Jump to content
منتدى العقاب

العلمانية نشأتها وتطورها وآثارها في الحياة الإسلامية


Recommended Posts

21948207z.png

 

بداية أدعكم مع هذه المادة المصورة، ثم نفصل بمقتطفات من كتاب للشيخ سفر الحوالي....

 

 

 

 

الفصل الأول: أسباب العلمانية في العالم الإسلامي

 

أولاً: انحراف الأمة الإسلامية

الحديث عن تأخر الأمة الإسلامية وانحطاطها في القرون الأخيرة طويل ومتشعب، ولكن السمة البارزة في ذلك التأخر تلك التي تجعله يتدنى عن مستوى فترات الانحطاط السابقة هي الانحراف عن فهم الإسلام نفسه، وانحسار مفهوماته التصورية في معانٍ ضيقة ومدلولات محدودة، وهذا الانحراف هو نتيجة وسبب في آن واحد.

نتيجة للوهن الذي أصاب الأمة الإسلامية "حب الدنيا وكراهية الموت" والذل الذي ابتليت به عقوبة على ترك الجهاد بالمفهوم الواسع للكلمة، ومعلوم من فقه التربية الإيمانية أن الله يعاقب على الذنب بالذنب، وهي أقسى صنوف العقوبات. وهكذا عوقبت الأمة الإسلامية على انحرافها العملي والسلوكي بانحراف أشد منه في العقيدة والتصور.

وهو سبب لما تلاه من أحداث جسام ومخاطر جمة اجتاحت الرقعة الإسلامية من أقصاها إلى أدناها، نذكر منها على سبيل التمثيل:

الركود العلمي، العام الذي هيمن على الحياة الإسلامية في عصر كانت أوروبا فيه قد نفضت غبار الماضي وحثت الخطا على طريق الاكتشاف، والضعف المادي والمعنوي الذي جعل البلاد الإسلامية لقمة سائغة للكفار، وجعل أوروبا تلتهمها قطعة قطعة، حتى كادت تسيطر على الحرمين الشريفين! ولقد كانت هزيمة العثمانيين في (سان جونار )، وتقهقر المماليك السريع أمام نابليون مؤشراً واضحاً على هذين - أي الركود العلمي والضعف المادي والمعنوي- وبداية خطرة لنهاية الزعامة الإسلامية ليس على العالم بل على أرض الإسلام!

وحين نقول: إن هذا الانحراف هو سبب التدهور والانحطاط، فإننا لا ننسى العوامل الخارجية المتمثلة في تفوق الكفار علمياً وعسكرياً والحقد الصليبي الأعمى الذي بث سراياه الفكرية المضللة جنباً إلى جنب مع السرايا الاستعمارية، لكن المنطق الإسلامي الثابت يؤكد أنه مهما بلغت القوة الخارجية، ومهما كان التخطيط المضاد، فإن المسلمين لن يؤتوا إلا من قبل أنفسهم، حسب القاعدة المطردة التي سنها الله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الأنفال:35]

وأوضحها الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:{ ودعوت ربي ألا يهلك أمتي بسنة عامة، وألا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم حتى يقاتل بعضهم بعضاً }.

ولذلك من الطبيعي أن يكون حديثنا عن أثر هذا الانحراف في انتشار العلمانية في العالم الإسلامي أسبق وأولى من الحديث عن التخطيط -اليهودي- النصراني الذي لا ننكر دوره في نشرها، والذي لا يصح أن نغفل عنه أو نقلل قيمته.

وعلى سبيل الإجمال نستطيع أن نقول: كما أن العلمانية ظهرت في أوروبا نتيجة لتحريف الدين النصراني، فقد ظهرت في العالم الإسلامي نتيجة انحراف المسلمين.

أما مظاهر هذا الانحراف قيمكن إيجازها فيما يلي:

1-الانحراف في مفهوم الألوهية:

لن نتحدث -الآن- عن التضاد التام بين عقيدة لا إله إلا الله وبين العلمانية ، فلذلك الحديث موضع آخر، لكننا سنتناول بإيجاز الحالة الواقعة تاريخياً في العصور الأخيرة الإسلامية:

إن بعض علماء السلف يقسمون توحيد الألوهية قسمين متلازمين:

(أ) توحيد الطاعة والاتباع (الحاكمية).

(ب) توحيد الإرادة والقصد (العبادة).

وجرياً على هذا التقسيم سنجد أن حالة الأمة الإسلامية كان كما يلي

(أ)في الطاعة والاتباع (الحاكمية):

نسى المسلمون تلك القاعدة التوحيدية العظمى: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وغفلوا عن قوله تعالى: اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ [الأعراف:3]

وبذلك صرفوا هذا النوع من العبادة أو جزءاً منه إلى الحكام والولاة وعلماء المذاهب المتعصبين ومشايخ الطرق الصوفية ، بالإضافة إلى المشعوذين الذين تهيأ لهم الجو بما كان يسيطر على الأمة من جهل وسذاجة، وقد كانت الدول التي تتقاسم العالم الإسلامي ثلاث دول: الدولة المغولية في الهند ، والدولة الصفوية في فارس، ثم الدولة العثمانية في حوض البحر الأبيض المتوسط

.

وبالنسبة للدولة الصفوية يمكن القول بأنها كانت منحرفة انحرافاً يجعل انتسابها للإسلام اسمياً فقط، فقد كانت شيعية رافضية، وكان الحكم فيها يجري على آراء وأهواء علماء الشيعة المتعصبين، وكان الشغل الشاغل لملوكها مهاجمة الدولة العثمانية لا لشيء إلا لأنها سنية، وكان العوام يقدسون الملوك والعلماء جرياً على المذهب الرافضي الذي يجيز العصمة لغير الأنبياء.[585]

أما الدولة المغولية: فكانت باستثناء بعض الملوك مثل أورنك زيب جاهلة بحقيقة الإسلام، وكان فهمها له مختلطاً بكثير من الخرافات والتصورات الخاطئة، ولا غرابة في ذلك فإن المغول لم يعتنقوا الإسلام الصافي، بل دخلوا فيه على الصورة التي وجدوا الأمة الإسلامية تعيشها في أواخر العصر العباسي الثاني، حيث كانت الصراعات المذهبية والفكرية والطوائف الباطنية قد نخرت جسم الأمة مما هيأ لهم اكتساح العالم الإسلامي، وبعدها دخلوا في دين الأمة المغلوبة لا في صورته المثلى، بل في صورته القائمة يومئذ.

هذا الجهل بالإضافة إلى كون المسلمين أقلية بين الهندوس جعل إلغاء الشريعة الإسلامية من قبل الإنجليز لا يقابل بكبير معارضة، أما الدولة العثمانية: فعلى الرغم من كونها أصلح الدول الثلاث عقيدة وسلوكاً، فإنها كانت بعيدة عن منهج الخلافة الراشدة بعداً يزداد أو يقل حسب نوعية خلفائها.

إن أي باحث نزيه لا يستطيع أن ينكر مآثر الدولة العثمانية ومزاياها التي تستحق الثناء والتقدير، فهي التي جعلت المد الإسلامي في أوروبا الشرقية يبلغ مداه بعد أن فقد المسلمون بلادهم في أوروبا الغربية بسقوط الأندلس ، وهي التي كسرت الكماشة الأوروبية التي كادت تطبق فكيها على العالم الإسلامي، ولم تتمكن من ذلك إلا بعد انهيار الدولة العثمانية.

كما أن روح الحماس للدعوة الإسلامية، ونشر الدين الإسلامي في أوروبا إحدى مآثرهم التي خلدها التاريخ [586] .

غير أن هذه المآثر لم تجنب الدولة العثمانية الاستمرار في خط الانحراف الذي ورثته عن أسلافها، ثم الزيادة فيه بحسن نية ودون وعي، ومن مظاهر ذلك فيما يتعلق بأصول الحكم ومنهجه أن الدولة العثمانية كانت تطبق عملياً المذهب الحنفي بتعصب، وعارض علماؤها شيوخ الإسلام فتح باب الاجتهاد، ذلك الذي أغلق منذ القرن الرابع لأسباب ليس هذا مجالها، وتتمثل هذه المعارضة في العداء الذي واجهت به الدولة الحركات والأفكار التجديدية التي كانت تنبذ الجمود، وتدعو إلى الانطلاق الفكري المستمد مباشرة من الكتاب والسنة، كدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب 1206، والإمام الشوكاني 1250هـ والشيخ الألوسي [587] وغيرهم، وكان من النتائج السيئة لذلك ما يلي:

1-استمرار الحكم على طريقة الملك الجبرية الوراثية الذي ابتدأ في عهد الأمويين، وقد يقال: إن هذا الأمر أقره العرف، وله إيجابياته لا سيما في أسرة مجاهدة كآل عثمان، ولكن كان في الإمكان على الأقل أن يكون مبدأ الشورى هو القاعدة الأساسية للحكم مع استمرار الخلافة وراثية، أما أن تترك الأمور على تلك الحال فإن الطريق إلى الاستبداد والظلم مهيأة وهو ما حصل -فعلاً- من بعض السلاطين والولاة بصفة خاصة، ثم إن واقع الظروف العالمية كان يحتم ذلك، فقد كان معاصرو العثمانيين من أباطرة وملوك الغرب تضطرب عروشهم تحت مطارق الدعوات التحررية والمطالبة بالمشاركة في الحكم وحرية الشعب في اختيار الولاة... إلخ، فكان على الدولة العثمانية أن تتعظ بذلك، وتقطع الطريق على دعاة التغريب بالعودة إلى الأصول الإسلامية الراشدة، نعم حاولت الدولة ذلك، لكنها محاولة جاءت متأخرة، بل كانت في الواقع بضغط من دعاة التغريب أنفسهم، ولم تكن عملاً ذاتياً واعياً.

2-قصور الاستنباط الفقهي عن مجاراة الوقائع المحدثة: إن كون الشريعة الإسلامية منهجاً كاملاً شاملاً للحياة البشرية منذ نزولها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها -لا يخرج شيء من أحداثها ووقائعها مهما استجد، ومهما تغيرت الظروف والأحوال عن دائرتها الرحبة- لهو أمر بدهي في التصور الإسلامي، والشك فيه يعني بداهةً اتهام الباري -جل شأنه- بالنقص والبداء، ومن ثم فهو الكفر المحض.

وكون الحياة البشرية عرضة لتغيرات لا يدرك مداها أو وقائع حادثة لا يستطيع العقل البشري على الإطلاق أن يتصور أبعادها بحكم حجبه عن علم الغيب، يجعل المجتهد في الشريعة مهما كانت سعة أفقه ودقة نظره يظل محصوراً بواقع بيئته، وواقفاً عند النقطة التي وصلت إليها البشرية على خط سيرها الطويل.

هاتان الحقيقتان آمنت الأمة الإسلامية بأولاهما إيماناً جازماً، وغابت الثانية عن أذهان البعض متأثرين بالواقع الذي ظل قروناً عديدة راكداً لا جديد فيه.

ومن هذا البعض كان خلفاء وعلماء الدولة العثمانية الذين عارضوا فتح باب الاجتهاد أو قيدوه في دائرة التراث المأثور عن فقهاء الحنفية السابقين، وفي الوقت الذي كان الفقه فيها جامداً كانت الحياة حسب سنة الله جارية متطورة، وبذلك حدث لأول مرة في تاريخ المسلمين أن ضاقت دائرة الفقه الواقعي، بل والافتراضي[588] عن الإحاطة بأحداث الحياة كلها، وكان الذي ضاق -بطبيعة الحال- هو فقه المتون والحواشي، ولم تضق الشريعة نفسها، وما كان لها أن تضيق، يقول الشيخ محمد الغزالي :

' مع أن الزمن لا يقف، ومع أنه تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من فجور، ومع أن الجماعة الإنسانية تدخل في أطوار متباينة من ناحية العلاقات الدولية والأوضاع الإدارية والاقتصادية والسياسية، ومع ضرورة بقاء الدين مهيمناً على توجيه القافلة السائرة، مع هذا كله فإن التفكير الإسلامي الفقهي توقف في أغلب ميادين المعاملات إن لم يكن جمد فيها كلها، وأغلقت أبواب الاجتهاد بضعة قرون حتى انكسرت -أخيراً- تحت ضغط الحاجات الملحة، وصحب انكسارها فوضى منكرة في الفهم والتطبيق '

والمؤسف أن الذي حصل أول الأمر هو أن باب الاجتهاد لم يفتح ولم يكسر، بل استوردت القوانين الأجنبية الكافرة.

لكن الطريق الملتوية البطيئة التي سلكتها عملية الاستيراد، والتي كان حسن النية أحد أسباب تقبلها، لم تلفت الأنظار إلى خطورتها، فقد بدأت هذه الطريق باسم الإصلاح والتنظيم الذي تقتضيه الظروف الواقعية.

الجيش العثماني لم يعد يصلح أن يبقي مجموعات من المتطوعين يحملون السيوف ويمتطون الخيول، فالظروف العسكرية الدولية تقتضي وجود جيش منظم مدرب، يستخدم الوسائل الحديثة، ويفرغ نفسه لمهمة الجهاد.

ووضع اللوائح النظامية لهذا الجيش لم يك في مقدور مجلس العلماء، لأنه كان بعيداً عن مثل هذه الشئون التي يراها شكلية لا تستحق الاهتمام، كما أنه لم يك في مقدور قادة الجيش نفسه، لأن الجمود العلمي والذهني الذي ليس من الإسلام في شيء قد كاد يقضي على كل فرصة للتطور والإبداع، إذن ما الحل؟

لجأت الدولة العثمانية إلى ملوك أوروبا الذين كانوا لا يزالون في نظر العثمانيين حتى ذلك الحين خنازير حقيرة، يطلبون منهم إيفاد مدربين للجيش العثماني، وجاء المدربون من ألمانيا وفرنسا والسويد ، ولأول مرة في التاريخ الإسلامي يتولى تدريب وتنظيم الجيش الإسلامي خبراء كفرة

وكانت هذه هي البداية، ثم تلاها بعد ذلك ما تلاها.

عندما أريد إصلاح الجهاز الإداري استوردت -أيضاً- الطرائق الغربية في تقسيم الولايات وتنظيم وتحديد مسئوليات الولاة والقضاة، وعندما أريد إصلاح الجهاز التعليمي بنيت المدارس ووضعت المناهج على نمط، يحاكي النمط الأوروبي ويقتبس منه.

وعندما أريد إصلاح منهج الحكم أصر دعاة التغريب على أن تكون مجالس نيابية على الطريقة الغربية، وأن يوضع دستور مكتوب ذو قواعد وبنود على النمط الأوروبي، وكان لهم ما أرادوا.

وليس غرضنا -الآن- تفصيل هذه الأمور، ولكن القصد هو إيضاح أن توحيد الطاعة والاتباع انتقص من حقه بطريق غير واعية ولا مقصودة، لقد نتج عن ضيق الدائرة الفقهية وعن استيعاب الحياة أن ظلت القوانين المستوردة تحتل رويداً رويداً مواقع جديدة من الحياة الإسلامية دون أن تلفت النظر إلى خطورتها إلى أن جاء الوقت الذي أصبح اقتباس هذه القوانين أمراً مقرراً ومنهجاً لا غبار عليه.

ومن الإنصاف والحق أن نقول: إن تلك الاقتباسات كانت تأخذ صفة تنظيمية لا تشريعية، وهكذا كان يسميها العثمانيون تنظيمات، لكنها على أية حال مهدت الطريق إلى استيراد التشريعات -لا سيما- بعد تكوين (مجلس المبعوثان)

وبذلك نصل إلى الغرض الأساسي، وهو أن انحراف المسلمين بجهلهم بحقيقة دينهم وسنة الله في الحياة وعجزهم عن مسايرة الأحداث كانت المنفذ الرئيسي لتسرب العلمانية إلى الشرق المسلم

.

(ب) الانحراف في توحيد الإرادة والقصد (العبادة):

ظهرت الصوفية في العصر العباسي لأسباب تاريخية، منها ضعف الخلافة المركزية أو انحرافها، وانغماس الناس في الترف وانصرافهم عن الاهتمام بالدار الآخرة، غير أن الانحراف قد أصاب الفرق الصوفية بدرجة تتناسب تناسباً عكسياً مع قربها من التمسك بالسنة والاقتداء بـالسلف الصالح .

وكان من الأخطاء الأساسية في الفكر الصوفي النظرة العدائية إلى الحياة الدنيا، تلك التي يبدو أنها متأثرة بالفكر البوذي والفلسفة الإشراقية، وحدث أن أقبل العامة -بقيادة المتصوفين- على الطقوس والأوراد، وأقبل الحكام ومن في حواشيهم وركابهم على الشهوات والملذات! وهذا الخلط الصوفي الأحمق يعتبر أول صدع أصاب التفكير الإسلامي في صميمه، بل أول تصدع أصاب كيان الأمة الإسلامية -فيما بعد- بالانهيار، فقد نتج عن هذا الانفصام انحسار مفهوم العبادة في دائرة الشعائر والأذكار، بل في الحقيقة كان الالتزام بتلك النظرة يعني تعذر القيام ببعض أركان الإسلام لا سيما الزكاة.

والعبارة المنقولة عن بعض زعماء الصوفية عند سماع قوله تعالى: يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ [الأنبياء:20]

وهي ونحن ما بالنا نفتر؟! تنم في الواقع عن الجهل بحقيقة العبادة في الإسلام، وغاية الوجود الإنساني على الأرض التي أوضحها القرآن الكريم تفصيلاً.

بعد أن كان المسلم - أياً كان عمله الدنيوي - يستشعر في قرارة نفسه أنه يعبد الله تعالى، حتى وهو يكدح على عياله، وحتى وهو يطلب العلم أو يعلمه، وحتى وهو يجوب الأرض في طلب الرزق أو التعرف على المعمورة بلا انفصام أو ازدواجية، أصبح المريد -وقد انحصر مفهوم العبادة لديه في الصلوات والأذكار- يجد مساحة كبيرة من حياته فارغة، فيلجأ إلى الشيخ لتعبئة هذا الفراغ، وعندها يقوم الشيخ بتشريع ما لم يأذن الله به، فيكلف المريد بحفظ المتون الطويلة من الأوراد لترديدها، بآلاف التسبيحات، وأحياناً يكلفه بالسياحة في الأرض بلا زاد، ليقوي يقينه، ويصدق في توكله!! وبذلك أدى انحسار مفهوم العبادة إلى انحراف العبادة نفسها واستقائها من غير معين الكتاب والسنة.

ولندع الصوفية أنفسهم، ولننظر إلى أثرهم المعنوي في الأمة، كان ضمير الفرد العادي من العامة يستشعر الحيرة والألم، وهو يرى الناس فئتين:

فئة صالحة تعمل للآخرة وتتقرب إلى الله بأنواع الطاعات والقربات لكنها لا حظ لها من الدنيا،

وأخرى فاسقة عاصية مقصرة في حق الله تعالى تتمتع بملاذ الحياة ونعيمها،

ولا يكاد يرى لهاتين ثالثة، ويبدو الخيار أمامه صعباً، أيكون مع الأولى فيقضي على نفسه بالحرمان والفاقة، أو ينضم إلى الثانية فيقع في المحارم؟!

ومعظم الأمة بطبيعة الحال لم ينقطعوا عن الدنيا، لكنهم كانوا يعملون فيها والإحساس بالندم والذنب ينتابهم، لأنهم يرون أنهم لا يعبدون الله حين يقومون بذلك، وغاب عنهم أن ذلك جزء من الغاية العظمى التي خلقوا لأجلها!

وكل هذه الانحرافات وقعت قبل احتكاك الغرب اللاديني بالشرق، بل قبل قيام الدولة العثمانية

وعندما سيطر العثمانيون ازداد الأمر سوءاً، وتطورت الانحرافات، حتى توهم الناس أن العبادة نفسها هي بالدرجة الأولى ما يأمر به المشايخ والأولياء من البدع، ووقعت الأمة في شرك حقيقي بما كان السذج والجهلة -بل وبعض العلماء- يمارسونه من بدع الأضرحة والمشاهد والمزارات وتقديس الموتى والاعتماد عليهم في جلب النفع ودفع الضرر، ووصل الأمر إلى حالة مزرية جداً، حين كانت جيوش المستعمرين تقتحم المدن الإسلامية، والمسلمون يستصرخون السيد أو الولي الذي كان قد مضى على وفاته مئات السنين!

 

وامتد البلاء إلى الأربطة والثغور التي بنيت أساساً للجهاد ومقارعة الكفار، إذ تحولت إلى زوايا وتكايا للصوفية ، وفي أحسن الأحوال أصبحت مدارس علمية صرفة لا أثر للتربية الجهادية فيها، وحتى مناهجها التعليمية كانت متخلفة ومحدودة.

وبالإضافة إلى الصوفية ساعد الفقهاء المتأخرون وكتب الفقه المبوبة - من غير قصد- على مد هذا الانحراف بتقسيمهم الأحكام الشرعية إلى عبادات ومعاملات واضعين في القسم الأول الأحكام التعبدية المحضة، وفي الآخر الأحكام التعبدية المتعلقة بالنشاط الاجتماعي والاقتصادي وما شاكلها،

لم يقولوا ولم يعتقدوا أن القسم الثاني ليس عبادياً، لكنهم وضعوا القسمة لاعتبارات فنية اصطلاحية لا تمس جوهر الموضوعات، ولا أدل على ذلك من أن الكتب الفقهية المؤلفة في القرنين الأول والثاني، وكذلك كتب السنة -بصفة عامة- تخلوان من هذه القسمة،

غير أن هذا التقسيم أصبح -بعد ظهور وانتشار الصوفية وحدوث الانفصام العملي في الحياة الإسلامية- أصبح من دعائم هذا الانفصام، يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله:

'إن تقسيم النشاط الإنساني إلى عبادات ومعاملات مسألة جاءت متأخرة عند التأليف في مادة الفقه، ومع أنه كان المقصود به في أول الأمر مجرد التقسيم الفني، الذي هو طابع التأليف العلمي، إلا أنه -مع الأسف- أنشأ فيما بعد آثاراً سيئة في التصور، تبعته -بعد فترة- آثار سيئة في الحياة الإسلامية كلها، إذ جعل يترسب في تصورات الناس أن صفة العبادة إنما هي خاصة بالنوع الأول من النشاط الذي يتناوله فقه العبادات، بينما أخذت هذه الصفة تبهت بالقياس إلى النوع الثاني من النشاط الذي يتناوله فقه المعاملات! وهي انحراف بالتصور الإسلامي لا شك فيه، فلا جرم يتبعه انحراف في الحياة كلها في المجتمع الإسلامي '

وانبثق من هذا الانحراف، وواكبه انحراف في مفهوم آخر هو ركن من أركان الإيمان وهو القدر

:

الانحراف في مفهوم الإيمان بالقدر: 2-

لقد كتب أحد المستشرقين الألمان، وهو يؤرخ لحال المسلمين في عصورهم الأخيرة يقول:

'طبيعة المسلم التسليم لإرادة الله والرضا بقضائه وقدره والخضوع بكل ما يملك للواحد القهار، وكان لهذه الطاعة أثران مختلفان، ففي العصر الإسلامي الأول لعبت دوراً كبيراً في الحروب إذ حققت نصراً متواصلاً؛ لأنها دفعت في الجندي روح الفداء، وفي العصور الأخيرة كانت سبباً في الجمود الذي خيم على العالم الإسلامي، فقذف به إلى الانحدار وعزله وطواه عن تيارات الأحداث العالمية'

.

إن هذا الرجل -وهو كافر- أدرك هذه الحقيقة، حقيقة الفرق بين الإيمان بالقدر كما فهمه السلف ، وبين الإيمان الذي ابتدعه الخلف متأثرين بـالمتصوفة ، فالذنب ليس ذنب العقيدة بل ذنب المعتقدين.

وقد صاغ ذلك شاعر الإسلام محمد إقبال شعراً فقال:

من القرآن قد تركوا المساعي وبالقرآن قد ملكوا الثريا

إلى التقدير ردوا كل سعي وكان زماعهم قدراً خفياً

تبدلت الضمائر في إسار فما كرهوه صار لهم رضيا

 

- نعم لا شك أن ما أصاب المسلمين من ذل وهوان وهزائم معنوية وحسية كان بقدر الله الذي لا يقع في كونه إلا ما يريد، ولا يخفى عليه شيء بل سيان في علمه ما كان وما سيكون، لكن المسلمين في العصور الأخيرة حرفوا هذا المفهوم،فاتخذوا من الإيمان بالقدر مبرراً واهياً لعجزهم وانهيارهم متناسين أن أقدار الله إنما تجرى عليهم وفق سننه الثابتة التي أوضحها لهم،لكنهم غفلوا عنها وأهملوها، فالمسئولية مسئوليتهم وحدهم ولا يظلم ربك أحداً.

لقد انقلب التوكل الذي كان الباعث القوي لحركة الجهاد، والانطلاق في الأرض بأسباب الحياة، إلى تواكل رخيص مذموم سماه المتصوفة يقيناً، وسماه الآخرون قناعة، واحتسبه الكل عند الله.

يقول الإمام أبو حامد الغزالي (505هـ) - وهو يعد من معتدلي الصوفية - في بيان مقامات التوكل:

'الأول: مقام الخواص ونظرائه، وهو الذي يدور في البوادي بغير زاد ثقة بفضل الله تعالى عليه في تقويته على الصبر أسبوعاً وما فوقه، أو تيسير حشيش له أو قوت، أو تثبيته على الرضا بالموت إن لم يتيسر شيء من ذلك..

