اذهب الي المحتوي
منتدى العقاب

مقالات من المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير - متجدد


Recommended Posts

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الإسلام رحمة وطوق نجاة للبشرية

من لظى الرأسمالية وشرورها

 

بعث الله سبحانه وتعالى سيدنا محمداً ﷺ برسالة الإسلام رحمة للعالمين ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾، ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، وليحدث تغييراً في حياة البشرية ويقدم لها الحلول والمعالجات لما تواجهه من مشكلات، ويحقق لها بأحكام الإسلام وتشريعاته العدل والأمان والحياة الكريمة، وقد لخص الصحابي ربعي بن عامر رضي الله عنه ذلك في حديثه مع رستم بكلمات مختصرة جامعة فقال: "لقد ابتعثنا اللهُ لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، فمن قَبِلَ ذلك منا قبلنا منه، وإن لم يقبل قبلنا منه الجزية، وإن رفض قاتلناه حتى نظفر بالنصر".

 

فإذا نظرنا إلى حال المجتمع الذي بُعث فيه رسول الله ﷺ، نرى أنه مجتمع جاهلي، يشرك أهله بالله ويعبدون الأوثان والأصنام التي ينحتونها بأيديهم من الخشب والحجر، بل ومن التمر، ويئدون البنات، ويطففون الميزان، ويتعاملون بالربا، وينتشر فيهم الزنا والفواحش، والقوي فيهم يأكل الضعيف، وتفشو فيهم العصبية والقبلية والنعرات الطائفية، يسفكون دماءهم بأيديهم، ويقتتلون فيما بينهم ليس لشيء ذي بال بل لعصبية مقيتة، حيث اقتتلوا، على سبيل المثال، أربعين سنة من أجل ناقة، و(المتحضرون) منهم يقتتلون في كثير من الأحيان لمصلحةٍ تهمُّ الدول الكبرى آنذاك، فالمناذرة في العراق تبع للفرس، والغساسنة في الشام تبع للروم، فإذا انزعج الروم من الفرس أو الفرس من الروم تقاتل الغساسنة والمناذرة فكانوا ممزقين لا يجمعهم جامع، ولا يمنعهم من كثير من الموبقات مانع.

 

وقد استطاع رسول الله ﷺ عبر عقيدة الإسلام وأحكامه أن يحدث في حياتهم نقلة نوعية في بضع سنوات على الصعيد الفردي وعلى صعيد الجماعة، يقول جعفر بن أبي طالب في جوابه على سؤال النجاشي "ما هذا الدين؟": "كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، يأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله عز وجل إلينا نبياً ورسولاً منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله عز وجل لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم، والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله لا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام والحج من استطاع إليه سبيلا، فصدقناه، وآمنا به واتبعناه على ما جاء به، فعبدنا الله وحده، ولم نشرك به شيئا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا"، لقد نقل الإسلام العرب من رعاة للغنم إلى سادة للأمم، وجعل منهم أصحاب قضية وحملة رسالة خير وعدل للعالم، يتحملون في سبيلها الأذى والتعذيب.

 

ولم يقتصر أثر دعوة الإسلام على العرب، أو على جزيرة العرب فقط، فدعوة الإسلام دعوة عالمية، والله أرسل رسوله ﷺ بهذه الدعوة للناس كافة، يقول ربنا عز وجل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾، وقد انتشر الإسلام ودخل الناس فيه أفواجاً من مختلف الأجناس والأعراق والألوان، ثم بإقامته ﷺ الدولة الإسلامية في المدينة قد طبقت أحكام الإسلام عملياً في واقع الحياة، وعاش المسلمون وغير المسلمين من رعايا الدولة في ظلها حياة كريمة، وأشرقت الأرض بنور ربها، وقضي على أعتى إمبراطوريتين في ذلك الزمان فارس والروم، واستمر المسلمون في الفتوحات ونشر الإسلام حتى غيروا وجه التاريخ وبقي الأمر كذلك حتى إسقاط دولة الخلافة.

