Jump to content
منتدى العقاب

في خطابه يوم 13 أوت: السبسي يتحدّى مشاعر التونسيين المسلمين ويلتفّ على إرادتهم (2/1)


Recommended Posts

 
 

في خطابه يوم 13 أوت: السبسي يتحدّى مشاعر التونسيين المسلمين ويلتفّ على إرادتهم (2/1)

 في محلي, مميز August 28, 2018 415 زيارة

 

حدّث أبو ذرّ التونسيّ قال : مجدّدا كان للشعب التونسيّ يوم 13 أوت المنصرم موعد حاسم مع زلّة أخرى من زلاّت (شيخ الرؤساء) تنضاف إلى سجلّ لسانه الحافل بالسقطات (تزوير انتخابات بورقيبة ـ وصف الأمنيّين بالقردة ـ المسؤول الكبير…) فإزاء الصفعة المهينة التي تلقتها لجنة الحريّات الفرديّة والمساواة والرفض الجماهيريّ الكاسح لما جاء في تقريرها والحرب الشعواء التي شُنّت عليها وعليه في العالمين الواقعيّ والافتراضيّ ،لم يتمالك سي الباجي أعصابه ـ بوصفه باعث اللجنة وصاحب مشروعها ـ فخرج عن هيبته المفترضة وتجشّأ في وجوه (12) مليون تونسيّ بما يُحمَل ـ منطوقا ومفهوما ـ على الكفر البواح الصراح ،في جريمة نكراء قصمت ظهر البعير التونسيّ الأصيل وأفاضت كأس صاحبه المسلم الأبيّ…وإحقاقا للحقّ فإنّ الستّار جلّ جلاله أبى إلاّ أن يهتك له ستره ويكشفه على حقيقته أمام القلّة التي توسّمت فيه خيرا ،فأخرج أضغانه وأنطقه على عين الملأ بما اجتهد في إخفائه عن شعبه وناخبيه ولم يُبده إلاّ (للمسؤولين الكبار) ولدائرة مُضيّقة من وزرائه وأعضاء حزبه…فاتّضح للجميع بما لا يدع مجالا للشكّ موقف رئيسهم المُوقّر من الإسلام ـ عقيدة وشريعة وكتابا ونبيّا ـ (لئلاّ يكون للناس على الله حجّة بعد الرسل) وانهار تحت أقدامهم الفصل الأوّل من الدستور الذي لطالما تشبّثوا بتلابيبه واطمأنّوا إليه وعلّقوا عليه هُويّة البلاد الإسلاميّة ،إذا به ـ تنظيرا وتطبيقا ـ قاعدة وصفيّة حقيقة لا قاعدة حكميّة…

تصريحات صادمة

ورغم أنّ سجلّ (إنجازاته) قد طفح كيله بالجراءة على الله ورسوله وشرائعه (التأشير لجمعيّة شمس للمثليين ـ تخفيف العقوبات على استهلاك المخدّرات ـ إحداث لجنة الحريّات الفرديّة والمساواة…) إلاّ أنّ سي الباجي أصرّ (إلحاحا) على أن يُوشِّح (بَلْمَارَاسَهُ) بسابقة خطيرة لم يجرؤ عليها من حكّام المسلمين (عدا القذّافي) إلاّ اليهوديّ الماسونيّ عميل بريطانيا وهادم دولة الإسلام (أتاتورك) : الاستهزاء بالقرآن الكريم والسنّة المُشرّفة والمجاهرة بالإعراض عنهما على أعيُن النّاس في تطاول صفيق على عقيدة التونسيّين واستخفاف بمشاعرهم الإسلاميّة يلامس حدود الاستهانة (واللهمّ إنّا نسألك حسن الخاتمة)…لقد بدا السبسي في خطابه يوم 13 أوت المنصرم مَوْتُورا متحاملا (منبوزا) مُحْرَجا أمام (المسؤولين الكبار) مدفوعا بحقد إيديولوجيّ أعمى وهوس سياسيّ أصمّ (لإصلاح ما أفسده الشعب المسلم) من أمر لجنته ومشروعها…لذلك فقد (جاب ملْخِّر) وأعلنها صراحة وجهارا بنبرة استهزاء وتحدّ وبمنطق (اشرب ولاّ طيّر قرنك) أنّه لا عبرة بالقرآن والسنّة في التشريع وأنّ دستور 2014 أعلى من كتاب الله وسُنّة رسوله وأنّ تونس دولة مدنيّة لا دولة دينيّة ،أي أنّها لا تعتمد الإسلام ـ لا في كليّته ولا في جُزئيّته ـ في تسيير دواليبها ورعاية شُؤون منظوريها… وحتّى لا نُتّهم بالتقوّل على رئيسنا والإغراق في (نظريّة المؤامرة) نورد ما جاء على لسانه حرفيّا (تكستو) : فقد علّق (ما عنّاش علاقة بِحْكايةْ الدّين ولا بِحْكايةْ القرآن ولا بحْكايةْ الآيات القرآنيّة) وأوضح (تونس دولة مدنيّة لا علاقة لها بالدّين والدستور هو الأعلى) ثمّ استطرد على موقف حركة النهضة (القول بأنّ مرجعيّة الدولة التونسيّة مرجعيّة دينيّة هذا خطأ وخطأ فاحش)…وهي تصريحات صادمة للرأي العام التونسيّ خادشة لمشاعره الإسلاميّة لا يجرؤ على مثلها رئيس لشعب مسلم ،ولكنّها مع ذلك سياسيّة بامتياز في علاقة جدليّة بالمشروع الاستعماريّ المستهدف لهويّة البلاد…