المقام الثاني: أن يقعد في بيته أو في مسجد، ولكنه في القرى والأمصار وهذا أضعف من الأول، ولكنه أيضاً متوكل لأنه تارك للكسب والأسباب الظاهرة معول على فضل الله تعالى في تدبير أمره من جهة الأسباب الخفية، ولكنه بالقعود في الأمصار يتعرض لأسباب الرزق'

وإذا علمنا أن هذا الكلام يكتب، والحملات الصليبية على أشدها أدركنا مدى الانحراف...

لقد استسلم المسلمون لنوم طويل محتجين بالقدر، فلم يوقظهم إلا هدير الحضارة الغربية وهي تدك معاقلهم وتقتحم حصونهم، وكانت المفاجأة المذهلة التي زعزعت إيمان الأمة بدينها، وهو الإيمان الذي كان خامداً بارداً لا حراك له، وفي لحظة الانبهار والانذهال هذه، قال المستشرقون والمبشرون وأذنابهم: إن الدين -وعقيدة القدر خاصة - هو سبب التأخر والجمود في العالم الإسلامي، وصدقهم المغفلون الذين كانوا لا يعرفون من شعائر الدين إلا ما رسمه لهم مشايخ الطرق من صلوات وأوراد، ولا من قواعده إلا أن من الإيمان أن يرضى المرء بما كتب له على المفهوم الخاطئ لها،

وباسم الزهد في الدنيا والاستسلام الخانع للذل والفقر تحت ستار الإيمان بالقدر وهما ما تطوعت به الطرق الصوفية وشجعته البيئة الجاهلة المنحطة، تقهقرت الحضارة الإسلامية وذبلت، حتى لفظت أنفاسها على يد الغزو العسكري والحضاري القادم من الغرب.

ذلك أن المعادلة الخاطئة التي كانت تقول: إن الصلاح قرين الفقر، والفساد صنو الغنى، قد تطورت واتخذت بعد اليقظة المنبهرة شكلاً آخر، فأصبحت تقول:

إن الكفر والدنيا قرينان، والدين والتأخر قرينان.

وكان هذا هو الظاهر من حال أوروبا والعالم الإسلامي في أوهام العامة، إن أوروبا كافرة وبيدها مقاليد الدنيا، ونحن مسلمون - على المفهوم الخاطئ طبعاً للإسلام، وفي الوقت نفسه متأخرون.

وليس من شأننا -الآن- مناقشة هذه الأفكار، وإنما هدفنا أن نعرضها بإيجاز بالغ لنصل إلى النتيجة النهائية، وهي أن هذا الانحراف في التصورات الإسلامية كان المنفذ الذي تسربت منه العلمانية كإحدى مظاهر الغزو الفكري، لتقول للناس: إن الدين لا علاقة له بالحياة ولا بالسلوك العملي، وإنما هو رابطة قلبية بين العبد وربه يستحق بها النجاة والفوز في العالم الأخروي.

صحيح أن العلمانية فكرة أجنبية، وفدت إلينا مع الاستعمار، ودعمت بأذياله ومؤسساته الظاهرة والخفية، ولكن شيئا من ذلك ما كان ليحدث لولا أننا كنا مصابين بما أسماه مالك بن نبي قابلية الاستعمار أو كما سماه العلامة المودودي قابلية الاستعباد

ولا أدل على ذلك من أن الأمة الإسلامية تعرضت للغزو الصليبي، ثم لهجمة التتار الشرسة، وخسرت المعركة سنين طويلة، غير أنه لم يدر بخلدها أن تخنع للأمة الغالبة أو أن تقتبس شيئاً من مناهجها ونظمها وتقاليدها؛ ومع استيعابنا لهذه الحقيقة نورد نماذج من المسلمين المفتونين بالحضارة الغربية باعتبارهم دعامة من الدعامات الأساسية التي ارتكزت عليها العلمانية في العالم الإسلامي

نماذج لتقبل المسلمين الذاتي للأفكار العلمانية :

لقد سبق الحديث عن الثورة الفرنسية وطبيعتها اللادينية والأثر التلمودي فيها، كما أننا تحدثنا عن المذهب الطبيعي الفيزيوقراطي في فصل السياسة والاقتصاد، وفي فصل الصراع بين الدين والعلم، عرضنا أيضاً للفلاسفة الطبيعيين وآرائهم.

والآن لنقرأ هذه الاقتباسات من كلام شيخ مسلم درس في فرنسا لنرى كيف أنه يذكرنا بما سبق الحديث عنه هناك، وكأنما هو يترجم مع الشرح عبارات روسو وفولتير التي أوردنا نماذج منها سلفاً.

 

يتبع بإذن الله...

Link to comment
Share on other sites

ومن زوال علم أصول الفقه، وما اشتمل عليه من الضوابط والقواعد جزم بأن جميع الاستنباطات العقلية التي وصلت عقول أهالي باقي الأمم المتمدنة إليها، وجعلوها أساساً لوضع قوانين تمدنهم وأحكامهم قل أن تخرج عن تلك الأصول التي بنيت عليها الفروع الفقهية التي عليها مدار المعاملات، فما يسمى عندنا بعلم أصول الفقه يشبه ما يسمى عندهم بالحقوق الطبيعية أو النواميس الفطرية، وهو عبارة عن قواعد عقلية تحسيناً وتقبيحاً، يؤسسون عليها أحكام المدنية،

وما نسميه بالعدل والإحسان يعبرون عنه بالحرية والتسوية، وما يتمسك به أهل الإسلام من محبة الدين والولع بحمايته مما يفضلون به عن سائر الأمم في القوة والمنعة يسمونه محبة الوطن،

ولما كانت أعمال كل نوع من أنواع المخلوقات، وكل عضو من أعضاء فرد ذلك النوع منقادة لنواميس طبيعية عمومية خصته به الحكمة الإلهية كان لا يمكن مخالفة هذه النواميس بدون اختلال للنظام العام والخاص، وهذه النواميس الطبيعية التي خصت بها العالم القدرة الإلهية عامة للإنسان وغيره، فينبغي للإنسان ألا يتجارى على هذه الأسباب ويتعدى حدودها، حيث أن المسببات الناتجة عنها منتظمة محققة، فعلى الإنسان أن يطبق أعماله على هذه الأسباب التي تقدم ذكرها، ويتمسك بها وإلا عوقب عقاباً إلهياً لمخالفة خالق هذه الأسباب،

وأغلب هذه النواميس الطبيعية لا يخرج عنها حكم الأحكام الشرعية، فهي فطرية خلقها الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مع الإنسان، وجعلها ملازمة له في الوجود، فكأنها قالب له نسجت على منواله وطبعت على مثاله، وكأنما هي سطرت في لوح فؤاده بإلهام إلهي بدون واسطة، جاءت بعدها شرائع الأنبياء بالواسطة وبالكتب التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، فهي سابقة على تشريع الشرائع عند الأمم والملل، وعليها في أزمان الفترة تأسست قوانين الحكماء الأول وقدماء الدول، وحصل منها الإرشاد إلى طرق المعاش في الأزمنة الخالية، كما ظهر منها التوصل إلى نوع من انتظام الجمعيات التأنسية عند قدماء مصر والعراق وفارس واليونان ، وكان ذلك من لطف الله تعالى بالنوع البشري حيث هداهم لمعاشهم بظهور حكماء فيهم؛ يقننون القوانين المدنية -لا سيما الضرورية- لحفظ المال والنفس والنسل'

ويقول في مؤلف آخر مثنياً على الدستور الفرنسي "الشرطة": 'فيه أمور لا ينكر ذوو العقول أنها من باب العدل... معنى الشرطة اللغة اللاتينية ورقة، ثم تسومح فيها، فأطلقت على السجل المكتوب فيه الأحكام المقيدة، فلنذكره لك وإن كان غالب ما فيه ليس في كتاب الله تعالى ولا في سنة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لتعرف كيف قد حكم عقولهم بأن العدل والإنصاف من أسباب تعمير الممالك وراحة العباد، وكيف انقادت الحكام والرعايا، لذلك عمرت بلادهم، وكثرت مصارفهم، وتراكم بناهم، وارتاحت قلوبهم، فلا تسمع فيها من يشكو ظلماً أبداً، والعدل أساس العمران'

 

ويقول شيخ آخر معاصر له بوجوب (تحذير ذوي الغفلات من عوام المسلمين عن تماديهم في الإعراض عما يحمد من سيرة الغير الموافقة لشرعنا بمجرد ما انتقش في عقولهم من أن جميع ما عليه غير المسلم من السير والتراتيب ينبغي أن يهجر، وتآليفهم في ذلك يجب أن تنبذ ولا تذكر(

وهو يعني بذلك اقتباس الطرائق الغربية في الحكم كالدستور المدون والمجالس النيابية... إلخ، إذ يقول عن الممالك الأوروبية:

 

'وإنما بلغوا تلك الغايات والتقدم في العلوم والصناعات بالتنظيمات المؤسسة على العدل السياسي وتسهيل طرق الثورة، وملاك ذلك كله الأمن والعدل اللذان صارا طبيعة في بلدانهم، وقد جرت عادة الله (كذا) في بلاده أن العدل وحسن التدبير والتراتيب المحفوظة من أسباب نمو الأموال والأنفس والثمرات'.

ويقول مؤيداً ومستشهداً: 'سمعت من بعض أعيان أوروبا ما معناه (إن التمدن الأورباوي تدفق سيله في الأرض، فلا يعارضه شيء إلا استأصلته قوة تياره المتتابع، فيخشى على الممالك المجاورة لـأوروبا من ذلك التيار إلا إذا أخذوه وجروا مجراه في التنظيمات الدنيوية، فيمكن نجاتهم من الغرق'

أما جمال الدين الأسد أبادي المشهور بـالأفغاني ، فهول يقول بصراحة:

'إن الأمة هي مصدر القوة والحكم، وإرادة الشعب هي القانون المتبع للشعب، والقانون الذي يجب على كل حاكم أن يكون خادماً له وأميناً'

 

ويقول أحد المتأثرين به وهو عبد الله النديم : 'ولئن قيل إن التجارب دلتنا على أن الشورى لا تنجح في الشرق، أو أن الشرقيين غير عقلاء كما يزعم محبو الأثرة والانفراد بالتسلط، قلنا: إن الشرقي مع الغربي في الخلق يرد هذه الدعوى الباطلة، وإنما ثار الغربيون على العمل بالشورى، وأخذوا يصححون الأغاليط، ويراجعون الأخطاء، ويتبادلون الجدل عن عزائم صادقة حتى تربت الملكات، وتصورت المطالب أمامهم بصور الواقعيات'

 

ومن أوضح الأدلة على تأثر المسلمين بالغرب وتقبلهم للفكر الدخيل، ما نراه في كلام جمال الدين المذكور وتلامذته من محاولة - لعلها الأولى في التاريخ الإسلامي - للتقريب بين الإسلام والمذاهب البشرية الوضعية، فهو يقول عن الاشتراكية : 'وهكذا دعوى الاشتراكية ...، وإن قل نصراؤها اليوم فلا بد أن تسود في العلم يوم يعم فيه العلم الصحيح، ويعرف الإنسان أنه وأخاه من طين واحد أو نسمة واحدة، وإن التفاضل إنما يكون بالأنفع من المسعى للمجموع'.

ويقول: 'أما الاشتراكية في الإسلام فهي ملتحمة مع الدين الإسلامي ملتصقة في خلق أهله منذ كانوا أهل بداوة وجاهلية، وأول من عمل بـالاشتراكية بعد التدين بالإسلام هم أكابر الخلفاء من الصحابة، وأعظم المحرضين على العمل بـالاشتراكية كذلك من أكابر الصحابة أيضاً'.

أما تلميذه الشيخ محمد عبده ، فيستحسن الأنظمة الجمهورية النيابية، معتقداً أنها هي الوسيلة الحديثة للشورى الإسلامية، يقول: 'والمبايعة لا تتوقف صحتها على الشورى، ولكن قد يحتاج فيها إلى الشورى لأجل جمع الكلمة على واحد ترضاه الأمة، فإذا أمكن ذلك بغير تشاور بين أهل الحل والعقد كأن جعلوا ذلك بالانتخاب -المعروف الآن- في الحكومة الجمهورية، وما هو في معناها حصل المقصود'

 

ونحن لا نورد هذه الأقوال إلا لغرض واحد هو بيان انبهار الأمة الإسلامية بالغرب ونظمه، واستعدادها الذاتي للتلقي عنه تلقياً تدل هذه الشواهد وغيرها أنه لن يكون فيه تمييز ولا اختيار، وإذا كان هؤلاء وأمثالهم تطوعوا بتسويغ النظم اللادينية في أمتهم، وهيئوا النفسية الإسلامية لتقبلها مندفعين بدوافع نفسية ذاتية

- وهو أمر قابل للجدال-

 

فقد جاء بعدهم أناس مغرضون صرحاء اتخذتهم القوى المتآمرة على الإسلام أصابع لمخططاتها ومعاول لهدم الكيان المادي والمعنوي للأمة الإسلامية، وهؤلاء نؤجل الحديث عنهم إلى فصوله المناسبة على أن الدلالة المشتركة بين أولئك وهؤلاء هي أن الأمة الإسلامية نفسها هي المسئولة أولاً وآخراً عن الغزو الفكري والحرب النفسية الشرسة على الإسلام، والتي كانت دعاوى العلمانية إحدى طلائعها.

 

 

ثانياً: التخطيط اليهودي الصليبي

ليس في تاريخ العداوات عداوة تماثل في شراستها وأبديتها ذلك النوع الذي تواجه به طوائف اليهود والنصارى الأمة الإسلامية.

إن هذه العداوات المتغلغلة العميقة ليس موضوعها خلافاً مذهبياً ولا نزاعاً سياسياً، ولا مطامع اقتصادية، أي أنها باختصار: ليست مما يمكن تسويته واجتثاث آثاره.

 

ولا يفلح في تعليلها ما يقوله المستشرقون ومنهم (جب ) من أنه (حدث قبل في حياة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن بدأت تتشابك سيوف المسلمين والمسيحيين وظلت كذلك حتى اليوم ولهذا ظل العالم المسيحي الأوروبي عدو الإسلام الألد) لأن هذه الحروب نتيجة وليست سبباً وإلا فما الداعي لنشوب هذه الحروب أصلاً؟

وكم عرف التاريخ من حروب أعقبتها صداقات وعلاقات، إن القضية أبعد من ذلك وأعمق.

إنها قضية حق وباطل، نور وظلام، يقين وخرافة، ومن هنا كانت الشقة بعيدة وكان اللقاء مستحيلاً.

ومع إدراكنا لهذا فلا علينا أن نتحدث عن الدور الذي أدته الحروب الصليبية في هذا الشأن، المهم أن نبحثه باعتبارها مظهراً للعداوة لا علة فيها، إن العلاقة بين البلاد الإسلامية وبين أوروبا خاصة -بصفتها مهد العلمانية - لا يمكن أن تدرس بغير الحروب الصليبية.

 

فهذه الحروب أضفت على تلك العداوة الأبدية الراسخة مظهراً جديداً، وأذكت فيها روحاً مغايرة، وبذلك اختلفت آثارها ونتائجها عن الحروب السابقة الأخرى التي لم تنطفئ قط.

ولذلك الأمر سبب نفسي يتعلق بوجود أوروبا وتكوينها السياسي والاجتماعي والحضاري بصفة عامة، وهو أن الحروب الصليبية (حدثت في أثناء طفولة أوروبة في العهد الذي كانت فيه الخصائص الثقافية قد أخذت تعرض نفسها وكانت لا تزال في طور تشكلها، والشعوب كالأفراد، إذا اعتبرنا أن المؤثرات العنيفة التي تحدث في أوائل الطفولة تظل مستمرة ظاهراً أو باطناً مدى الحياة التالية، وتظل تلك المؤثرات محفورة حفراً عميقاً حتى أنه لا يمكن للتجارب العقلية في الدور المتأخر من الحياة والمتسم بالتفكير أكثر من اتسامه بالعاطفة أن تمحوها إلا بصعوبة، ثم يندر أن تزول آثارها تماماً.

 

وهكذا كان شأن الحروب الصليبية فإنها أحدثت أثراً من أعمق الآثار وأبقاها في نفسية الشعب الأوروبى، وإن الحمية الجاهلية العامة التي أثارتها تلك الحروب في زمنها، لا يمكن أن تقارن بشيء خبرته أوروبة من قبل، ولا اتفق لها من بعد، لقد اجتاحت القارة كلها موجة من النشوة كانت -في مدة على الأقل- عنفواناً تخطى الحدود التي بين البلدان والتي بين الشعوب والتي بين الطبقات، ولقد اتفق في ذلك الحين، وللمرة الأولى في التاريخ أن أوروبة أدركت في نفسها وحدة، ولكنها وحدة في وجه العالم الإسلامي،

ويمكننا أن نقول من غير أن نوغل في المبالغة: إن أوروبا ولدت من روح الحروب الصليبية...، ولدت (فكرة المدنية الغربية) وأصبحت هدفاً واحداً تسعى إليه جميع الشعوب الأوروبية على السواء، وكانت تلك المدنية الغربية عداوة للإسلام وقفت عُرّاباً في هذه الولادة الجديدة.

هذا التحليل العميق الواعي يقضي على كل التساؤلات حول استمرارية العداوة بين أوروبا والمسلمين، ويلغي زيف الشبهات التي تقول: إن عداوة أوروبا تنطلق من دوافع غير دينية، أو أن الحروب الصليبية نفسها كانت حرباً اقتصادية!

 

لقد تلا الحروب الصليبية تصفية الوجود الإسلامي في الأندلس بصفة لا نظير لها في التاريخ، ثم كان سقوط القسطنطينية في أيدي المسلمين حادثاً رهيباً أذهب عن أوروبا حلاوة انتصارها في الأندلس ، وبعدها جاءت طلائع الحروب الصليبية متخفية برايات المكتشفين الجغرافيين، ثم جاءت الروح الصليبية كامنة في مدافع نابليون ، التي تضعنا على أول محاولة ضخمة من أوروبا الحديثة لاستئصال شأفة الإسلام وبذر جذور اللادينية في أبنائه، والحق أن الجنرال اللنبي لم يكن أكثر صراحة حين وقف على جبل الزيتونة في الحرب العالمية الأولى قائلاً:

"الآن انتهت الحروب الصليبية"

 

كما أن الواقع التاريخى يؤكد أن هذه الحرب لن تنتهي، وأن الذي خدع بعض المستغفلين هو اختلاف فصولها ومظاهرها.

وها هو (جان بول رو ) يقرر ذلك قائلاًَ:

)لقد اعتدنا أن نتحدث عن ثمان حملات صليبية الأولى بدأت منها 1096م، والأخيرة انتهت 1270 غير أن هذا التقسيم لا يبدو متجاوباً كثيراً مع الواقع، ويمكننا أن نزيد هذا العدد إذا أخذنا بعين الاعتبار جميع الدفعات التي وجهت إلى الشرق(

فقد قذف بملايين الأوروبيين إلى شواطئ الشرق، ومهمتهم: تغيير المعتقدات الشرقية ومن أجل الوصول إلى ذلك كان عليهم أن يخربوا هذا الشرق

نعم إن الهدف هو (تغيير المعتقدات الشرقية) التي هي بطبيعة الحال الإسلام، فمادام هذا الهدف لم يتحقق فإن الحملات هي كلها صليبية والعداوات كلها صليبية.

يؤكد ذلك (رو ) قائلاً: (لم يكن القضاء على الدولة العثمانية إلا مظهراً من مظاهر الهجوم العام الذي يشنه الأوروبيون على الدول الإسلامية، ومن جزر الفلبين إلى قلب أفريقيا عمل الرجل الأبيض على بسط سيطرته على الرجل المسلم وفرض عليه مفاهيمه في الوجود وطرق معيشته وتفكيره ومخططاته وتكتيكه).

ويقول (رو):

(إن الحرب بين الإسلام والمسيحية دامت ثلاثة عشر قرناً) وقسمها إلى أربع مراحل رئيسية، جاعلاً المرحلة الرابعة منها هي (طرد الأتراك ممن ممتلكاتهم والقضاء على قوة الإسلام في آسيا الوسطى ، وفرض الاستعمار أو الحماية على القسم الأكبر من ديار الإسلام)

ولم لا يكون الأمر كذلك، وأول عمل قام به الإنجليز في الهند هو إلغاء الشريعة الإسلامية، وأول عمل قام به نابليون في مصر هو تعطيل الشريعة وإحلال القانون الفرنسى محلها، وأول عمل قام به أذناب المخطط اليهودي الصليبي في تركيا هو إلغاء الشريعة الإسلامية، ثم إعلان تركيا دولة لادينية !!

ومنذ أن أحكمت اليهودية العالمية أنشوطتها على العالم الغربي، وأوقعته أسيراً في شباكها الأخطبوطية، اتخذت العداوة مساراً واحداً تحفزه الروح الصليبية وتوجهه الأفعى اليهودية، فقد تشابكت وتداخلت مصالح الطرفين، وكان الغرب الصليبـي مستعداً للتخلي عن كل حقد وعداوة إلا عداوته للإسلام، في حين كانت الخطط التلمودية تروم تسخير العالم الصليبي -بعد أن شلت قواه وركبت رأسه- للقضاء على عدوها الأكبر الإسلام.

ولتوضيح ذلك نكتفي بتقرير المستشار الأول للرئيس الأمريكي جونسون سنة 1964م، ومعلوم خضوع رؤساء أمريكا للضغط اليهودي، وهو يعطينا -بالإضافة إلى ما أشرنا إليه- لمحة عامة عن الخطة العلمانية في العالم الإسلامي وآثارها المجملة.

يقول التقرير:

...) يجب أن ندرك أن تلك الخلافات بين إسرائيل والعرب، لا تقوم بين دول أو شعوب بل تقوم بين حضارات)

لقد كان الحوار (الصراع) بين المسيحية والإسلام محتدماً على الدوام منذ القرون الوسطى بصورة أو بأخرى! ومنذ قرن ونصف خضع الإسلام لسيطرة الغرب، أي: خضعت الحضارة الإسلامية للحضارة الغربية، والتراث الإسلامي للتراث المسيحي! وتركت هذه السيطرة آثارها البعيدة في المجتمعات الإسلامية، حتى بعد انتهاء أشكالها السياسية، بحيث جعلت المواطن العربى يواجه معضلات ومشكلات هائلة وخطيرة، في السياسة والاجتماع والاقتصاد والعلم، لا يدري كيف يتفاعل معها في علاقاته الداخلية والخارجية على السواء

 

)لقد تحرر حقاً من سيطرة الغرب السياسية لكنه لم يستطع التحرر من سيطرة الغرب الحضارية! إن ثروته البترولية تصنع وتسوق بالعقول الغربية والأساليب الغربية والآلة الغربية، إن الجيوش العربية التي هي مصدر غروره القومي تستعمل السلاح الغربي، وترتدي البزة الغربية بل وتسير على أنغام الموسيقى الغربية، حتى إن ثورته على الغرب مستمدة من المبادئ والقيم والمفاهيم الغربية التي تعلمها من الغرب، حتى أن معرفته بتاريخه وحضارته وتراثه تعزى إلى المثقفين الغربيين)

 

إن غلبة الحضارة الغربية في الشرق - وهي العدو القديم للحضارة الإسلامية- قد أورثت العربي المسلم الشعور بالضعة والمهانة والصغار أمام طغيان تلك الحضارة التي يمقتها ويحترمها في نفس الوقت).

(لقد استطاعت بعض الدول الشرقية كـتركيا وإيران تطوير علاقتها بالدول الغربية على أساس مصالحها القومية،

لكن السياسة الغربية ما تزال تعيش على أحلام وأمجاد وأوهام الامبراطورية الإسلامية، التي كانت تقسم العالم إلى قسمين متعارضين متناقضين، يعادي أحدهما الأخر ويضمر له الشر هما: (دار الإسلام) -أي: الامبراطورية الإسلامية- ودار الحرب أي: أعداء تلك الامبراطورية على أساس الحديث (الكفر ملة واحدة).

وتجدر الإشارة إلى أن خطة العمل الموحد المشترك بين الصليبية واليهودية أصبحت لزاماً وواجباً مشتركاً على كلا الطرفين بعد الموقف الصلب الذي واجه به السلطان عبد الحميد -رحمه الله- هرتزل ، إذ تعين بعدها أن القضاء على الخلافة الإسلامية ضروري لمصلحة الفريقين

النصارى الذين كانت دولهم الاستعمارية تتحين الفرصة للأخذ بثأر الحروب الصليبية، واليهود الذين أيقنوا أن فشلهم مع السلطان يستوجب التركيز على العالم الصليبي وتسخيره لمآربهم التلمودية،

وبلغت الخطة ذروة التوحد بعد قرار المجمع المسكوني الذي ينص على تبرئة اليهود من دم المسيح -عليه السلام- والذي كان يهدف إلى محو كل أثر عدائي مسيحي لليهود، وبالتالي إيجاد كتلة يهودية نصرانية واحدة لمجابهة الإسلام وإذا كانت العداوة لم تتغير ولم تتبدل فإن الخطة تغيرت كثيراً.