 

ثم بعدما أسقطت دولة الخلافة، ولم تعد أحكام الإسلام مطبقة في واقع الحياة، عاد الظلم ليخيم على العالم أجمع، وعادت البشرية جمعاء وليس المسلمون فقط، يحيون حياة الضنك والشقاء، في ظل النظام الرأسمالي وحضارته الفاسدة المفسدة، التي تفصل الدين عن الحياة، وتقوم على الاستعمار ومص دماء الشعوب، وسرقة ثرواتهم، وتركهم يعانون الفقر والجوع والمرض، مبدأ جعل الربح والمادة أعلى قيمة من أي شيء، وكل شيء في ظله أصبح قابلاً للبيع والشراء، حتى الإنسان الذي كرمه الله! وشرع من الأحكام ما يحفظ له نفسه وماله وعرضه، وضمن تنفيذ ذلك من خلال الدولة، التي قد تجيش جيشاً إن اعتدي على مسلم، فالسياسة في الإسلام رعاية للشؤون، ودولة الإسلام دولة رعاية وليست دولة جباية كما هي الدول الرأسمالية وأتباعها من الحكام في بلادنا، الذين يتخذون الكراسي وسيلة للنهب والسلب وسرقة أقوات الناس، ناهيك عن أنهم لا يبقون عليها إلا إن نفذوا مصالح ومشاريع أسيادهم المستعمرين وعلى رأسهم أمريكا. وفي الناحية الاجتماعية حدث ولا حرج عن الانحلال والفساد الأخلاقي حيث أطلقت الحضارة الغربية العنان للفرد لإشباع غرائزه كيفما شاء فانتشرت العلاقات المحرمة، وشرع الشذوذ وصارت مخالفة الفطرة حرية يجب أن تحترم! ولعل ما تسرب من وثائق ومعلومات وشهادات حول جزيرة إبستين يلخص فساد الحضارة الغربية وشقاء البشرية في ظلها، فالعالم يحكمه حثالة منحلون، والحضارة الغربية وحرياتها قد جلبت الدمار لأهلها قبل غيرهم.

 

إن البشرية اليوم بحاجة إلى من ينقذها من الحضارة الرأسمالية، بحاجة لمن يخلصها من الاستعمار وشريعة الغاب، بحاجة لمن يوفر لها الأمن والحياة الكريمة، وليس سوى الإسلام وأحكامه القادر على ذلك، وليس سوى دولة الخلافة التي ستطبق هذه الأحكام عملياً في واقع الحياة بقادرة على أخذ البشرية لبر الأمان.

 

ولذلك فإن الواجب على المسلمين أن يضطلعوا بدورهم في حمل رسالة الإسلام، وأن يعملوا بجد لإقامة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، التي ستخلص العالم من شرور الرأسمالية والضنك والشقاء في ظلها، وليس من فرصة أعظم من شهر رمضان لشحذ الهمم، وتجديد العهد مع الله، والعمل على تطبيق شرعه، وجعل كتابه الذي نزل في هذا الشهر الكريم موضع التطبيق دستوراً ومنهاج حياة للمسلمين، وطوق نجاة للناس أجمعين.

 

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

براءة مناصرة

 

#رؤية_حقيقية_للتغيير     TrueVision4Change#

رابط هذا التعليق
شارك

  • الردود 521
  • Created
  • اخر رد

Top Posters In This Topic

  • صوت الخلافة

    522

بسم الله الرحمن الرحيم 

من ذاكرة الفتوحات إلى مشروع الخلافة

كيف يتحول التاريخ إلى وعيٍ سياسي يُغيّر الواقع؟

 

 

التاريخ في وعي الأمة ليس حكايات بطولات تُروى، ولا أمجاداً يُتغنّى بها في الخطب، بل هو سجلّ عمل سياسي حقيقي، يُبيّن كيف قامت دولة الإسلام، ولماذا سادت، وكيف دبّ إليها الضعف حين اختلّ الأساس. إن قراءة التاريخ بعينٍ مبدئية تكشف أن العامل الحاسم في نهوض الأمة لم يكن كثرة العدد ولا وفرة العتاد، بل وضوح الفكرة السياسية المنبثقة من العقيدة.

 

في معركة اليرموك، لم يكن المسلمون يواجهون جيشاً عادياً، بل قوة عظمى تمثل إمبراطورية مترامية الأطراف. ومع ذلك، ثبتوا لأنهم لم يكونوا جيشاً قومياً يسعى لتوسيع نفوذ أرضي، بل كانوا حملة رسالة. العقيدة عندهم لم تكن عاطفة، بل أساس دولة ونظام حياة. كانوا يدركون أن القتال ليس غاية، بل طريقة لإزالة الحواجز التي تمنع الناس من سماع دعوة الإسلام. هذا الوعي هو الذي حوّل القلة إلى قوة مؤثرة في مجرى التاريخ.

 

وفي صلح الحديبية، بدا لكثير من الصحابة أن الشروط قاسية، لكن القيادة النبوية نظرت بمنظار الدولة لا بمنظار اللحظة. لم تكن السياسة ردّ فعل عاطفي، بل تخطيطاً استراتيجياً منضبطاً بالوحي. بعد سنوات قليلة، تحقق فتح مكة، وتبين أن ما ظنه البعض تنازلاً كان خطوة في مشروع متكامل. هكذا تُدار الدولة حين تكون العقيدة أساس الرؤية، لا الانفعال ولا ضغط الشارع.