في ميزان الشّرع

وقبل فكّ شفرة الرسالة السياسيّة التي جاءت في تلافيف خطاب السبسي نتولّى ابتداء محاكمة تصريحاته تلك من زاوية العقيدة الإسلاميّة عقيدة سواد التونسيين حتى نتمكّن من تحديد العلاقة المستقبليّة المفترضة بين الطرفين الحاكم والمحكوم : فما حكم هذه التصريحات الصادمة من وجهة نظر الإسلام..؟؟ وما هو التوصيف الشرعيّ للمصرِّح بها..؟؟ وهل لها تبعات سياسيّة على منصبه وصلاحيّاته بوصفه رئيسا لشعب مسلم..؟؟ إنّ المتمعّن في العيّنات التي ذُكِرت من خطاب السبسي يكتشف دون عناء أنّها تمحورت حول ثلاث نقاط أساسيّة (الاستهزاء بكتاب الله وسنّة رسوله ـ إنكار كونهما وحيا من الله واجب الاتباع ـ المجاهرة بالإعراض عنهما بوصفهما مصدرَيْ تشريع) وهي ثلاثتها مداخل للشيطان ومخارج من الملّة المحمّديّة تنحطّ بمقترفيها ـ فُرادى أو مُجتمعة ـ إلى مدارك التصريح بكلمة الكفر البواح الصُّراح…فالله سبحانه وتعالى عدّ المُستهزئين بآياته ورسله كفّارا وتوعّدهم بجهنّم وبئس المصير حيث قال في محكم تنزيله (ذلك جزاؤهم جهنّم بما كفروا واتّخذوا آياتي ورُسُلي هُزُؤا) ـ الكهف 106 ـ بل إنّه جلّ وعلا كفّر حتّى من يقومون بذلك على سبيل العبث واللهو دونما اعتقاد، وشنّع عليهم ولم يقبل أعذارهم كما جاء في الآيات (64/65/66) من سورة التوبة (ولئن سألتهم ليقولُنّ إنّما كنّا نخوض ونلعب ،قل أبِالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون ،لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم)…وغنيّ عن الذكر أنّه يجب الاعتقاد في الكتاب والسنّة بوصفهما نصّين شرعييّن مُنزّلين من عند الله : فالقرآن الكريم والسنّة المُشرّفة وحي من الله بصريح الآيات ،قال تعالى (وأوحِي إليّ هذا القرآنُ لأنذِرَكم به ومن بلغ) وقال (وما ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحي يوحى)…ويترتّب عن ذلك أنّ مُنكر القرآن أو مُنكر السنّة كافر بالإجماع لمُخالفته للمُحكم والقطعيّ ولكون العقيدة الإسلاميّة تقتضي الإيمان بجميع الكتب السماويّة بما فيها القرآن الكريم ،كما تقتضي أيضا الإيمان بجميع الرسل بمن فيهم محمد صلّى الله عليه وسلّم…ولا خلاف في وجوب اتّباع الكتاب والسنّة بوصفهما مصدريْ تشريع ،قال تعالى (وأن اُحكم بينهم بما أنزل الله) وقال (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) ،وقد عدّ الله المُعرِض عن القرآن والسنّة كافرا بصريح النصّ ،قال تعالى (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) كما علّق الإيمان بالتحاكم إليهما قال تعالى (فلا وربّك لا يؤمنون حتّى يُحكِّموك فيما شجر بينهم) وتوعّد المخالفين بالويل والثبور،قال جلّ وعلا (فليحذر الذين يُخالفون عن أمره أن تُصيبهم فتنة أو يُصيبهم عذاب أليم)…

تبعات التصريح بالكفر

هذا هو المناط الشرعيّ لما جاء في خطاب 13 أوت من تصريحات صادمة وقد أسفر تحقيقه عن الآتي : فسي الباجي استهزأ بكتاب الله وسنّة نبيّه واستخفّ بهما وأنكر كونهما وحيا من الله واجب الاتباع ،كما أقرّ ـ تصريحا واعتقادا لا تلميحا وظنّا ـ بأنّ العقيدة الإسلاميّة لا تصلح للحكم والتشريع وبوجوب فصل الدّين عن الحياة والاحتكام إلى العقيدة الرأسماليّة الدّيمقراطيّة ،وفي كلّ هذا ما فيه من إعراض قبيح عن الكتاب والسنّة وحرب شعواء على الله ورسوله وكفر بواح مضاعف ظلمات بعضها فوق بعض… وباعتباره رئيسا للشعب التونسيّ المسلم الأبيّ ،ما هي التبعات السياسيّة المترتّبة عن طارئ الكفر الذي ألمّ به فيما يتعلّق بمنصبه وطاعته وصلاحيّاته في الحكم..؟؟ إنّه مع علمنا بأنّ السبسي يحكم بغير ما أنزل الله ويحارب الثقافة الإسلاميّة ويُكرِّس الثقافة الغربيّة على حسابها ويُمكِّن للكافر المستعمر في البلاد ـ أرضا وشعبا ومٌقدِّرات ـ إلاّ أنّنا مع ذلك كنّا نتوسّم فيه خيرا ونُلزِمه بتصريحاته التضليليّة ونعدّه مسلما مضبوعا بالثقافة الغربيّة عن جهل وانبهار لا عن اعتقاد وتبنّ…أما وقد بان كفره واستهتاره بالشرائع والمقدّسات الإسلاميّة لذي عينين فإنّ رئاسته تصبح في حكم اللاّغية لقوله تعالى (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا)…فلو حصل ذلك من الخليفة في ظلّ الدولة الإسلاميّة لفقد شرطا من شروط الانعقاد (الإسلام) ولفقد أهلية الحكم وصلاحيّاته وواجب الطاعة ولأصبح مُستحقّا للعزل ولما جاز له شرعا الاستمرار في منصب الخلافة…كما أنّ تطبيق أحكام الكفر يوجب على الأمّة الإسلاميّة شقّ عصا الطاعة في وجه الخليفة والخروج عليه بحدّ السيف كما جاء في حديث عُبادة بن الصّامت (بايعنا رسول الله صلّى الله عليه وسلم على السمع والطّاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله إلاّ أن تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان)…هذا في ظلّ دولة إسلاميّة تحكم بما أنزل الله فما بالك بواقع الملك الجبريّ والدويلات الكرتونيّة التابعة العميلة : فما أقدم عليه السبسي يُؤكّد كوننا في حلّ منه ومن حكمه وممّا يمثّله من تبعيّة وتحاكم للطّاغوت وارتهان للكافر المستعمر…

