Jump to content
منتدى العقاب

Recommended Posts

سورة الفلق (1)

 

 

نقفُ اليومَ معَ جملةٍ كبرى تساويْ سورةً كاملةً، وهي سورةُ الفلق: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ، مِن شَرِّ مَا خَلَقَ ، وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ، وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ ، وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ).

تتكوّنُ هذه السورةُ من جملةٍ واحدةٍ كبرى، بداخلها جملة صغرى بالنسبة لها، الكبرى تبدأ من قوله تعالى: (قُلْ) وهو فعلُ أمرٍ فاعلُهُ مستترٌ تقديرُهُ أنتَ، إلى آخر السورة.

والجملةُ الصغرى تبدأ من قولِهِ تعالى: (أعوذُ)، وهو فعلٌ مضارعٌ فاعلُهُ ضميرٌ مستترٌ تقديرُهُ أنا، مسندٌ إلى المتكلمِ، إلى آخر السورة.

وفعلُ القولِ يليهِ مَقولُ القولِ، وهو في العادةِ يكونُ جملةً، ومَقولُ القولِ هنا هو بقيةُ السورةِ، من عندِ قولِه تعالى: (أعوذُ) إلى آخرِ السورة، فكلها جملة واحدةٌ، ولكنها لما وقعتْ مَقولَ القولِ صارتْ جملةً صغرى بالنسبة للجملة الأولى الكبرى. والجملة الصغرى التي هي مَقولُ القولِ في محلِّ نصبٍ مفعولٌ به لفعلِ الأمرِ (قلْ).

أعوذُ: فعلٌ مضارعٌ، مرفوعٌ، فهو لم يسبقْه ناصبٌ ولا جازمٌ، وهو مسندٌ إلى المتكلمِ، أي فاعلُهُ ضميرٌ مستترٌ تقديرُهُ أنا. ومصدرُهُ العَوذُ، وهو اللجوءُ. ويتعلّقُ به حرفا جرٍّ، الباءُ، وتدخلُ على المستعاذِ به، و (مِنْ) وتدخُلُ على المستعاذِ منه،

الباءُ حرفُ جرٍ معناهُ هنا الاستعانةُ، أيْ أن اللاجئ والمستعيذَ يستعينُ في لجوئه واستعاذته برب الفلق.

ربِّ: اسم مجرورٌ بحرف الجرّ الباء، وهو مضافٌ.

الفَلَقِ: مضافٌ إليه مجرورٌ، والفَلَقُ هوالصبحُ، أقامَ المصدرَ مقامَ اسم المفعول (المفلوق)، وإضافةُ لفظ (ربّ) إلى لفظ (الفلق) أكسبت المضافَ التعريفَ، والتعريفُ رفعٌ للاشتراك عن اللفظ بالكليةِ، وحقيقةُ الفلْقِ الانشقاقُ عن باطن الشيء، فشبّه الليلُ بشيءٍ مغلقٍ ينفلقُ (ينشَقٌّ) عن الصبحِ، واستعيرَ لظهور الصبح بعد ظلمةِ الليل.

والمقصودُ بالاستعاذةِ هنا التعوذُ بربّ الفلقِ لمناسبته الاستعاذةَ من الليلِ والشرورِ التي يمكنُ أن تقع فيه على مختلف أنواعها، فإنّ الفلقَ هو الخاتمُ لليلِ، الذي يسدُّ الأبوابَ على مريدي الشرِّ في الليلِ، فجاءت إضافةُ (رب) لـ (الفلق) مناسبةً لذلك.

و(رب الفلق) هو المستعاذُ به، وهو اللهُ تعالى، خُصَّ بالإضافة إلى الفلقِ من بين مخلوقاته لمناسبته الأشياء المتعوّذَ منها في بقية السورةِ.

(من شرِّ ما خلقَ):

منْ: حرفُ جرٍّ مبنيٌّ على السكون، لا محل له من الأعراب.

