظ على نفوذها في المنطقة أو تعزيزه عبر تفوقها العسكري والتكنولوجي والمالي الخارجي. إذن، الخطر الأساسي لا يكمن في الحرب بحد ذاتها فحسب، بل في تآكل القدرات العسكرية للبلاد الإسلامية على المدى الطويل من خلال هذه الحرب. ورغم أن هذا تحليل جيوسياسي وليس حقيقة قطعية، إلا أنه لا يمكن إنكاره.

 

أما الجانب الثاني الأكثر خطورة في المسألة فهو غزة والضفة الغربية. فإذا تحول التركيز السياسي والعسكري للبلاد الإسلامية إلى الجبهة الإيرانية، فستتراجع القضية الفلسطينية إلى المرتبة الثانية في الأجندة الإقليمية؛ حيث ستنشغل تركيا والسعودية وباكستان بأمنها الخاص، وتُضطر إيران للدفاع عن أراضيها. ونتيجة لذلك، سينخفض الضغط السياسي الإقليمي على كيان يهود، ما يمنحه الضوء الأخضر للمضي قدماً في تحقيق أهدافه. ويُشكل هذا خطراً جيوسياسياً جسيماً، خاصة في وقت يسعى فيه كيان يهود لتوسيع المستوطنات الجديدة في الضفة الغربية وزيادة المساحات الخاضعة لسيطرته في غزة. وهنا يجدر ذكر فكرة "إسرائيل الكبرى"، إذ ليس سراً أن كيان يهود لا يكتفي بالأرض المباركة فلسطين التي يحتلها حالياً، بل يخطط للاستيلاء على أجزاء من سوريا وتركيا والعراق وإيران. وثمة جانب آخر يدعو للأسف، وهو أن الوهم القائل بأن "المسلمين يتحدون" قد يتشكل لدى الأمة، ما قد يضعف حراكها المستقل لحل مشاكلها بنفسها والأخذ بزمام قضاياها المصيرية، وبالتالي قد تطول حالة الانتظار والتطلع لدى الأمة ويتفاقم الإحباط بين صفوفها.

 

وعلى الرغم من أن دور الولايات المتحدة في هذا الاتفاق يبدو وكأنها لم تصنعه بنفسها بشكل مباشر، إلا أن سير الأمور وفقاً لمخططاتها يُعدّ أمراً جلياً لمن يفكر بوعي. فهي تستمر من خلف الستار في توجيه الدول الخاضعة لنفوذها في المنطقة نحو المسار الاستراتيجي الذي يحقق مصلحتها. ويتناغم هذا النهج مع الاستراتيجية الجديدة التي تتبلور للولايات المتحدة في إطار حلف شمال الأطلسي (الناتو)، حيث تسعى واشنطن للحفاظ على تفوقها في ميزان القوى العالمي وتحجيم منافسيها الاستراتيجيين.

 

ومن هذا المنظور، فمن المؤكد أن إضعاف بلاد إسلامية ذات ثقل عسكري واقتصادي وجيوسياسي كبير مثل تركيا والسعودية وباكستان يُعدّ أمراً مريحاً للغرب من الناحية الاستراتيجية. وإن استدراج هذه الدول إلى أزمات إقليمية مختلفة، ولا سيما النزاعات العسكرية، سيؤدي حتماً إلى استنزاف طاقاتها الحالية والحد من قدرتها على التحرك المستقل.

 

كما يمكن ربط هذه الاستراتيجية بالعمليات الجارية في المجالات الاقتصادية واللوجستية. ففي الوقت الذي تسعى فيه الولايات المتحدة لتعزيز نفوذها على ممرات النقل والإمداد في المنطقة، فإن نشوب النزاعات المختلفة أو تفاقمها قد يُجبر الدول على سلك طرق بديلة. وفي هذا السياق بالذات تبرز الأهمية الاستراتيجية لممرات مثل "ممر زانجازور". لذلك، ينبغي عدم النظر إلى النزاعات العسكرية واللوجستية وميزان القوى الإقليمي كملفات منفصلة، بل كلوحة جيوسياسية واحدة.

 

الخلاصة: الهدف هو الحاسم، وليس اسم التحالف!

 

إن تقييم "اتفاقية مكة" على أنها "اتحاد لثلاث بلاد إسلامية من أجل الأمة" هو تقييم خاطئ ووهمي، بل إن من الأهمية بمكان إدراك من تخدم هذه الاتفاقية ولصالح أي مخطط استراتيجي تعمل.

 

إن اتحاد المسلمين ضرورة ملحة، ولكن هذا الاتحاد يجب ألا يكون تحت مخططات الغرب وراياته، بل تحت راية الإسلام، وبقيادة إمام واحد، وحول جيش دولة الخلافة. لأن تحول المسلمين إلى قوة سياسية وعسكرية حقيقية تتخذ قراراتها بأسلوب مستقل هو الخطر الاستراتيجي الأكبر بالنسبة للقوى الخارجية. يقول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾.

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

إسلام أبو خليل – أوزبيكستان

رابط هذا التعليق
شارك

Join the conversation

You can post now and register later. If you have an account, sign in now to post with your account.

زوار
اضف رد علي هذا الموضوع....

×   Pasted as rich text.   Paste as plain text instead

  Only 75 emoji are allowed.

×   Your link has been automatically embedded.   Display as a link instead

×   Your previous content has been restored.   Clear editor

×   You cannot paste images directly. Upload or insert images from URL.

جاري التحميل
×
×
  • اضف...