بيان سياسيّ

إنّ تصريحات السبسي ـ رغم ما تحتويه من جرأة على الله ورسوله ـ أبعد ما تكون عن ردود الفعل الغريزيّة المنفلتة ،بل هي خطاب سياسيّ خبيث وماكر يجب أن يُقرأ قراءة سياسيّة تُنزّله في سيرورته التاريخيّة المتعلّقة (بالمحطّات الإصلاحيّة الكبرى)، وظرفيّته المحليّة المتمثّلة في تعطّل مشروع لجنة الحريّات الفرديّة والمساواة ،وسياقه الدوليّ المرتبط بقرارات البرلمان الأوروبيّ لسنة 2016 وتوصيّات المؤتمر العالميّ لحقوق الإنسان في دورتيه الأخيرتين ،وهو سياق يلحّ على تكريس المساواة بين الجنسين وملاءمة التشاريع التونسيّة مع مقتضيات دستور 2014 …وبصرف النظر عن التجاذبات الانتخابيّة ومحاولة سي الباجي الضغط على النهضة وتهديدها بفضح موقفها (السريّ) من مشروع اللجنة لتوريطها مع قواعدها وناخبيها ،فإنّ تصريحات السبسي ـ شكلا ومضمونا وتوقيتا ـ مدروسة بدقّة بحيث أنّ كلماتها منتقاة وموزونة ومقصودة بكلّ ما تحيل عليه من شحنة دلاليّة (استهزاء ـ استخفاف ـ تحدّي…) وتعبيريّة (نبرة الصوت ـ سحنة الوجه وتقاسيمه ـ حركات اليدين…) إنّها عبارة عن بيان سياسيّ صريح متحدّ متغطرس واضح غير مُشفّر (بالفلاّقي) يقطع نهائيّا مع غطاء الشرع الشفّاف والاجتهاد والمقاصد التي كانت معتمدة للتضليل ،ويُقرّ رسميّا بانسلاخ تونس كليّا عن الإسلام وقطع ما بقي من روابطها به ـ تنظيرا وممارسة ـ وتنقية تشاريعها ممّا علق بها من رائحة الإسلام وإتمام (المهمّة الاستعماريّة المقدّسة) التي استهلّتها فرنسا (زراعة البذور) وأخذ عنها المشعل بورقيبة (رعاية الأجنّة) ودعّمها بن علي (حضانة المواليد) وها هو السبسي يحظى بشرف تتويجها ـ وقد استوت على سوقها تعجب الزرّاع ـ قبل أن يفرضها على الجميع بقوّة التموقع في السلطة ومساندة (الدول الصديقة) أحبّ من أحبّ وكره من كره…فالمرحلة السياسيّة هي بامتياز مرحلة قطف الثمار ،فجزء كبير من الشعب التونسيّ حسب التقديرات الاستعماريّة قد ارتقى إلى (مستوى متقدم من النضج) يؤهّله للتخلّي عن الإسلام وتقبّل هذه (الثورة التشريعيّة)…وهي مرحلة من الدقّة والحساسيّة بحيث أنّ التنكبّ عن خوضها بالكيفيّة المطلوبة يعني عمليّا انتعاش مضادّاتها الحيويّة (المشروع الإسلاميّ) وفساد الثمار على رؤوس أشجارها وانخرام دورة كاملة من التغريب والتصحير الثقافيّ وبروز فراغات لا يمكن أن يملأها إلاّ الإسلام والدولة الإسلاميّة…

بسّام فرحات

Link to comment
Share on other sites

قرقنة, ندوة سياسية بعنوان: لجنة الحريات الفردية والمساواة مثال على حرب دولة تونس على الإسلام خضوعا للاستعمار

 

كان من المفترض أن يعقد حزب التحرير مساء السبت 1 سبتمبر 2018 ندوة سياسية في جزيرة الصمود وقلعة النضال “قرقنة” بحضور رئيس المكتب السياسي للحزب الأستاذ عبد الرؤوف العامري، ولكن تعنت السلطة وخدمتها الواضحة للاستعمار جعلها تسارع للحيلولة دون ذلك، حيث تم الضغط على صاحب القاعة ومحاولة إقناعه بأن الندوة لم تحصل على ترخيص، مع أنها مستوفية الشروط والتراتيب الإدارية الجاري العمل بها، وبذلك تضيف السلطة في تونس إلى سجلها الحافل جريمة جديدة باسم الديمقراطية فتكمم الأفواه المنادية بتحكيم شرع الله مقابل السماح للكفار والفجار وأعوانهم من الشواذ بأن يجوسوا خلال الديار، وكأن البلاد مقاطعة فرنسية أو بريطانية، في رضوخ مذل ومهين لأوامر السادة الأوروبيين.

أما جهاز الأمن، فقد تم إقحامه كالعادة في معركة لا ناقة له فيها ولا جمل، حيث حدد حزب التحرير عدوه منذ تأسس من كونه الكافر المستعمر، وأنه لا مشكلة لديه مع أجهزة يفترض أن تكون في صف الأمة لا أداة بأيدي أعدائها، وعلى رأسها أجهزة الأمن والجيش، ولكن السلطة ماضية في الرضوخ للاستعمار مستميتة في إحداث شرخ بين الحزب وبين هذه الأجهزة عبر جعلها أداة طيعة لتنفيذ أجندات خارجية وجعل محاصرة الحزب ومنع نشاطه وعزله عن الناس على رأس سلم أولوياتها بدل مكافحة الجريمة والتصدي للإرهاب الدولي المتربص ببلادنا. ومع ذلك، فإنه لم يفت شباب حزب التحرير في قرقنة، أن يلتحموا بأهالي الجزيرة في وقفة احتجاجية تخاطب الأمن والشعب وتطالبهم بنصرة وتأييد مشروع الحزب في معركة التحرير التي يخوضها ضد الاستعمار ووكلائه.   

******

كلمة الأستاذ عبد الرؤوف العامري رئيس المكتب السياسي لحزب التحرير في تونس

لجنة الحريات الفردية والمساواة مثال على حرب دولة تونس على الإسلام خضوعا للاستعمار

وحزب التحرير يذكركم: وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُون

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

1 ـ السياق التاريخي للحرب على شريعة الإسلام منذ الإطاحة بالخلافة

كلنا نعلم أمر اللجنة المسماة بلجنة الحريات الفردية والمساواة والتي أنشئت يوم 13 أوت 2017 بتكليف من رئيس الدولة الباجي قائد السبسي والتي قدمت له حصيلة عملها يوم 01 جوان 2018 والذي جاء تحت عنوان “تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة” وأي مطّلع منصف وهو يرى تركيبة اللجنة يدرك يقينا أنها لن تأتي بخير للعلم بالمعاداة الصريحة لهؤلاء الأعضاء لعقيدة الأمة ولشرع الرحمان ولاعتداد أفرادها بتبنيهم لأفكار فصل الدين عن الحياة وسعادتهم برضى الدوائر الغربية الاستعمارية عنهم واستعدادهم لخدمة الحضارة الغربية ومفاهيمها بل والسعي إلى إلحاق بلادنا ودمجها في هذه الحضارة ومحو أي علاقة للإسلام بها.