الحروب الصليبية التي كان قوامها مجموعات من الأوباش والهمج، كانت خطتها عسكرية بحتة وهدفها تدمير الكيان الإسلامي بالقوة.

والحروب الصليبية الاستعمارية كانت خطتها تقوم على هدف القضاء على الإسلام، ولكن بواسطة احتلال أراضيه احتلالاً مباشراً، والمستشرق (كيمون ) الذي كان يفكر بعقلية الحروب الصليبية يضع للعالم الغربي خطة لتدمير الإسلام يقول فيها:

(أعتقد أن من الواجب إبادة خمس المسلمين والحكم على الباقين بالأشغال الشاقة، وتدمير الكعبة، ووضع قبر محمد وجثته في متحف اللوفر ).

والمبشر بالكراف يقول: (متى توارى القرآن ومدينة مكة عن بلاد العرب، يمكننا حينئذٍ أن نرى العربي يتدرج في سبيل الحضارة التي لم يبعده عنها إلا محمد وكتابه)

ولعل هذا التفكير البربري يستمد دلالته من إنهاء الوجود الإسلامي في الأندلس ، ويطمع في أن يتكرر ذلك في المشرق.

ولكن كان هناك تفكير ذكي اتعظ بالهزائم العسكرية المتلاحقة التي مني بها الغرب، ونقب عن السر العظيم لصلابة المسلمين وانتفاضتهم المفاجئة، ووجد السر فعلاً إنه الإسلام نفسه ولا شيء سواه.

ووضع خطته الخبيثة بناءً على هذه النتيجة، خطة لا تقوم على إبادة المسلمين ولا على احتلال أراضيهم، وإنما تقوم على إبادة الإسلام نفسه واقتلاعه من نفوس أبنائه وضمائرهم، أو تقليص دائرته وعزله عن واقع الحياة.

وإذ تحول الصراع من حرب المسلمين إلى حرب العقيدة الإسلامية ذاتها؛ تغيرت ملامح وجوانب المعركة: لم يعد ميدانها الرئيسي الأرض، ولكنه الأدمغة، ولم تعد وسيلتها الوحيدة السيف بل الفكر، ولم تعد جيوشها الأساطيل والفرق ولكنها المؤسسات والمناهج بالدرجة الأولى.

وأكبر احتياطات هذه الحرب هو التكتم الشديد عن ذكر الإسلام، أو التصريح بعداوة المسلمين،

ولتتخذ المعركة ما شاءت من أسماء وشعارات بعد ذلك، لتوصف بأنها معركة بين الشرق والغرب، أو بين اليمين واليسار، أو بين المصالح القومية ، ولتنعت بأي شيء عدا وصفها بأنها (دينية)،

لأن هذا الوصف جدير باستثارة الحمية الجهادية، واستثارتها تعني فشل الخطة برمتها، وتكرار مأساة حطين من جديد.

وأول من لفت أنظار العالم الغربي الصليبي إلى هذه الخطة هو القديس لويس ملك فرنسا ، وقائد الحملة الصليبية الثانية الذي هزم وأسر في المنصورة ، ثم افتدى نفسه وعاد إلى بلاده ليوصي بني ملته بنصيحته الغالية: يقول مؤرخو الغرب، وعلى رأسهم المؤرخ (جونفيل ) الذي رافق لويس التاسع :

( إن خلوته في معتقله بـالمنصورة ، أتاحت له فرصة هادئة ليفكر بعمق في السياسية التي كان أجدر بالغرب أن يتبعها إزاء العرب المسلمين).

فماذا ارتأى لويس بعد أن فكر وقدر؟

لقد كانت معالم سياسته الجديدة واتجاهاتها وأسسها على النحو التالي:

أولاً: تحويل الحملات الصليبية العسكرية إلى حملات صليبية سلمية تستهدف ذات الغرض، لا فرق بين الحملتين إلا من حيث نوع السلاح الذي يستخدم في المعركة.

ثانياً: تجنيد المبشرين الغربيين في معركة سلمية لمحاربة تعاليم الإسلام ووقف انتشاره، ثم القضاء عليه معنوياً، واعتبار هؤلاء المبشرين في تلك المعارك جنوداً للغرب.

ثالثاً: العمل على استخدام مسيحيي الشرق في تنفيذ سياسة الغرب.

رابعاً: العمل على إنشاء قاعدة للغرب في قلب الشرق العربي، يتخذها الغرب نقطة ارتكاز له ومركزاً لقواته الحربية ولدعوته السياسية والدينية، ومنها يمكن حصار الإسلام والوثوب عليه كلما أتيحت الفرصة لمهاجمته.

(وقد عين لويس التاسع لإنشاء هذه القاعدة الأراضي الممتدة على ساحل البحر الأبيض من غزة حتى الإسكندرية ، وتشمل فلسطين والأردن والبلاد المقدسة ثم لبنان ...)

وقد قدر هذه النصيحة حفيده نابليون الذي أصدر عقب احتلاله لـمصر بياناً افتتحه ببسم الله الرحمن الرحيم

وقال فيه:

(إن الفرنسيين أنصار النبي قد قهروا البابا، فرسان مالطة فليصدقنا المصريون إذا قلنا: إننا حقاً مسلمون.

إذا لم توافقوا على آرائي فاسمحوا لي على الأقل أن أتوسل إليكم حامياً وصديقاً للإسلام، ولا يهمني أن تعترفوا بي مسلماً حقيقياً أو تنكروا وجودي بتاتاً فشعوري نحو عبيد الله لن يتغير)

بل حاول تشييد جامع كبير باسمه، وكان يرتدي العمامة ويحضر احتفالات المولد... إلخ.

أما أعماله الحقيقة التي قدم لأجلها من بلاده فما كانت لتخفى على بصير، والدرس نفسه وعته بريطانيا عندما وقف رئيس وزرائها جلادستون في مجلس العموم البريطاني، يتحدث عن خطة الاستعمار البريطانى في العالم الإسلامي، فقال:

(ما دام هذا القرآن موجوداً بين أيدي المسلمين فلن تستطيع أوروبة السيطرة على الشرق، ولا أن تكون هي نفسها في أمان) .

من هذا المنطلق الماكر بدأت المخططات لإخراج الأمة الإسلامية من دينها، وتعريتها من مقومات وجودها، وحملها -كما يقول جب - على العلمانية وانتظمت جيوش الغزو في ثلاثة أجنحة كبرى هي:

1- قوى الاحتلال المباشر.

2- المستشرقون .

3- المبشرون كما يسمون.

ويجب أن نضيف جناحاً رابعاً هو: الطوائف اليهودية والنصرانية والباطنية في العالم الإسلامي.

 

1- قوى الاحتلال المباشر:

قدمت جيوش الاحتلال العسكري إلى العالم الإسلامي تقودها عقليات غير العقلية البربرية الصليبية، فهي تتمتع بقسط كبير من الدهاء والخبث، وهي تعرف سلفاً أن لها مهمة أعظم من مهمة أجدادها، وأن نجاح هذه المهمة يتوقف على الدقة في تنفيذ الخطة الجديدة.

وقد قطفت أولى ثمرات الخطة عندما استطاعت أن تحارب جيوش الدولة العثمانية بأناس مسلمين، ساروا في ركاب اللنبي حتى فتح القدس .

وهي أول حرب صليبية في التاريخ يكون قوامها مغفلون منتسبون إلى الإسلام! وبمقتضى اتفاقية (سايكس - بيكو) توزعت عساكر الصليبيين الجدد العالم الإسلامي عدا أجزاء قليلة، وابتدأت دوائر الاستعمار تنفذ مخططها المرسوم، وتتلخص جهود هذا النجاح فيما يلي:

1- القضاء على الحركات الإسلامية الجهادية كحركة المهدي في السودان وعمر المختار في ليبية وعبد القادر الجزائري وعبد الكريم الخطابي في المغرب الأقصى وإسماعيل الشهيد في الهند ، أما في مصر فقد أعدم الإمام الشهيد حسن البنا بعد أن عجزت المخططات عن احتواء دعوته، ثم ضربت الحركة بطريق مباشرة وغير مباشرة.

2- إلغاء المحاكم الشرعية وإحلال القوانين الوضعية محلها: لا تكاد جيوش الاحتلال تضع أقدامها على أرض إسلامية حتى تبادر بهذا العمل لأنهم يدركون نتائجه البالغة.

وأول قطر بدأ فيه إلغاء الشريعة الإسلامية، كما يقول الأستاذ المودودي هو الهند ، فحتى سنة 1791 كانت الشريعة هي القانون العام فيها، ولكن الإنجليز تتدرجوا في إلغائها حتى تم ذلك في أواسط القرن الماضي، يلي ذلك الجزائر التي بدأ إلغاء الشريعة فيها عقب الاحتلال الفرنسي سنة 1830، ثم مصر التي أدخل إسماعيل (عميل فرنسا ) القانون الفرنسي فيها ولم تأتِ سنة 1883 حتى كان نصيب الشريعة لا يتجاوز الأحوال الشخصية إلا قليلاً.

ثم تونس ، حيث أدخل الفرنسيون قانونهم سنة 1906 ليتدخل حتى في الأحوال الشخصية، وفي سنة 1913 وضعوا في المغرب قانوناً مدنياً مماثلاً لما في تونس .

أما بلاد العراق والشام ، فقد تأخرت في ذلك بسبب تبعيتها للقضاء العثماني الذي يعتمد على مجلة الأحكام العدلية ، ولم تلغ الشريعة إلا بعد إلغاء الخلافة وثبوت أقدام الإنجليز والفرنسيين فيها.

 

3- القضاء على التعليم الإسلامي والأوقاف الإسلامية: أدرك المستعمرون أن أعظم وسيلة لإبعاد المسلمين عن دينهم هو أن يكونوا جهلاء به، واتعظوا بمصير (كليبر ) على يد طالب الأزهر: سليمان الحلبي ، وبما ذاقوه من مقاومة في الهند والمغرب تزعمها علماء الشريعة وطلابهم، فوضعوا المخططات الماكرة لتقليص التعليم الديني تدريجياً، وإحلال التعليم اللاديني محله،

وأشهر هذه المخططات مخطط كرومر ودنلوب في مصر ، الذي انتهج سياسة بعيدة المدى دقيقة الخطا في القضاء على الأزهر ومعاهده وكتاتيب القرآن، ووضع نموذجاً خبيثاً للدس على الإسلام وتشويه تاريخه خلال المنهج التعليمي، ولا أدل على نجاح هذه الخطة من بقاء آثارها إلى اليوم في مصر والدول العربية عامة.

وفي العراق وضع المستر كوك خطة مماثلة حولت العلماء إلى موظفين بمديرية الأوقاف، وبحجة تنظيم الأوقاف إدارياً ومنهجياً قضي على التعليم الديني الذي كان يعيش على أموال الأوقاف، بل أقفلت الجوامع التي كان القرآن يحفظ فيها.

وفي بلاد المغرب كان الفرنسيون يحولون الجوامع والزوايا إلى إسطبلات للخيول ومخازن للسلاح بعد طرد طلابها، في الوقت الذي كان فيه التعليم اللاديني يدعم بكل وسيلة.

وبلغ هذا العمل قمته بالجامعات والكليات التي بنيت في إسلامبول والقاهرة وبيروت ولاهور وغيرها، تلك التي كانت -ولا يزال ما بقي منها- لا دينية صرفة.

 

4- استخدام الطوائف غير الإسلامية وإحياؤها، وهذه الخطوة من أخبث الخطوات وأعمقها دلالة، فحيثما حل المستعمرون يقومون بنبش العقائد الميتة أو تنظيم الطوائف غير الإسلامية، ويمهدون لها السبيل لتولي المناصب المهمة، مستثيرين حقدهم على المسلمين بالزعم بأن الفتح الإسلامي كان استعماراً لهم، وأن المسلمين متعصبون ضدهم... إلخ،

ففي بلاد الشام تعهدت فرنسا بدعم النصارى وسلمتهم الوظائف العليا، ونظمت فلولهم في جمعيات ومؤسسات عسكرية ومدنية، وعند إنشاء الجامعة السورية -مثلاً- عينت لها مديراً نصرانياً هو قسطنطين زريق .

أما الطوائف الباطنية فقد استطاعت بواسطة المستشرقين أن تبعث عقائدها وتنشر كتبها، وسمى الفرنسيون النصيرية (علويين)، واصطنعوهم عملاء لهم وحرضوهم على الالتحاق بالجيش، حتى احتالوا قيادته العليا، وأخيراً استطاعوا أن يتحكموا في الأكثرية المسلمة، وأن ينظموا فرقاً عسكرية حديثة خاصة بهم.

وفي مصر أقيمت القضية نفسها (قضية التعصب) على قدم وساق، وتحت ستار اللاتعصب واللاطائفية، مكن للأقباط من بناء الكنائس والمدارس بكثرة، وتولي المناصب الوزارية في الحكومة برعاية الإنجليز، ومعروفة سيرة الخائن يعقوب القبطي ، الذي تعاون وقومه مع الفرنسيين حتى سموه: (الجنرال يعقوب )!

وفي معظم دول أفريقيه خرج الاستعمار مخلفاً وراءه حكومة نصرانية تحكم شعوباً تصل نسبة الإسلام في بعضها إلى (99%).

أما في الهند فقد تحول المسلمون فيها بعد الاستعمار من قوة حاكمة إلى أقلية ضعيفة ينهشها الإنجليز والهندوس والسيخ والبوذيون من كل جانب.

وهذا غير الطوائف التي أحدثها الاستعمار لهدم العقيدة الإسلامية كـالبابية والبهائية والقاديانية التي تتضح عمالتها له بمرور الأيام

5- اصطناع العملاء من أبناء المسلمين: كان من النصائح التي قدمها القسيس زويمر للمبشرين قوله:

(تبشير المسلمين يجب أن يكون بواسطة رسول من أنفسهم ومن بين صفوفهم. لأن الشجرة يجب أن يقطعها أحد أعضائها)

وقد نفذت هذه النصيحة في البلاد الإسلامية جميعها، واستطاع المستعمرون أن يكونوا من العناصر الضعيفة الإيمان قوىً منظمة بعضها أحزاب سياسية، وبعضها اتجاهات فكرية تربت على عين الاستعمار وسمعه، وحشيت أذهانها بما أملاه أعداء الإسلام، وظل الشعور بالنقص والتبعية للغرب هو إحساسها الدائم.

واختير من تلك القوى أفراد قدر المستعمر، أنهم أفضل المطايا له، فصنع لهم بطولات ضخمة، وأثار حولهم الغبار الكثيف، حتى خيل للأمة أن على أيديهم مفتاح نهضتها وبناء مجدها، فطأطأت لهم الرأس حتى إذا تمكنوا منها أنزلوا بها من الذل والدمار وخراب العقيدة ما لم تذقه على يد أسيادهم

وإن كتاب (الرجل الصنم )، الذي كتبه ضابط تركي سابق، ليقدم لنا واحداً فقط من هؤلاء الأفراد المصطنعين، نسج على منواله في عالمنا العربي كثير.

وليس أدل على ذلك من أن القوى التي حكمت العالم الإسلامي بعد رحيل الاستعمار لم تكن الحركات الجهادية التي جابهت المستعمرين، بل كانت أحزاباً وقوى مشبوهة تشهد أعمالها وآثارها بأنها جنت على الأمة ما لم يجنه الأعداء السافرون، مما يعطي الدليل الواضح على أن تنفيذ المخطط اليهودي قد وكل إليهم، مع اختلاف في الأدوار وتنوع في الإخراج.

6- تنفيذ توصيات المستشرقين والمبشرين، والإشراف على إنجاح مهامهم، وتذليل العقبات التي قد تعترض جهودهم.

هذا غير الهدف الظاهر للاستعمار، وهو إذلال العالم الإسلامي، وتسخير أبنائه وثرواته لأطماع المستعمرين!

2- المستشرقون:

المستشرقون أدمغة الحملات الصليبية الحديثة، وشياطين الغزو الثقافي للعالم الإسلامي، ظهروا في حلبة الصراع في فترة كان المسلمون فيها يعانون من الإفلاس الحضاري والخواء الروحي وفقدان الذات، مما جعل الفرصة سانحة لأولئك الأحبار الرهبان، وجنود الصليبيين الموتورين؛ كي يثأروا لهزائمهم الماضية وينفثوا أحقادهم الدفينة.

واقتضت خطة وجودهم في عصر يعبد العلم ويضفي عليه قداسة الوحي في العصور السابقة، أن يخلعوا عن كواهلهم مسوح الرهبان والأحبار وسلاح الميدان، ويرتدوا لباس العلم ومسوح المعرفة، ثم جندوا آلاف المخطوطات ومئات المؤسسات الثقافية المختلفة لمعركة استئصال الإسلام، وعكفوا في صوامع البحث يديرون الصراع المرير بخبث ودهاء.

وما كان ليغيب عن بالهم أن القضاء على الأشلاء الباقية من الكيان الإسلامي الضخم، وسد كل الطرق التي قد تهيئ لبعث الحياة فيها، لا تتم إلا بسلب الأمة ذاكرتها متمثلة في تراثها العظيم، وفي الوقت نفسه شن حرب نفسية شرسة لإبادة مالا يزال عالقاً في أذهان المسلمين من عقائد الإسلام ومفهوماته، وإن لم تكن الإبادة التامة فلتكن الزعزعة والتفتيت.

وتتلخص جهودهم العملية في هذه الفقرات التي يقتضي المقام إيجازها:

 

1- الطعن في حقيقة الإسلام وحقيقة القرآن والنبوة، فقالوا عن الإسلام: إنه تطوير محرف لليهودية والنصرانية ، أو هو جزء من مجموعة الأديان الشرقية تولد من احتكاك الوثنية العربية بأديان فارس والهند .

وإن القرآن من وضع محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أو هو من إملاء راهب نسطوري تعلم محمد على يديه مدة طويلة في الشام !! أو هو نتف من نسخ التوراة والإنجيل المهجورة وآراء المتحنثين من العرب كـورقة بن نوفل ، مع اقتباسات من الحكمة الشعرية لبعض المتأملين الروحانيين كـأمية بن الصلت ... إلخ،

ثم قالوا: إن القرآن بعد وفاة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان موزعاً بين بعض الصحابة في العظام والجلود، وجزءٌ منه محفوظ في الصدور حفظاً غير تام ولا متناسق، وبعد سبعين سنة -أي: بعد أن تبعثرت العظام والجلود ورمت ومات الحفاظ- وجد المسلمون أن الضرورة تقتضي جمع القرآن فاجتمعوا (كما يجتمع رجال اللاهوت!)

وأحضر كلٌ منهم ما كان في حوزته منه، واتفقوا على تنظيمه وتبويبه، لكنهم تشاجروا في مواضع كثيرة، وأخيراً فرضت السلطة الحاكمة نسخة معينة وأحرقت كل النسخ المخالفة بدون مبرر، ونتيجة لذلك جاءت النسخة المعتمدة غير متحدة الموضوع ولا متناسقة السياق -بالإضافة إلى كونها غير مرتبة فالسور التي وضعها أو جمعها محمد في أول ادعائه النبوة وضعت في آخرها بينما وضعت الأخيرة في أولها... إلخ، ثم يقولون: إن اليسار الإسلامي -الشيعة والرافضة - ظل يحتفظ بنسخ أخرى تبلغ أضعاف النسخة المتداولة، التي كان يعتقد أن قسماً كبيراً منها قد فقد بسبب شاة تسللت إلى موضعها فأكلت الجزء المتعلق بالخلافة والسياسة من بعد محمد!!

أما نبوة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقد قالوا عن تلقى الوحي: إنه نوبات من الصرع والهستيريا، أو نوع من العبقرية الشعرية في أحسن تقدير، أو أن محمداً لم يكن إلا اللسان المعبر عن المذهب الذي كان يعتقده الراهب بحيرا (وكان يمليه عليه في الصحراء العربية، ويكتبه ثم يدعي أنه وحي من الله).

وقالوا عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نفسه إنه كان مجهول النسب، ولذلك دعي ابن عبد الله، كعادة العرب فيمن يجهلون أباه! وأن اسمه الأصلي قثم، فلما عبده العرب سموه محمداً للتقديس، وأنه كان (حاشاه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) رجلاً شهوانياً ويعاقر الخمرة...، بل تطرف بعض المستشرقين الشيوعيين، فقالوا إنه شخصية خيالية!

أما الطعن في السنة فقالوا: إن محمداً في حياته كان يعد كل ما يتكلم به قرآناً، وبعد موته ونشوب النزاع السياسي بين المسلمين احتاجت الأطراف المتنازعة إلى تأييد آرائها، وإذ لم تجد ما تؤيدها به من القرآن نسبت كل فرقة إلى محمد أقوالاً كثيرة لصالحها، ومن مجموع هذه الأقوال كتب علماء المسلمين بعد ثلاثة قرون -أي: بعد أن يكون كل شيء قد ضاع واختلط- كتباً سميت كتب الحديث والسنة، وألزموا المسلمين بالإيمان بها كالقرآن، فاعتقدها المسلمون -باستثناء اليسار طبعاً-، وسموا أتباعها أهل السنة تمييزاً لهم عن اليساريين!!

ثم يعمدون إلى النقد المفصل للسنة، فيطعنون في كبار حفاظها كأبي هريرة والزهري ، ويقولون إن بعض الشخصيات كـعروة بن الزبير - الذي يروي عن خالته عائشة -أم المؤمنين- شخصية خيالية!!

2- القول بأن الإسلام استنفذ أغراضه: وهي دعوى تأتي في صور شتى، منها وصف الإسلام بأنه دعوى أخلاقية، جاءت لإنقاذ المجتمع العربي من عادته السيئة، كعبادة الحجارة ووأد البنات والسلب والنهب وشرب الخمر... إلخ.

وتارة يوصف بأنه حركة اجتماعية تهدف إلى تغيير البنية الاجتماعية القبلية، والاستبدال بها تركيباً اجتماعيا قومياً متحضراً للعرب.

ومرة يقال وهو خاص بـالمستشرقين الشيوعيين -إن الإسلام ثورة غير ناضجة ضد الطبقة التي كانت تسود المجتمع المكي، تولدت من الصراع بين الطبقة الكادحة، مثل محمد وبلال وصهيب ، والطبقة الرأسمالية أمثال الوليد بن المغيرة وأمية بن خلف .

وأقوال أخرى مؤداها اعتبار الإسلام ظاهرة معينة في فترة زمنية محدودة، يجب أن يدرس وينظر إليها، كما لو كان قطعة من الأحافير القديمة لا علاقة لها مطلقاً بالواقع المعاصر.

3- القول بأن الإسلام طقوس وشعائر روحية، أو على أحسن الأحوال دين بالمفهوم الغربي الضيق، فلا دخل له بأمور الحكم والحياة الاجتماعية والنشاط الاقتصادي... إلخ.

وقضية الخلافة بدعة لا أساس لها في الإسلام، ومحمد إنما جاء ليؤسس ديناً، ولم يكن يهدف إلى تكوين دولة.. وعندما خرجت جيوش الإسلام الأولى لم يكن هدفها إلا السيطرة على المستعمرات الرومانية الخصبة وإكراه أهلها على الإسلام، لكن العرب الفاتحين أعجبوا بالتنظيمات السياسية والإدارية التي كانت لدى الروم فاقتبسوها منهم، ثم أدخلوها في صلب عقيدتهم بغرض التلبيس على العوام وضمان استمرار نفوذهم، ومنذ ذلك الحين ظهرت البدعة القائلة إن الإسلام دين ودولة في آن واحد!!

4- القول بأن الفقه الإسلامي مأخوذ من القانون الروماني:

وهي دعوى مركبة على الدعوى السابقة، هدفها إسقاط توحيد الألوهية من جهة، وتهوين شأن الأخذ من القوانين الوضعية من جهة أخرى، فما دام الفقه القديم مستقى من أصول أوروبية، فما المانع اليوم من الاقتباس من القوانين الأوروبية كالقانون الفرنسي أو السويسري... إلخ.

5- الادعاء بأن الشريعة الإسلامية لا تتلاءم مع الحضارة:

وواضح أن هذا الادعاء يقوم على استغلال الشعور بالنقص، والإحساس بالتخلف الذي وخز الأمة الإسلامية عند احتكاكها بالحضارة الأوروبية، فقالوا: إن الإسلام دين قبلي صحراوي، وشعائره وتشريعاته لا تنسجم مع الحياة العصرية المتمدنة، وكيف يصح أن يعيش الإنسان في عصر الصواريخ والطائرات على شريعة الصحراء والجمال، بل إن هذه الشريعة نفسها هي سبب التخلف وداء الشرق العضال، وأن السبيل إلى التطور والحضارة لهو نبذ محمد وكتابه.

 

6- الدعوى إلى نبذ اللغة العربية، وهجر حروفها وأساليبها:

وهي دعوى موازية للدعوى السالفة، وتحتج بالحجة نفسها -عدم ملاءمتها للحضارة- وغرضها مسخ الأمة وقطع صلتها بدينها نهائياً، ومنها تفرع القول: بأن النحو العربي غير علمي، وافتعال التضاد بين قواعد النحو واللغة وبين أساليب القرآن بقصد هدم الاثنين.

والزعم بأن الشعر الجاهلي، وكثيراً من شعر صدر الإسلام منحول، لأن اللغة والتفسير يستمدان الشواهد منه.