شَرِّ: اسم مجرورٌ بحرف الجرِّ (من)، وعلامة جرِّهِ الكسرةِ، وهو مضافٌ

ما: اسم موصولٌ لغير العاقل غالباً، مبنيٌّ على السكون، في محلِّ جرٍّ مضافٌ إليه، واسم الموصول بمعنى (الذي)، وكما قلنا من قبل لا يتضحُ معناهُ إلا بجملةٍ تليه تسمى جملةَ الصلة.

خَلَقَ: فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ، فاعلُهُ ضميرٌ مستترٌ تقديرُهُ (هو)، يعودُ على (رب الفلق) المذكور قبلُ.

وهناكَ ضميرٌ مُقدَّرٌ (ـهُ) أي: من شرِّ الذي خلقَهُ ربُّ الفلق، وفي الآيةِ من الإيجازِ ما لا يخفى، فقد استترَ ضميرُ الفاعلِ، وحذفَ ضميرُ المفعول به، لسهولةِ فهمِهِ من خلالِ السياقِ إيجازاً، وللمحافظةِ على نهايةِ الفاصلةِ متفقةً معَ نهايةِ الفاصلةِ في الآيةِ الأولى، وهي القافُ الساكنةُ حين الوقف على نهايتي الآيتين. (الفلقْ، خلقْ).

والجملة الفعلية (خلق) مع المقدرات فيها (الفاعلِ المستتر، والمفعولِ به المحذوف) لا محلَّ لها من الإعرابِ صلةُ الموصولِ (ما).

والضميرُ المقدَّرُ الواقعُ موقعَ المفعولِ به، هو الرابطُ بين جملةِ الصلةِ (خلق)، والاسم الموصول (ما).

والجارُّ والمجرورٌ (من شرِّ) متعلقان بالفعل المضارع (أعوذُ) في الآيةِ الأولى، و(شرِّ ما خلق) وما بعده هو المستعاذُ منه.

ومعنى حرفِ الجرِّ (منْ) هنا ابتداءُ الغايةِ، وهو ابتداءٌ مجازيٌّ، أيْ أن التعوّذَ يبدأُ منْ شرِّ ما خلق.

وختمت الآيتانِ بكلمتين، الأولى اسمٌ (الفلق)، والثانية بفعلٍ ماضٍ (خلق) وبينهما جناسٌ ناقصٌ، حيث اتفقتا في كل الحروفِ والحركات حين الوقف باستثناء الحرف الأول في كل منهما، ومعلومٌ ما لهذا النظمِ من جَرْسٍ قويٍّ مؤثرٍ في الأذنِ والقلبِ.

وبدئت الآيةُ الأولى بحرفِ القاف تلاه حرفُ اللام، وختمت الآيةُ الأولى والثانيةُ بحرف القاف سبقه حرفُ اللام، وحرف القافِ من الحروف الشديدة خففت اللامُ الذلقيةُ من شدته عندما جاءتْ بعدهُ في أول السورةِ، وحَسُنَ التخلصُ إليها من اللام في نهايتي الآيتين الأولى والثانية، والقاف من حروف القلقلة، وقعت في آخر الآيتين، فيوقفُ عليها بالسكون، فتتقلقل، مما يخففُ من شدتها.

و(ما) الموصولية من ألفاظ العموم، فتشمل عمومَ شَرِّ خَلْقِ اللهِ تعالى.

(ومن شرِّ غاسقٍ إذا وقبَ)

الواوُ حرفُ عطفٍ مبنيٌّ على الفتح، لا محل له من الإعراب، وهو يُفيدُ الجمعَ مطلقاً، أي الجمعَ بين المعطوفِ والمعطوف عليه في الحكمِ، والحكمُ هنا هو الاستعاذةُ، فما بعدَ الواوِ مُتَعَوَّذٌ منه أيضاً.

منْ: حرفُ جرٍّ مبنيٌّ على السكونِ.

شَرِّ: مجرور بحرف الجرِّ (من)، وعلامةُ جرِّهِ الكسرةُ الظاهرةُ على آخره، وهو مضافٌ.