ورغم إلحاح السؤال عن الحاجة إلى طرح مثل هذه القضايا في ظل ما يعتمل في الساحة التونسية من أزمات وعقبات وعجز السلطة على الخروج من الأزمات التي جرتها على البلاد نتيجة سياساتها الخرقاء وتطبيقها لأحكام النظام الرأسمالي الذي يخدم في كل جزئياته الدول المسيطرة على بلادنا إلا أن ثنايا التقرير وطياته كشفت سوءاتهم وعوراتهم حين بنوا تقريرهم هذا على أمرين أساسيين:

أولا: قولهم إنّهم يواصلون مسيرة الإصلاح التي انطلقت محطاتها السياسية مع عهد الأمان الصادر في 10 سبتمبر 1857.

ثانيا: قولهم إن عملهم هذا هو محطة من محطات الاجتهاد الشرعي أي أن مهمتهم التي أناطها بهم السبسي وتقريرهم هذا عدوه اجتهادا شرعيا.

          فأما عن مسيرة الإصلاح فإن من أبرز هذه المحطات الإصلاحية التي يفخرون بها هي:

             ـ عهد الأمان الصادر في 10 سبتمبر 1857

             ـ دستور 26 أفريل 1861

             ـ دستور الاستقلال المؤرخ في أول جوان 1959

             ـ مجلة الأحوال الشخصية الصادرة في 13 أوت 1956

             ـ دستور 27 جانفي 2014

ومع عهد الأمان كانت بداية مسيرة الانحراف عن الإسلام والإعراض عنه والبعد عن أحكام الشرع وتبديلها. وهي الخطوات العملية الأولى في مسيرة التبعيّة العمياء لمفاهيم الحضارة الغربية وأفكارها وفرضها على المسلمين في بلد الزيتونة بالتضليل حينا وبالقهر أحيانا. وهي المسيرة التي انتهت بالبلاد التونسيّة أن يحكمها المستعمر بالحديد والنّار.

فبالنسبة إلى عهد الأمان، كلنا يعلم بالظروف التي حفّت بإصداره في عهد محمد باي إثر الحادثة الشنيعة لأحد الرعايا اليهود الذي نال من الدين الإسلامي فقضت المحكمة الشرعية بإعدامه، وإثر تنفيذ الحكم تدخل القناصل والسفراء الأوروبيين وخاصة سفيري بريطانيا وفرنسا لدى الباي وبطانته وآل الأمر إلى تهديد ومحاصرة أسطولي فرنسا وبريطانيا للبلاد التونسية، ليرضخ الباي ويقبل بإصدار ما سمي حينها بعهد الأمان ومن أبرز بنوده: الترخيص للأجانب بحرية الدخول والاستقرار والتجارة والملكية للعقارات والأراضي بسائر البلاد التونسية. تحت اليافطة الخبيثة أن بنوده لا تصادم القواعد الشرعية.

إلا أن رفض أكبر علماء القطر التونسي آنذاك ومنهم: شيخ الإسلام محمد بيرم الرابع، والشيخ محمد ابن الخوجة المفتي الحنفي، والشيخ أحمد بن حسين رئيس الفتوى في المذهب المالكي، والشيخ محمد البنا المفتي المالكي، لم يغير من الأمر شيئا وأصدر هذا العهد رغم رفضهم إياه.

 وأما دستور 1861، فقد تواصلت ضغوط الدول الأوروبية على السلطة في تونس بغاية إصدار دستور للبلاد يؤسس للقطع مع الأحكام الشرعية والإعداد لإدخال القوانين الغربية.  وبمجيء الصادق باي سنة 1859 للحكم سافر إلى الجزائر لمقابلة امبراطور فرنسا نابليون الثالث سنة 1860 ليطلعه على مشروع الدستور الذي يعتزم اصداره  والذي أعدّ تحت إشراف السفراء الأجانب خاصة  القنصل الفرنسي المستعرب ” ليون روش “، و الذي صدر في 21 جانفي 1861 ليطبق مفاهيم بنود “عهد الأمان”  وكان هذا الدستور هو السبب المباشر في استعمار تونس وامضاء معاهدة الحماية سنة 1881م. وقد رفض أهل تونس قاطبة هذا الدستور؛ إذ كان من أسباب ثورة علي بن غذاهم سنة 1864م رفض هذا الدستور الذي أملاه على الباي “النصارى” (فرنسا)، وكان شعار الثورة وقتها: “كفانا مجبى، ومماليك ودستورا”، وما يجب أن يذكره الجميع أنّ إبطال العمل بدستور 1861م كان من شروط الثوار لإنهاء الثورة.

وأما مجلّة الأحوال الشخصية التي اعتبرها التقرير فهي محطة جديدة في الحرب على أحكام الله، وهي كما قال فيها الشيخ محمد الصالح النيفر رحمه الله: “ليست من اجتهاد مجموعة من فقهاء المسلمين وإنما صنعت في الخارج، ووقعت الموافقة عليها في الداخل”. وقد تضمّنت بنودا كثيرة مخالفة لأحكام الإسلام القطعية. ولهذا رفضها علماء الزيتونة ومشايخها، ومنهم: محمد العزيز جعيّط شيخ الإسلام المالكي، محمد عباس شيخ الإسلام الحنفي، ومحمد البشير النيفر، وإبراهيم النيفر، ومحمد الهادي ابن القاضي، ومحمد الشاذلي ابن القاضي، وعلي بن مراد، وأحمد بن ميلاد، وعبد الوهاب الكرارطي، وعبد العزيز بن جعفر، وأحمد المهدي النيفر، ومحمد المنستيري، وعلي بالخوجة، والطيّب سيالة، ومحمد الحطاب بوشناق. إلا أن هذا الرفض لم يجد نفعا مرة أخرى فالقرار دائما يكون للسلطة السياسية.