 

ثم جاء فتح مكة ليجسد مفهوماً آخر. لم يتحول النصر إلى انتقام، بل إلى تثبيت لمبدأ سياسي. القيادة هنا لم تكن تبحث عن تصفية حسابات، بل عن تأسيس استقرار دائم يقوم على احتواء الناس داخل إطار الدولة الإسلامية.

 

وفي عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، تجسدت قيمة المحاسبة. لم يكن العدل شعاراً أخلاقياً، بل نظاماً عملياً. الوالي يُحاسَب، والمال العام يُصان، والرعية قادرة على الشكوى. الدولة كانت ترعى شؤون الناس بأحكام الشرع، لا بمزاج الحاكم. وهذا هو معنى أن يكون السلطان للأمة، وأن تكون السيادة للشرع.

 

هذه النماذج تكشف قاعدة ثابتة حين تكون العقيدة أساس الحكم، وحين تكون الدولة حاملةً لمشروع عالمي، تنهض الأمة. أما حين يتراجع هذا الأساس، ويبدأ الحكم يتحول في بعض مراحله إلى ملك يُورث، وتضعف آلية المحاسبة، وتتقدم العصبيات على المبدأ، فإن البناء يبدأ يفقد صلابته، ولو بقي قائماً ظاهرياً.

 

ومع مرور الزمن، تراكمت مظاهر الضعف، حتى جاءت اللحظة المفصلية في العصر الحديث بهدم الخلافة العثمانية سنة 1924م. هنا لم يتغير حاكم فحسب، بل أُزيل الكيان السياسي الجامع للأمة، واستُبدل به مفهوم الدولة القُطرية الوطنية. تحولت الأمة الواحدة إلى كيانات مجزأة، يحكمها عميل وكيل للغرب ينفذ سياساته فيها، ولكل منها علم ونشيد وحدود، لكنها فقدت رابطتها السياسية الجامعة.

 

هذا التحول لم يكن إدارياً فقط، بل فكرياً عميقاً. فبدل أن تكون السيادة للشرع، أصبحت للدستور الوضعي. وبدل أن يكون التشريع منبثقاً من الكتاب والسنة، صار من إرادة البشر. وبدل أن تكون السياسة الخارجية قائمة على حمل الدعوة، أصبحت قائمة على التوازنات الدولية والارتهان للقوى الكبرى.

 

النتيجة التي نراها اليوم من تجزئة سياسية، وتبعية اقتصادية، وصراعات حدودية، وارتهان للمؤسسات الدولية ليست حوادث منفصلة، بل ثمار طبيعية لبنية لم تُبنَ على أساس العقيدة. المشكلة إذن ليست في فساد شخص أو تقصير مسؤول، بل في طبيعة النظام نفسه، وكونه بيئة خصبة حاضنة لكل أنواع الفساد.

 

الرؤية السياسية المبدئية الحقيقية التي تصلح لنهضة دائمة، تنطلق من أن الإسلام مبدأ كامل، يتضمن نظام حكم محدد المعالم، يقوم على أن السيادة للشرع، والسلطان للأمة، والخليفة يُبايَع على تطبيق الإسلام، ويُحاسَب إن خالف. هذه ليست شعارات عاطفية، بل أحكام شرعية مستنبطة من الأدلة، وتجربة تاريخية طبقتها الأمة قروناً.

 

هنا يصبح التاريخ خريطة طريق لا مرثية أطلال. اليرموك تعني أن وضوح العقيدة السياسية يصنع قوة حقيقية. الحديبية تعني أن الدولة تحتاج رؤية استراتيجية بعيدة المدى. فتح مكة يعني أن القيادة تضبط الانتصار ولا تنجر إلى الانتقام. وعدل عمر يعني أن الاستقرار لا يقوم إلا على محاسبة حقيقية وعدل شامل.

 

وفي المقابل، لحظات الضعف في التاريخ تعني أن الداخل إذا اختلّ، فلن تحميه التحالفات الخارجية. وأن التفكك يبدأ حين تُفصل السياسة عن العقيدة، وحين يُختزل الإسلام في الجانب الروحي، ويُستبعد عن الحكم والاقتصاد والعلاقات الدولية.

 

إننا في مقام الرائد والناصح الذي يذكّر الأمة بأن هذا الكتاب أنزل ليُحكم به. العبادة تضبط الشهوة، لكنها ينبغي أن توقظ الوعي. فكما يجاهد المسلم نفسه ليلتزم بالعبادات والطاعات ويترك بعض المباحات طاعة لله، ينبغي أن يجاهد فكره ليعيد النظر في واقع سياسي لا ينطلق من عقيدته. إن استئناف الحياة الإسلامية ليس حنيناً للماضي، بل استجابة لأمر شرعي، وضرورة عملية لتحرير القرار السياسي وتوحيد الأمة.

