Jump to content
منتدى العقاب

﴿ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾


Recommended Posts

﴿ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾

 

وٱلرَّحْمَـٰنُ فَعْلان من رَحِمَ، كغضبان وعطشان، من غَضِبَ وعَطشَ، وكذلك ٱلرَّحِيمُ فعيلٌ منه، كمريض وسقيم، من مرض وسقم، وفي ٱلرَّحْمَـٰنِ من المبالغة ما ليس في ٱلرَّحِيمِ ، ولذلك قالوا: رحمنُ الدنيا والآخرةِ، و...رحيمُ الدنيا ، ويقولون: إنّ الزيادة في البناء لزيادة المعنى. وقيل: رحمن الدنيا لأنه يعم المؤمن والكافر ورحيم الآخرة لأنه يخص المؤمن ، وفي الحديث في مجمع الزوائد: عن معاذ بن جبل: أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم افتقده يوم الجمعة، فلما صلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلّم أتى معاذاً فقال: «يا مُعَاذُ مَا لِي لَمْ أَرَكَ؟» فقال: يا رسول الله، ليَهُودِيٌّ عليَّ أوقية من تِبْرٍ، فخرجت إليك فحبسني عنك، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «يا مُعَاذُ أَلاَ أُعَلِّمُكَ دُعَاءً تَدْعُو بِهِ لَوْ كَانَ عَلَيْكَ مِنَ الدَّيْنِ مِثْلُ صُبْرَ أَدَّاهُ الله عَنْكَ» ـ وصُبْر: جبل باليمن ـ «فادْعُ الله يا مُعَاذُ، ﴿قُل اللهمَّ مَالِكَ الـمُلْكِ تُؤْتِي الـمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وتَنْزِعُ الـمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ، وتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ، وتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ، وتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ، وتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ، وتُخْرِجَ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ، وتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، رَحْمَنَ الدُّنْيَا والآخِرَةِ ورَحِيمَهُمَا، تُعْطِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُمَا وتَمْنَعُ مَنْ تَشَاءُ، ارْحَمْنِي رَحْمَةً تُغْنِينِي بِهَا عَنْ رَحْمَةِ مَنْ سِوَاكَ»

وروى الإمام أحمد في مسنده: حدثنا عبد الله حدَّثني أبي ثنا يزيد بن هارون أخبرنا هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير عن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ أن أباه حدَّثه: «أنه دخل على عبد ٱلرَّحْمَـٰن بن عوف وهو مريض، فقال له عبد ٱلرَّحْمَـٰن: وصِلَتُكَ رَحِمٌ، إن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: قال عز وجل أنا ٱلرَّحْمَـٰن خلقت الرَّحِمَ وشققت لها من اسمي ، فمن يصلها أَصلُه، ومن يقطعها أقطعه فأَبُتُّه، - أو قال من يَبُتُّها - أَبُتُّهُ» .

قال ابن فارس: الراء والحاء والميم أصلٌ واحدٌ يدلُّ على الرّقّة والعطف والرأفة. يقال من ذلك رَحِمَه يَرْحَمُه، إذا رَقَّ لـه وتعطَّفَ عليه. والرُّحْمُ والـمَرْحَمَة والرَّحْمَة بمعنىً. والرَّحِم: عَلاقة القرابة، ثم سمِّيت رَحِمُ الأنثى رَحِماً من هذا، لأنّ منها ما يكون ما يُرْحَمُ وَيُرَقّ لـه مِن ولد.