 نأتي الآن إلى دستور 27 جانفي 2014، فالكل يعلم ظروف ووقائع نشوء هذا الدستور وما حف به ورغم الرفض الشعبي له وعدم الاهتمام به بل وصل الأمر إلى حد تمزيقه من جمهور الناس حين حاولت السلطة الرسمية الترويج له في اجتماعات عامة.

2 ـ جدية مشروع الحزب وطلب العمل له من عموم المسلمين بالانتماء والمناصرة

    أمام هذا الواقع الذي تمر به الأمة وهذا المكر الكبّار الذي يمكره الأعداء بها وهذه الخيانات التي لا تنتهي من قبل حكام استمرئوا الذل والهوان والخضوع للكفر وأهله طمعا في سلطان زائف وزائل يعمل حزب التحرير اليوم بكل جد في الأمة ومعها، بعد أن حدد قضية الأمة السياسية الأولى بأنها هي استئناف الحياة الإسلامية بإقامة دولة الإسلام: خلافة على منهاج النبوة على أساس عقيدة لا إلاه إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن العدو الرئيس للأمة هو الكافر المستعمر والذي يجب قلعه من جذوره.

   إلا أن هذه المهمة الجليلة والأمر الخطير لا يمكن أن يضطلع به الحزب وحده فإن الفرض الذي ألزم به المسلمين خاصتهم وعامتهم في قوله سبحانه وتعالى: وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (النساء/141)، يجعل في رقبة كل مسلم بالغ وعاقل رجلا كان أم امرأة فرض السعي لها والعمل على إقامتها بكل ما يستطيع، فأبواب الحزب مفتوحة لكل أبناء الأمة الصادقين المخلصين لله للعمل في صفوفه  هو على استعداد لاحتضان من ينصر  فكرته ويسعى معه لتحقيق الغاية الشريفة التي يعمل لها  وكل من يؤيده على ذلك بالتثقيف والإرشاد، وإننا في هذا الصدد لا يسعنا إلا أن ننوه بالتأييد الذي يلقاه من أهل قرقنة الكرام والمكرمات غير غريبة عنهم فتاريخهم حافل بالأمجاد والبطولات ومواقف العز فوقفتهم وصراعهم مع شركات النهب لثروات الأمة وملكياتها العامة لاتزال قائمة وماثلة للعيان ولا أقل من ذكر تصديهم للهجوم البحري الفرنسي إبان فترة الاحتلال لبلادنا وما وجودنا اليوم هنا في قرقنة إلا دليل صارخ عن مدى مساهمة هذه الجزيرة  وأهلها الميامين في السعي إلى إقامة حكم الله في الأرض وإعادة سلطان الأمة.

3 ـ معالم الصراع بكل وضوح: الاستعمار يريد وأمة الإسلام تريد.

    ـ الغرب يريد تأبيد فرض هيمنته على شعوب العالم وعلى الأمة الإسلامية تحديدا بالعمل بكل قواه وبتسخيره للخونة من أبناء الأمة على الحيلولة دون انعتاق الأمة من تسلطه باستعادة إرادتها وإقامة سلطانها وتطبيق أحكام ربها سبحانه وتعالى.

   ـ والأمة تريد فهي مصممة على اقتلاع نفوذ الكافر المستعر وقطع يده من حول رقابنا وإقامة صرح دولتنا دولة العز والمجد لتحمل الأمة رسالة ربها إلى عباده.

إلا أنه رغم الهرج والمرج الذي يفتعلونه لبعث اليأس في قلوب المسلمين فإنهم يحسون بخطر المشروع فيزيدون في كيدهم، فهم يريدون إلغاء المرجعية الإسلامية في الأحوال الشخصية حتى يطمئنوا على العلمانية في تونس، وما هي في الحقيقة إلا تتمة لما بدأه الكافر المستعمر يوم كانت جيوشه تجوس خلال الديار ثم أعانهم على ذلك المقبور بورقيبة بمجلته للأحوال الشخصية والفارّ بن علي بما أضافه من قوانين وهذا ما تعمل على إتمامه اليوم سلطة ما بعد الثورة.

       وأنتم تريدون إلغاء التشريع الوضعي واستئناف الحياة الإسلامية بتطبيق شريعة الله في خلافة راشدة على منهاج النبوة فالصراع بلغ مداه وثقوا أن الغرب الكافر المستعمر وحضارته على شفا جرف هار، وهو إلى زوال بعد أن انهارت قيمه وفقد كل قدرة على الاستجابة لانتظارات الإنسان الذي لم يبق له إلا شرع الرحمان جابرا لهمومه.

   يقول الحق تبارك وتعالى: وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِين (القصص/5)

 ويقول جل وعلا: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون. (النور/55)

م. وسام الأطرش

40549816_1806346482735035_46837413361326

Link to comment
Share on other sites

تقرير لجنة الحريات، ترجمة حرفية لأوامر الأسياد
تقرير لجنة الحريات، ترجمة حرفية لأوامر الأسياد

تقرير لجنة الحريات، ترجمة حرفية لأوامر الأسياد

 في محلي, مميز September 3, 2018 71 زيارة

 

الحريات، المساواة، قيم تسعى إلى تكريسها أعتى الديمقراطيات، هكذا يردد أنصار الحريات والنساء الديمقراطيات في تونس، أما أعتى الديمقراطيات، فقد شيّدت قصورا لكل من حمل لواء الديمقراطية في عالمنا الإسلامي، ولكن فوق جماجم أبناء الأمة وبين شلالات دمائهم، وما سوريا واليمن والعراق وأفغانستان وبورما وليبيا عنا ببعيد، كل ذلك تحت شعار: حرّيات أو دبابات.

وها نحن نتنفس نسمات الديمقراطية الحارة في تونس، بل ها نحن نكتوي بحرّها ولهيبها أفرادا وجماعات، تتلقف أبناءنا قواربُ الموت، هربا من الموت قهرا نتيجة الظلم الديمقراطي المسلط على رقابنا جميعا.

أما “المُصبرات” المعتمدة من قبل الحكومات المتعاقبة على إغراق البلاد والعباد، فهي المطالبة بالصبر على الصبر، وسط هذا النفق المظلم كما تصفه هذه النخبة العاجزة، وسط اختناق اجتماعي واقتصادي متزايد، تهاوى فيه الدينار إلى الحضيض بشكل ممنهج كما سيأتي بيانه.