7- إثارة ما سمي: (قضية تحرير المرأة):

وهي دعوى ركز عليها أولئك، لعلمهم بنتائجها المتعددة التي منها: الطعن في الشريعة ذاتها لأنها سبب احتقار المرأة -بزعمهم-، ونشر الإباحية والانحلال في المجتمع الإسلامي، والقضاء على الأسرة الذي يؤدي إلى تجهيل النشء بدينه، ويتيح لهم الفرصة لتربية أبناء الإسلام كما يشاءون فقالوا: إن الإسلام يحتقر المرأة لذاتها، ولا يجعل لها قيمة معنوية سوى الاستمتاع المجرد، وأنه يبيح بيع وشراء وسبي النساء، وأنه يوجب على المرأة أن تعيش وتموت جاهلة مهملة بما يفرض عليها من الحجاب، ويعد حقها في الترفيه والاستمتاع عاراً شنيعاً، في حين يتاح للرجل كل وسائل اللذة بالتسري وغيره...

ومزاعم أخرى كثيرة كان الواقع السيئ يمدهم بأدلتها، ويسهل لهم إثارتها.

 

8- تهوين شأن الحضارة الإسلامية، وتشويه تاريخها:

يزعم المستشرقون أن أعظم مآثر المسلمين الحضارية هو نقل التراث اليوناني -نقله فقط وحفظه من الضياع - وأن روائعهم العمرانية مقتبسة من الفن البيزنطي... إلخ،

أما تشويه التاريخ الإسلامي فلم يدعوا وسيلة لذلك إلا سلكوها، حتى سلبوه كل فضائله، وحصروه في الناحية السياسية؛ ليصبح سلسلة من المشاحنات والمؤامرات والدسائس، ثم كرسوا الحديث عن الحكام في موضوعات الحريم والجواري والشعراء، وعمدوا إلى عظمائه في الحرب والسلم، فوصفوهم بالجمود والتزمت ومعاداة التحضر، واتخذوا من الخزعبلات المدسوسة في التراث مصادر لتشويه سيرهم، ومن هنا بذلوا جهودهم لترجمة ونشر تلك الخزعبلات ومنح الدرجات العليا للباحثين فيها، وكانت ثمرة ذلك كله أن مفهوم الحضارة الإسلامية لا يتجاوز عند غالبية المثقفين معنى كلمة (فولكلور)

 

9- بعث الحركات الهدامة والطوائف الضالة وتضخيم أدوارها:

هذا العمل جزء من تشويه تاريخ الإسلام، إلا أنه استأثر باهتمام بالغ منهم، لأنه يحقق أغراضاً كثيرة في آن واحد، فقد حرصوا على تجديد الغزو الفكري البائد، الذي نظمته الطوائف والفرق المنحرفة كـالباطنية بفروعها المتعددة من إسماعيلية وقرامطة وبابكية ، والعبيديين المسمين فاطميين والزنج أًصحاب الثورة المعروفة، والدروز، والمتصوفون وفرقهم، مع العناية الخاصة بالشخصيات الضالة كـالحلاج وعبد الله بن سبأ وعبد الله بن ميمون القداح والحاكم العبيدي .. الخ، هذا غير الفرق التي أحدثت للغرض نفسه كـالقاديانية والبابية وفروعهما.

 

10- نبش الحضارات القديمة وإحياء معارفها:

تخصص عدد من المستشرقين في هذا المضمار، فعكفوا على دراسة اللغات البائدة والتنقيب عن آثار الغابرين، ولفقوا من رفات هش ما أسموه التاريخ الحضاري للعرب، ثم مدوا آثار تلك الحضارات إلى العصر الحاضر، فبدا الفتح الإسلامي وحضارته نشازاً في هذه السلسلة، أو في أحسن الأحوال عاملاً من بين عوامل عدة

ومن أمثلة ذلك بعث الفرعونية في مصر والفينيقية والآشورية في الهلال الخصيب والحميرية في اليمن ، واختلقوا القومية الطورانية لحساب الجمعيات السرية التركية -كما سيأتي- ونجم عن ذلك نتائج خطيرة، منها: تحسين سمعة الجاهلية وتمجيد طواغيتها الغابرين، وبث النعرات الانفصالية، وقطع صلة الأمة بماضيها الحقيقي، أو على الأقل إشغالها عنه، وتهيئة النفوس لتقبل إمكان قيام الحياة المتحضرة بدون الإسلام كما عاشت تلك الحضارات قبله

 

11- وضع منهج لاديني للبحث العلمي:

لو لم يكن من ثمرة جهودهم إلا ذلك لكفى، فإن جامعات العالم الإسلامي المعاصرة تدرس التراث الإسلامي وفق ذلك المنهج الذي يتمسح بالموضوعية والحياد العلمي، وهو أبعد ما يكون عنهما، ومن أوضح وأقرب الأمثلة على ذلك ما نلحظه في كتابات كثير من الباحثين المسلمين، من إصرار على استعمال عبارة (قال القرآن) عند إيراد الآيات احترازاً من قول: (قال الله) وإطلاق لفظة (محمد) تماماً كما يستعملها المستشرقون بدون ذكر الرسالة أو الصلاة عليه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

ومع كون هذا المنهج لادينياً فهو في الوقت نفسه غير علمي، لأنه غالباً يدور على هذه الأسس:

1- يعمل المستشرقون على إخضاع النصوص الفكرية التي يفرضونها حسب أهوائهم، والتحكم فيما يرفضونه من النصوص، وكثيراً ما يحرفون النص تحريفاً مقصوداً، ويقعون في سوء الفهم، -وعن عمد أحياناً- حين لا يجدون مجالاً للتحريف.

2- يتحكم المستشرقون في المصادر التي يختارونها، فهم ينقلون من كتب الأدب ما يحكمون به في تاريخ الحديث النبوي، ومن كتب التاريخ ما يحكمون به في تاريخ الفقه، ويصححون ما ينقله الدميري في كتاب (الحيوان )، ويكذبون ما يرويه الإمام مالك في الموطأ ) ويهاجمون صحيح البخاري ، ويمجدون كتاب الأغاني ، وألف ليلة وليلة .

وعلى الرغم من ذلك، سرت عدوى هذا المنهج في أبناء المسلمين إلى حد يثير الريبة والعجب، وقبل أن نختتم الكلام عن أساليب المستشرقين ينبغى أن نشير إلى أن أعمالهم تسير وفق خطة مدروسة، ولذلك فهي تتغير تبعاً لمقتضيات التغير بعد تقييم نتائج المرحلة السابقة، ولذا فلا غرابة أن تختفي من كتبهم الأساليب الاستفزازية والطعن المكشوف، إذ يبدو أن خطة (احتواء الفكر الإسلامي) هي المعمول بها حالياً.

وأياً ما كانت النتائج، فإن ما اضطلع به هؤلاء من مهمة تدمير المقومات الإسلامية، وتمهيد الأرضية الفكرية التي تقوم عليها الحياة اللادينية في الشرق قد آتى أكله في أكثر من ميدان.

3- المبشرون:

كما أن للمستشرقين والمبشرين أهدافاً مشتركة، فإن لهم وسائل متداخلة، ويمكن القول بأن ميدان المستشرقين الأساسي هو الثقافة والفكر، بينما يركز المبشرون جهودهم في النواحي الاجتماعية والتربوية.

وليس غريباً أن يجهل المسلمون الدوافع الحقيقية للتبشير، فقد كان يجهلها بعض أتباع الإرساليات التبشيرية أنفسهم، إذ لم يكن الجميع يدركون أبعاد الخطة الجديدة ومراميها، بل كانت العقلية الصليبية التي استثيروا بها من بلادهم لا توحي لهم بكل ذلك.

وهذا ما اضطر القس زويمر -رئيس مؤتمر القدس التبشيري- إلى إيضاح ذلك فقال: 'أيها الإخوان الأبطال، والزملاء الذين كتب الله لهم الجهاد في سبيل المسيحية واستعمارها لبلاد الإسلام، فأحاطتهم عناية الرب بالتوفيق، الجليل المقدس، لقد أديتم الرسالة التي نيطت بكم أحسن الأداء، ووفقتم لها أسمى التوفيق وإن كان يخيل إليّ أنه مع إتمامكم العمل على أكمل الوجوه لم يفطن بعضكم إلى الغاية الأساسية منه)

(إني أقركم على أن الذين أدخلوا من المسلمين في حظيرة المسيحية لم يكونوا مسلمين حقيقيين، لقد كانوا كما قلتم (أحد ثلاثة: إما صغير لم يكن له من أهله من يعرفه ما هو الإسلام، أو رجل مستخف بالأديان لا يبغي غير الحصول على قوته، وقد اشتد به الفقر وعزت عليه لقمة العيش، وآخر يبغي الوصول إلى غاية من الغايات الشخصية،

 

ولكن مهمة التبشير التي قد ندبتكم دول المسيحية بها في البلاد المحمدية، ليست هي إدخال المسلمين في المسيحية ، فإن في هذا هداية لهم وتكريماً! وإنما مهمتكم أن تخرجوا المسلم من الإسلام ليصبح مخلوقاً لا صلة له بالله، وبالتالي لا صلة تربطه بالأخلاق التي تعتمد عليها الأمم في حياتها، وبذلك تكونون أنتم بعملكم هذا طليعة الفتح الاستعماري في الممالك الإسلامية، وهذا ما قمتم به في خلال الأعوام السالفة خير قيام، وهذا ما أهنئكم عليه وتهنئكم دول المسيحية والمسيحيون جميعاً كل التهنئة،

 

لقد قبضنا -أيها الإخوان- في هذه الحقبة من الدهر من ثلث القرن التاسع عشر إلى يومنا هذا على جميع برامج التعليم في الممالك الإسلامية، ونشرنا في تلك الربوع مكامن التبشير والكنائس والجمعيات والمدارس المسيحية الكثيرة، التي تهيمن عليها الدول الأوروبية والأمريكية، والفضل إليكم وحدكم -أيها الزملاء- أنكم أعددتم بوسائلكم جميع العقول في الممالك الإسلامية إلى قبول السير في الطريق الذي مهدتم له كل التمهيد.

إنكم أعددتم نشئاً (في بلاد المسلمين) لا يعرف الصلة بالله ولا يريد أن يعرفها، وأخرجتم المسلم من الإسلام ولم تدخلوه في المسيحية ، وبالتالي جاء النشء الإسلامي طبقاً لما أراده الاستعمار المسيحي، لا يهتم بالعظائم ويحب الراحة والكسل ولا يصرف همه في دنياه إلا في الشهوات، فإذا تعلم فللشهوات وإذا جمع المال فللشهوات وإن تبوأ أسمى المراكز ففي سبيل الشهوات يجود بكل شيء،

 

إن مهمتكم تمت على أكمل الوجوه وانتهيتم إلى خير النتائج وباركتكم المسيحية ، ورضي عنكم الاستعمار، فاستمروا في أداء رسالتكم، فقد أصبحتم بفضل جهادكم المبارك موضوع بركات الرب'

أما الوسائل المستخدمة لذلك فهي كثيرة، نذكر منها:

1-إدخال من استطاعوا من المسلمين في الديانة النصرانية ، وهذا وإن لم يكن الغاية الأساسية -كما قال زويمر - فهو يؤدي إلى زعزعة إيمان الآخرين وتثبيط هممهم، والواقع أن الكنائس النصرانية تغتبط بذلك جداً، لأنه أخذ بالثأر من الإسلام الذي اجتاح ديارها قديماً، كما أنه نوع من التعويض الآيس للخسارة الفادحة التي أنزلتها أوروبا الحديثة بـالمسيحية

2-فتح المحاضن والمدارس والكليات والجامعات في أنحاء العالم الإسلامي: ولو أننا أخذنا مثالاً على ذلك أفريقيه وحدها، فسوف نجد أرقاماً مذهلة للمراكز التعليمية فيها: فهناك معاهد تعليمية يبلغ عددها (16.671) معهداً، أما الكليات والجامعات فتبلغ 500 كلية وجامعة، ويبلغ عدد المدارس اللاهوتية لتخريج القسس والرهبان والمبشرين (489) مدرسة، أما رياض الأطفال فيتجاوز عددها (1113) روضة.

ويبلغ عدد أبناء المسلمين الذين يشرف على تعليمهم وتربيتهم وتوجيههم أكثر من خمسة ملايين.

3-تحطيم عقيدة الولاء والبراء: تلك التي تمثل حاجزاً نفسيا منيعاً في نفوس المسلمين تجاه الكفار، وذلك بإخفاء الدوافع التبشيرية تحت ستار المساعدات الإنسانية، فقدموا المعونات الطبية والغذائية، وأدخلوا بعض وسائل المدنية مستغلين واقع المسلمين الذي هو أحوج ما يكون إلى مثل هذه المعونات والوسائل، وقد ركز المبشرون اهتمامهم في السنوات الأخيرة على أندونيسيا وبنغلادش ، كما ابتدءوا في اليمن بنشاط مستغلين الفقر الذي يعم هذه الدول.

4- الاهتمام بإفساد الريف الإسلامي: إن جهود المستشرقين -مهما عظمت- تظل محصورة في نطاق الثقافة والمثقفين، ولذلك اهتم المبشرون، بالريف الذي يتميز بمحافظته على التقاليد الإسلامية، مما يجعله أقل تقبلاً للإفساد، إلا أن تفشي الجهل والمرض وغلبة العوز على أبنائه يتيح لهم مناخاً مناسباً، فأنشئوا المراكز الاجتماعية والصحية والمهنية، وأسسوا المدارس والمحاضن المختلفة، ونظموا برامج توطين البدو ومحو الأمية بين الكبار بهدف النفاذ إلى عقول أكبر قدر ممكن من طبقات وقطاعات الشعب.

5- التركيز على إفساد المرأة المسلمة: رأى المبشرون أن حجاب المرأة المسلمة يقف سداً منيعاً دون إفسادها، وبالتالي إفساد الأجيال المؤمنة، فبذلوا كل جهودهم لإخراجها من حرزها الذي لم يستطيعوا اقتحامه عليها، ولا شيء يعدل التعليم في ذلك. ولهذا قالت إحدى المبشرات: 'في صفوف كلية البنات في القاهرة بنات آباؤهن باشاوات وبكوات، وليس ثمة مكان آخر يمكن أن يجتمع فيه مثل هذا العدد من البنات المسلمات تحت النفوذ المسيحي، وليس ثمة طريق إلى حصن الإسلام أقصر مسافة من هذه المدرسة' .

كما سخروا أجهزة الإعلام المختلفة وأنشئوا مراكز الفساد تحت ستار الترفيه أو الفنون للغرض نفسه.

6- السيطرة على وسائل التربية والإعلام والتوجيه، واستخدامها لنشر سمومهم، وتوهين العقيدة الإسلامية في النفوس، وعرض الشبهات حول كمال وصلاحية الشريعة، أو على الأقل الانحراف بهذه الوسائل عن مقاصدها الصحيحة إلى العبث واللهو، مع صرف العناية إلى الأطفال والنفاذ إلى عقولهم من خلال تلك الوسائل.

7-تشجيع تحديد النسل: تلك البدعة التي لم يعرفها المسلمون قبل قدوم هؤلاء، وهي جزء من مخطط الغرب الرامي إلى ضمان سيطرته على الأجناس غير البيضاء والمسلمين بصفة خاصة، لأنهم -مع كونهم عدوه الألد- أكثر أمم الأرض تناسلاً، والإيحاء المستمر لهم بأن سبب الضائقات الاقتصادية ينحصر في زيادة نسبة المواليد، هذا في الوقت الذي يشجع فيه المبشرون الطوائف غير الإسلامية كالأقباط والموارنة على الإكثار من النسل.

8- استهلاك جهود العلماء والدعاة في مقاومة أفكار التبشير مما يضيق عليهم الفرصة للعمل والبناء، ويعطل جهودهم المثمرة.

9-مراقبة العالم الإسلامي والتجسس عليه، وجس نبض الأمة ورصد الحركات الإسلامية، وقد ثبتت صلة الإرساليات التبشيرية بدوائر الاستخبارات الدولية، وهذا هو المفروض والمتوقع ما دامت الغاية واحدة.

 

4-نصارى العرب:

ليس غريباً أن يكون أول من دعا إلى العلمانية بشعارها الصريح، أو تحت أسماء أخرى كـالقومية والوطنية هم نصارى الشرق، فإن الحياة المطمئنة التي كفلها لهم المجتمع الإسلامي -بل المحاباة الزائدة في الكثير من الأحيان- لم تكن لتطفئ نار الحقد المتأججة في صدورهم، وإذ كانوا يدركون أن هيمنة الشريعة الإسلامية هي العائق الأكبر لشفاء غيظهم ونفث أحقادهم، فقد استماتوا في سبيل إنهاء هذه الهيمنة وإحلال الأنظمة اللادينية محلها، وانطلاقاً من ذلك وجد المخطط اليهودي الصليبي فيهم بغيته المنشودة لهدم الخلافة الإسلامية، وبالتالي القضاء على الحكم الإسلامي بعزل الشريعة عن ميدان الحياة، وتوجيه المجتمع (راجع البند الثالث من مخطط لويس التاسع ).

ولم يكن يخفى على هؤلاء ما ألحقته العلمانية بدينهم في أوروبا ، بل إن ذلك هو الدافع للمناداة بها في الشرق لكي تقضي على الإسلام أيضاً.

صحيح أن انتشار العلمانية سوف يؤثر على النصرانية -أيضاً- مهما بذلت الاحتياطات، ولكن ما دامت تقضي على الإسلام فلا بأس على حد قول الشاعر:

اقتلوني ومالكاً واقتلوا مالكاً معي

وجهود نصارى الشرق في هذا المضمار كثيرة لا يتسع المجال لتفصيلها، ولكن يمكن تقسيمها قسمين:

1- الأعمال السياسية:

وقد كانوا على صلة وثيقة بالجمعيات الهدامة في الغرب وشبكات الجاسوسية العالمية. ولذلك كونوا الجمعيات السرية التي تناهض الخلافة الإسلامية، وتدعو إلى حكومة لادينية وطنية أو قومية،

من هذه الجمعيات: جمعية بيروت فارس نمر ، وجامعة الوطن العربي (نجيب عازوري ) والجمعية القحطانية ، وجمعية العربية الفتاة ، ثم الحزب القومي السوري (أنطون سعادة ) -وأخيراً- حزب البعث (ميشيل عفلق )

 

2-الأعمال الفكرية:

كان هؤلاء أول من نشر الثقافة والفكر الغربيين مستخدمين الوسائل الحديثة لا سيما الصحافة، فأصدروا صحفاً كثيرة منها: الجنان والمقتطف والهلال ، وكان محرورها أمثال نصيف اليازجي ويعقوب صروف وجرجي زيدان يمثلون طلائع اللادينية في الشرق الإسلامي.

واتجه قسم منهم إلى التراث والتأليف الموسوعى اتجاهاً يشابه طريقة المستشرقين ، فألفوا المعاجم اللغوية والقواميس للترجمة وبعض الموسوعات والبحوث، ومن هؤلاء أحمد فارس الشدياق وبطرس البستاني ولويس شيخو .

وبعضهم انكب على الفلسفات العربية فنشر مؤلفاتها، ومجد زعمائها ودعا العرب إلى اعتناقها وإقامة حياتهم على أسسها، من هؤلاء شبلي شميل الداروسي -المتطرف- وسلامة موسى .

كما ظهر منهم شعراء أذكوا بشعرهم الحماسي القومي ضد الإسلام مثل: إبراهيم اليازجي وبشارة الخوري والشاعر القروي وشعراء المهجر.

ويعترف ألبرت حوراني بأنه (قد نادى بفكرة مجتمع قومي علماني فريق من الكتاب المسيحين السوريين، وينقل عن أحدهم شبلي شميل الدارويني قوله:

'ليس الحكم الديني والحكم الاستبدادي فاسدين فحسب، بل هما غير طبيعيين وغير صحيحين، فالحكم الديني يرفع بعض الناس فوق سواهم، ويستخدم السلطة لمنع نمو العقل البشرى نمواً صحيحاً...

وهما يشجعان العقل على البقاء في حالة الجمود، وبذلك يعرقلان التقدم التدريجي الذي هو ناموس الكون، لكن بالإمكان تصور نظام للشرائع والحكم يقوم على نواميس الكون، ويسمح بالتالي لتطور النمو الكوني أن يستمر، وللإنسان أن يعيش وفقاً لطبيعته) إلى أن يقول:

(والأمم تقوى بمقدار ما يضعف الدين، فهذه أوروبا لم تصبح قوية ومتمدنة فعلاً إلا عندما حطم الإصلاح والثورة الفرنسية سلطة الاكليروس على المجتمع وهذا يصح أيضاً على المجتمعات الإسلامية'

ويتحدث عن فرح أنطوان فيقول: (كان هدفه السياسي شبيهاً بهدف الشميل وسواه من كتاب عصره اللبنانيين، ذلك أنه توخى وضع أسس دولة علمانية يشترك فيها المسلمون والمسيحيون على قدم المساواة التامة) وينقل عنه قوله: (إن العالم قد تغير، فالدول الحديثة لم تعد قائمة على الدين، بل على أمرين: الوحدة الوطنية وتقنيات العلم الحديث)

(وقوله: 'أما في العصر الحديث فالوحدة تتم بخلق الولاء القومي، والفصل بين السلطة الدينية والسلطة المدنية'

وصدر مثل هذه الدعاوى عن معظم الكتاب والصحفيين النصارى، وبإمكان المرء أن يلمس شيئاً من ذلك في أي كتاب لـسلامة موسى، أومقال لأمير قطر - مثلاً-.

أما الجمعيات والأحزاب السياسية فغير خافٍ ما تقوم عليه أسسها وشعاراتها من تنكر للإسلام، ودعوة صريحة إلى اللادينية.

وقد اتخذت الأنظمة المعادية للإسلام من الأقليات النصرانية ذريعة لرفع الشعار العلماني الدين لله والوطن للجميع، ومنع تطبيق الشريعة الإسلامية.

هذه هي المعالم الرئيسية للمخطط اليهودي الصليبي، وهو بلا شك مخطط ذكي خبيث يملك من وسائل التأثير وفرص العلم ما يفوق به الحملات الصليبية السالفة، فهو فكر تدعمه القوة، وحضارة يمدها العلم، ونضال يحكمه النظام.

غير أن ذلك كله لا يعني أن نلقي عليه تبعاتنا وننسب إليه انهيارنا كأنما هو قوة اسطورية اجتاحنا بغتة دون أن نستطيع لدفعها يداً.

إننا -كما سبق- لم نؤت إلا من قبل أنفسنا، وما عوقبنا إلا بما كسبت أيدينا، نحن الذين أعطينا الكفار الفرصة ليخططوا ضدنا، وأسهمنا بعللنا وأدوائنا في إنجاح مخططاتهم، إن الله تعالى يقول

وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً [آل عمران:120]،

فلولا إفلاسنا من الصبر والتقوى، بل ومن الإيمان والتصور السليم ما كان لهذه المخططات من أثر، وإن كان فهو كالجرح الذي سرعان ما يندمل أو الإغفاءة تعقبها الوثبة.

وحين نقول: إننا كنا مسلمين حقيقيين، حتى جاء الكفار، فأفسدوا علينا ديننا ودنيانا، فإننا لا نكون مخطئين في تصورنا فحسب، بل نكون قد قطعنا على أنفسنا الطريق الصحيح للعودة، ذلك الطريق الذي يبدأ أساساً من معرفتنا بأننا كنا منحرفين، وفهمنا لأسباب ومظاهر الانحراف والاستقامة.

وسوف نرى مصداق ذلك في الفصل التالي، حيث نعرض مظاهر العلمانية في العالم الإسلامي، وسيتضح من خلال العرض أن تلك المظاهر ما كانت لتوجد، لولا العوامل الذاتية الكامنة في أنفسنا ومجتمعاتنا.

يتبع بإذن الله......

Link to comment
Share on other sites

الفصل الثاني: مظاهر العلمانية في الحياة الإسلامية

 

أولاً: في الحكم والتشريع

روى الإمام أحمد أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: { لينقضن الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة يتشبث الناس بالتي تليها، وأولهن نقضاً الحكم، وآخرهن الصلاة } .

ولقد بدأ الانحراف في تصرفات الحكام المسلمين قديماً، غير أن النقض الواعي لهذه العروة لم يظهر إلا في العصر الحديث، حين بلغ المسلمون قرارة الضعف وغاية التدهور، كان الإسلام طيلة القرون السابقة أعمق في النفوس من أن يستبدل به أي منهج آخر، وكانت الجاهلية أحقر من أن تطاوله أو تطمع في أبنائه.

غير أن الحال في العصر الحديث قد انعكس تماماً، فلم يبق من الإسلام -واقعياً - إلا تلك التصورات الخاطئة التي سلف الحديث عنها، وفي الوقت نفسه كانت الجاهلية الأوروبية المنتفشة تتولى قيادة الفكر البشري وتوجيه الحضارة الإنسانية، ونتيجة لهذا الوضع المزدوج تسربت العلمانية إلى العالم الإسلامي، وانتقضت تلك العروة الكبرى.