وقال ابن منظور في لسان العرب: والله ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ بنيت الصفة الأُولى على فَعْلانَ لأَن معناه الكثرة وذلك لأَن رحمته وسِعَتْ كل شيء وهو أَرْحَمُ الراحمينَ فأَما ٱلرَّحِيمُ فإِنما ذكر بعد ٱلرَّحْمَـٰنِ لأَن ٱلرَّحْمَـٰنَ مقصورٌ على الله عز وجل وٱلرَّحِيمُ قد يكون لغيره قال الفارسي إِنما قيل بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰن ٱلرَّحِيم فجيء بٱلرَّحِيم بعد استغراق ٱلرَّحْمَـٰن معنى الرحْمَة لتخصيص المؤمنين به في قوله تعالى ﴿وكانَ بالمؤمِنينَ رَحِيماً﴾ . ومعناه عند أَهل اللغة ذو الرحْمةِ التي لا غاية بعدها في الرَّحْمةِ لأَن فَعْلان بناء من أَبنية المبالغة ورَحِيمٌ فَعِيلٌ بمعنى فاعلٍ كما قالوا سَمِيعٌ بمعنى سامِع وقديرٌ بمعنى قادر، قال الأَزهري ولا يجوز أَن يقال رَحْمن إِلاَّ الله عز وجل وفَعَلان من أَبنية ما يُبالَغُ في وصفه، فٱلرَّحْمَـٰن الذي وسعت رحمته كل شيء فلا يجوز أَن يقال رَحْمن لغير الله وحكى الأَزهري عن أبي العباس في قوله ﴿ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾: جمع بينهما لأَن ٱلرَّحْمَـٰنَ عِبْرانيّ وٱلرَّحِيمُ عَرَبيّ وأَنشد لجرير:

لن تُدْرِكوا الـمـَجْد أَو تَشْرُوا عَباءَكُمُ بالخَزِّ أَو تَجْعَلُوا اليَنْبُوتَ ضَمْرانا

أَو تَتْركون إِلى القَسَّيْنِ هِجْرَتَكُمْ ومَسْحَكُمْ صُلْبَهُمْ رَحْمانَ قُرْبانا؟

وقال ابن عباس: هما اسمان رقيقان أَحدهما أَرق من الآخر فٱلرَّحْمَـٰن الرقيق وٱلرَّحِيم العاطف على خلقه بالرزق ،

قال الخطابي: وهذا مشكل؛ لأن الرقة لا مدخل لها في شيء من صفات الله تعالى. وقال الحسين بن الفضل البجلي: هذا وهْمٌ من الراوي، لأن الرقة ليست من صفات الله تعالى في شيء، وإنما هما اسمان رفيقان أحدهما أرفق من الآخر، والرفق من صفات الله عز وجل؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف" .

وقال الحسن: ٱلرَّحْمَـٰنُ اسم ممتنع لا يُسَمّى غيرُ الله به وقد يقال رجل رَحيم، قال الجوهري: ٱلرَّحْمَـٰنُ وٱلرَّحِيمُ اسمان مشتقان من الرَّحْمة ونظيرهما في اللغة نَديمٌ ونَدْمان وهما بمعنى ويجوز تكرير الاسمين إِذا اختلف اشتقاقهما على جهة التوكيد كما يقال فلان جادٌّ مُجِدٌّ، إِلا أَن ٱلرَّحْمَـٰنَ اسم مختص لله تعالى لا يجوز أَن يُسَمّى به غيره ولا يوصف أَلا ترى أَنه قال ﴿قل ادْعُوا الله أَو ادعوا ٱلرَّحْمَـٰنَ﴾؟ فعادل به الاسم الذي لا يَشْرَكُهُ فيه غيره وهما من أَبنية المبالغة ورَحمنٌ أَبلغ من رَحِيمٌ وٱلرَّحِيمُ يوصف به غير الله تعالى فيقال رجلٌ رَحِيمٌ ولا يقال رَحْمنٌ، وٱلرَّحِيمُ قد يكون بمعنى الـمَرْحوم قال عَمَلَّسُ بن عقيلٍ فأَما إِذا عَضَّتْ بك الحَرْبُ عَضَّةً فإِنك معطوف عليك رَحِيم

والرَّحْمَةُ في بني آدم عند العرب رِقَّةُ القلب وعطفه ورَحْمَةُ الله عَطْفُه وإِحسانه ورزقه

فإن قلت: ما معنى وصف اللَّه تعالى بالرّحمة ومعناها العطف والحنوّ ومنها الرحم لانعطافها على ما فيها؟ قلت: هو مجاز عن إنعامه على عباده لأنّ الملك إذا عطف على رعيته ورق لهم أصابهم بمعروفه وإنعامه، كما أنه إذا أدركته الفظاظة والقسوة عنف بهم ومنعهم خيره ومعروفه. فإن قلت: فلم قدّم ما هو أبلغ من الوصفين على ما هو دونه، والقياس الترقي من الأدنى إلى الأعلى كقولهم: فلان عالم نحرير، وشجاع باسل، وجودا فياض؟ قلت: لما قال ٱلرَّحْمَـٰن فتناول جلائل النعم وعظائمها وأصولها، أردفه ٱلرَّحِيم كالتتمة والرديف ليتناول ما دقّ منها ولطف .