في هذه الظروف العصيبة، يأتي تسعة رهط من المفسدين يزعمون الإصلاح، وهم الأخسرون أعمالا، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، ليكتشفوا مساحة جديدة للحريات لم يسبق إليها غيرهم، بل لتتفتق أذهانهم بجملة من القوانين “التقدمية” ينافسون بها مجلة الأحوال الشخصية في التجرأ على دين الله وأحكامه القطعية ويجبرون بها شعبا مسلما على شرب جرعة قوية من “الحريات” بمباركة من زعيمهم البورقيبي الجديد: الباجي قايد السبسي.

ونحن إذ ننكر هذا المنكر العظيم وهذا الإثم المبين ونرفضه جملة وتفصيلا، فإننا نهيب بأبناء شعبنا الكريم، بأن يدرك الجهة الحقيقية التي تقف وراء إصدار هذا التقرير وأرادت إشغالنا بنقاش القطعيات بل إلغاء القطعيات من ديننا خدمة لأجندات غربية تتربص بالبلاد، وتستغل أمثال هؤلاء الرويبضات لتحقيق مساعيهم في استهداف الإسلام وأهله.

وقبل أن نكشف المستور ونبين حقيقة هذا التقرير والحملة التي صاحبته من كونها حربا بالوكالة تقودها الدولة التونسية بقيادة رئيسها الحالي نيابة عن الاستعمار في حربه على الإسلام، وجب الإشارة والتنويه إلى أن المؤامرة التي يقوم بها الغرب الصليبي الحاقد على الإسلام ليست نظرية، بل هي حقيقة ساطعة خيمت على المشهد السياسي الدولي، ولا يغفل عنها إلا أعمى البصر والبصيرة، وما ثورة الشام عنا ببعيد.

وحتى تتضح الصورة في تونس، دعونا نرتب الأحداث كما يلي:

أولا: في 28 مارس 2013، أظهرت رسالة سريّة نشرها موقع “نواة” تعرّض الحكومة التونسيّة لضغوط من قبل صندوق النقد الدوليّ في مقابل إسناد قرض بـ 500 مليون دولار. وقد أعلن حينها كلّ من محافظ البنك المركزي الشاذلي العياري ووزير المالية الياس الفخفاخ، والذين حملت الرسالة الموجهة إلى “كريستين لاغارد” توقيعهما، أنّ الشروط المذكورة هي مقترحات لسلسة من المراجعات والبرامج التي تقدّمت بها الحكومة التونسيّة. ولكنّ الحقيقة كانت مغايرة تماما لما تمّ إعلانه، فقد تضمّنت مذكّرة صادرة عن البنك المركزيّ بتاريخ 3 جانفي 2014، بخصوص الخطوات المستقبليّة بشأن القرض الائتماني لصندوق البنك الدولي عكس ما صرّح به محافظ البنك المركزيّ ووزير الماليّة. وقد جاء فيها ما يلي:

دراسة ملّف تونس من قبل مجلس إدارة صندوق النقد الدولي يوم 29 جانفي 2014، والتي سيتمّ خلالها إقرار القسط الثاني من القرض بقيمة 500 مليون دولار استنادا إلى ما سبق من محادثات، مرهون بتنفيذ 6 إجراءات أساسيّة وتقديم تقرير عن مدى تقدّم إنجازها إلى صندوق النقد الدولي في أجل أقصاه 20 جانفي 2014. بالإضافة أنّه إذا لم يتمّ الحدّ من الحجز الماليّ المقدّر ب 0.6 % خلال سنة 2014، فإنّ صندوق النقد الدوليّ سيطلب من رئيس الحكومة الجديد أن يلتزم بتمديد العمل ببرنامج صندوق النقد إلى حدود مارس 2016 بدل شهر جوان 2015 كما جاء في الفقرة الخامسة من نفس المذكّرة.

ثانيا: في 2 ماي 2016، تم توجيه رسالة نوايا جديدة من قبل وزير المالية سليم شاكر ومحافظ البنك المركزي الشادلي العياري إلى صندوق النقد الدولي مرفوقة بوثيقة تفصيلية في صيغة مذكرة تفاهم عن السياسات الاقتصادية والمالية المزمع تطبيقها خلال السنوات الخمس المقبلة، وقد تم فيها التأكيد على استجابة تونس للتعهدات المتفق عليها على غرار قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وإعادة هيكلة القطاع البنكي، والقانون الأساسي حول استقلالية البنك المركزي المثير للجدل، ومشروع المجلة الجديدة لتشجيع الاستثمار وغيرها من الإجراءات متوسطة وطويلة الأمد التي تم تفصيلها في هذه الرسالة الخطيرة، لما ورد فيها وفي مرفقاتها من تعهدات بإدخال تغييرات جوهرية على بنية الاقتصاد التونسي باتجاه إنهاء أي دور اقتصادي للدولة وللقطاع العام من خلال خوصصة المنشآت والمؤسسات العمومية، وتقليص حجم الإدارة وتخفيض مرتبات موظفي الدولة، وكذلك جرايات التقاعد وإلغاء الدعم ومراجعة أنظمة الضمان الاجتماعي وسَن زيادات ربع سنوية في أسعار الوقود وتطبيق سعر صرف مرن مع تشديد السياسة النقدية، وكل ذلك بحجة التخفيض من عجز الموازنة العامة للدولة بنسبة 50٪.

كما تتضمّن الوثيقة تعهدات بمزيد الانفتاح على الاستثمارات الأجنبية وتمكينها من حوافز جبائية ومالية وديوانية إضافية وذلك عبر استكمال مراجعة القوانين باتجاه التحرير الكلي لكافة الأنشطة والقطاعات الاقتصادية أمام رؤوس الأموال الأجنبية.

والملاحظ أن رسالة مماثلة وجهت إلى الاتحاد الأوروبي بما يشير إلى عزيمة السلطات الحاكمة لاستكمال المفاوضات حول منطقة التبادل الحر الشامل والمعمّق التي تنسجم كليا من حيث أهدافها مع خارطة الطريق المشار إليها المتفق عليها مع صندوق النقد الدولي.