فمن الوجهة السياسية لم يكن في العالم الإسلامي شيء يمكن أن يسمى الوعي السياسي، بل كان الأمر متروكاً لأهواء الحاكم حتى أن الوصف الذي يطلقه بعض الباحثين الغربيين على حال المسلمين في القرن الماضي - رغم ما فيه من مبالغة - ليس بعيداً عن الصحة، ومن ذلك قول أحدهم: 'قد كتبت شريعة موجزة في جبهة كل شرقي، شريعة ليس لها مثيل في الوصايا الأوروبية العشر، وهي: عليك أيها الرجل الشرقي أن تحل الرجل الذي يقيمه الله عليك ملكاً وتقدسه وتعبده، فإذا أحبك فأحبه، وإذا استلب أموالك ومتاعك واضطهدك شر اضطهاد فأحبه على ذلك أيضاً، وإياك أن تحول عن هذا له، لأنه سيدك وأنت عبده ومولاك المتصرف بك تصرف صاحب الأمانة في أمانته' .

ومن الوجهة التشريعية كان القضاء -غير المنظم- في العالم الإسلامي يعتمد على الشروح والحواشي والمختصرات المتأخرة التي كانت أقرب إلى الطلاسم والمعميات إلى حد جعل الذين يفقهونها - لا سيما مع الركود العلمي العام - قلة ضئيلة، ثم إنها في الحقيقة لم تكن المصدر الوحيد للتشريع، فبجانبها كانت أهواء ذوي السلطة وأعراف المجتمع وتقاليد القبيلة... إلخ.

وإذ كان سبب هذا الواقع المؤلم هو - كما سبق - الانحراف في تصور الإسلام وفهمه، وبالتالي في تطبيقه وتحكيمه، فقد كان الحل الوحيد الصحيح للمشكلة هو العودة إلى الإسلام

إيماناً جازماً وعقيدةً خالصةً وتطبيقاً كاملاً.

 

لكن هذه العودة لم تقع، بل كان انحراف أخطر وأعظم أنتجه الشق الثاني من الأزمة وهو تفوق الجاهلية وسيطرتها العامة.

هذا التفوق وتلك السيطرة كانا دون شك مذهلين في كل ميدان، ولكن المسلمين - المتخلفين فهما وواقعاً - رأوهما أعظم بكثير جداً من حقيقتهما إلى حد أن الصدمة النفسية التي حاقت بالأمة الإسلامية احتاجت إلى عشرات السنين لتخفيف آثارها، وإلى الكثير من المحاولات والتجارب المتدرجة.

وفي النماذج التي سيقت سلفاً عن إمكان تقبل المسلمين الذاتي للعلمانية ما يوضح هذه الحقيقة.

ومن أهم القضايا التي يجدر الانتباه إليها أن الانحراف غير المقصود ابتدأ من منطلق التخلص من جمود الفقه الإسلامي أمام التغيرات الحيوية الجديدة، ومن توهم المسلمين بأن سبب تخلفهم هو عجزهم التنظيمي والإداري، وأن محاكاة أساليب الحياة الغربية جديرة بالقضاء على ذلك التخلف، وعلى هذا الأساس قامت الحركة المسماة حركة الإصلاح في جناحي العالم الإسلامي تركيا ومصر .

في تركيا :

في سنة 1255هـ 1839م أصدر السلطان عبد الحميد مرسومه الشهير: 'لا يخفى على عموم الناس أن دولتنا العلية منذ مبدأ ظهورها وهي جارية على رعاية الأحكام القرآنية الجليلة والقوانين الشرعية المنيفة بتمامها، ولذا كانت قوة ومكانة سلطتنا السنية ورفاهية وعمارية أهاليها وصلت حد الغاية، وقد انعكس الأمر منذ 150 سنة بسبب عدم الانقياد والامتثال للشرع الشريف ولا للقوانين المنيفة بناء على طرو الكوارث المتعاقبة والأسباب المتنوعة، فتبدلت قوتها بالضعف وثروتها بالفقر.. واعتماداً على المعونة الإلهية... قد رؤي من الآن فصاعداً أهمية لزوم وضع وتأسيس قوانين جديدة تتحسن بها إدارة ممالك دولتنا العلية المحروسة، والمواد الأساسية لهذه القوانين هي عبارة عن الأمن على الأرواح وحفظ العرض والناموس والمال وتعيين الخراج وهيئة طلب العساكر للخدمة ومدة استخدامهم'

 

والحق أن الإصلاح كان ضرورياً جداً، وليس لأحد أن يعترض على الفكرة في ذاتها، ولكن ما صاحبها من سوء الفهم وغبش التصور بالإضافة إلى مرونة الاصطلاح وسعة مدللاته، كل ذلك أدى آخر الأمر إلى سحق الشريعة الإسلامية بكاملها تحت شعار الإصلاح نفسه، وهو ما فعله أتاتورك

وفي استطاعتنا أن نلحظ ذلك من أول الطريق بمطالعة تقرير اللجنة المشكلة لدراسة الحالة التشريعية في البلاد والتي انبثق عنها إخراج مجلة الأحكام العدلية :

 

'لا يخفي على حضرة الصدر العالي أن الجهة التي تتعلق بأمر الدنيا من علم الفقه كما أنها تنقسم إلى مناكحات ومعاملات وعقوبة، كذلك القوانين السياسية للأمم المتمدنة تنقسم إلى هذه الأقسام الثلاثة (!) ويسمى قسم المعاملات منها القانون المدني (!) لكنه لما زاد اتساع المعاملات التجارية في هذه الأعصار مست الحاجة إلى استثناء كثير من المعاملات كالسفتجة التي يسمونها حوالة، وكأحكام الإفلاس وغيرهما من القانون الأصلي ووضع لهذه المستثنيات قانون مخصوص يسمى قانون التجارة'

 

هكذا كانت الثلمة الأولى في الشريعة متمثلة في قانون التجارة، والمصيبة الكبرى هي الأساس الفكري الذي بني عليه القانون وهو اعتباره جزءاً من القانون المدني الذي هو بعينه ما يسمى في الاصطلاح الفقهي المعاملات ثم تلك الفكرة الدخيلة:

 

مقارنة الإسلام بالأنظمة الكافرة واعتبار أممها متمدنة!

هذه السذاجة والغفلة عند منفذي الإصلاح الأوائل أصبحت عند الشباب التركي الدارس في أوروبا فكرة واعية ومبدأ مرسوماً، ومن ثم استبد أولئك المثقفون ثقافة غربية بمسمى الاصلاح، وحددوا مواصفاته الخاصة التي ترمي في النهاية إلى نبذ الإسلام والتمسك بركاب أوروبا الكافرة.

 

سرت في قلوب أولئك روح التفرنج وتطور الأمر إلى أن نشأت حركة ثورية تطالب بالإصلاح الداخلي الذي تمثل عندها في وضع حد لسلطة عبد الحميد المطلقة، وكان قادة هذه الحركة من مختلف الاتجاهات والميول والارتباطات لا يجمعهم إلا هذا الهدف... وهو قيام حكومة دستورية، ثم لا يتفقون على شيء بعد ذلك المطلب.

نظرياتهم السياسية متعددة بقدر ما أتيح لكل منهم أن يقرأ في اللغة الأجنبية التي يتقنها! صباح الدين وقع بيده كتاب أدموند ديمولان عن سر تقدم الإنكليز السكسونيين ومن ثم اعتنق فكرة اللامركزية.

وأحمد رضا كان من سوء حظه أنه تعرف على أوغست كونت فاعتنق الوضعية إلى حد الإصرار على تأريخ منشوراته بالتاريخ الخاص للوضعيين وحذف التاريخ الهجري ليقود بهذه المنشورات دولة الخلافة!

وأحمد رضا أمه نمساوية وأبوه كان يعرف باسم إنكليزي علي بك نظراً لميوله للإنكليز وحبه لهم

ونامق كمال كان وطنياً متأثراً بالنزعة القومية التي عاصرها أثناء إقامته في العواصم الأوروبية المختلفة ووقع الصدام المحتوم بين هذه الحركة وبين السلطان عبد الحميد -رحمه الله- الذي كان يروم الإصلاح الحقيقي ممثلاً في دعوته إلى الجامعة الإسلامية وإعلان الجهاد.

 

وفي سنة 1897 استطاع بحنكته ودهائه أن يشل هذه الحركة، ويستميل كثيراً من عناصرها، ولكن الجو الذي خلقته هذه الحركة والأفكار التي نشرتها ضد الإسلام، كانت دافعاً مشجعاً لنشوء حركات سرية تآمريه تتمسح بشعارات وأهداف هذه الحركة، وتخفي في أعماقها ما لم يكن في الحسبان.

نستطيع القول أن الحركة السالفة الذكر والتي تزعمها مدحت باشا وأعوانه تصور الجانب الذاتي من المأساة، وها قد تهيأ الجو لأعداء الأمة المتربصين كي يقضوا على الإسلام عقيدة وشريعة معتمدين على ذلك الجانب!

ذلك أنه في تلك السنة نفسها 1897 اجتمع المؤتمر الصهيوني الأول وقرر أن تقوم دولة إسرائيل في فلسطين التابعة لحكم عبد الحميد .

 

وبسبب أن السلطان رفض بإصرار المساومة على فلسطين ولكون الحقد اليهودي على الإسلام لم يخمد طوال العصور، ونظراً لنجاح التجربة اليهودية في أوروبا فقد اقتضى الأمر تدمير الخلافة العثمانية بثورة شبيهة بالثورة الفرنسية في أهدافها وشعاراتها لتكون فاتحة ظهور دول علمانية في العالم الإسلامي على النمط الأوروبي، ومن ثم تفتح الطريق أمام الهدف الأعظم والحلم القديم قيام حكومة يهودية عالمية دستورها التلمود وملكها من نسل داود.

 

ولا غرابة إطلاقاً في أن تكون اليد الطولى في هذا التدمير لأولئك اليهود الذين وسعتهم سماحة الإسلام حين ضيقت عليهم أسبانيا النصرانية .

ولا غرابة كذلك في أن يجد التلموديون عناصر إسلامية من المغفلين أو ضعاف الإيمان يبذلون تضحيات عظيمة، ويشكلون التغطية الضرورية اللازمة للمؤامرة.

من هذين العنصرين (اليهود الدونمة والمأجورين أو المغفلين من أدعياء الإسلام) تكونت الحركة العلمانية المسماة بـحركة الاتحاد والترقي التي كانت تسير وفق طقوس الماسونية العالمية.

 

ولندع رأي شَيْخ الإِسْلامِ فيهم ولننظر ما قاله سيتون واطسن :

إن الأدمغة الحقيقة في الحركة كانت يهودية أو يهودية - مسلمة، وقد جاءت مساعدتها المالية من الدونمة الأغنياء، ومن يهود سلانيك ومن الرأسماليين العالميين أو شبه العالميين في فينا وبودابست وبرلين ، وربما في باريس ولندن أيضاً.

إن الحقيقة البارزة في تكوين جمعية الاتحاد والترقي أنها غير تركية وغير إسلامية، فمنذ تأسيسها لم يظهر بين زعمائها وقادتها عضو واحد من أصل تركي صافٍ... ولم يكن أحد من الناس يجرؤ أن يتنبأ أن هذه الفئة اليهودية المغمورة المعروفة بالدونمة ستلعب دوراً رئيسياً في ثورة كان لها نتائج خطيرة في سير التاريخ.

 

وبعد صراع مرير مع الخليفة، وقفت فيه كل القوى الدخيلة والعميلة ضده، انتصرت هذه العصبة، وأقصت عبد الحميد عن الخلافة بالقوة سنة 1325هـ 1909م وكان الذي أخذ بثأر هرتسل منه هو قره صو اليهودي! وبزواله زالت العقبة الأخيرة في طريق مخططها اللاديني!

فصلت تلك العصبة الخلافة عن السياسة، واختارت سلطاناً جديداً لم يكن يساوي في نظرهم إلا أحد البابوات المؤقتين، ورأوا أن المناخ لم يتهيأ بعد لإلغاء منصب الخلافة.

أما فكرة الجامعة الإسلامية فقد أبطلها أولئك، ونادوا بفكرة القومية الطورانية معلنين أن حركتهم تهدف إلى تتريك الولايات العثمانية، وكانوا يقصدون -العرب- مما دفع العرب إلى التعلق بـبريطانيا ، ووضع مستقبلهم في يد عميل المخابرات لورنس ، منادين هم أيضاً بالثورة العربية والقومية العربية .

 

ويذكر برنارد لويس أن المستشرقين ومنهم: الكونت قسطنطين بوزريسكي الذي ادعى الإسلام، وتسمى مصطفى جلال الدين هم الذين أسسوا فكرة الطورانية ثم أعلنت عصبتهم الدستور ذلك الصنم الذي جعلته دعايتهم العريضة أعظم الغايات، وجاء الدستور معبراً عن أهدافهم اللادينية إذ رفع شعارات الماسونية ، وشدد على الحرية الدينية ومساواة غير المسلمين بالمسلمين في كل شيء باسم الوحدة الوطنية , وعطل عمل المحاكم الشرعية باسم الاصلاح والتقنين، مما أتاح الفرصة لأعداء الإسلام كي يتمكنوا من العمل بكل حرية ونشاط.

 

وإذا اعتبرنا أفكار ضياء كوك ألب مؤشراً للانتماء الفكري لهذه الحركة، فسنجدها دون أدنى شك حركة لا دينية سافرة، لكن الناس ظلوا مترددين بشأنها؛ لأنها لم تظهر أهدافها الحقيقية، فقد كان المخطط ينفذ بدقة ماهرة.

لقد كانت اللعبة العالمية تقتضي اصطناع بطل تتراجع أمامه جيوش الحلفاء الجرارة! وتعلق الأمة الإسلامية اليائسة فيه أملها الكبير وحلمها المنشود، وفي أوج عظمته وانتفاخه ينقض على الرمق الباقي في جسم الأمة، فينهشه ويجهز عليها إلى الأبد! وهذا أفضل قطعاً من كل الـمائة مشروع لتقسيم تركيا وهدم الإسلام.

وتمت صناعة البطل بنجاح باهر، ووقف يتحدى الحلفاء، وألقى بـاليونان في البحر ولم ير الحلفاء بداً من التفاوض معه! وكانت ثمرة المفاوضات هي - الاتفاقية المعروفة باتفاقية كيرزن ذات الشروط الأربعة:

 

1-إلغاء الخلافة الإسلامية نهائياً من تركيا .

2-أن تقطع تركيا كل صلة مع الإسلام.

3-أن تضمن تركيا تجميد وشل حركة جميع العناصر الإسلامية الباقية في تركيا .

4-أن يستبدل الدستور العثماني القائم على الإسلام بدستور مدني بحت ويصف المؤرخ أرمسترونج خطوات تنفيذ الاتفاقية قائلاً:

 

انطلق كمال أتاتورك يكمل عمل التحطيم الشامل الذي شرع فيه، وقد قرر أنه يجب عليه أن يفصل تركيا عن ماضيها المتعفن الفاسد، يجب عليه أن يزيل جميع الأنقاض التي تحيط بها، هو حطم فعلاً النسيج السياسي القديم، ونقل السلطنة إلى ديمقراطية ، وحول الامبراطورية إلى قطر فحسب، وجعل الدولة الدينية جمهورية عادية، إنه طرد السلطان الخليفة، وقطع جميع الصلات عن الامبراطورية العثمانية، وقد بدأ الآن في تغيير عقلية الشعب بكاملها وتصوراته القديمة وعاداته ولباسه وأخلاقه وتقاليده وأساليب الحديث ومناهج الحياة المنزلية التي تربطه بالماضي وامتدح توينبي عمله، واعتبره أعظم من هتلر عبقرية في فن الهدم وقطع الصلة بالماضي.

وقال: إن الدولة القومية التركية التي أقامها مصطفى كمال على النسق الغربي تبدو - وقت كتابة هذه السطور - عملاً ناجحاً لم يتحقق مثله حتى ذلك الوقت في أي بلد إسلامي آخر وامتدحه ولفرد كانتول سمث - على طريقته الخاصة - قائلاً:

... رأينا تركيا في سبيل رفعة شأنها وخلق مثل عليا جديدة لم تتردد في سحق السلطات الدينية وألغت تعاليمها وحررت الإسلام وكشفت النقاب عن الدين الحق القويم!!

نصب مصطفى كمال نفسه إلهاً من دون الله يشرع للأمة كما يشاء، فلفق قانوناً فريداً يتكون أكثره من القانون السويسري والقانون الإيطالي وغيرهما وأكمل الباقي من عنده، ومع ذلك فهو يدعي أنه كله من عنده قائلاً:

نحن لا نريد شرعاً فيه قال وقالوا، ولكن شرعاً فيه قلنا ونقول ويصف أحد الكتاب الغربيين جلسة في مجلس النواب فيقول: إن مصطفى كمال وقف قائلاً:

إن التشريع والقضاء في أمة عصرية يجب أن يكونا عصريين مطابقين لأحوال الزمان لا للمبادئ والتقاليد

ثم اقتفاه وزير العدل شارحاً ومفسراً:

إن الشعب التركي جدير بأن يفكر بنفسه بدون أن يتقيد بما فكر غيره من قبله، وقد كان كل مادة من مواد كتبنا القضائية مبدوءة بكلمة قال المقدسة، فأما الآن فلا يهمنا أصلاً ماذا قالوا في الماضي، بل يهمنا أن نفكر نحن ونقول نحن ويعترض عليه مرة أحد القانونيين بقوله:

إن هذا النظام الذي تريدون وضعه لا يوجد في أي كتاب للقانون. فيتلقى الجواب التالي:

-إن النظم ليست إلا أشياء وأموراً تكيفت ومرت من التجارب... علي أن أنفذ ما أريد وعليكم أن تدرجوا ما أعمل في الكتب!!

ونتيجة التطرف والغلو المفرط والأعمال التي لا مبرر لها إلا تنفيس الحقد الأوروبي على الإسلام ومركب النقص الذي كان يستشعره الكماليون - اتخذت تركيا المتعلمنة تدبيرات وإجراءات غريبة حقاً:

فقد ألغت بالعنف والإرهاب الكتابة التركية بالأحرف العربية، ثم تجرأت فحرمت الأذان بالعربية، وكتبت المصحف أو ترجمته بلغتها الهجين، وحددت عدد المساجد، وأقفلت كثيراً منها أو حولته إلى ما لا يتفق وقداسته كما فعلت بجامع أيا صوفيا، وألغت وزارة الأوقاف، وفرضت بقوة السلاح المسخ الفكري وحتى المظهري على الأمة لاسيما معركة القبعة الأوروبية التي سالت لأجلها الدماء، وألغت الأعياد الإسلامية، وحطمت بصورة استبدادية مظاهر الحشمة والحياء الإسلاميين، فأكرهت النساء على تقليد المرأة الغربية في كل شيء وحاربت بشدة صارمة كل من اعترض طريقها من المتورعين وحتى المعتدلين شيئاً ما من الكماليين.

 

ولذلك فإن حكومة تركيا العلمانية الكمالية - هي كما وصفها الأمير شكيب أرسلان - ليست حكومة لادينية من طراز فرنسا وإنجلترا فحسب، بل هي دولة مضادة للدين كالحكومة البلشفية في روسيا سواء بسواء، إذ أنه حتى الدول اللادينية في الغرب بثوراتها المعروفة لم تتدخل في حروف الأناجيل وزي رجال الدين وطقوسهم الخاصة وتلغي الكنائس.

والحقيقة المرة أن مصطفى كمال قد خلق نموذجاً صارخاً للحكام في العالم الإسلامي، وكان لأسلوبه الاستبدادي الفذ أثره في سياسات من جاء بعده منهم، كما أنه أعطى الاستعمار الغربي مبرراً كافياً للقضاء على الإسلام، فإن فرنسا مثلاً بررت تنصير بلاد المغرب العربي وفرنجتها بأنه لا يجب عليها أن تحافظ على الإسلام أكثر من الأتراك المسلمين أنفسهم!!

وليس أعجب من هذا الرجل وزمرته إلا من ينادون اليوم - من الزعماء - بإقامة حكومات علمانية في بلادهم، ويقولون: إن مصطفى كمال هو قائدهم الروحي.

في مصر :

يقول توينبي : إن مصر بدأت تتجه نحو الاصطباغ بالصبغة الأوروبية منذ أيام محمد علي متفوقة على تركيا ، كما يرى جب أنها سبقت تركيا في ذلك.

وكان الخديوي إسماعيل مفتوناً بالغرب، وقد مهدت سياسته الفاشلة لتدخل بريطانيا في شئون مصر ثم احتلالها نهائياً.

ومع الاحتلال جاء كرومر بمخططه الخبيث، وبدأت القوى العالمية تشرف على حركة إلغاء الإسلام أو عزله عن شئون الحياة كلها.

والحق أنه لم يكن لـكرومر ولا لغيره أن ينجح لولا الزعماء والعلماء الذين تطوعوا بخدمته، فـالحزب الوطني -أول حزب سياسي في مصر - يعلن برنامجه الرسمي سنة 1882م ونجد فيه:

الحزب الوطني حزب سياسي لا ديني؛ فإنه مؤلف من رجال مختلفي العقيدة والمذهب، وأغلبيته مسلمون لأن تسعة أعشار المصريين من المسلمين، وجميع النصارى واليهود، وكل من يحرث أرض مصر ويتكلم بلغتها منضم إليه، لأنه لا ينظر لاختلاف المعتقدات، ويعلم أن الجميع إخوان، وأن حقوقهم في السياسة والشرائع متساوية والثورة العرابية لو قدر لها أن تنجح فربما كانت سبقت مصطفى كمال بأشياء كثيرة فها هو أحد زعمائها يقول:

كنا نرمي منذ بداية حركتنا إلى قلب مصر جمهورية مثل سويسرا ، ولكنا وجدنا العلماء لم يستعدوا لهذه الدعوة؛ لأنهم كانوا متأخرين عن زمنهم، ومع ذلك فسنجتهد في جعل مصر جمهورية قبل أن نموت ولهذا فما الذي يمنع كرومر بعد ذلك أن يقول:

إن الإسلام ناجح كعقيدة ودين ولكنه فاشل كنظام اجتماعي، فقد وضعت قوانينه لتناسب الجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي ولكنه مع ذلك أبدي لا يسمح بالمرونة الكافية لمواجهة تطور المجتمع الإنساني.

ثم إن كرومر قد حرص على أن يؤكد للمصريين أن المسلم غير المتخلق بأخلاق أوروبية لا يصلح لحكم مصر ، كما أكد أن المستقبل الوزاري سيكون للمصريين المتربين تربية أوروبية ومن هنا كانت رغبة المحتلين الشديدة في تعاون العلماء (المتنورين) معهم، وهي الرغبة التي تجلت في تشجيعهم للحركة الإصلاحية واحتضانها.

كان زعيم الإصلاح في مصر هو الشيخ محمد عبده الذي أثاره تقدم الغرب وتخلف المسلمين في كل ميدان، فهب يدعو إلى الإصلاح متأثراً بفكر جمال الدين الأسد أبادي الشهير بـالأفغاني ، وكان أمل المخطط اليهودي الصليبي -كما أوضح كرومر وجب وغيرهما- أن تكون حركة الشيخ مماثلة تماماً لحركة سير أحمد خان مؤسس جامعة علي قره بـالهند التي تسمت المعتزلة الجدد وكانوا مفتونين بحضارة الغرب منبهرين بها إلى أقصى حد.

ولكن ظروف مصر غير ظروف الهند ، كما أن الشيخ وإن كان اعتزالياً متطرفاً لم يستطع أن يصدم المشاعر الإسلامية بأكثر مما فعل حيث قامت ضد بعض تصرفاته ضجة في كثير من أنحاء العالم الإسلامي (الفتوى الترنسفالية، فتوى إباحة صناديق التوفير..).

وليس ثمة شك في أن مصر الحديثة التي يريدها كرومر هي دولة لا دينية لا صلة لها بالإسلام وحكومتها ستكون على الشرط الذي مر آنفاً، أما محمد عبده فلم تكن لديه كما يبدو صورة واضحة، وإنما كان يهدف إلى الإصلاح الذي ينشده في ظل الاحتلال الإنجليزي، ولهذا فإن التعاون بين كرومر والشيخ يعني تقديم تنازلات من الأخير للأول، أما العدو المشترك لهما، فهم العلماء غير الأحرار الذين كانوا - رغم ما فيهم - ينفرون من المحتل والعمل معه في أية صورة!

وابتدأ محمد عبده عمله الإصلاحي بمهاجمه الأزهر ونقد المحاكم ونقد الحياة الاجتماعية، وكرومر من ورائه يقطف الثمار.