ووقوع صفتين تدلان على الرحمة بعد كلمة الرب يدلنا على أن الرحمة هي من صفات الله تعالى العليا وفيها اشارة الى ان المربي يجب ان يتحلى بالرحمة وتكون من أبرز صفاته وليست القسوة والرب بكل معانيه ينبغي أن يتصف بالرحمة سواء كان مربيا أو سيدا أو قيِّما وقد وصف الله تعالى رسوله بالرحمة .

وقال ابن المبارك: "ٱلرَّحْمَـٰنُ" إذا سُئِلَ أَعْطَى، و"ٱلرَّحِيمُ" إذا لم يُسْأَلْ غضب. وروى ابن ماجة في سننه والترمذي في جامعه عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يَسْأَلِ الله يغضب عليه" لفظ الترمذي. وقال ابن ماجة: "من لم يَدْعُ الله سبحانه غضب عليه" .

قال أبو حامد الغزالي: معاني الأسماء يُتصوَّر أن يتصف العبد بشيء منها حتى ينطلق عليه الاسم، كٱلرَّحِيم والعليم والحليم والصبور والشكور وغيرها، وإن كان إطلاق الاسم عليه على وجه آخر يباين إطلاقه على الله عز وجل،

قال الرازي: في هذه السورة كلمتان مضافتان إلى اسم الله واسمان مضافان إلى غير الله: أما الكلمتان المضافتان إلى اسم الله فهما قوله: بسم الله وقوله: الحمد لله فقوله بسم الله لبداية الأمور وقوله الحمد لله لخواتيم الأمور فبسم الله ذِكر والحمد لله شكر فلما قال بسم الله استحق الرحمة ولما قال الحمد لله استحق رحمة أخرى فبقوله بسم الله استحق الرحمة من اسم ٱلرَّحْمَـٰن وبقوله الحمد لله استحق الرحمة من اسم ٱلرَّحِيم فلهذا المعنى قيل: يا رحمن الدنيا ورحيم الآخرة

إنّ كلمتي "ٱلرَّحْمَـٰن" و "ٱلرَّحِيم" مشتقّتان من "الرحمة" وهي المصدر. فمادّة الكلمة هي "ر ح م" وفعلها "رحم". واسم الفاعل فيها هو "الراحم" و"ٱلرَّحْمَـٰن" و"ٱلرَّحِيم".

فلفظة "ٱلرَّحْمَـٰن" التي أصلها "الرحمان" مبنيّة على وزن "فَعْلاَن"؛ وهذا الوزن، أي زيادة ألف مدّ ونون في آخر مادّة كلمة ثلاثيّة يدلّ على الكثرة والتأكيد والمبالغة، وتأتي المبالغة في العطاء وفي الخلود في العطاء..

قال النسفي: ٱلرَّحْمَـٰن معناه عند أهل اللغة ذو الرحمة التي لا غاية بعدها في الرحمة لأن فعلان من أبنية المبالغة تقول: رجل عطشان إذا كان في نهاية العطش ويفيد وزن فعلان أيضا معنى الحدوث والتجدد والامتلاء بالوصف، وهي هنا في مادة ٱلرَّحْمَـٰن: صفة تبعث على الخوف، إذ أن العطشان من المخلوقات إذا شرب ارتوى، فزال عنه العطش، والغضبان إذا سكت عنه الغضب رضي، وهكذا تتجدد الأحوال على المخلوقات، وصفة ٱلرَّحْمَـٰن تتعلق بالبشر على اختلاف مشاربهم وأفعالهم، فلها أحوال باعتبار نسبتها لمن تتعلق به تلك الرحمة، فتجد أن ٱلرَّحْمَـٰن يعطف ويرق على من استحق الرحمة، وهو شديد العقاب على من استحق العقاب، فَيَفْرَقُ الإنسان إذا أدرك أنه قد يأتي بما يجعل مُتَعَلَّقَ صفة ٱلرَّحْمَـٰن يتغيرُ عليه فلا تناله تلك الرحمة، على أن مبناها قائم على الثبوت والبقاء، فالصفات الواردة على وزن فعلان تتراوح في التغيير بحسب متعلقها، فالفرح يحصل ويسرع زواله، ومنها ما يبطؤ زواله كالجوع والشبع، ومبنى ٱلرَّحْمَـٰن قائم على الثبوت والبقاء.