غاسقٍ: مضافٌ إليهِ مجرورٌ وعلامةُ جرِّهِ الكسرُ، نُوِّنَ لتنكيرِهِ، فقد خلا من (ال) والإضافة.

وغاسق: اسم فاعل، من الفعلِ الثلاثيّ (غَسَقَ) ومضارعُهُ (يغْسِقُ) من بابِ (ضرَبَ)، أي أظلمَ، وكذلكَ أغسَقَ بمعنى أظلمَ، ومنه قوله تعالى: (أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ) أي ظُلمَةِ الليلِ.

وإضافة الشرِّ إلى الغاسقِ (من شرِّ غاسقٍ) معنى الإضافة هو (في)، أي التعوّذ من الشرِّ في الغاسق، أي الشرِّ الحادث والكائن والواقعِ في الليل، كمثل قوله تعالى: (بل مكرُ الليلِ والنهارِ) أي: المكر في الليل والنهار.

والغاسق وصفٌ لموصوفٍ محذوفٍ، وهو الليل، ومن عادة العربِ إقامةُ الصفةِ مقامَ موصوفِها، وهو كثيرٌ في كتابِ اللهِ تعالى.

وتنكيرُ (غاسق) للجنس، لأنَّ المقصودَ هو جنسُ الليلِ.

إذا: ظرفٌ لما يسْتَقْبَلُ من الزمان، مبنىٌّ على السكونِ، في محلِّ نصبٍ على الظرفية، بمعنى (حين)، وتختصُّ بإضافتها إلى الجملةِ الفعليةِ، والأكثرُ أن يليها فعلٌ ماضٍ لفظاً، مستقبلٌ معنىً، ويليها المضارعُ قليلاً.

وقبَ: فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتح، فاعلُهُ ضميرٌ مستترٌ تقديرهُ هو، يعودُ على الغاسقِ. وأصلُ الوَقْبِ كالنُّقْرَةِ في الشيء، ووَقَبَ: إذا دخل في وَقْبٍ ومنه وَقَبَتِ الشمس: غابت، (معجم مفردات ألفاظ القرآن الكريم للراغب الأصفهاني). فيصبح المعنى: أعوذُ بربِّ الفلق من شرِّ الليلِ إذا دخلَ وأظلمَ.

عن عائشةَ رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى القمر فقال (يا عائشةُ استعيذي بالله من شَرِّ هذا؛ فإن هذا هو الغاسقُ إذا وَقَبَ) رواه الترمذيُّ في سننه. وقد رويَ أنَّ الغاسقَ إذا وقبَ هو الليل، وهو القمر، كما في أحكام القرآن لابن العربي.

والتعقيبُ بـ (إذا وقبَ) بعد ذكر الغاسق، تخصيصٌ للاستعاذة من شرِّ الليل حين حُلولِهِ، كتخصيص الاستعاذة من شرِّ الحاسدِ حينَ قيامِهِ بالحسدِ، وهو أبلغُ في الاستعاذةِ.

وموقعُ لفظِ (وقَبَ) في سياقِهِ موقعٌ عظيمٌ، لا يسدُّ مسدَّ هذا اللفظِ هنا أيُّ لفظٍ آخر يؤدّي وظيفتَهُ المعنويةَ من جهةِ دخولِ الليل وإظلامِهِ، ووظيفتَهُ اللفظيةَ، من جهةِ التوازنِ والمساواةِ بين نهايات الآياتِ وفواصلِها، ومن جهةِ ختمِهِ بحرفِ الباءِ الساكنِ وقفاً، حيث يستحقُّ القلقلةَ، فيتوافقُ في ذلك مع جميعِ نهاياتِ الآياتِ المختومةِ بحرفٍ من حروف القلقلة. وكذلك مناسبتِهِ للفظِ الغاسقِ وتكرار حرفِ القافِ في كلٍّ منهما. وفي الآيةِ (من شرِّ غاسقٍ إذا وقب) حرفا صفيرٍ، وهما الشينُ والسينُ، كما أنَّ الآيةَ بُدئت بحرفٍ شفويٍّ، وهو الميمُ، وختمت بحرفٍ شفويٍّ أيضاً وهو الباء.