 

إن الخطوة الأولى في مشروع النهوض ليست عسكرية ولا اقتصادية، بل فكرية سياسية تشمل إعادة تعريف معنى الدولة في وعي الأمة. وأن تدرك أن وحدتها السياسية فرض، وأن نظام الحكم في الإسلام محدد، وأن التغيير لا يكون بترقيع الأنظمة القائمة، بل بإقامة كيان سياسي جامع؛ خلافة راشدة على منهاج النبوة.

 

التاريخ لا يتحول إلى قوة إلا إذا تحول إلى وعي. والوعي لا يصبح فاعلاً إلا إذا تُرجم إلى عمل سياسي مبدئي منظم، يصارع المفاهيم الدخيلة، ويكشف زيفها، ويقدم البديل المتكامل. بين ذاكرة الأمة ومستقبلها خيط واحد: الفكرة الصحيحة. فإذا عادت البوصلة إلى موضعها، وعادت السيادة للشرع، عادت للأمة مكانتها وريادتها.

 

﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾

 

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

محمود الليثي

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

من انتصارات رمضان: غزوة بدر الكبرى

 

 

في الثامن من شهر رمضان، خرج المسلمون لاعتراض قافلة أبي سفيان القادمة من الشام، غير أن المشركين خرجوا من مكة بقيادة أبي جهل لحماية القافلة. وهكذا تحولت الأحداث فجأة إلى معركة حقيقية بين المسلمين وكفار قريش. وكان بين الفريقين تفاوت كبير في العدد وفي الاستعداد.

 

وبسبب بُعد المسافة عن المدينة، كان من الصعب وصول قوات الإمداد، فاشتدّ الموقف وتعقّد. فلو أن المسلمين لم يواجهوا قريشاً وعادوا، لقال العرب فيما بينهم: "إن محمداً ومن معه خافوا مواجهة قريش ففرّوا". وكان في ذلك ما يضعف مكانة المسلمين ومكانة الدولة الإسلامية الناشئة، بل ويؤدي إلى إضعاف قوة الفكرة الإسلامية في قلوب المسلمين. إضافة إلى ذلك، كانت قبائل العرب المشركة الأخرى تترقب لمن ستكون الغلبة. كما أن قريشاً كانت ستعود متعاظمة إلى قومها. ولسوف يقول أهل الجزيرة جميعاً، ومن أمامهم من اليهود والمنافقين، وكذلك الروم والفرس في سائر الجهات: "إن محمداً وأصحابه رجعوا دون أن يحققوا شيئاً".

 

وباختصار، فإن الأخبار التي انتشرت عن هذه الأحداث كان لها تأثير قوي على الرأي العام؛ فقد كان لها تأثير محلي على يهود المدينة والمنافقين، وإقليمي على قبائل العرب في شبه الجزيرة العربية، ودولي على أقوى دول العالم آنذاك، وهما الإمبراطوريتان الفارسية والرومانية. لذلك كان السؤال المطروح: ماذا ينبغي فعله؟ هل يعود المسلمون أم يدخلون المعركة؟

 

وبعد أن تشاور رسول الله ﷺ مع أهل الشورى، اتُّخذ القرار بقتال قريش. وفي اليوم السابع عشر من شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة، نصر الله المسلمين بقيادة رسول الله ﷺ في معركة بدر. ونتيجة لغزوة بدر الكبرى تعززت قوة المسلمين وترسخت الدولة. كما ازداد إيمان المسلمين بدينهم وبأنفسهم، بعد أن كانوا قد تعرضوا للاضطهاد ثلاث عشرة سنة في مكة المكرمة. أما كفار قريش فقد قُتل كثير من قادتهم وفرسانهم، وانكسرت شوكتهم. وهكذا، على الرغم من قلة عدد المسلمين وضعف استعدادهم، فقد هزموا عدواً يفوقهم عدداً بثلاثة أضعاف. وقد ذكر الله تعالى حادثة بدر فقال: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.

 

ما الدروس التي ينبغي أن نستخلصها من هذه الحادثة؟

 

أولاً: إن النصر من عند الله تبارك وتعالى. وهذه حقيقة يجب أن نعلمها جيداً، وأن نبلّغها للناس أيضاً. فمهما كثر عدد المسلمين، ومهما بلغت قوتهم في الإعداد، فإن النصر لا يكون منهم، بل من الله. وهذه الحقيقة عقيدة يجب الإيمان بها، وهي من مسائل باب العقيدة.