 

لقد كانت بريطانيا - كعادتها - عازمة على إلغاء الشريعة الإسلامية فور تمكنها في البلاد، غير أن كرومر رأى أن أفضل وسيلة لذلك هو تفريغ المحاكم الشرعية من محتواها، بأن يتولاها علماء ذوو طابع تحرري، تتم تربيتهم بإشرافه هو والشيخ في معهد خاص لقضاة الشرع، وقوى عزمه على ذلك المعلومات التي يذكر أنه حصل عليها عن الكلية التي أنشأتها في سراجيفو حكومة النمسا والمجر لتخريج قضاة الشرع المسلمين، والتي يقول عنها: إنها كلية أثبتت نجاحها من كل الوجوه، ويتحدث عن ذلك في تقريره السنوي لحكومته عام 1905:

... وقد وضعت هذه المعلومات تحت تصرف لجنة ذات كفاية ممتازة يرأسها المفتي الأكبر السابق (محمد عبده ) بقصد وضع خططه مشابهة تلائم ظروف مصر وحاجاتها، وقد أتمت اللجنة عملها في شهر يونيه السابق ووضعت النظم المقترحة تحت تصرف الحكومة... وهذه النظم تزود الطالب ببرامج ثقافية ذات طابع تحرري لا تحصر الطالب في الدراسات الدينية الخاصة

والعجيب حقاً أن محمد عبده لم يكن يرى حرجاً من اقتباس القوانين التشريعية الغربية، ما دام ذلك يحقق (الإصلاح في نظره)، بل يقول العقاد وهو من المعجبين به: إنه علم أن المراجع العربية لهذه القوانين لا تعطيه الإحاطة الواجبة بتلك المبادئ في أصولها المأثورة عند فلاسفة التشريع الغربيين، فشرع في تعلم اللغة الفرنسية. كما أن إعجابه بالثقافة الغربية هو الذي جعله يبالغ في انتقاص الأزهر مطلقاً عليه لفظ الإصطبل أو المارستان أو المخروب، ويحاول إصلاحه وإصلاح التعليم كله على الطريقة الغربية ويقول:

إن كان لي حظ من العلم الصحيح... فإنني لم أحصله إلا بعد أن مكثت عشر سنين أكنس من دماغي ما علق فيه من وساخة الأزهر وهو إلى الآن لم يبلغ ما أريد له من النظافة

لا شك أن الأزهر كان بحاجة إلى الإصلاح، ولكن الإصلاح الذي يريده الإنجليز - ومعهم الشيخ - كان من نوع آخر، لا سيما وأن شبح سليمان الحلبي يهدد كرومر كل حين.

وكان من أعظم خطط الإنجليز للقضاء على الشريعة الإسلامية إنشاء مجلس شورى القوانين الذي كانوا يحكمون مصر من خلاله، والذي قدم الشيخ له خدمات جليلة مما دفع المستشار القضائي الإنجليزي إلى رثائه في تقريره عن المحاكم لعام 1905 قائلاً:

(ولا يسعني ختم ملاحظاتي على سير المحاكم الشرعية في العام الماضي بغير أن أتكلم عن وفاة مفتي الديار المصرية الجليل المرحوم الشيخ محمد عبده في شهر يوليه الفائت، وأن أبدي أسفي الشديد على الخسارة التي أصابت هذه النظارة بفقده...).

إلى أن يقول: وفوق ذلك فقد قام لنا بخدمة جزيلة لا تقدر في مجلس شورى القوانين في معظم ما أحدثناه أخيراً من الإصلاحات المتعلقة بالمواد الجنائية وغيرها من الإصلاحات القضائية، إذ كان يشرح للمجلس آراء النظارة ونياتها، ويناضل عنها، ويبحث عن حل يرضي الفريقين كلما اقتضى الحال ذلك (!) وإنه ليصعب تعويض ما خسرناه بموته نظراً لسمو مداركه وسعة إطلاعه وميله لكل ضروب الإصلاح والخبرة الخصوصية التي اكتسبها أثناء توظفه في محكمة الاستئناف وسياحاته إلى مدن أوروبا (!) ومعاهد العلم...'

 

وقد يكون أخطر آثار محمد عبده التي تعد ركيزة من ركائز العلمانية في العالم الإسلامي إضعاف مفهوم البراء والولاء، ودار الحرب ودار الإسلام إذ كان الشيخ أعظم من اجترأ عليه من المنتسبين للعلماء، لا بتعاونه مع الحكومة الإنجليزية الكافرة فحسب، ولكن بدعوته الصريحة إلى موالاة الإنجليز وغيرهم - بحجة أن التعاون مع الكفار ليس محرماً من كل وجه - ودعوته إلى التقريب بين الأديان

 

حقيقة أن الرأي العام الإسلامي قد ثار على بعض فتاوى الشيخ التي أباح بها موالاة الكفار، ولكن تأثيرها في الأمة لا شك فيه، لا سيما في تلك الفترة الحرجة التي تتميز بغبش الرؤية واختلاط المفهومات.

ويليها في الخطورة فتواه حول إباحة الربا بطريق صناديق التوفير معتمداً - كما يرى العقاد - على مفهوم الآية من أنه لا يحرم من الربا إلا الأضعاف المضاعفة!

وأخيراً فإن الشيخ - بقصد أو بدون قصد - قد أوجد القاعدة التي ارتكز عليها من يسمون دعاة الإصلاح للتعلق بأذيال الغرب وإقصاء الإسلام عن توجيه الحياة، إذ ظلوا ينقضون عرى الإسلام عروة عروة، حتى أن المعركة الآن أصبحت تدور ضد قانون الأحوال الشخصية، وهو البقية الضئيلة من آثار الشريعة الإسلامية والميزة الاجتماعية التي تميز المسلم من غيره.

لم يكن محمد عبده علمانياً، ولكن أفكاره تمثل بلا شك حلقة وصل بين العلمانية الأوروبية والعالم الإسلامي، ومن ثم فقد باركها المخطط اليهودي الصليبي، واتخذها جسراً عبر عليه إلى علمانية التعليم والتوجيه في العالم الإسلامي وتنحية الدين عن الحياة الاجتماعية بالإضافة إلى إبطال العمل بالشريعة والتحاكم إلى القوانين الجاهلية المستوردة، واستيراد النظريات الاجتماعية الغربية، وهو ما تم جميعه تحت ستار الإصلاح أيضاً.

أما الجماهير الإسلامية فقد اتخذت أفكار الشيخ الإصلاحية مبرراً نفسياً لتقبلها للتغيير العلماني المتدرج في الدول العربية.

وقد صور محمد المويلحي في عمله الرائع حديث عيسى بن هشام شيئاً من ذلك على لسان أبطال الرواية، إذ يسأل أحدهم متعجباً: كيف ساغ للمصريين أن يأخذوا بقانون نابليون المخالف للشريعة؟ فيجيب الآخر بأن المفتي أقسم بالله أنه موافق للشريعة.

هذا وقد عاصر محمد عبده رجل آخر من دعاة الإصلاح أيضاً هو عبد الرحمن الكواكبي (ت1902) يحق لنا أن نقول: إنه أول من نادى بفكرة العلمانية حسب مفهومها الأوروبي الصريح فهو يقول:

يا قوم وأعني بكم الناطقين بالضاد من غير المسلمين أدعوكم إلى تناسي الإساءات والأحقاد، وما جناه الآباء والأجداد، فقد كفى ما فعل ذلك على أيدي المثيرين، وأجلكم من ألا تهتدوا لوسائل الاتحاد وأنتم المتنورون السابقون، فهذه أمم أوروبا وأميركا قد هداها العلم لطرائق الاتحاد الوطني دون الديني، والوفاق الجنسي دون المذهبي، والارتباط السياسي دون الإداري...

دعونا ندبر حياتنا الدنيا، ونجعل الأديان تحكم الأخرى فقط (!) دعونا نجتمع على كلمات سواء، ألا وهي فلتحيى الأمة، فليحيى الوطن، فلنحيى طلقاء أعزاء.

واقتفى هذين عدد من الكتاب والصحفيين المشبوهين - من أدعياء الإسلام وغيرهم، يطالبون بضرورة فصل الدين عن السياسة وإبعاده عن واقع الحياة، وأن ذلك هو الحل الوحيد لمشاكل الشرق، وكان لسموم المستشرقين ودسائس المبشرين أعظم الأثر في ذلك.

وقد هوجمت الشريعة الإسلامية بكاملها، وتوالت حملات التشكيك معلنة عدم ملاءمتها لمقتضيات العصر وظروف التطور، ومن أبرز الموضوعات التي هوجمت:

1-الجانب الاقتصادي: فقد حرص المغرضون على تضخيم فتوى محمد عبده ليبتروا هذا الجانب بكامله عن الشريعة، وممن استخدموا لذلك حفني ناصف الذي قال: إن الربا بفائدة ليس من أنواع الربا المحرم، وأن سبب تخلف مصر هو عدم فتح بنوك على الطريقة الغربية ثم تلاه من تلاه حتى استصدرت فتوى من أحد شيوخ الأزهر البارزين بإباحته، ولا يزال هذا هو رأي من يسمون أصحاب الاتجاه العصري.

وقد تم عملياً عزل الشريعة عن هذا المجال المهم منذ زمن بعيد إلا أن المغرضين ما يزالون حريصين على اختلاق ما يبرره.

2-الجانب الاجتماعي: إذ كانت أفكار محمد عبده أيضاً منطلقاً للهجوم على موقف الشريعة من المرأة، وسيأتي لهذا الموضوع فصل مستقل بإذن الله.

أما الموضوع الأساسي: وهو الحكم بغير ما أنزل الله في السياسة والقضاء، فقد كان له بعد محمد عبده تأريخ آخر.

لقد أتم المستعمرون - عملياً - إقصاء الشريعة بل إسدال الستار على هذا الموضوع من أساسه، وزرعوا الأحزاب السياسية المتباينة التي تتفق جميعها في عدم رفع شعار الإسلام أو الدعوة إلى تحكيمه.

وعقب إلغاء مصطفى كمال للخلافة سنة 1343هـ، وفيما كان الرأي العام في العالم الإسلامي مأخوذاً بهول الصدمة طلع رجل أزهري بفكرة غريبة مريبة يقول المستشرق شمتز: إنها كان لها الفضل في تخفيف وطأة ما فعله أتاتورك على مشاعر المسلمين ذلك هو علي عبد الرزاق صاحب كتاب الإسلام وأصول الحكم !

جمع عبد الرازق في كتابه بين أسلوب المستشرقين في تحوير الفكرة واقتطاع النصوص وتلفيق الواهيات، وبين طريقة الباطنية في التأويل البعيد، وسرد نبذاً من سير الطواغيت ونتفاً من أقوال متملقيهم، وعمد إلى مغالطات عجيبة - كل ذلك ليدلل على أن الإسلام كـالمسيحية المحرفة علاقة روحية بين العبد والرب لا صلة لها بواقع الحياة.

ولم يفت الشيخ أن يدلنا على أحد مراجعه الرئيسية لنستكمل ما قد يكون فضيلته عجز عن بيانه فهو يقول في الكتاب نفسه:

وإذ أردت مزيداً في البحث فارجع إلى كتاب الخلافة للعلامة (!) السير تومس آرنولد ففي الباب الثاني والثالث منه بيان ممتع ومقنع ثم يقول:

تكلم عيسى ابن مريم عليه السلام عن حكومة القياصرة، وأمر بأن يعطي ما لقيصر لقيصر... وكان ما جرى في أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام من ذكر الإمامة والخلافة والبيعة الخ لا يدل على شيء أكثر مما دل عليه المسيح حينما ذكر بعض الأحكام الشرعية عن حكومة قيصر

ويقول: إن يكن الفقهاء أرادوا بالإمامة والخلافة ذلك الذي يريده علماء السياسة بالحكومات كان صحيحاً ما يقولون من أن إقامة الشعائر الدينية (الشعائر فقط) وصلاح الرعية يتوقفان على الخلافة بمعنى الحكومة في أي صورة كانت الحكومة ومن أي نوع، مطلقة أو مقيدة، فردية أو جمهورية، استبدادية أو دستورية أو شورية، ديمقراطية أو إشتراكية أو بلشفية ، لا ينتج لهم الدليل أبعد من ذلك، أما إن أرادوا بـالخلافة ذلك النوع الخاص من الحكم (يعني الحكم الإسلامي!) فدليلهم أقصر من دعواهم، وحجتهم غير ناهضة

هذا ولسنا بصدد استعراض ذلك الكتاب المريب، ولكن تجدر الإشارة إلى أنه كان له آثار بعيدة، فقد ترجم إلى اللغات الأجنبية، وأصبح مرجعاً معتمداً لدراسات الإسلامية هناك، وقام بتقريظه والثناء عليه كل المهتمين بهذه الدراسات في الغرب، وظهرت آثاره في كتاباتهم وهلل له سماسرة الاستعمار من الكتاب والصحفيين باعتبار مؤلفه عالماً متحرراً متنوراً، ووضعه البعض على رأس مرحلة فكرية عصرية... إلخ.

ووجدت الأحزاب السياسية فيه ضالتها المنشودة، فلم تعد تتحرج من إعلان انتمائها للاتجاهات السياسية اللادينية شرقيها وغربيها، وبراءتها من الدين والمتدينين، أما الكتب التي ألفت في الرد عليه، فقد حاصرتها الدوائر الاستعمارية، وأهملتها وسائل الإعلام حتى لم يكد يظهر لها صدى عند غير القلة المخلصة.

وفي الفترة التي أعقبت إلغاء الخلافة كانت معظم أجزاء العالم الإسلامي خاضعة للاستعمار، وكانت مخططاته الماكرة تنفذ بدقة وعناية، وكانت حركات الجهاد الإسلامي في كل قطر تسعى للخلاص من براثنه هادفة إلى بعث إسلامي جديد، لكن الاستعمار والأحزاب السياسية غير الإسلامية كانت ترمي إلى عكس ما تهدف إليه تلك الحركات.

وفيما كانت مصر مؤهلة لقيادة العالم الإسلامي من جديد، وكان الاستعمار يلم شعثه لمغادرتها ثارت زوبعة حول صلة الإسلام بالحكم، تزعمها كتاب نصارى أمثال: سلامة موسى ، ولويس عوض ، وأناس يدعون الإسلام:

من بين هؤلاء: خالد محمد خالد الذي كتب كتابه من هنا نبدأ هادفاً إلى ما قصده علي عبد الرزاق من قبل، ولكن بأسلوب أذكى وأحدث.

ومن قبله كان الشيخ عبد المتعال الصعيدي يحاول هدم الحدود الإسلامية المستقرة في الكتاب والسنة زاعماً أن الأمر بها للندب لا للوجوب وأن الأمر لا يقتضي التكرار الدائم، إلى آخر هذا اللغو المتهافت.

ثم ظهرت أفكار كثيرة تبرز انتهاج الطوائف الغربية في الحكم والعمل بالقوانين الجاهلية، وأسهمت وسائل الإعلام - لا سيما الصحافة - في نشر وتعميم تلك الأفكار، حتى استحكمت غربة الشريعة، وخفت صوت المكافحين عنها، بل أصبح - في نظر الغالبية العظمى - رمزاً للرجعية والتأخر.

واكتفى البعض بالقول بأن الدين للواقع وأن التفكير السياسي الإسلامي في أزمة، وأنه لا بأس من اشتقاق القوانين والتشريعات من الفقه والقوانين الغربية سواء هذا من الوجهة الفكرية، أما من الناحية العملية فإن واقعنا المشاهد اليوم لهو خير دليل على ما بلغته العلمانية من التغلغل في الحياة الإسلامية، فعلى الرغم من فشل التجارب الديمقراطية وإخفاق المحاولات الاشتراكية ، فإن الرقعة الإسلامية العريضة ما تزال تتخبط وتضطرب بين شعارات وأنظمة ومناهج الغرب اللادينية، أما الشريعة الإسلامية فقد غابت، لا من الواقع فحسب، بل من الشعور والوجدان، على النحو الذي صوره جب بدقة إذ يقول:

 

إن التعليم عن طريق المدارس العصرية والصحافة قد ترك في المسلمين من غير وعي منهم أثراً جعلهم يبدون في مظهرهم العام علمانيين إلى حد بعيد، وذلك هو اللب المثمر في كل ما تركته محاولات الغرب من أجل حمل العالم الإسلامي على حضارته من آثار، فالواقع أن الإسلام كعقيدة لم يفقد إلا قليلاً من قوته وسلطانه، ولكن الإسلام كقوة مسيطرة على الحياة الاجتماعية فقد مكانته، فهناك مؤثرات أخرى تعمل إلى جانبه، وهي في كثير من الأحيان تتعارض مع تقاليده وتعاليمه تعارضاً صريحاً، ولكنها تشق طريقها إلى المجتمع الإسلامي في قوة وعزم.

فإلى عهد قريب لم يكن للمسلم اتجاه سياسي (يخالف الإسلام) ولا أدب إلا الأدب الديني، ولا أعياد إلا الأعياد الدينية، ولم يكن ينظر إلى العالم الخارجي إلا بمنظار الدين، وكان الدين هو كل شئ بالقياس إليه.

أما الآن فقد أخذ يمد بصره إلى ما وراء عالمه المحدود... وصار يقرأ مقالات في مواضيع مختلفة الألوان لا صلة لها بالدين، بل إن وجهة نظر الدين فيها لا تناقش على الإطلاق، وأصبح الرجل من عامة المسلمين يرى أن الشريعة الإسلامية لم تعد هي الفيصل فيما يعرض له من المشاكل، ولكنه مرتبط في المجتمع الذي يحيا فيه بقوانين مدنية لا يعرف أصولها ومصادرها، ولكنه يعرف على كل حال أنها ليست مأخوذة من القرآن.

وبذلك لم تعد التعاليم الدينية القديمة صالحة لإمداده في حاجاته الروحية فضلاً عن حاجاته الاجتماعية، بينما أصبحت مصالحة وحاجاته الدنيوية هي أكثر ما يسترعي انتباهه، وبذلك فقد الإسلام سيطرته على حياة المسلمين الاجتماعية، وأخذت دائرة نفوذه تضيق شيئاً فشيئاً حتى انحصرت في طقوس محدودة، وقد تم معظم هذا التطور تدريجياً عن غير وعي وانتباه، وكان الذين أدركوا هذا التطور قلة ضئيلة من المثقفين، وكان الذين ساروا فيه عن وعي وتابعوا طريقهم فيه عن اقتناع قلة أقل، وقد مضى هذا التطور إلى مدى بعيد، ولم يعد من الممكن الرجوع فيه، وقد يبدو الآن من المستحيل -مع تزايد الحاجة إلى التعليم ومع تزايد الاقتباس من الغرب- أن يُصدّ هذا التيار أو تعاد إلى الإسلام مكانته الأولى من السيطرة التامة التي لا تناقش على الحياة السياسية والاجتماعية.

وينتهي جب إلى القول: إن العالم الإسلامي سيصبح خلال فترة قصيرة جداً علمانياً في كل مظاهر حياته

ويقول في موضع آخر وكأنما هو يستدرك على ما أوردنا:

وكان طبيعياً أن يبقى الإسلام... وقد يكون الدين الرسمي للدولة، ولكنه سلب الحقوق التشريعية، ونزل إلى مكانة الديانة المسيحية في الدول الأوروبية، وقد اختلف تطبيق هذا المبدأ بطبيعة الحال وفق ظروف كل إقليم

 

يتبع بإذن الله....

Link to comment
Share on other sites

ثانياً: في التربية والثقافة

 

قبل أن يصطدم الغرب المتحضر بالشرق المتخلف كانت التربية في الأخير متأخرة أسلوباً وموضوعاً، وكانت الثقافة جامدة ومحدودة.

كان نصيب الأمة الإسلامية من المعرفة ينحصر في بقايا التراث الفكري الذي دونه علماء الكلام والفقه واللغة في عصور ازدهار الحضارة الإسلامية تلك البقايا التي تسمى "الكتب الصفراء" أو "الثقافة التقليدية" وفي أحسن الأحوال "الثقافة الأصلية" كما في بلاد المغرب .

ولا شك أن هذه البقايا تشكل جانباً من جوانب الثقافة الإسلامية في مفهومها الواسع بغض النظر عن مدى صدقها في تمثيل حقيقة التصور الإسلامي المفترضة في ذلك الجانب، ولكن من المؤكد أن ذلك لا يصح اعتباره الصورة الكاملة المثلى للثقافة الإسلامية، ومن ثم فإن الحكم على الإسلام من خلال النظرة لذلك الجانب وحده خاطئ يقيناً.

ولسنا الآن بصدد الحديث عن مفهوم العلم في التصور الإسلامي، ولكن الذي يهمنا هو إيضاح أن المستوى العلمي للمسلمين في القرن الماضي لا يمثل هذا المفهوم أبداً، بل إنه - في بعض الأحيان - ليتنافى معه تمام المنافاة.

ولنأخذ شاهداً قريباً لذلك من الأزهر الذي صبت عليه اللعنات لجموده وتخلفه.

كان الأزهر منذ تأسيسه يدرس في حلقاته المكتظة الفلك والجبر والهندسة والطب كما يدرس الفقه والنحو والحديث سواء بسواء بلا حرج ولا غضاضة.

وظل كذلك إلى عصر ليس ببعيد، فها هو ذا الجبرتي يورد في تاريخه أسماء كثيرين ممن نبغوا في هذه العلوم بالنسبة لعصرهم - منهم والده - وإن كان مستواهم متخلفاً بالنسبة لما هو عليه حال معاصريهم في الغرب، ذلك أن هؤلاء يمثلون الدفعات الأخيرة لحضارة منهارة، في حين يمثل أولئك -الغربيون- طلائع متقدمة لحضارة فتية، ومع ذبول الحضارة الإسلامية التدريجي تقلص ميدان العلم ليقتصر على العلوم الضرورية التي لا يمكن للمجتمع الإسلامي أن يحيا بغيرها، وأهملت العلوم الأخرى لا تحريماً لها، ولكن عجزاً وتهاوناً يمليها الواقع المنهار من كل ناحية.

وفي فترة الركود العلمي تلك، ولدت أجيال بررت ذلك العجز والتهاون بصنوف المعاذير، ثم استساغت الانغلاق، وفسرت الدين نفسه تفسيراً ضيقاً، وحددت علومه تحديداً نابعاً من واقعها المظلم، لا من حقيقة الدين وجوهره.

وفيما كانت الأوضاع تنحدر إلى الهاوية، تلقت الأمة ضربة عنيفة من يد نابليون - طليعة الحضارة الغربية الكافرة - أيقظتها هذه الضربة من نومها، ولكنها أفقدتها صوابها.

لقد فتح المسلمون أعينهم على وسائل جديدة، وإمكانيات حديثة تسندها علوم ناهضة، وتعززها بحوث دائبة، وكان من الممكن -عقلاً- أن ينهضوا من كبوتهم مستفيدين مما رأوا، ولكنهم - واقعاً - لم يفعلوا ذلك لأنهم:

أولاً: لم يكونوا يملكون القدرة على التمييز وتقدير التجربة حق قدرها.

وثانياً: كان اقتران العلوم الجديدة بتلك الحملة الصليبية الوحشية - التي انتهكت حرمة الأزهر نفسه -دافعاً لمقت تلك العلوم ورفضها إطلاقاً.

وحدثت نفرة شديدة بين علم الأزهر الذي كان يعتقد أنه يمثل الثقافة الإسلامية أصدق تمثيل وبين علم الغرب الذي بدا لأعين الأزهريين علماً غريباً خاصاً بالكفار.

من هذا الخطأ التاريخي تقريباً نشأت الازدواجية الخطرة في العالم الإسلامي: تعليم ديني ضيق محدود، وتعليم لا ديني يشمل نشاطات الفكر كلها.

وقد حاول محمد علي في أول الأمر أن يدخل العلوم الحديثة ضمن مناهج الأزهر، إلا أنه خشي معارضة الأزهريين، فقام على الفور بإنشاء نظامه التعليمي الحديث، وهكذا انقسم التعليم في مصر إلى نظام ديني ونظام مدني حديث.

ولما كان اللقاء بين شيخ الأزهر وجومار مستحيلاً، فقد كان لا بد من الصراع بين أتباع وثقافة كل منهما، ورأى أبناء جومار أن القضاء على الأزهر يكون ببقائه جامداً معزولاً عن الحياة ومتغيراتها.

فاستصدروا من الخديوى إسماعيل سنة (1872م) القانون الخاص بتنظيم الأزهر وإصلاحه، وتنص فقرة (ب) منه على:

تحديد الدراسات التي تعطى بالأزهر بإحدى عشرة مادة هي: الفقه وأصول الدين والتوحيد والحديث والتفسير والنحو والصرف والمعاني والبيان والبديع والمنطق ووافق ذلك هوى في نفوس علماء الأزهر، وبذلك قطع الطريق أمام وعي ذاتي لإصلاح الأزهر حقيقة.

أما المدارس الحديثة التي أنشأها محمد علي وأولاده فقد كانت مجالاتها أرحب وفرصها أوسع، وكانت البعثات إلى الخارج قائمة على قدم وساق.

والناحية الأشد خطورة هي الوسائل التي ينتهجها كلا النظامين التعليميين: النظام الديني -كما سمي- يقوم في الكتاتيب المتفرقة في القرى والأمصار للمرحلة الابتدائية، والجامع الأزهر للمرحلة العليا.

والكتاتيب يدرس فيها فقهاء يجتمع حولهم الطلبة في مظاهر ريفية يحملون الألواح القديمة والمصاحف، والفقيه يتوسطهم بعمامته وفي يده عصا طويلة، ويقوم بتلقينهم بطريقة تغاير روح التربية الإسلامية المأثورة التي كانت في عصرها أرقى أساليب التربية العالمية.

وطلاب الجامع نفسه يتحلقون في أروقته مفترشين الحصر البالية، يتصدرهم شيخ لا يكاد يختلف في مظهره عن فقيه الكتاب.

وعندما يكمل الطالب دراسته تكون شهادته إجازة خطية يكتبها له الشيخ بيده ناعتاً تلميذه بالألقاب العلمية العريضة.

أما إيرادات هذا التعليم فتأتي من هبات وصدقات المحسنين وأوقاف المتبرعين وهدايا رجال الدولة، أي أنها فوق كونها غير منظمة يصحبها أيضاً المن والرياء.