أمّا لفظة "رحيـم" فهي مبنيّة على وزن "فعيل"، وهذا الوزن، أي زيادة ياء المدّ بين الحرف الثاني (ح) والثالث (م) من المادة يدلّ على التمييز والمبالغة، أي أنّ صاحبه يتميّز بتلك الصفة لدرجة أنّها أصبحت غالبة عليه ومثل ذلك الحكيم والعليم والسميع والحفيظ، قال أبو العلا المباركفوري: ﴿ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ هما اسمان مشتقان من الرحمة مثل ندمان ونديم وهما من أبنية المبالغة، أي أنها تدل على الثبوت في الصفة، فالذي يسمع صفة ٱلرَّحْمَـٰن، فيخاف أن يقترف ما يستوجب أن لا يستحق الدخول في هذه الرحمة، يسمع بعدها صفة الثبات في الرحمة، أي صفة ٱلرَّحِيم، فتطمئن نفسه.

فٱلرَّحْمَـٰن إذن فيها دلالة على التجدد، وٱلرَّحِيم فيها دلالة على الثبوت، جاء سبحانه وتعالى بصفتين تدلان على التجدد والثبوت معا فلو قال ٱلرَّحْمَـٰن فقط لتوهم السامع ان هذه الصفة طارئة قد تزول كما يزول الجوع من الجوعان والغضب من الغضبان وغيره. ولو قال رحيم وحدها لفهم منها أن صفة رحيم مع انها ثابتة لكنها ليست بالضرورة على الدوام ظاهرة

وٱلرَّحْمَـٰنُ وٱلرَّحِيمُ صفتان من صفات المولى عز وجل، أي أنهما اسمان من أسماء الله الحسنى، وصفتان من صفات الله تبارك وتعالى، وسنقف قليلا على موضوع الصفات هنا، بما يخدم تفسير سورة الفاتحة، على أن نفرد له بحثا مطولا في ملحقات هذا التفسير المبارك بإذن الله تعالى، فنقول وبالله تعالى التوفيق:

قال الله جل ثناؤه: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾، وقال تعالى: ﴿قل ادعوا الله أو ادعوا ٱلرَّحْمَـٰن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى﴾، وقال: ﴿واذكروا اسم الله عليه﴾، وقال: ﴿له الأسماء الحسنى﴾.

أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ عَبْدَانَ الأَهْوَازِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ، أَخْبَرَنَا تَمْتَامٌ مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبٍ، أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ حُذَيْفَةَ: أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ قَالَ: اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ أَحْيَا وَبِاسْمِكَ أَمُوتُ وَإِذَا أَصْبَحَ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَمَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ .

قال الإمام البيهقي: وفي إثبات أسمائه إثبات صفاته، لأنه إذا ثبت كونه موجودا، فوصف بأنه حي، فقد وصف بزيادة صفة على الذات هي الحياة، فإذا وصف بأنه قادر فقد وصف بزيادة صفة هي القدرة، وإذا وصف بأنه عالم فقد وصف بزيادة صفة هي العلم، كما إذا وصف بأنه خالق فقد وصف بزيادة صفة هي الخلق، وإذا وصف بأنه رازق فقد وصف بزيادة صفة هي الرزق، وإذا وصف بأنه محيي فقد وصف بزيادة صفة هي الإحياء، إذ لولا هذه المعاني لاقتصر في أسمائه على ما ينبئ عن وجود الذات فقط ثم صفات الله عز اسمه قسمان: أحدهما: صفات ذاته وهي ما استحقه فيما لم يزل ولا يزال، والآخر: صفات فعله وهي ما استحقه فيما لا يزال دون الأزل