 

وهنا توجد مسألة أخرى ينبغي تمييزها بوضوح، وهي أن المسلم لا يقول: "النصر من عند الله" ثم يجلس منتظراً النصر دون عمل! فماذا يفعل إذن؟ يعمل بالأحكام الشرعية المتعلقة بهذا الشأن، مثل الاستعداد للقتال، ووضع الخطط، ونحو ذلك من الأعمال التي هي أوامر شرعية تكليفية، وهي من الأسباب والشروط لنيل النصر. وعليه، فإن هذه الأحكام تُنفَّذ في إطار عبودية الله، وهي التي تجعل العباد أهلاً ومستحقين لنصر الله.

 

أما إذا أردنا أن نستخلص من ذلك درساً لواقعنا اليوم، فإنه في ظل غياب الدولة الإسلامية في هذا العصر، لا ينبغي للناس أن ينتظروا نصر الله وهم منغمسون في السعي وراء متاع الدنيا، بل يجب أن يكون هناك حزب يسير على طريقة النبي ﷺ خطوةً بخطوة، ويخوض صراعاً فكرياً سياسياً، ويثبت شبابه المخلصون على عهودهم، ويؤدّون ما عليهم من واجبات في صفوف الحزب بأحسن وجه، وعلى الأمة أن تحتضن هذا الحزب مع شبابه.

 

ثانياً: يتجلّى في غزوة بدر بوضوحٍ تامّ دور الدولة وصفات جيشها. فقد أُقيمت الدولة في المدينة، ومنذ ذلك الحين بدأ الجهاد بوصفه طريقا لحمل الدعوة ونشر الدين؛ لأن هناك دولة تتخذ القرار في ذلك، ودولة تُعِدّ له الجيوش.

 

وهكذا، في حادثة بدر، قام النبي ﷺ بصفته قائد الدولة بإعداد الجيش وخرج لاعتراض قافلة أبي سفيان، ثم تحوّل ذلك إلى جهادٍ ضد جيش المشركين. وليتحقق كل ذلك كان لا بد من وجود الدولة، ووجود قائدٍ للدولة، وصدور القرار منه.

 

أما اليوم، فماذا يحدث في غياب الدولة؟ إن أعداد جيوش المسلمين كثيرة، ولكن جودتها ضعيفة. ففي أفغانستان والعراق وسوريا وغزة، تحالف بعض قادتهم مع الكفار، بل ساقوا جيوشهم لمحاربة المسلمين. وبعضهم الآخر ألقى بجيوشه في سباتٍ عميق. فتراهم يستعرضون في المواكب في الأعياد المحرمة مصطفّين كالنمل، ويهتفون بالشعارات بصخب، ثم ينشغلون بانتظار رواتبهم. وليس لديهم مركزٌ سياديّ يتخذ قرار المواجهة ضد الكفار، بل يعلوهم حكّام عملاء للكفار.

 

وفي بدر، تشاور النبي ﷺ مع أهل الشورى، وأخذ برأي أهل الخبرة، وحدد المواقع الاستراتيجية، وأرسل العيون لاستطلاع العدو، وقوى روح الجنود ونظّم صفوفهم. وفي كل ذلك اتخذ قراراتٍ سيادية مستقلة، ولم يكن بين المسلمين أدنى شك في وقوع خيانة أو غدر.

 

إذن، فإن مثل هذا الإخلاص والثقة لا يكونان إلا في دولة الخلافة الجديدة الراشدة على الطريق الصحيح. أما الحكّام الخونة اليوم فانظروا إليهم؛ فأنتم تعلمون جيداً كيف خان حافظ الأسد، والملك حسين، وأنور السادات الأمة في القرن الماضي، وكيف وسّعوا كيان يهود. وفي الأمس القريب، فقد سلّم أردوغان حلب لنظام بشار عبر عملية درع الفرات، وباع ثورة الشام عبر عملية غصن الزيتون، وهو اليوم يواصل خيانته نفسها. وأما قادة إيران الذين يصفون أمريكا بـ"الشيطان الأكبر" فحدّث ولا حرج. وانظروا إلى الأردن، فقد رأينا كيف أسقط صواريخ إيران حين شنّت هجوماً شكلياً على اليهود، وهذا يعني استعدادهم للتصدي لأي تهديد موجَّه ضد اليهود، حقيقياً كان أم مزعوماً.