وعلى عكس ذلك كانت المدارس الحديثة:

فلها أبنية فخمة ووسائل متقدمة وميزانيات ثابتة ومناهج حديثة، ويديرها خبراء فرنسيون يشعر مظهرهم وتصرفاتهم بالحداثة والتحضر.

ولندع النظام الأزهري على جموده الذي سيظل عليه حتى ينسف كلية - كما سنرى - ولنتابع سير التعليم اللاديني واتجاهاته الثقافية.

يتحدث جب عن شيء من ذلك قائلاً: (وكانت المصادر الأولى التي أخذ الفكر الأوروبي يشع منها هي المدارس المهنية التي أنشأها محمد علي والبعثات العلمية التي أرسلها إلى أوروبا ).

ويذكر أن منها مدرسة الألسن التي كان يشرف عليها العالم الفذ رفاعة الطهطاوي (1801-1873) وهو تلميذ جومار البار .

ثم كانت الموجة الثانية من موجات التغريب في عهد الخديوي إسماعيل ، ويمكننا أن نختار محمد عثمان جلال (1829-1798) تلميذ رفاعة مثالاً للجناح المتقدم من هذه الحركة، فقد كانت أبرز آثاره الأدبية ترجمات لبعض المؤلفات الفرنسية ذات الشهرة، مثل بول وفرجيني ، وخرافات لا فونتين وبعض ملاهي موليير ، والأمر الذي يجدر التنويه به في عمله هذا ليس هو فكر الترجمة في ذاتها، بل الروح التجديدية التي تكمن وراءها (!) فقد ترجم لا فونتين إلى شعر سهل لا تصنع فيه ولا رهق، إلا أنه حين ترجم ملاهي موليير كتبها بلهجة العامة في مصر ، ولم يكن الوقت قد حان بعد للإقدام على مثل هذا العمل الجريء (!) غير أن ما تجلى في تلك الخطوة من انفكاك تام من أسر الماضي كان دليلاً على روح العصر، قال الخديوي إسماعيل : إن مصر أصبحت قطعة من أوروبا ولذا كان لا بد للأدب المصري من أن يعبر عن استقلاله عن التقاليد الآسيوية والأفريقية

كانت حركة التغريب الأولى فرنسية الاتجاه، فلما احتل الإنجليز مصر أصبحت الحركة إنجليزية، واتخذت طابعاً جديداً أعمق وأوسع، فقد كان الاستعمار الإنجليزي يهدف إلى ما ذكره اللورد ميكالي عن الهند :

يجب أن ننشئ جماعة تكون ترجماناً بيننا وبين ملايين من رعيتنا، وستكون هذه الجماعة هندية في اللون والدم، إنجليزية في الذوق والرأي واللغة والتفكير)

فالاستعمار -كما قال أحد شعراء المسلمين في الهند - أذكى من فرعون الذي استخدم سياسة قتل الأولاد، ولم يفتح لهم مدارس وكليات تقتلهم من حيث لا يشعرون كما فعل المستعمرون

فقد افتتحوا مدارس غربية قلباً وقالباً في المراكز الثقافية الكبرى للعالم الإسلامي، ورسموا المخططات لاستئصال التعليم الأصلي.

من هذه المدارس الكليات التبشيرية التي أنشئت في لاهور وبيروت وإسلامبول والقاهرة وغيرها، عدا المدارس الأقل شأناً التي انتشرت في الهند وبلاد الشام ومصر وبصفة أظهر في بلاد المغرب .

ومما لا شك فيه أن هذه المدارس كان لها أعظم الأثر في توجيه النهضة الفكرية وجهة لا دينية، وتوسيع الهوة بين التعليم الديني واللاديني، كما شجع الاستعمار واحتضن الحركات الفكرية والأدبية التي قام بها النصارى - لا سيما الشاميون - حيث كانت جمعياتهم وصحفهم في الشام ومصر من أشد أجنحة التغريب تأثيراً.

أما احتواء التعليم الأصلي والسيطرة عليه فأقوى الشواهد عليه المخطط البطيء الماكر، الذي وضعه كرومر ووزيره القسيس دنلوب في مصر ، والذي استخدم أحدث ما وصلت إليه التربية وعلم النفس في عصره لإخراج جيل ممسوخ قابل للاستعباد.

فتح دنلوب مدارس حكومية ابتدائية تدرس العلوم المدنية وتعلم اللغة الإنجليزية لغة الاستعمار وتخرج موظفين كتبة، في الدواوين التي يحتلها ويديرها الإنجليز، يقبضون رواتب تعد بالجنيهات لا بالقروش.

ولم يكن الأمر في حاجة إلى مزيد من الإغراء، فمن ذا الذي يبعث بابنه بعد اليوم إلى الأزهر إلا الفقراء العاجزون عن دفع المصروفات، وهو يرى له المستقبل المضمون في وظيفة الحكومة حيث (يرطن) بلغة السادة المستعمرين؟!

وانصرف الناس القادرون - من ذوات أنفسهم - عن الأزهر، واتجهوا إلى مدارس الحكومة بعد الثورة الأولى التي أثارها الحس الباطني المسلم على هذه المدارس الكافرة التي لا تعلم القرآن ولا تعلم الدين، وأصبح هؤلاء المتعلمون طبقة جديدة تستمد طبقيتها من أنها من أبناء الأسر أولاً، ومن مركزها الاجتماعى في وظيفة الحكومة

 

ثانياً، ومن التشجيع الظاهر والخفي الذي تلقاه من سلطات الاستعمار بعد هذا وذاك

وبالإضافة إلى أسلوب التربية السيئ المتعمد لم يشأ دنلوب أن تخلو المدارس تماماً من الدين - ولو فعل ذلك لكان أفضل - بل قرر مادة (دين) لكنه جعلها مادة ثانوية في قيمتها الدراسية، ثم إن حصصها كانت توضع في نهاية اليوم المدرسي، وقد كل التلاميذ وملوا وحنوا إلى الانفلات من سجن المدرسة البغيض إلى فسحة الشارع أو رحب البيت، وكانت هذه الحصص توكل إلى أسن مدرس في المدرسة، يسعل ويتفل، ويمثل أمام التلاميذ ضعف الحياة الفانية المنهارة...فيرتبط الدين في وجدانهم بالعجز والفناء والشيخوخة، كما يرتبط بالملل والضجر والنفور

وقرر كذلك -لغاية خبيثة - مادة "لغة عربية" وفي الوقت الذي كان فيه مدرس اللغة الإنجليزية يتقاضى مرتباً شهرياً اثني عشر جنيهاً كاملة، كان زميله مدرس اللغة العربية لا يقبض سوى أربعة جنيهات، مما جعل الفرق بينهما في المكانة الاجتماعية شاسعاً، وجعل اللغة العربية في ذاتها موضع الاحتقار والازدراء

وليس أنكى من ذلك إلا المناهج التي كانت تدرس في مدارس الحكومة، والتي كانت مملوءة بالطعن والسموم فيما يتعلق بالإسلام وتاريخه وحضارته، ومفعمة بالتقدير والإكبار الذي يصل درجة التقديس فيما يتعلق بـأوروبا وتاريخها وحضارتها، ومن بين طلاب هذه المدارس تنتقى نخبة معينة للابتعاث إلى أوروبا وهناك يتم المسخ الكامل لها، لكي تعود إلى بلادها فتقبض على مقاليد الفكر والثقافة وتوجهها حسب إرادة السادة المستعمرين.

والعمل نفسه-مع اختلاف في الوسائل - سلكته فرنسا في الشام وبلاد المغرب ، وقد نشأ نتيجة لهذه التربية الاستعمارية جيل مقطوع الصلة بدينه، مفتون بالغرب وتياراته الثقافية المختلفة التي تتفق في شيء واحد هو تحللها من الالتزام بالدين، يتحدث ولفرد كانتول سمث بإجمال عن التأثير الثقافي الغربي قائلاً:

إن من أهم أسباب حركة الحرية والإباحية التي تسود اليوم في العالم الإسلامي، ومن أكبر عواملها نفوذ الغرب، فقد بلغت هذه الحركة أوجها في أوروبا من أواخر القرن التاسع عشر إلى الحرب العالمية الأولى، وهكذا شأن نهضة أوروبا وتقدمها، وقد سافر كثير من الشباب المسلم إلى الغرب واطلعوا على روح أوروبا وقيمها وأعجبوا بها إلى (أبعد) حد، وينطبق هذا بخاصة على الطلاب الذين درسوا في جامعات أوروبا بعدد لم يزل يزداد مع الأيام، وهم الذين سببوا استيراد كثير من أفكار الغرب وقيمه إلى العالم الإسلامي، وقد حازت قصب السبق في هذا المضمار تلك المعاهد الثقافية التي قامت بتربية جيل بأكمله على النمط الغربي الحديث،

 

وكان مما صدره الغرب إلى العالم الإسلامي تلك الأفكار المتعددة الجديدة التي تقع في الأهمية بمكان، والاتجاهات العقلية الدقيقة الفجة (كذا) والميول الحديثة التي كان في نشرها أوفر نصيب لنمط التعليم الغربي الحديث، ويفوقها في ذلك تأثير معاهد الغرب الحقوقية والسياسية والاجتماعية الجديدة ونفوذها الزائد، ومنها ما يسلط إجباراً وما يحاول تسليطه، وبينما قام بعض المسلمين لمقاومة هذا التيار رحب به البعض الآخر، إن بعضهم قد وقع تحت تأثير هذه التربية رسمياً، وبعضهم قد رحب بهذا التيار بدافع من أنفسهم، وأنتج ذلك أن كثيراً من المسلمين اعترفوا بهذه النظريات والمعاهد كحقيقة ثابتة، وخضعوا لها بالتدريج، وهكذا استمرت عملية التغريب بسرعة وقوة بالغتين

لم يمض على سيطرة الاستعمار فترة من الزمن حتى كان العالم الإسلامي خاضعاً لتأثير التربية والفكر خضوعاً يتفاوت حسب الأقاليم المختلفة.

ففي تركيا - التي لم تحتل احتلالاً مباشراً - بلغ التأثير ذروته في الردة العقائدية والفكرية العنيفة، التي انتهجها أتاتورك لطمس الإسلام بيد من حديد، وفي الهند فقدت الثقافة الإسلامية ريادتها، وتقوقعت في المؤسسات الأهلية الصغيرة، وضاع كثير من نشاطها في زحمة الصراع الداخلي والخارجي، أما في العالم العربي فلعل أصدق وصف لحاله هو ما قاله توينبي من أن الصراع الفكري فيه بين الأفكار الغربية والإسلام لم ينتج عملاً غربياً ناجحاً، مثل ذلك الذي في تركية ، وإنما كان نتاجه هجيناً لا هو غربي ولا هو إسلامي

وقد قال أحد المستشرقين : إن في القاهرة مائتي مطبعة وسبع عشرة، تصدر ما معدله كتاب أو نشرة واحدة في اليوم ثم يستدرك موضحاً أن أكثرية ما يصدر هو ترجمات للقصص الغربية وهذا يعطينا الدليل على مدى ما وصلت إليه الهجنة، فإن أمة تتجه إلى القصص الغرامية في وقت هي أحوج ما تكون فيه إلى ترجمة العلوم التطبيقية والأخذ بأسباب النهضة لجديرة بهذا الوصف.

وقد أخرج هذا الهجين الممسوخ دعوات ونتائج سيئة نذكر منها على سبيل التمثيل ما يلي:

1-الدعوة إلى الارتماء في أحضان الغرب وأخذ حضارته دون وعي ولا تمييز: وقد تزعم هذا الاتجاه كثير من هجناء الفكر، منهم صاحب كتاب مستقبل الثقافة في مصر الذي يقول:

بل نحن قد خطونا أبعد حداً مما ذكرت فالتزمنا أمام أوروبا أن نذهب مذهبها في الحكم، ونسير سيرتها في الإدارة، ونسلك طريقها في التشريع، التزامنا هذا كله أمام أوروبا ، وهل كان إمضاء معاهدة الاستقلال ومعاهدة إلغاء الامتيازات إلا التزاماً صريحاً قاطعاً أمام العالم المتحضر بأننا سنسير سيرة الأوروبيين في الحكم والإدارة والتشريع؟ فلو هممنا الآن أن نعود أدراجنا وأن نحيي النظم العتيقة لما وجدنا إلى ذلك سبيلاً، ولوجدنا أمامنا عقاباً لا تجتاز ولا تذلل عقاباً نقيمها نحن لأننا حرصاء على التقدم والرقي، وعقاباً تقيمها أوروبا لأننا عاهدنا على أن نسايرها ونجاريها في طريق الحضارة الحديثة

ويقول عن التعليم خاصة:

من الناس من يريد التعليم مدنياً خالصاً، وألاَّ يكون الدين جزءاً من أجزاء المنهج المقومة له، على أن يترك للأسر النهوض بالتعليم الديني وألاَّ تقيم الدولة في سبيل هذا التعليم من المصاعب والعقاب ما يجعله عسيراً، ومنهم من يرى أن التعليم الديني واجب كتعليم اللغة وكتعليم التاريخ القومي، لأنه جزء مؤسس للشخصية الوطنية، فلا ينبغي إهماله ولا التقصير في ذاته، وواضح جداً أن هذا الرأي الأخير هو مذهب المصريين وأن من غير المعقول أن يطلب إلى المصريين، الآن أن يقيموا التعليم في بلادهم على أساس مدني خالص وأن يترك الدين للأسر

ومثل طه حسين سلامة موسى ، الذي يقول متحدثاً عن نفسه:

(إنه شرقي مثل سائر مواطنيه، ولكنه ثار على الشرق عندما أيقن أن عاداته تعوق ارتقاءه، ودعا إلى أن يأخذ الشرقيون بعادات الغربيين كي يقووا مثلهم، ولكنه لم يجن من هذه الدعوة غير الكراهية والنفور، وأحس بالتناقض العميق بينه وبين المجتمع، وهو تناقض كاد يفصل بينه وبين مواطنيه، فإن أسلوب حياته وأهدافه الثقافية والسياسية والروحية تنأى عن عادات مجتمعه، إنه ليخالف سائر الكتاب إذ هو -وإن كان يكتب بالعربية- فإنه يفكر تفكيراً أوروبياً)

ومن هؤلاء أحمد لطفي وصهره إسماعيل مظهر وقاسم أمين

2-احتقار الماضي الإسلامي وتربية الأجيال تربية لا دينية حديثة: ولنأخذ مثالاً على هذا ما قاله مؤلف كتاب مصر ورسالتها :

(عندما فتح العرب مصر عام 640 وكانت ولاية بيزنطية تحكم من القسطنطينية ، وعندما غزا الفرنسيون مصر عام 1798 وجدوها ولاية عثمانية تحكم من نفس القسطنطينية ، التي حملت اسماً جديداً وهو إستامبول أو الأستانة ، ولم يكن حالها عام 1798 بأحسن من حالها عام 640، كان الناس في بؤس وذل وكان البلد في خراب!

فكأن اثني عشر قرناً من تاريخ هذا البلد ضاعت سدى، كأن هذه السنوات الكثيرة قد انقضت ونحن نيام بعيدين (كذا) عن الوجود!

شيء لم يحدث في تاريخ بلد مثل مصر أبداً، تصور اثني عشر قرناً ونصف تذهب سدى! قد يقال قد قامت خلالها دول وأمجاد...ولكنها تلاشت كأن لم تغن بالأمس، وعاد المصري - وهو مدار هذا التاريخ ومقياسه - بالضبط كما كان في أواخر عصر الرومان..

ما الذي حدث؟

الذي حدث أننا تخلينا عن رسالتنا (!)، واتجهنا بكليتنا نحو الشرق فاختل ميزان تاريخنا، وكان ذلك الانكسار العظيم..

وبناء على هذه الأفكار طولب بتربية الأجيال الجديدة تربية لا صلة لها بذلك الماضي، وهاهي ذي بعض نصوص من نشرة مؤتمر التربية العربي المسمى: الحلقة الدراسية العربية الأولى للتربية وعلم النفس :

يجب أن تعمل التربية العربية على خلق خصائص جديدة في الشخصية العربية الناشئة، بحيث تستأصل منها رواسب العصر التركي والاستغلال الاستعماري، وتصنع بدلاً منها خصائص مضادة تتحقق بها القومية العربية الشاملة في المستقبل القريب، فالمواطن العربي يجب أن يكون شخصاً تقدمياً يؤمن بفلسفة التغير والتطور، يجب أن يعتبر نفسه مسئولاً عن المستقبل لا عن الماضي ومسؤولاً أمام الأجيال القادمة لا أمام رفات الموتى .

وعن التربية التقليدية - كما أسماها - يتحدث المحاضر نفسه عن التربية الإسلامية باحتقار شديد ممثلاً لها بقوله:

كان الطفل يشترى من أسواق النخاسة...، ثم يدخل القلعة، وتتبع معه طريقة التلقين الدقيق فيخرج منها بعد أعوام قليلة مسلماً متعصباً لإسلامه، ومملوكاً يعتقد أنه ملك للأمير الذي اشتراه ورباه...".

إلى أن يقول: لهذا كانت طريقة التلقين سيئة السمعة كطريقة تربوية، لأنها تؤدي إلى تعصب حيواني عاطفي غير قائم على الفكر والاقتناع.

 

وعلى لسان محاضر آخر يقول المؤتمر:

في تجاربنا الخاصة إن أخطر ما تتعرض له سيكولوجية الأطفال في هذا الصدد هو التعصب الديني، ويشرح مفهوم الدين كما يتصوره:

الدين أداة الفكر يسند المجتمع عن طريق القدوة والتعليم والإرشاد والترغيب والترهيب...، والتربية الدينية الخاطئة قد تعمل في تزييف الأهداف وفي جعلها أداة للشر الغريزي، وكثيراً ما يستغل الدين لأغراض السياسة الحزبية، وربما نتج عن هذا الارتباط بين الدين والسياسة أخطر ما يهدد العلاقات والروابط القومية .

ويرى الكثيرون أن الكتب السماوية ليس من أغراضها أن تكون موسوعات يبحث المؤمنون فيها عن مشاكل العصر كي يجدوا فيها حلاً لمشكلات العمال في القرن العشرين -على سبيل المثال-، بل هي أداة تلهم المؤمن لاستعمال الفكر في حل مشاكله الطارئة.

3- تطوير الأزهر (تطويعه): كان الأزهر - رغم تخلفه ورغم تقصيره في إبراز الثقافة الإسلامية المتكاملة - قلعة إسلامية يحسب لها أعداء الإسلام كل حساب، وكان فيه رجال يلتهبون غيرة على الإسلام، ويجابهون الطاغوت - داخلياً كان أم خارجياً - بكل جرأة.

فهو الذي قاوم الحملة الفرنسية وقتل أحد منسوبيه قائدها، وهو الذي تزعم الثورة الشعبية سنة 1919م، وفوق هذا كان رابطة إسلامية عامة تهتز لما يحدث على الرقعة الإسلامية الكبيرة.

ولذلك ظل الأزهر سنين طويلة محط المقت ومصب اللعنات من قبل دعاة التغريب واللادينية، حتى جعلوه رأس المشاكل الثقافية في مصر والعقبة الكئود في سبيل النهضة!

وأعظم من تجرأ على الأزهر في القرن الماضي - عن حسن نية وربما عن شعور بالنقص - هو خريجه الشهير الشيخ محمد عبده الذي سبق شيء من الحديث عنه، وربما كان هذا من أهم أسباب التقدير والتمجيد اللذين حظي بهما الشيخ من المستشرقين والمبشرين وأذنابهم بلا استثناء.

ثم جاء طه حسين ولطفي السيد وأضرابهما مبتدئين من حيث انتهى محمد عبده وجيله، وطالبوا بإلحاح أن تزال هذه الصخرة العتيقة التي تعترض الجسر الثقافي العريض الذي يمتد من أوروبا إلى مصر عابراً البحر الأبيض المتوسط ، أي: أن يستبعد آخر أثر شرقي من مصر التي اكتشفت -حسب رأيهم- أن هويتها غربية (100%).

وكان على الأزهر إما أن يساير الموجة العاتية فيفقد رسالته، وإما أن يحكم على نفسه بالفناء.

ورأى أذيال الغرب وكذلك المتحررون! من علماء الأزهر أن الوسيلة المثلى للخروج من الأزمة هي تطوير الأزهر، أي أن يفقد رسالته في سبيل الاحتفاظ بوجوده.

وصدرت القوانين من سنة 1936 حتى سنة 1961 بشأن تطوير الأزهر، واستطاع دعاة اللادينية أن يدخلوا تاء التأنيث على الجامع الأزهر، وبذلك تحول من وكر لثقافة العصور الوسطى إلى مركز ثقافي عصري مدني!!

أما أثر هذا الانتصار للثقافة المستوردة في معاهد الثقافة الإسلامية خارج مصر - التي كانت تعد الأزهر أباً روحياً أو على الأقل سنداً قوياً لها - فقد كان سريعاً وواضحاً، إذ تم تطويع البقية الباقية منها إما بدوافع ذاتية وإما بقوانين إجبارية.

4-الدعوة إلى العامية: ليست اللغة العربية أداة الثقافة الإسلامية فحسب، بل هي مقوم من مقومات الشخصية الإسلامية للفرد والمجتمع، وليس غريباً أن يشن المستشرقون والمبشرون عليها هجمات شرسة تتعلق بألفاظها وتراكيبها ومقدرتها على مسايرة العصر، فقد كانوا يرومون هدم القرآن بهدم لغته، ليصبح كالإنجيل اللاتيني لا يقرؤه إلا رجال الدين، غير أن المؤسف حقاً هو أن يتصدى لمقاومة العربية أناس يحملون أسماء إسلامية كانت الفصحى سبب بروزهم الفكري، ويكتبون بها سمومهم الرامية إلى إلغائها، وأن يعد ذلك جزءاً من التفكير الإصلاحي وهدفاً من أهداف المصلحين.

كان زعيم الإصلاح الشيخ محمد عبده محقاً في رفض الأسلوب الكتابي القائم على الصناعة اللفظية، والدعوة إلى كتابة سلسلة حرة ولكنه - دون أن يدري -فتح الباب لهدم العربية- لأول مرة في تاريخها-، وذلك أنه دعا إلى تصحيح الخطأ المشهور من أخطاء النحو والصرف التي كانت تتخلل الكتابة في عصره

وعلى هذا الأساس وضعت القاعدة الخاطئة: (صحيح مشهور خير من فصيح مهجور) ثم توسع فيها حتى جاء اليوم الذي طولب فيه بهدم النحو العربي كله!

وكان عبد الله النديم - تلميذ محمد عبده - ممن أسهم في هذا المجال لا بالدعوة إلى العامية، بل باستخدامها في لغة الصحافة، ذلك أن مجلة الأستاذ التي كان يصدرها تحتوي في كل عدد من أعدادها مقالاً أو أكثر باللهجة الدارجة.

ثم جاء الجيل المستعبد للغرب معلناً عداوته للثقافة الإسلامية واللغة العربية، وأشهر زعمائه أحمد لطفي السيد ، وزميله ورفيق عمره عبد العزيز فهمي ، وزوج أخته إسماعيل مظهر ، ثم صديقه الحميم طه حسين .

ولعل تسليط شيء من الضوء على حياة لطفي السيد - أستاذ الجيل كما سموه ومحور هذه الدعوى - يعطينا لمحة عن دوافع الفكرة وأهدافها:

كان لطفي السيد من أخلص تلاميذ محمد عبده له، وأتيحت له الفرصة أكثر من شيخه، إذ عاش بعده ما يزيد على أربعين سنة، أي أنه عمر أكثر من تسعين عاماً.

وأهم مناصبه الثقافية توليه لإدارة الجامعة المصرية عند تأسيسها، ثم توليه لوزارة المعارف آخر عمره.

أما أعماله السياسية فقد كان أحد زعماء حزب الأمة ، باعتباره رئيس تحرير "الجريدة" صحيفة الحزب، واشتهر بعدواته لفكرة الجامعة الإسلامية، ورفعه شعار مصر للمصريين، وشعار: سياسة المنافع لا سياسة العواطف.

ولا يستطيع الكاتبون عن حياته أن يخفوا أنه فاوض كتشنر ثم جراهام ، على أن تنفصل مصر عن تركية ، وتصبح دولة مستقلة يحكمها الخديوي تحت وصاية بريطانية أما فكره فكان متأثراً جداً بـداروين ومل وروسو وأضرابهم من الغربيين، وكان مع كل ناعق من دعاة التفرنج والعصرية، فقد حظيت دعوة قاسم أمين لتحرير المرأة من تأييد لطفي السيد بما لم تحظ بها من كاتب أو صحفي آخر.

وعندما أصدرت الحكومة قراراً بنقل صديقه وشريك دعوته طه حسين من الجامعة - بسبب الضجة التي ثارت حوله - لم يسع لطفي السيد إلا أن يقدم استقالته من منصب وزير المعارف احتجاجاً على ذلك

ومع زعمه أن الفصحى معقدة وقديمة نراه يمضي ربع قرن من حياته في ترجمة كتب أرسطو وقد ذكر مؤرخ حياته حسين فوزي النجار بعض الحوادث التي تدل - كما يرى - على أنه كان لا يؤمن بالغيبيات والقوى الخفية.