وقال الإمام الغزالي: ﴿ٱلرَّحْمَـٰن ٱلرَّحِيم﴾ اسمان مشتقان من الرحمة، والرحمة تستدعي مرحوما، ولا مرحوم إلا وهو محتاج، والذي ينقضي بسببه حاجة المحتاج من غير قصد وإرادة وعناية بالمحتاج لا يسمى رحيما، والذي يريد قضاء حاجة المحتاج ولا يقضيها فإن كان قادرا على قضائها لم يسم رحيما، إذ لو تمت الإرادة لوفى بها، وإن كان عاجزا فقد يسمى رحيما، باعتبار ما اعتورته من الرقة، ولكنه ناقص، وإنما الرحمة التامة إفاضة الخير على المحتاجين، وإرادته لهم عناية بهم، والرحمة العامة هي التي تتناول المستحق وغير المستحق، ورحمة الله عز وجل تامة وعامة، أما تمامها فمن حيث أنه أراد قضاء حاجات المحتاجين وقضاها، وأما عمومها فمن حيث شمولها المستحق وغير المستحق، وعم الدنيا والآخرة، وتناول الضرورات والحاجات والمزايا الخارجة عنهما، فهو ٱلرَّحِيم حقا

فكما ترى، قد يتصف العبد بشيء من معاني الأسماء، كٱلرَّحِيم والسميع، ولكن إطلاق الاسم عليه على وجه يباين إطلاقه على الله عز وجل، وحظ العبد من معنى هذا الاسم، مباين لمعناه في حق الله عز وجل، وتحصل متعلقات المعنى للعبد على وجه شديد الاختلاف عما يليق بالرب سبحانه، وتبقى معاني الاسم المتعلقة بالعبد في إطار كونه محتاجا عاجزا ناقصا، ومعانيها في حق الرب سبحانه في إطار كونه مستغنيا قادرا كاملا، والأهم من هذا كله، أن صفات المولى عز وجل صفات ألوهية، وربوبية، وصفات ما دونه في إطار العبودية والخضوع، فهيهات أن يشبه هذا ذاك في شيء، وإن اتفق إطلاق الاسم، ولكن الحقيقة متباينة.

وفي البسملة بلاغة منها: التكرار في الوصف ويكون إما لتعظيم الموصوف أو للتأكيد ليتقرر في النفس، أو للإحاطة والاستقصاء لكل معاني الرحمة التي بها يستفتح من يقرأ كلام الله تعالى، ومنها: الحذف وهو ما يتعلق به الباء في بسم وقد مر ذكره والحذف قيل لتخفيف اللفظ، و في حذفه فائدة وذلك أنه موطن ينبغي أن لا يقدم فيه سوى ذكر الله تعالى، فلو ذكر الفعل وهو لا يستغني عن فاعله؛ لم يكن ذكر الله مقدما، وكان في حذفه مشاكلة اللفظ للمعنى كما تقول في الصلاة الله أكبر، ومعناه من كل شيء، ولكن يحذف ليكون اللفظ في اللسان مطابقا لمقصود القلب وهو أن لا يكون في القلب ذكر إلا الله عز وجل، ومن الحذف أيضا حذف الألف في بسم الله وفي ٱلرَّحْمَـٰن في الخط وذلك لكثرة الاستعمال.

 

عن صفحة:

Link to comment
Share on other sites

Join the conversation

You can post now and register later. If you have an account, sign in now to post with your account.

Guest
Reply to this topic...

×   Pasted as rich text.   Paste as plain text instead

  Only 75 emoji are allowed.

×   Your link has been automatically embedded.   Display as a link instead

×   Your previous content has been restored.   Clear editor

×   You cannot paste images directly. Upload or insert images from URL.

Loading...
 Share

×
×
  • Create New...