 

وكانت ثقافة جيش بدر ثقافةً إسلامية خالصة. فقد روى أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «قُومُوا إِلى جَنَّةٍ عَرضُها السَّمَاواتُ والأَرضُ»، فقال عُمير بن الحمام الأنصاري: يا رسول الله، جنة عرضها السماوات والأرض؟ قال: «نَعَمْ». فقال: بخٍ بخٍ. فقال رسول الله ﷺ: « مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَوْلِكَ بَخٍ بَخٍ؟» قال: رجاء أن أكون من أهلها يا رسول الله. قال: «فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا». فأخرج تمراتٍ من قرنه فجعل يأكل منهن، ثم قال: "لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة"، فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتل المشركين حتى قُتل.

 

لقد كان لتأثير الثقافة العسكرية في غزوة بدر الكبرى أثرٌ بالغ في روح المقاتل المسلم. فانظروا إلى عُمير بن الحمام رضي الله عنه كيف ألقى تمراته واقتحم صفوف المشركين، بل وواصل الهجوم عليهم حتى استُشهد ولقي الله. وانظروا إلى معوِّذ بن عفراء ومعاذ بن عمرو بن الجموح رضي الله عنهما، فقد هاجما أبا جهل وقتلاه رغم صغر سنهما، على الرغم من إحاطة بني مخزوم به وحمايتهم له.

 

وعلى النقيض من ذلك، انظروا إلى جيوش الدول العربية التي انهزمت أمام كيان يهود عام 1967م، فإنه لم تكن ثقافتهم قائمة على الثقافة الإسلامية، بل كانت قائمة على الوطنية أو القومية. وبمثل هذه الثقافة، خاف العرب من العدو وتركوا ساحة المعركة وفرّوا منها، وشهد التاريخ كيف سُلّمت أرض فلسطين المباركة ليهود تسليماً مُخزياً في تلك المسرحية المعدّة سلفاً.

 

لقد تكوّن جيش بدر على أساس العقيدة الإسلامية؛ فقد تألف من المهاجرين من العرب العدنانيين، ومن الأنصار من الأوس والخزرج من العرب القحطانيين، كما اختلط فيه العربي والحبشي والرومي من مختلف الأصول، وزالت فيه الفوارق الطبقية، وصار العبيد المعتقون متساوين في الحقوق مع غيرهم، ولم يكن التفاضل بين الناس إلا بالتقوى. وقد طرحوا جميعاً هوياتهم العرقية جانباً، واجتمعوا تحت راية رسول الله ﷺ، رضي الله عنهم أجمعين.

 

روى ابن عساكر عن ابن سيرين قال: "في يوم بدر كان عبد الرحمن بن أبي بكر مع المشركين، فلما أسلم قال لأبيه لقد أهدفت لي يوم بدر، أي أشرفت لي يوم بدر، فانصرفت عنك ولم أقتلك. فقال أبو بكر لابنه عبد الرحمن لكنك لو أهدفت لي لم أنصرف عنك".

 

ولما صدق أهل بدر مع الله، ونفّذوا أمره وأمر رسوله ﷺ، أيّدهم الله في هذه الغزوة العظيمة بجنودٍ من عنده. فقد أنزل الله عليهم النعاس أمنةً منه، فاستيقظوا أقوياء مستعدين للقتال، وأنزل عليهم المطر ليطهّرهم ويذهب عنهم وسوسة الشيطان. ولما كان موضع المسلمين رملياً، جعل المطر الرمل ثابتاً يسهل المشي عليه، بينما نزل المطر على المشركين بشدة فحوّل أرضهم إلى طين. كما أيّدهم الله بالملائكة، وألقى الرعب في قلوب الكافرين. قال الله سبحانه: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ * إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾.

 

وهكذا، في بدر الكبرى، أدّى المسلمون ما طُلب منهم، فاستحقوا نصر الله. وبعد ذلك، في شهر رمضان، فُتحت مكة.

 

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد الحكيم قراخاني

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الإعلام وصناعة الرأي العام

حين تتحول الكلمة إلى أداة صراع حضاري

 

لم يعد الإعلام مجرد وسيلة لنقل الوقائع، بل أصبح جهازاً استراتيجياً لصياغة العقول وتوجيه الرأي العام وفق رؤية حضارية محددة. فالدولة التي تملك وسائل التأثير الإعلامي لا تنقل الخبر فقط، بل تحدد زاوية النظر إليه، وتضع له الإطار التفسيري، وتزرع في الوعي الجمعي مفاهيم بعينها، حتى يصبح الناس يرون الواقع من خلالها دون أن يشعروا.

 

المشكلة في بلاد المسلمين ليست في ضعف الإمكانات التقنية فحسب، بل في تبعية الأجهزة الإعلامية برمتها للنفعية الرأسمالية. فالإعلام السائد عالمياً ينبثق عن عقيدة فصل الدين عن الحياة، ويجعل المعيار في التقييم هو المصلحة والمنفعة وفق الرؤية الغربية. ومن الطبيعي أن يُعاد تشكيل المفاهيم في أذهان المسلمين بما ينسجم مع هذه الرأسمالية، لا مع عقيدتهم.