(ومن شرِّ النفاثات في العقدِ):

الواوُ حرفُ عطفٍ، و (من) حرفُ جرٍّ، و(شرِّ) مجرورٌ بـ (من) علامةُ جرِّهِ الكسرة، وهو مضافٌ.

النفّاثاتِ: مضافٌ إليه مجرورٌ وعلامةُ جرِّ الكسرةُ.

والنفّاثات: جَمْعُ (نَفَّاثَة) صيغةُ مبالغةٍ على وزنِ (فَعَّالة)، وفعله الثلاثيُّ (نَفَثَ)، والنَّفْثُ: أقَلُّ من التَّفْلِ، إذ التفلُ يصاحبُهُ ريقٌ، لكن النفثَ لا يكون معه ريقٌ، شبيهٌ بالنفخِ.

روى البخاريُّ عن عائشةَ رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى نَفَثَ على نفسِهِ بالمعوِّذاتِ، ومَسَحَ عنه بيدِهِ ، فلمّا اشتكى وجَعَهُ الذي توفي فيه، طَفِقْتُ أَنْفُثُ على نفسِهِ بالمعوذات التي كان يَنْفُثُ، وأمسح بيدِ النبي صلى الله عليه وسلم عنه.

في: حرفُ جرٍّ مبنيٌّ على السكونِ لا محلَّ له من الإعرابِ.

العُقَدِ: مجرورٌ بحرف الجرّ (في)، وعلامةُ جره الكسرةُ الظاهرةُ على آخره.

والعُقَدُ جمع عُقْدَة، وهي ما تعقدُهُ الساحرةُ، وأصله من العزيمة، ولذلك يقال لها: عزيمة كما يقال لها: عقدة، ومنه قيل: للساحر: مُعَقِّد، (مفردات ألفاظ القرآن للراغب).

والتعوّذُ في هذه الآيةِ من السحرِ والسَّحَرَةِ بعامةٍ، مع أنّه قد خَصَّ النساءَ الساحراتِ، وذلكَ لغَلَبَةِ ذلكَ على النساءِ أكثرَ من الرجالِ خاصةً في العصرِ الجاهليِّ الذي نزلَ الإسلامُ عليه، وفيهِ بُعِثَ محمدٌ صلى الله عليه وسلم ليغيرَهُ وينهَضَ به ويرتقيَ به. واستخدَمَ صيغةَ المبالغَةِ (النفاثات) مع الجمعِ المؤنثِ السالمِ للدلالةِ على كثرةِ وقوعِ ذلك منهنَّ، وكثرةِ وقوعِ ذلكَ من السحرةِ عموماً، لحرصِ الساحرِ على تحقيقِ ما يريدُ من الشرِّ بالمسحورِ، فمن عادةِ السحرةِ حين قيامِهم بالسحرِ أنْ يقوموا بعقْدِ عُقَدٍ في خيطٍ، وكلُّ عقدةٍ يعقدونَها يقولونَ أقوالاً معينةً شريرةً ثم ينفثونَ في العقدةِ بكثرةٍ، لشدةِ عزمِهم على إيقاعِ الأذى والضرر بالمسحورِ، ولكنْ كما قالَ سبحانه وتعالى في سورةِ البقرة: (وما هم بضارّينَ به من أحدٍ إلا بإذنِ الله)، وكما قال في سورة آلِ عمرانَ (قلْ لنْ يصيبَنا إلا ما كتبَ اللهُ لنا).