ثالثا: في 13 ماي 2016، أي في نفس الشهر، تم الإعلان عن موافقة مجلس إدارة صندوق النقد الدولي على برنامج جديد للدعم المالي المشروط لتونس بقيمة 2،8 مليار دولار ـ يقع صرفه على أقساط على مدى أربع سنوات بداية من العام الجاري – ومنذ ذلك الوقت تسارعت وتيرة الخطوات الحكوميّة الهادفة لتمرير القوانين والتشريعات المجسدة لما تم الاتفاق عليه مع الصندوق من «اصلاحات هيكلية موجعة» مكمّلة للخطوات المنجزة بموجب الاتفاق السابق المبرم سنة 2013 مع الصندوق وهو بقيمة 1،7 مليار دولار، أما البرلمان الذي يفترض أن يمثل الشعب، فقد سمعنا منه جعجعة، طُحن على إثرها الشعب التونسي بهذه القوانين التي تم المصادقة على جميعها دون استثناء بل دون استحياء. وهكذا بلغ مجمل القروض المشروطة الممنوحة لتونس من صندوق النقد الدولي خلال السنوات الثلاث 4،6 مليار دولار مما جعله من أهم الممولين لتونس إلى جانب البنك العالمي الذي وافق أيضا على منح تونس قروض إضافية بقيمة 5 مليار دولار بعنوان السنوات الخمس القادمة.

هذا إلى جانب القروض الجديدة المعلن عن منحها لتونس مطلع سنة 2016 من قبل الاتحاد الأوروبي وفرنسا في أعقاب موجة التحركات الاحتجاجية النابعة من الجهات الداخلية، لكن الملاحظ أن هذه الدفعة من القروض الضخمة تخضع لنفس المقاييس والشروط المجحفة المفروضة من صندوق النقد الدولي والبنك العالمي ومنها خاصة ضرورة إعطاء الأولوية المطلقة لسداد الاقساط المستحقة للقروض القديمة بنسبة تصل منذ 2011 الى حوالي 80% من القروض الجديدة وهو ما تسبب في مضاعفة كتلة الديون التونسية منذ الثورة من 25 إلى اكثر من 50 مليار دينار مما أدى الى انهيار خطير وغير مسبوق للتوازنات المالية الكبرى لتونس وتراجع لقيمة الدينار في الوقت الذي يصدق فيه الأغبياء أن صندوق النهب والاتحاد الأوروبي بصدد مساعدة تونس على استرداد استقرارها المالي و عافيتها الاقتصادية، مع أن كل المؤشرات والوثائق والبينات الرسمية تدل على وجود خارطة طريق فعلية من أجل تدمير ممنهج للاقتصاد المحلي بشكل يلغي وجود القطاع العام، وتستقيل معه الدولة عن آداء مهامها في جميع القطاعات، تمهيدا لإعلان إفلاس خزينتها.

******

السؤال الذي يطرح نفسه الآن: ما علاقة كل هذا بتقرير بشرى بلحاج حميدة؟ وهل يعطي الغرب الصليبي قروضا لتونس تخضعها اقتصاديا دون تدخل في النمط المجتمعي وفرض وجهة نظره في الحياة؟

للإجابة عن هذه الأسئلة، يكفي فقط أن نكمل ترتيب الأحداث كما هي وسنجد الإجابة واضحة جلية:

رابعا: في 31 أوت 2016، دعا رئيس مجلس نواب الشعب محمد الناصر في رسالة وجهها إلى رئيس البرلمان الأوروبي، أعضاء البرلمان الأوروبي للمصادقة على مشروع القرار الخاص بعلاقة تونس بالاتحاد الأوروبي في محيطها الإقليمي والذي يضمن جملة من الإجراءات الاقتصادية والاجتماعية من بينها مقترح لتحويل ديون تونس إلى مشاريع استثمارية في مجالات البنية التحتية للحد من الفوارق بين الجهات.

خامسا: في 14 سبتمبر 2016، قام البرلمان الأوروبي بالمصادقة على قرار بتحويل ديون تونس إلى مشاريع استثمار، وخاصة في انجاز البنية التحتية والتقليص من الفوارق الجهوية على حد زعمه معتبرا أن الوضع في تونس يبرر تنفيذ خطة “مارشال” حقيقة بالإمكانيات اللازمة.

ولكن المفاجأة حصلت حين تضمن هذا القرار 70 نقطة تغطي مختلف نواحي “التعاون” التونسي الأوروبي السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأمني والفلاحي، ترافقها جملة من الشروط التي تجاوزت نمط الحكم ونظام الاقتصاد لتشمل بعض النواحي التشريعية، من ذلك الغاء عقوبة الإعدام، تعزيز المساواة بين الرجل والمرأة، تنقيح مجلة الأحوال الشخصية وإلغاء عقوبة المثلية الجنسية. وقد نشر موقع البرلمان الأوروبي هذه الشروط لمنح تونس مجموعة من التحفيزات في إطار خطّة مارشال، معتبرا إياها شروطا فعلية لحصول تونس على دعم الدول الأعضاء.

سادسا: في 19 أفريل 2017، صرح رئيس الدولة في حوار خاص مع قناة نسمة، أنه بدأ بالاستعداد في كتابة “مجلة الحقوق الفردية” في إطار ترسيخ الديمقراطية في تونس، وكان قد بيّن أنّ الحقوق الفردية بقيت ضحية قوانين بائدة وفي بعض الأحيان متناقضة.

سابعا: في 13 أوت 2017، أكّد الباجي قايد السبسي، في الخطاب الذي ألقاه بمناسبة الاحتفال بالعيد الوطني للمرأة بقصر قرطاج أنه شرع في إحداث مجلة الحقوق الفردية والمساواة التامة وذلك إيفاءًا بالوعد الذي كان قد قطعه سابقا في حوار تلفزي خاص حول نيته إصدار مجلة الحريات الشخصية.

كما طالب الباجي قايد السبسي بضرورة مراجعة القانون المتعلق بمنع التونسية من الزواج بغير المسلم، وقوانين الميراث، داعيا إلى ضرورة المساواة في الإرث بين الجنسين.

وأكد السبسي أنه وقع يومها تكوين لجنة تتضمن نساءُ ورجالا لدراسة مسألة الحقوق الفردية والنظر في المساواة في مختلف الميادين، معربا عن ثقته “في ذكاء القضاء وكفاءة القانون لإيجاد النصوص الملائمة”.