 

الإعلام في النظام الرأسمالي ليس محايداً كما يُصوَّر، بل هو جزء من البنية السياسية والاقتصادية للدولة. الشركات الكبرى المالكة للقنوات والمنصات مرتبطة بمصالح اقتصادية عابرة للحدود، والسياسات التحريرية تخضع في الغالب لحسابات النفوذ والتمويل. ولذلك يُعاد تعريف القضايا وفق ما يخدم مراكز القوة. فالمقاومة تُوصف "إرهاباً"، والاحتلال "دفاعاً عن النفس"، والتبعية "شراكة استراتيجية"...

 

إن أخطر ما يفعله الإعلام المهيمن هو إعادة تشكيل معيار الحكم على الأشياء. فبدل أن يكون الحلال والحرام، والحق والباطل، هما الأساس في التقييم ومقياس الأعمال، يُستبدل بهما معيار المنفعة والمصلحة الوطنية أو القانون الدولي أو الرأي العام العالمي. وهكذا تُسحب السيادة من الشرع دون إعلان صريح، ويُعاد تشكيل وعي الأمة تدريجياً حتى تتقبل مفاهيم تخالف عقيدتها.

 

في التاريخ الإسلامي، كان الخطاب العام منضبطاً بأسس واضحة. كانت العقيدة هي التي تحدد العدو والصديق، والولاء والبراء، والغاية من القتال أو السلم. لم يكن المسلم يتيه في بحر من الروايات المتناقضة، لأن المعيار كان ثابتاً؛ ما وافق الشرع فهو حق، وما خالفه فهو باطل. أما اليوم، فإن سيل المعلومات وتعدد المنصات لا يعني تعدد الحقائق، بل قد يعني تشويشاً مقصوداً يُفقد الناس القدرة على التمييز.

 

الأنظمة القُطرية العميلة في بلاد المسلمين لم تخرج عن هذا الإطار، بل غالباً ما وظفت الإعلام لخدمة بقائها، لا لخدمة الأمة. الإعلام الرسمي يبرر السياسات القائمة، ويعيد إنتاج خطاب يرسّخ الوطنية القُطرية بوصفها أعلى رابطة، ويبتعد بالناس عن الرابطة المبدئية الحقيقية رابطة العقيدة الإسلامية، ويختزل قضايا الأمة في حدود الدولة. أما الإعلام الخاص، فكثيراً ما يرتبط بمصالح اقتصادية أو سياسية تجعله جزءاً من لعبة النفوذ، لا من مشروع نهضة الرؤية السياسية المبدئية التي يتبناها تنطلق من أن معركة الإعلام هي جزء من الصراع الفكري، وهو أحد أركان العمل لإقامة الخلافة. فقبل أن يتغير الواقع السياسي، لا بد أن تتغير المفاهيم السائدة. ولا يمكن أن يُقام نظام إسلامي في بيئة فكرية ترى الديمقراطية قدراً لا يُناقش، وتعتبر العلمانية شرطاً للتقدم، وتخشى من تطبيق الإسلام أكثر مما تخشى من التبعية للغرب.

 

إن الإعلام في الدولة الإسلامية ليس جهاز دعاية للحاكم، بل أداة لإظهار الحق وتبصير الأمة بأحكام الشرع، وكشف المؤامرات، وفضح العدوان، وحمل الدعوة إلى العالم. فهو جزء من وظيفة الدولة في رعاية الشؤون، لأنه يسهم في تشكيل رأي عام واعٍ منضبط بالشرع. ولا يعني ذلك إلغاء التعدد في الرأي، بل ضبطه ضمن إطار العقيدة، بحيث لا يتحول إلى تشكيك في ثوابت الإسلام أو ترويج لمفاهيم تناقضه.

 

إن من أخطر آثار الإعلام الرأسمالي في بلاد المسلمين تكريس الشعور بالعجز. تُعرض الأمة دائماً بوصفها ضعيفة، متأخرة، عاجزة عن إدارة نفسها، بينما يُقدَّم الغرب بوصفه النموذج الأوحد للتقدم. ومع تكرار الصورة، يتحول الإحساس بالدونية إلى قناعة راسخة، ويصبح تقليد الغرب في نظامه السياسي والاقتصادي أمراً "طبيعياً" في نظر كثيرين.