وقد تتالى في الآيةِ (ومن شرّ النفاثاتِ في العقد) ثلاثةُ حروفٍ مشدّدةٍ، الراء في كلمة (شرِّ)، النون في أول كلمة (النفاثات)، بعدَ تحوُّلِ اللامِ الشمسيةِ إلى نونٍ، فصارتْ نوناً مشدَّدَةً، والفاء في كلمة (النَّفَّاثات)، وتتالي الحروفِ الثلاثةِ المشدّدةِ مناسبٌ للشدّةِ والكثرةِ والمبالغةِ الصادرةِ من الساحراتِ حينَ القيامِ بالسحرِ.

وختمت الآيةُ بحرفٍ من حروف القلقلة وهو الدال في آخر كلمة (العقد).

(ومن شرِّ حاسدٍ إذا حسد):

الواوُ حرفُ عطفٍ، و (من) حرفُ جرٍّ، و(شرِّ) مجرورٌ بـ (من) علامةُ جرِّهِ الكسرة، وهو مضافٌ.

حاسدٍ: مضافٌ إليه مجرورٌ، وعلامةُ جرِّهِ الكسرُ، نُوِّنَ لكونِهَ نكرةً.

وهو اسم فاعلٍ من الفعل الثلاثي (حَسَدَ)، دلالةٌ على القائمِ بفعلِ الحسدِ أو المتصفِ بهذا الوصفِ، وهو تمنّي زوالِ النعمةِ من صاحبِها، وتمنّي تحوّلِها إلى الحاسدِ، وقد يستخدَمُ بمعنى الغبطةِ، أي السرورِ لحالِ صاحبِ النعمةِ مع تمنّي وجودِ مثلِها عنده، دونَ تمنّي زوالِها من صاحبها، ومنه حديثُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلمَ الذي رواه البخاريُّ عن عبد الله بن مسعودٍ: (لا حسد إلا في اثنتين : رجل آتاه الله مالا ، فسلطه على هلكته في الحق ، ورجل آتاه الله حكمة ، فهو يقضي بها ويعلمها).

إذا: ظرفٌ لما يسْتَقْبَلُ من الزمان، مبنىٌّ على السكونِ، في محلِّ نصبٍ على الظرفية، بمعنى (حين)، وتختصُّ بإضافتها إلى الجملةِ الفعليةِ، والأكثرُ أن يليها فعلٌ ماضٍ لفظاً، مستقبلٌ معنىً، ويليها المضارعُ قليلاً. وقد سبقَ ذكرُ ذلك، نعيدُ ذكرَه لحصولِ الفائدةِ.

حَسَدَ: فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ، فاعلُهُ ضميرٌ مستترٌ تقديرُهُ هو، يعودُ على الحاسد المتعوّذِ من شرِّهِ، وتخصيص التعوذِ من الحاسدِ بحالةِ قيامِهِ بالحسَدِ (حاسدٍ إذا حسَدَ) أبلغُ في الدلالةِ على التعوّذِ، إذ أخطرُ ما يكونُ الحالُ من الحاسدِ حينَ قيامِهِ بالحسدِ.

وختمت الآيةُ بحرف من حروف القلقلة، وهو الدال في آخرِ كلمة (حَسَدَ).

وتكرر في الآيةِ معنى الحسدِ مرتين، مرةً بالوصف الذي هو اسم الفاعل (حاسد)، والثانيةَ بالفعلِ وهو الفعل الماضي (حَسَدَ)، ومع أنه فعلٌ ماضٍ لكنَّ دلالته للحالِ أو الاستقبال لإضافةِ جملتهِ إلى الظرف المستقبل (إذا). وتكرار المعنى بحالتين من حالاته يفيد توكيد الاستعاذة من هذا المعنى، وهو الاستعاذة من الحسد ومن الحاسد.

 

يتبع..

أبو محمد خليفة

1-1-2014

 

عن صفحة:

Link to comment
Share on other sites

سورة الفلق (2)

 

قلنا من قبل إن السورةَ تتكوّنُ من جملةٍ كبرى واحدةٍ، وهي السورةُ كلها، فيها جملةٌ صغرى واحدةٌ تبدأ من قولِهِ تعالى: (أعوذُ) إلى نهاية السورة. والجملةُ الكبرى أمرٌ بالقول، أمرٌ للرسولِ صلى الله عليه وسلم، وأمرٌ لأمته، بالاستعاذةِ باللهِ تعالى ربِّ الفلقِ، من شرٍّ عامٍّ، ثم ثلاثةِ شرورٍ خاصةٍ.