وقد علل لطفي السيد لتأخر مصر وتقدم الغرب، بأن مصر تستعمل لغتين: لغة للثقافة وأخرى للتخاطب، والحل الذي رآه وقدم له الاقتراحات الكثيرة هو النزول بالفصحى إلى مستوى العامية، حتى يتم مع الزمن توحيد اللغتين في لغة واحدة هي -بالطبع- العامية أما زميله الأول عبد العزيز فهمي فقد كان أكثر جرأة منه حين دعا إلى كتابة العربية بالحروف اللاتينية، وهي الدعوة التي ولدت - لحسن الحظ - ميتة.

وأما صديقه طه حسين فقد كان لدعوته للعامية صدى واضحاً لكتابات المستشرقين ، وكذلك آراؤه في الشعر الجاهلي، ورحم الله الرافعي فقد فضح هذه الدعوى وعرى كاتبها.

لقد كان كل دعاة العامية أناساً مشبوهين وصلتهم بالدوائر الاستعمارية واضحة، وذلك ما يؤكد أنها كانت جزءاً من المخطط اليهودي الصليبي للقضاء على الإسلام، بل إنه من المؤكد أن الدعوة العامية إنما ظهرت أصلاً من أفكار المستعمرين وفي أحضان المبشرين يتضح ذلك من أسماء دعاتها الأوائل، أمثال بوريان وماسبيرو وجدير بالذكر أن الذي خلف عبد العزيز فهمي في المجمع اللغوي هو توفيق الحكيم الذي دعا إلى قاعدة "سكّن تسلم" وليس مثل هذه الدعوى أسى إلا أن تفتح كليات اللغة العربية والآداب في البلاد العربية الباب لما أسموه "التراث أو الأدب الشعبي" وأن تحضر فيه رسائل جامعية عليا، على أن الفكرة لم تقتصر على مصر ، فقد كان لها أذيال في الشام ، منهم المتطرف كـسعيد عقل ، ومنهم المتدرج كبعض المهجريين.

5- اقتباس الأنظمة والمناهج اللادينية من الغرب: لم يقتصر الأمر على مناهج كرومر ودنلوب ، فقد كان أذيال الفكر الغربي لا يقلون عنهما رغبة في صبغ مصر والعالم الإسلامي بالصبغة اللادينية الغربية.

وقد كان من أهداف أعداء الإسلام ما أوصى به مؤتمر القاهرة التبشيري المنعقد سنة 1906م، من وجوب إنشاء جامعة علمانية على نمط الجامعة الفرنسية لمناهضة الأزهر، والذي قالوا: "إنه يتهدد كنيسة المسيح بالخطر!".

وقد قام الأذيال بتنفيذ المهمة، إذ أنه بعد انتهاء المؤتمر بسنتين -تقريباً- أسس سعد زغلول وأحمد لطفي السيد وزملاؤهم الجامعة المصرية، وكان النص الأول من شروط إنشائها هو: ألا تختص بجنس أو دين، بل تكون لجميع سكان مصر على اختلاف جنسياتهم وأديانهم، فتكون واسطة للألفة بينهم.

وهذا الشرط الجائر -في جامعة تقوم في بلد مسلم وعلى نفقات شعب مسلم- انعكست آثاره على مناهج التعليم في الجامعة، فلم يكن من بينها شيء من علوم الإسلام احتراماً لمشاعر القلة غير المسلمة، وهكذا كان التعليم الجامعي الحديث علمانياً من البداية، وكان نتاجه تلك الجموع المستعبدة للغرب فكراً وسلوكاً، النافرة من دين آبائها وأجدادها.

ولم يكن الأمر مقصوراً على المناهج، بل تعداها إلى أسلوب التربية وفلسفة السلوك، فقد طبق الاختلاط بين الذكور والإناث في الجامعة المصرية، التي كانت مركزاً لأنصار دعوة قاسم أمين المريبة، وتبعتها معظم جامعات العالم الإسلامي، كما أدخلت التقاليد الغربية المنافية للإسلام في صلب النظام الجامعي، إذ شيدت في إطاره معاهد عليا للرقص والتمثيل والنحت والموسيقى، كيف لا وقد قال قاسم أمين صديق لطفي السيد في كتابه كلمات :

لعل أكبر الأسباب في انحطاط الأمة المصرية تأخرها في الفنون الجميلة: التمثيل والتصوير والموسيقى

والمؤسف ما أثبته العقاد من أن دراسة الفنون الجميلة من بنات أفكار محمد عبده

وقد يكون أمر المناهج أهون خطراً لو أنها إذ أهملت العلوم الشرعية البحتة حورت المقررات الأخرى بما يوافق التصور الإسلامي، وحذفت منها الإيحاءات الفلسفية غير العلمية، التي لا مبرر لها إلا ظروف الصراع بين الكنيسة والعلم في أوروبا ، -كما أسلفنا في مواطنها- ولكن الواقع أن أنظمة التعليم في العالم الإسلامي تدرس تلك العلوم بصورتها الغربية المعادية للدين، دون التفريق بين دين ودين.

صحيح أن الاستعمار فرض تلك الأنظمة فرضاً، ولكنها لا تزال بعد رحيله كما كانت أو أشد، بل إنها لتطبق في بلاد لم تطأها لمستعمر قدم!

ولا يعوزنا أن نمثل لهذا فهو ملء السمع والبصر:

الداروينية -التي عرضنا سلفاً رأي الباحثين المحققين من الغربيين فيها- تدرسها مناهجنا على أنها حقيقة علمية في مواد كثيرة كالأحياء والتاريخ الطبيعي وعلم الأرض... سواء ذُكر داروين أو لم يذكر.

ونظرية فرويد المتهافتة نجدها مقررة في أقسام علم النفس في الجامعات قاطبة على أساس أنها نظرية علمية كذلك!

وفي أقسام الاجتماعيات تدرس نظرية دوركايم ، بل يدرس علم الاجتماع بكامله على المنهج الغربي، ونحن نعلم مما سبق أنه كعلم النفس بني أصلاً على أسس لادينية .

وفي أقسام الكيمياء والفيزياء والفلك والطب... إلخ، تدرس مناهج محشوة بإيحاءات فلسفية أو وثنية في العبارات المسمومة مثل "المادة لا تفنى ولا تستحدث" ومثل "خلقت الطبيعة كذا".

وكذلك تعمد تفسير وقوع الزلازل وسقوط النجوم وتكوين الجنين وما أشبهها تفسيراً مادياً صرفاً.

ومن ذلك أيضاً الإتيان ببعض ما ثبت في القرآن والسنة تحت العبارة التقليدية "وكان الناس قبل ظهور العلم الحديث يعتقدون كذا" أو "كانت الكتب القديمة تقول كذا" ومثلها "كان الناس قديماً ينسبون ما يعجزون عن تفسيره إلى القوى الغيبية الخفية".

وإجمالاً نجد أن هذه المناهج يغلب عليها -إن لم تكن كلها- الطابع المادي.

أما المقررات الأدبية البحتة -وهي التي لم يكن متوقعاً أن تتأثر بأفكار الغرب- فقد يعجب المرء إذا علم أنها ربما فاقت المقررات العلمية في ذلك.

ويكفي في هذه العجالة أن نلم بمادتي التاريخ والمطالعة في معظم المناهج المعاصرة:

أما التاريخ فقد صيغ منهجه في قالب غربي، فهو مقسم أقساماً ثلاثة كبرى:

1-التاريخ القديم: وهو يشمل الحضارات الجاهلية التي لا توصف بذلك إطلاقاً.

2-تاريخ العصور الوسطى: ويشمل فترة ما قبل ظهور الإسلام بقليل، ثم يندرج فيه تبعاً للمنهج الغربي التاريخ الإسلامي كله تقريباً.

3-التاريخ الحديث: وهو يبتدئ - غالباً - من قدوم حملة نابليون لاحتلال مصر التي تسمى "فجر النهضة الحديثة" وينتهي بالتاريخ المعاصر.

ولا يخفى ما في هذه القسمة - في حد ذاتها - من إيحاءات ودلالات

هذا في المنهج، أما المضمون: فقد حشيت مقررات التاريخ بدسائس المستشرقين وسموم المبشرين، وكتبت بأساليب شديدة التأثر بالأساليب الغربية التي تفسر التاريخ تفسيراً مادياً، أو على ضوء رؤى فلسفية خاصة، مع إسقاط أو التقليل من قيمة العامل الإيماني الذي هو أسس العوامل في التاريخ الإسلامي.

فنحن نقرأ في هذه المقررات -مثلاً-: أن غزوة بدر كان هدفها تعويض ممتلكات المسلمين بـمكة ، وأن فتح مصر - خاصة - كان سببه ما عرفه عمرو بن العاص عنها في الجاهلية من خصوبة الأرض ووفرة خيرات.. وأن فتح الأندلس هدفه مد الامبراطورية الإسلامية إلى أوروبا .. وأن العالم العربي خضع للاستعمار التركي عدة قرون.. وأن حركة الشيخ محمد عبد الوهاب أول ثورة عربية ضد الاحتلال التركي... إلخ.

وعموماً كتب التاريخ الإسلامي على شكل سلسلة عنيفة من الصراعات والدسائس السياسية، وكتبت الحضارة الإسلامية على شكل ألوان فولكلورية.

أما المزايا العظيمة للتاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية -تلك التي لم تجتمعا قط في تاريخ وحضارة أمة على وجه البسيطة - فهي مغفلة أو مشوهة.

أما مادة: المطالعة فكأنما هي ملخص موجز للغزو الثقافي الغربي، إذ تحوي موضوعات منوعة يجمعها الإعجاب بالغرب وتمجيد حضارته ورجالها، والخلو من التصورات الإسلامية والقيم الإيمانية إلا قليلاً.

فإذا تصفحت أحد هذه المقررات لا سيما المطالعة الثانوية، فلن تعدم أن تجد فيه مثل هذه الموضوعات:

(ماجلان قاهر البحار، كيف اكتشفت أميركا ؟ إبراهيم لنكولن محرر العبيد، تحرير المرأة، ظهور القومية العربية، نابليون فاتح أوروبا ، عمر بن أبي ربيعة ، هدفك في الحياة، الوطنية الصادقة

 

6- استيراد المذاهب اللادينية في الفكر والأدب: كانت فلسفة كونت الوضعية في فرنسا ، ونظرية داروين في إنجلترا من أعظم النظريات التي تأثر بهما الفكر الغربي -كما سبق- وقد عاصرت اليقظة المنبهرة في العالم الإسلامي هاتين النظريتين وهما في أوج عظمتهما، فتأثرت بهما أبلغ التأثر، ومن ثم سارت النهضة الفكرية والأدبية الحديثة مساراً غربياً، حتى آل الأمر إلى الواقع الفكري والأدبي المعاصر، على أن الأدب خاصة تأثر -بـالرومانسية ، التي اكتهلت في تلك الفترة، وفي هذا القرن استوردت الواقعية واللامعقول بمدارسه المتعددة.

أما الفكر فقد تأثر الشيخ محمد عبده بفلسفة كونت العقلية، حتى لنستطيع أن نقول: إن اتجاهه الاعتزالي يعزى إليها لا إلى المعتزلة المسلمين، ومعلوم تأثر كل زعماء الفكر في مطلع هذا القرن بالشيخ من قريب أو بعيد.

وكان من الآثار الخطرة ما حاول الشيخ ومدرسته القيام به من التوفيق بين الإيمان والنزعة العقلية، وبغض النظر عن مدى نتائجها ومقدار توفيقهم فيها، نجد أنها بدت أقل خطراً في ذلك الوقت من النزعات المتأثرة بفلسفة التطور، لاقتران الأخيرة بالمروق الصريح من الدين والدعوة إلى الإلحاد، فقد ظهر ثلاثة من الكتاب أسهموا بصفة بارزة في نقل الداروينية إلى الشرق بطريق الترجمة المباشرة وبالدراسة المستفيضة في الصحف، هم: شبلي شميل وسلامة موسى وإسماعيل مظه]

والأولان نصرانيان أشهرا إلحادهما وكفرهما بكل دين، أما الأخير فمسلم الأصل إلا أنه كتب ما لا يتردد أحد في نسبة قائله إلى الكفر، وكان لكتبهم وأبحاثهم الأثر الكبير في جيلهم ومن تلاه، حتى أنك لن تجد من المعاصرين من كتب في موضوع أصل الإنسان إلا وهو سائر على الطريق نفسه.

ولما كان انتشار الإلحاد في العصر الحديث - أو على الأقل الشك واللاأدرية - يشكل ظاهرة بين المفكرين والمثقفين، فلنكتف به مثالاً على استيراد المذاهب الفكرية الحديثة.

(كان من ضمن القائمين بهذه الحركة إسماعيل أحمد أدهم ، الذي جاء إلى مصر (من تركية بعد إعلان العلمانية )، وحاول نشر الأفكار الإلحادية بين أهلها، وقد ألف رسالة صغيرة عنوانها: لماذا أنا ملحد ؟ وطبعها في مطبعة التعاون بـالإسكندرية ، ومما جاء فيها: (أسست جماعة نشر الإلحاد بـتركيا ، وكانت لنا مطبوعات صغيرة أذكر منها: ماهية الدين، قصة تطور الدين ونشأته، العقائد، قصة تطور فكرة الله، فكرة الخلود، وبعد هذا فكرنا في الاتصال بـجمعية نشر الإلحاد الأميركية ، وكان نتيجة ذلك تحويل اسم جماعتنا إلى المجمع الشرقي لنشر الإلحاد، وكان صديقي البحاثة إسماعيل مظهر في ذلك الوقت - 1928- يصدر مجلة العصور في مصر ، وكانت تمثل حركة معتدلة في نشر الفكر والتفكير والدعوة للإلحاد.

وكتب إسماعيل مظهر في عدد مارس 1928 من مجلته مقالاً جاء فيه:

(أما تفكير الإنسان الجدي فأصبح في تحديد علاقته لا بواجب الوجود ولكن بالكون، فبعد أن أسقط العلم الإنسان عن عرش الملائكة العلوي، وأنزله إلى أفق الحيوان، أخذت الإنسان فكرة جديدة ليست بأقل إشكالاً من الفكرة التي ملكت زمامه من ناحية الأديان.

بعد أن أظهر النشوئيون أصل الإنسان الحيواني وأثبتوه علمياً (!)، وبعد أن أثبت الجيولوجيون قدم الأرض والفلكيون قدم النظام الشمسي، وأظهر هؤلاء بأبحاثهم سلسلة التدرج الطويل التي مضى عليها الكون لينتهي بظهور الحياة، فوق الأرض أخذ العقل الإنساني سمته نحو التفكير كما هي عادته فيما يختص وراء هذه السلسة الطويلة من قصد، وهل كانت متجهة بكل ما فيها من الصور لأن تنتهي بالإنسان على أنه القصد الأخير منها؟

أما الثابت حتى اليوم، فليس مما يرضي التفاؤل في مصير الإنسان، ولست أدري لماذا لا يشارك الإنسان الحيوانات في نهايتها المحزنة ما دام يشاركها في بداياتها الجميلة

وينتهي تأثره بـداروين ، إلى قوله:

اكتفت الأديان بالقول: بأن الغاية من خلق الإنسان والجن هي أن يعبدوا الله، -فكرة حسنة- ولكنها غير صحيحة (!) إذ لو صح هذا -إذن- لاعتقد بجانبه بأن الله في حاجة لأن يعبده الأنس والجن (!)، ولظهر النظام الكوني في مجموعه بمظهر شيء ما خلق إلا ليعضد الحياة الإنسانية التي يجب أن تسخر لعبادة الله، وهذا في معتقدي أبعد الأشياء عن أن يكون الغاية من وجود الإنسان .

والحق أن إسماعيل مظهر لم يكن إلا نموذجاً لكتاب كثيرين يتفاوتون في درجة التصريح بما يعتقدون لكنهم متساوون في المنطلق والغاية، مثل منصور فهمي ولطفي السيد وأمين الخولي وطه حسين ، وأخيراً صادق العظم صاحب كتاب (نقد الفكر الديني )، وآخرين ممن لا تأويل لما يكتبون إلا الخروج على الإسلام، غير أن بعضهم تخفى تحت أقنعة البحث العلمي أو التمذهب الأدبي، حتى لا يصدم مشاعر الجماهير فتنصرف عن إنتاجه.

وكما ظهر ذلك في الكتاب فقد ظهر في الشعراء، ويبدو لي أن شعراء مصر أقل من شعراء العراق كـالرصافي والزهاوي في ذلك، فـالزهاوي -مثلاً- (1936) يمتلئ ديوانه بالأفكار الإلحادية التي لا تخرج في جملتها عن نظرية داروين أو نظرية هيكل الأثيرية، التي هي في الواقع امتداد للداروينية، من ذلك قوله:

إني أفكر في الطبيعة فاحصاً فيعد تفكيري من الإلحاد

ووجدت أن الكائنات سلالة لا فرق بين خفيها والبادي

أما الزمان فإن في دورانه ما يربط الآزال بالآباد

وقوله:

ما حياة قديمها غير باد لك إلا تطور في جماد

إنها تتبنى لها في نظام كل ما يقضي حاجتها من عتاد

(كذا) ومن رباعياته:

ما نحن إلا أقرد من نسل قرد هالك

فخر لنا ارتقاؤنا في سلم المدارك

 

بل نجده يهجو المخالفين لنظرية داروين من معاصريه:

إن الذين عن الأقراد قد بعدوا لم يجحدوا أنهم منهن قد ولدوا

أما الألى لم يزالوا في مداركهم أدنى إلى أصلهم منهم فقد جحدوا

 

وعن الأثير يقول:

ما لأجل الإنسان يشتغل الكون وتأتي بعد الدهور الدهور

كل شيء فإنه في تلاش بتوالي الأزمان إلا الأثير

 

ويقول:

إنما هذه الحياة شرار من زفير الأثير ثار شعاعاً

وأشد منه قوله:

ولعل الأثير في كل أرض وسماء كالله في التأثير

ولعل الذاتين واحدة في الأ صل والخلف جاء في التعبير

 

وهذا وقد كان من نتيجة شيوع هذه الأفكار في الفكر والشعر والصحافة التمهيد لانتشار الأفكار المادية لا سيما الشيوعية ، وتغذيتها بروح الشك العام في كل شيء تقريباً، حتى أصبح الشباب المثقف في العالم الإسلامي فريسة الشكوك القاتلة والوساوس الشيطانية، وانتظم كثير منهم في صفوف المنظمات اليسارية، وغيرها من الأحزاب اللادينية. لا سيما بعد الحرب العالمية الثانية حيث أصبحت الاشتراكية "موضة العصر" كما يقولون!

ومثل المذاهب الفكرية كانت المذاهب الأدبية!

فـالرومانسية وجدت صدى لها في الشرق، كما في روايات جرجي زيدان التي شوه بها التاريخ الإسلامي ليحاكي الرومانسيين الإنجليز، أما المازني فلم تكن رومانسيته واضحة فحسب، بل إنه ليكتب في أحد كتبه تحت عنوان الفصل عبارة منقولة عن الكتاب المحرف المسمى المقدس، تقليداً أعمى للكتاب الغربيين في القرن الماضي، إذ كان من عادتهم أن توضع على رأس كل فصل عبارة شهيرة .

على أن فريقاً من الأدباء اتجه بادئ الأمر إلى الترجمة، فتمت ترجمة أعمال معظم أدباء أوروبا المشهورين من شكسبير إلى تولستوي ، ومع أن بعضها روائع إنسانية فقد كان الاتجاه الإباحي هو الطاغي على الترجمات، كما في أعمال الكسندر دوماس وأميل زولا وأناتول فرانس .

وظل الاتجاه الإباحي هو المسيطر تقريباً على حركة الترجمة الأدبية تحت ستار الواقعية حتى الحرب العالمية الثانية، ثم ظهرت أصداء اللامعقول على أثر نضوجها في الغرب -حينئذ-، كما ظهرت الكتابة الأسطورية التي اتخذها سارتر وكامو أسلوباً للتعبير عن فلسفة الضياع والعبث، إلا أنهما استخدما أساطير اليونان ، أما العرب أمثال طه حسين وتوفيق الحكيم فقد استخدموا التاريخ الإسلامي والقصص القرآني، كما في على هامش السيرة والفتنة الكبرى وأصحاب الكهف ... إلخ.

وقد أسهمت وسائل الإعلام -التي يدير معظمها أناس علمانيون- من صحافة وإذاعة ومسرح...إسهاماً قوياً في تنمية الاتجاه الإباحي وتعميمه، وبالتالي في هبوط الأدب أسلوباً ومضموناً كما في كتابات إحسان عبد القدوس وشيعته نثراً وأعمال نزار قباني وزمرته شعراً.

ومع أن الأدب الحديث في غالبه علماني موضوعياً، فقد ظهرت له دعوات علمانية ذاتية، تطالب بفصله عن الدين، بل وعن الأخلاق تحت شعارات "الفن للفن" و"الأدب غير الملتزم" والأدب للشعب والأدب للواقع...

وممن طالب بفصل الأدب عن القيم الدينية سلامة موسى ، فمن كلامه قوله عن رسالة الأب:

(إن رسالته العصرية دينية ولكنها مع ذلك بشرية، وهذه الجملة الأخيرة تحتاج إلى تفسير، ذلك أن الأديان الغيبية القديمة كانت تحملنا تبعات وتطالبنا بواجبات، ولكن القيم الأخلاقية والاجتماعية في هذه الأديان كانت قيم الآخرة ولم تكن قيم الدنيا، فكان علينا أن نكون صالحين، نمارس الفضيلة ونصلي ونصوم حتى نستمتع بالفردوس ولا نتعرض للعقوبة بعد الموت فالقيم هنا أخروية، ولكن الأدب الفرنسي العصري بل الأوروبي كله يحملنا -أيضاً- تبعات ويطالبنا بواجبات ولكن القيم الأخلاقية والاجتماعية فيه هي قيم الدنيا فقط، فيجب أن نكون صالحين لأن نمارس الفضيلة كي نخدم المجتمع البشري ونرقى بشخصيتنا أخلاقاً ومعارف، ونجعل من كوكبنا فردوساً نجد فيه السعادة والخير والشرف) وكما برزت الوجودية في إنتاج أنيس منصور ، والماركسية في كتابات نجيب محفوظ ، برز الاتجاه الضائع الناهج نهج اللامعقول في شعر بدر شاكر السياب ، كما في أنشودة المطر ، ومثله الشاعر اللبناني الملقب أدونيس

على أن الاتجاه إلى اللامعقول لم يفض إلى الثورة على الأدب الأصيل في - مضمونه ومحتواه، بل تعداه إلى الشكل والأسلوب -مثلما فعل إيليوت اليهودي،: بالشعر الإنجليزي- وذلك بظهور ما يسمى الشعر الحر الذي هو في الحقيقة نوع من الهذيان والإسهال العقلي - على حد تعبير الشيخ الغزالي في إحدى محاضراته.

وقد بدأه باكثير والسياب بترجمة الشعر الأوروبي إلى عربية منثورة، ثم جاء الجيل التالي الذي كان هزيلاً ممسوخاً في كل شيء فانحصر إنتاجه في هذا الهذيان.

وما دمنا قد تعرضنا لذكر ذلك الغثاء فلنأت بمثال له:

يقول أحد أدعيائه (محمد الفيتوري ):

 

(نار خطايانا

تسيل في حنايانا

فلنتكئ على عظام موتانا

ولنصمت الآنا...

برج كنيسة قديمة، وراهب قلق

وغيمة تشد قدميها، وتعبر الأفق

ورجل بلا عنق...

وامرأة على الرصيف تنزلق

وقطة في أسفل السلم تختنق

وصوت ناقوس يدق

يرسم دورة على الفضاء، ويدق...

الخ).

يقول الشيخ الغزالي بعد إيراد هذا الغثاء:

(ودعك من أضغاث الأحلام التي ينقلك إلى جوها هذا الكلام المفكك...، ودعك من تقطع الروابط العقلية بين هذه الألفاظ المتصيدة، فهي كما قيل: سمك، لبن، تمر هندي...

ولكن الشيء الذي لا تدعه والذي يثير انتباهك حتماً هو جراثيم الاستعمار الثقافي، أو الغزو الصليبي الذي سيطر على هذا الشاعر الهائم.

فهو في القاهرة المدينة المعروفة بشمسها الصاحية ومآذنها السامقة وصبغتها الإسلامية الأولى، ولكن التبعية الفكرية والنفسية الغالبة على هذا الشخص التائه جعلته لا يرى إلا الغيوم وأبراج الكنائس والرهبان القلقين ورنين النواقيس وكأنه في لندن أو روما لا في مصر

 

إنتهى....

Link to comment
Share on other sites

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته....

 

 

هل من رابط للمقال

 

هي كانت مقتطفات ،أخي مؤمن، من كتاب للشيخ سفر الحوالي بعنوان

 

العلمانية نشأتها وتطورها وآثارها في الحياة الإسلامية

 

 

وهذا رابط الكتاب بصيغة pdf،،،

 

http://www.riyadhale..._alelmaniah.pdf

Link to comment
Share on other sites

Join the conversation

You can post now and register later. If you have an account, sign in now to post with your account.

Guest
Reply to this topic...

×   Pasted as rich text.   Paste as plain text instead

  Only 75 emoji are allowed.

×   Your link has been automatically embedded.   Display as a link instead

×   Your previous content has been restored.   Clear editor

×   You cannot paste images directly. Upload or insert images from URL.

Loading...
 Share

×
×
  • Create New...