ثامنا: في 7 ديسمبر 2017، وعقب مسرحية إدراج تونس في اللائحة الأوروبية السوداء، أكد مصدر أوروبي لوكالة فرانس برس أن تونس التي سئلت عن اجراءاتها الضريبية قبل أشهر، وجهت في اللحظة الأخيرة رسالة نوايا في الليلة التي سبقت اجتماع المجلس الأوروبي، ولا أحد يعلم إلى حد الآن مضمون تلك الرسالة التي لم تنشر للرأي العام.

تاسعا: في 8 جوان 2018، تم رسميا نشر تقرير لجنة الحريّات الفرديّة والمساواة وانطلاق الحملة الدعائية لهذا التقرير تمهيدا لعيد المرأة.

عاشرا: في 13 أوت 2018، تباهى رئيس الدولة الباجي قايد السبسي بالإنجاز الذي حققه أعضاء هذه اللجنة من خلال مشروع هذا التقرير الذي سيمرر إلى البرلمان، مغازلا في الوقت ذاته أسياده الأوروبيين بالتأكيد على مدنية الدولة من جهة وبنفي علاقته بالقرآن والآيات القرآنية من جهة أخرى.

وهكذا، سار الجمع باسم الثورة ودستور الثورة، بعيدا عن هموم هذا الشعب المكلوم، بل بعيدا عن أحكام دينه في تنفيذ حرفي لأوامر أسيادهم، حيث صار استيراد الدساتير والقوانين أمرا عاديا عندهم، وكأننا أمة بلا دين ولا فقه ولا تشريعات، بل راحوا يتنافسون في ضرب أحكام الإسلام القطعية، وينكرون وجود قطعيات في الإسلام، ليجعلوه دينا ظنيا ويصبح التشريع وليد عصره، بإمكانهم استبداله بما يضمن لهم استكمال القروض وسداد الديون، بل بما يضمن بقاءهم في الحكم على رقاب شعب ينتظر أبناؤه في شهر سبتمبر سنة دراسية جديدة يستقبلونها بزيادة جديدة في أسعار المحروقات، لنزداد اكتواء بنار الديمقراطية ولهيب الرأسمالية المتوحشة، وسط صراعات سياسية مفتعلة بين سيء وأسوأ، مع أن الله سبحانه يقول: “وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ“.

ختاما، لابد من تذكير الغافلين أن هذه الحصيلة القائمة لعلاقات تونس بصندوق النقد الدولي والبنك العالمي والاتحاد الأوروبي، هي نتيجة حتميّة للتوجهات والخيارات الاقتصادية “الانفتاحية” التي فرضت على تونس في أعقاب الأزمة الاقتصادية وأزمة المديونية لمنتصف الثمانينات والتي أدت إلى خضوع تونس لأول مرّة سنة 1986 إلى ما يسمّى ببرنامج الإصلاحات الهيكليّة لصندوق النقد الدولي والبنك العالمي.

ودون الخوض في تفاصيل هذا البرنامج، فإنه يلتقي من حيث مضامينه وأهدافه المعلنة و الخفية (وهي التقليص من العجز وإستعادة التوازنات المالية الكبرى ومعالجة المديونية وإنعاش الدورة الاقتصادية المعطلة ومقاومة البطالة) مع الاتفاقيات التي تم توقيعها مع مؤسسات النهب الدولي بعد الثورة، والتي تهدف في حقيقة الأمر إلى مزيد تكريس انخراط تونس في منظومة اقتصاد السوق والعولمة الاقتصادية التي تم إقرارها وترسيخها كخيارات استراتيجية من قبل النظام السابق من خلال الانخراط في منظمة التجارة العالمية سنة 1994 ثم منطقة التبادل الحر للسلع الصناعية سنة 1995 مع الاتحاد الأوروبي التي مهدت لاتفاق التبادل الحر الشامل والمعمّق الجاري التفاوض بشأنه حاليا.

وقد حرص الاتحاد الأوروبي ومجموعة السبع بعد الثورة إلى التحرك بسرعة لضمان استمرارية هذه السياسات وذلك من خلال الوعود والحوافز المقدمة إلى تونس وبلدان «الربيع العربي» خلال قمة دوفيل لمجموعة السبع المنعقدة في ماي 2011 بمنحها برنامج ضخم للتمويلات بشروط ميسرة وتمكينها من استرداد أموالها المنهوبة. لكنه تم التنكّر لهذه الوعود رغم التزام تونس بنفس الخيارات الاقتصادية للنظام السابق واستمرارها في تسديد الديون القذرة المتخلّدة بذمته مما ساهم في انهيار الوضع الاقتصادي والمالي لتونس واستفحال أزمة المديونية الخارجية إلى مستويات خطيرة أدت إلى خضوعها مجددا منذ 2013 إلى البرامج والقروض المشروطة لصندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي والبنك العالمي.

وبالتالي فإن الخروج من هذه الحلقة المفرغة من التبعيّة للخارج وارتهان السيادة إلى المؤسسات المالية الدولية الخاضعة للهيمنة الغربية، يقتضي مراجعة جذرية للسياسة الاقتصادية وكل ما له بمنظومة اقتصاد السوق خاصة منها الأطر والاتفاقيات المنظمة لعلاقات تونس مع صندوق النقد الدولي والبنك العالمي والاتحاد الأوروبي ومجموعة السبع للدول الصناعية الكبرى، ولن يكون ذلك إلا بنظام الاقتصاد في الإسلام، الذي ستلتزم بتطبيقه دولة الخلافة القادمة قريبا بإذن الله. قال تعالى: “وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً“.

أما تقرير لجنة الحريات، فليس سوى الشجرة التي تخفي غابة الحرب الرأسمالية المعلنة عالميا على الإسلام وأهله، أو بالأحرى، هو مستوطنة تشريعية جديدة تبحث لها عن موطئ قدم في بلاد الإسلام، ولكن يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين.

قال تعالى: “يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُون”.

م. وسام الأطرش

 

Link to comment
Share on other sites

Join the conversation

You can post now and register later. If you have an account, sign in now to post with your account.

Guest
Reply to this topic...

×   Pasted as rich text.   Paste as plain text instead

  Only 75 emoji are allowed.

×   Your link has been automatically embedded.   Display as a link instead

×   Your previous content has been restored.   Clear editor

×   You cannot paste images directly. Upload or insert images from URL.

Loading...
 Share

×
×
  • Create New...