الشرُّ العامُّ هو شَرُّ المخلوقاتِ جميعها.

والشرورُ الخاصةُ الثلاثةُ:

الأول: شرُّ الليلِ حينَ حلولِهِ، وحينَ اشتدادِ ظلمته، والمقصودُ شرُّ ما فيه، من مكرٍ وكيدٍ ومعاصٍ ومؤامراتٍ وتدبيرٍ للشرِّ، والسعيِ بالشرِّ، وشرِّ الهوامِ والسباعِ، وشرِّ الشياطين، فيشملُ كلَّ ما يقعُ في الليلِ من شرورٍ.

الثاني: شرُّ النفاثاتِ في العقدِ، أي الساحرات، ويشمل كلَّ الشرورِ الآتيةِ من السحرةِ، الذينَ يسعونَ بالفسادِ وإيقاعِ الشرِّ والضرِّ والأذى بغيرِهم من عبادِ الله.

والثالثُ: شرُّ الحسَدِ والحاسدينَ.

والغرض من السورة تعليم النبي - صلى الله عليه وسلم – وتعليمُ أمته كلماتٍ للتعوذ بالله من شر ما يتقى شره من المخلوقات الشريرة ، والأوقات التي يكثر فيها حدوث الشر ، والأحوال التي يستر أحوال الشر من ورائها لئلا يرمى فاعلوها بتبعاتها ، فعلم الله نبيه هذه المعوذة ليتعوذ بها ، وقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يتعوذ بهذه السورة وأختها ويأمر أصحابه بالتعوذ بهما ، فكان التعوذ بهما من سنة المسلمين، (تفسير التحرير والتنوير- بتصرف يسير).

استخدمَ في السورةِ الكثيرُ من المخصصات اللفظية والمعنوية، فقد تخصصت الاستعاذة لأن تكون باللهِ وحدَهَ، لأنه وحده القادرِ على إعاذةِ من يعوذُ به، والتخصيص جاء بحرف الجرّ الباء الذي تعلَّقَ مع مجروره بالفعل المضارع (أعوذ). وخُصَّ وصفُ اللهِ تعالى بالربِّ للدلالةِ على السيادةِ والملكِ والتصرفِ المطلقِ من الربِّ سبحانه، وخُصَّ الربُّ بإضافته للفلق، لأن الفلَقَ خاتمةُ الليلِ محلِّ الشرورِ، ومع أنّ الله تعالى هو ربُّ الليلِ وربُّ الظلامِ وربُّ المخلوقاتِ جميعِها لكنّه قد خَصَّ الصبحَ (الفلق) ليضيف اسمه الأعلى إليه، لما فيه من الْمَنِّ بالنعمةِ من الله تعالى على عباده، بأنّه هو الذي يخلّصهم من الليل بتقديرِه انفلاقَ الصبحِ في آخرِهِ، فهو القادرُ على أنْ يجعلَ الوقتَ كلَّه ليلاً، قالَ سبحانه: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاء أَفَلَا تَسْمَعُونَ)، فأضيفَ اسم الربِّ سبحانه وتعالى إلى مخلوقٍ فيه نعمةٌ كبرى على عبادِهِ، وهو خاتمةُ الليلِ محلِّ الشرورِ.

وخصّت الاستعاذةُ بالله ليس من مخلوقاته على إطلاقها، بل الاستعاذةُ من شرّها، من شرِّ جميعِ المخلوقاتِ (من شرِّ ما خلقَ)، ذلك أنّ هناك خيراً كثيراً قدّرَهُ الله تعالى لمخلوقاتِه من مخلوقاتِه، فالاستعاذةُ خاصةٌ بالشرِّ.

وخصّت الاستعاذةُ باللهِ أيضاً من الشرورِ الواقعةِ في الليلِ، دونَ بقيةِ الشرورِ، ويلاحَظُ هنا حسنُ الانتقالِ في الاستعاذةِ من الشرِّ العامّ من كلِّ المخلوقات، إلى شرِّ خاصٍّ وهو الواقع في الليل من تلك المخلوقات، ثم تخصيص الشرِّ الواقع من السحرةِ والساحراتِ والسحرِ، ثم تخصيص الشرِّ الواقعِ من الحاسدِ والحسدِ، ففي التعبير دقةٌ كبيرةٌ، وبلاغةٌ ساميةٌ، وحكمةٌ بالغةٌ، خاصةً إذا عرفنا بعد قليلٍ معجَمَ السورةِ اللفظيَّ والصوتيَّ.

أما المعجَمُ اللفظيُّ، فقد استخدِمَ في السورةِ الأفعالُ الثلاثةُ الدالّةُ على الأزمانِ الثلاثةِ: الماضي، والمضارعِ والأمر. ولكنَّ استخدامَها كان استخداماً متميزاً لتدلَّ كلُّها على الحال والاستقبال، ففعلُ الأمرِ (قل) طلبٌ للقيامِ بالقول، فهو لم يحدثْ قبل قوله، ويُطلبُ حدوثُهُ بعد صدورِه، والفعل المضارع (أعوذُ) يدلُّ على الحالِ، والأفعالُ الماضيةُ (وقبَ، حسَدَ) دالةٌ على الحالِ أو الاستقبالِ لإضافةِ جملتها إلى (إذا) المستقبلية. والفعل الماضي الوحيدُ الدالُّ على المضيِّ هو (خَلَقَ) المسندِ إلى اللهِ تعالى، ففيه الدلالةُ على تحقق الخلقِ كلِّهِ، وتحقُّقِ نسبتِهِ إلى اللهِ تعالى، فهو الأحرى بأن يُعيذَ من يستعيذُ به من شرِّ ما خلقَ.

 

أما الأسماءُ فقد استخدِمَ في السورةِ سبعةُ أسماءٍ دالٌّ أكثرُها على الحدثية أو الاتصافِ بها، وفي ذلك إشارةٌ إلى أن الشَّرَ لم يُخْلَق ابتداءً في المخلوقاتِ، وإنما هو آتٍ من أعمالٍ معينةٍ أو صفاتٍ معينةٍ، أو حركاتٍ معينةٍ، أو استخداماتٍ معينةٍ لهذه المخلوقات، وفي ذلك تنزيهٌ لله تعالى عن قصدِ إرادةِ الشرِّ بعبادِهِ، ويؤكّد هذا المعنى كثير من آياتِ القرآنِ التي ذكرت كثيراً من المخلوقاتِ على أنها نعمٌ من اللهِ تعالى على عبادِهِ، ولكنّ مريدي الشرِّ من الجنِّ والإنسِ حرفوا هذه النعمِ عما خلقتْ له.

 

وهذه الكلماتُ الدالّةُ على الحدثية أو الاتصافِ بها هي:

الفلق (انفلاق الصبح في آخر الليل)،

شرّ (وصف لعمل أو أعمال لا يرضى عنها الله تعالى)،

غاسق (اسم فاعل وصف لليل بدخول الظلام واشتداده)،

النفاثات (صيغة مبالغة لاسم الفاعل نافث، يدل على حركة النفث والنفخ)،

العقد (جمعُ عقدةٍ، والمقصود ليس العقدةَ بذاتها، وإنما القيامُ بها مع ما يصاحبها من قول وعمل متعلقين بالسحر)،

حاسد (اسم فاعل، وصف لمن يقوم بهذا العمل، يحسدُ غيرَهُ على ما أوتيَ من نعم).

والاسم السابعُ من الأسماءِ المستخدمةِ في السورةِ هو (رَبُّ) وصفٌ لله تعالى بالربوبية والسيادةِ ومطلقِ التصرّفِ في هذا الكونِ.

واستخدمَ الظرفُ الزمانيُّ (إذا) مرتين، لتخصيص بعض أعمالِ الشرِّ بحالِ وقوعِها في زمنها.

واستخدمَ حرفُ العطف (الواو) ثلاثَ مراتٍ، فمع تكرارِه وقعَ الإيجازُ، إذ استغنِيَ به عن تكرارِ العاملِ، فلم يُقلْ: أعوذ من شر ما خلق، أعوذ من شر غاسق إذا وقب، أعوذ من شرّ حاسدٍ إذا حسد، فتكرارُ حرفِ العطف أغنى عن تكرار الفعل (أعوذ)، لأنه من المعلومِ أن العطفَ على نيةِ تكرارِ العاملِ، فالعطفُ في السورة أغنى عن تكرار فعل الاستعاذة.

وهذا بخلاف تكرار شبه الجملة (من شرّ)، إذ تكرر التعبير بها أربع مراتٍ، فلم يُقَلْ: أعوذ برب الفلق من شر ما خلق، وغاسق إذا وقب، والنفاثات في العقد، وحاسدٍ إذا حسد، ولم يُكْتَفَ بورودِها أولَ مرةٍ بل تكررتْ في كلِّ مواضع الاستعاذةِ لتخصيصها من شرِّ المستعاذِ منه فقط، وليس منه بعامةٍ، وفي هذا إشارةٌ بيّنةٌ إلى أن ما يُرادُ من الشرِّ من قِبَلِ أحدٍ من المخلوقاتِ لغيرِهِ لا يكونُ شرَّا للمرادِ به إلا بإذنِ الله، بل قد يكونُ خيراً له، كما روى الإمامُ مسلمٌ عن صهيب بن سنان رضي الله عنه: (عجبا لأمر المؤمن . إن أمره كله خير . وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن . إن أصابته سراء شكر . فكان خيرا له . وإن أصابته ضراء صبر . فكان خيرا له)، وكذلك قولُه تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) فليسَ كلُّ من أرادَ أن يعملَ شرّاً يتحققُ له ما يريدُ، فإنَّه لا يتمُّ ذلك إلا بإذنِ اللهِ لحكمةٍ يعلمُها سبحانَه، ولكنّها تقعُ على المؤمنِ خيراً، ولذلك نُصَّ في الاستعاذة في هذه السورة على الشرِّ المتأتّي من تلكَ الأشياء المذكورةِ في السورةِ، وتكرر شبه الجملة (من شرّ) مع كل المستعاذ منهنّ، بخلاف الفعل المضارع (أعوذ) فلم يتكرر، واكتفِيَ بتكرار حرف العطف المغني عن تكرار العامل، لأن العطف على نية تكرار العامل.

ولننظر إلى قوله تعالى في سورة النور: (إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ) ففي الآيةُ بيانٌ واضحٌ أنَّ الشرَّ الذي أرادَهُ مُريدُهُ وفاعلُهُ من المخلوقاتِ ليسَ بالضرورةِ أن يقعَ شرّاً على من أرادَ له أنْ يقعَ عليهِ. فحَسُنَ تكرارُ العبارة (من شرِّ) أربع مراتٍ في السورةِ، لتخصيص الاستعاذةِ بالشرِّ دونَ غيرِهِ من الخيرِ.

 

يتبع إن شاء الله

 

أبو محمد خليفة

1-1-2014

 

 

عن صفحة:

Link to comment
Share on other sites

Join the conversation

You can post now and register later. If you have an account, sign in now to post with your account.

Guest
Reply to this topic...

×   Pasted as rich text.   Paste as plain text instead

  Only 75 emoji are allowed.

×   Your link has been automatically embedded.   Display as a link instead

×   Your previous content has been restored.   Clear editor

×   You cannot paste images directly. Upload or insert images from URL.

Loading...
 Share

×
×
  • Create New...