 

لكن الحقيقة أن هذا الإطار الإعلامي يخفي أزمات عميقة في المنظومة الرأسمالية نفسها، أزمات اقتصادية متكررة، تفكك أسري، صراعات داخلية، وازدواجية في المعايير. غير أن إبراز هذه الجوانب لا يحظى بالاهتمام ذاته، لأن الإعلام جزء من النظام الذي يحمي صورته.

 

إن استعادة الأمة لوعيها الإعلامي لا تعني الانغلاق أو رفض التقنية، بل تعني إعادة بناء الزاوية التي ينظر من خلالها والتي يسوق رأيه للناس على أساسها. يجب أن يكون المسلم قادراً على قراءة الخبر من ناحيتين؛ الوقائع، والتفسير. فالوقائع قد تكون صحيحة، لكن تفسيرها قد يُصاغ بطريقة تخدم رؤية معينة. ومن هنا تأتي أهمية الوعي السياسي المنبثق عن العقيدة، والذي يجعل المسلم يحاكم الأحداث إلى الشرع، لا إلى الخطاب السائد.

 

إن معركة المفاهيم اليوم لا تقل خطورة عن أي معركة عسكرية. فالأمة التي تُهزم فكرياً يسهل إخضاعها سياسياً واقتصادياً. أما الأمة التي تملك بوصلة فكرية واضحة، فإنها تستطيع أن تميّز بين الحق والباطل، وأن تحمي نفسها من التضليل، وأن تتبنى مشروعها الحضاري بثقة.

 

العمل لإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة يقتضي خوض هذا الصراع الإعلامي بوعي، وكشف زيف المفاهيم الرأسمالية، وبيان تناقضها مع عقيدة الأمة، وتقديم البديل الإسلامي بوصفه نظاماً متكاملاً للحياة، لا مجرد شعارات. فحين يتشكل رأي عام واع يطالب بتحكيم الإسلام، يصبح التغيير السياسي ممكناً، لأن القوة الحقيقية تنبع من الأمة إذا أدركت حقيقتها.

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

محمود الليثي

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

تحوّل الحكم إلى مُلك

كيف غيّر الانحراف في طريقة البيعة مسار الأمة؟

 

عند دراسة التاريخ الإسلامي بعد انتهاء عهد الخلافة الراشدة، يتبين أن أخطر التحولات لم تكن في ميادين القتال ولا في حدود الدولة، بل في طريقة إقامة الحكم نفسها. فالخلافة في أصلها نظام محدد المعالم: تنعقد ببيعة شرعية من الأمة، ويُختار لها من تتوافر فيه شروط الانعقاد، ويكون السلطان فيها للأمة، تمارسه بتنصيبها للخليفة، بينما السيادة للشرع وحده. هذا البناء هو الذي أقامه الرسول ﷺ في المدينة، وسار عليه الخلفاء الراشدون من بعده.

 

غير أن التحول الذي وقع لاحقاً، حين انتقل الحكم من كونه بيعة اختيار إلى صورة يغلب عليها طابع التوريث، لم يكن مجرد تغير إداري، بل انحراف في طريقة تنصيب الخليفة. فطريقة اختيار الحاكم في الإسلام ليست مسألة شكلية، بل هي جزء من النظام نفسه. فإذا اختلت الطريقة، اختل معها توازن العلاقة بين الأمة والسلطان.

 

في عهد الخلفاء الراشدين، كانت البيعة تنعقد على أساس الرضا والاختيار، وتُعطى للخليفة بوصفه ملتزماً بتطبيق الإسلام. لم يكن الحكم امتيازاً عائلياً، ولا إرثاً سياسياً، بل عقداً رضائياً يوجب الطاعة في المعروف ويُوجب المحاسبة عند الخطأ. هذه الآلية ضمنت بقاء الحكم خاضعاً للشرع، وأبقت الأمة حاضرة في معادلة السلطة، لا مهمَّشة عنها.

 

عندما تحوّل الحكم إلى صورة يغلب عليها طابع الملك، تغيّرت طبيعة السلطان تدريجياً. لم يعد السؤال المركزي من هو الأقدر على تطبيق الشرع؟ بل أصبح: من هو الأقرب إلى بيت الحكم؟ ومع أن كثيراً من الخلفاء بعد ذلك بذلوا جهوداً في الفتوحات وإدارة الدولة، إلا أن الخلل في طريقة الانعقاد وإساءة أخذ البيعة، فتح باباً لاضطرابات سياسية وصراعات على السلطة، وأضعف وضوح مفهوم أن الخليفة يُنصَّب ببيعة شرعية صحيحة من الأمة.

 

الفرق الجوهري بين الخلافة والمُلك أن الخلافة تقوم على عقد بيعة واختيار، بينما الملك يميل إلى تثبيت الحكم في سلالة معينة، ولو مع وجود بيعة شكلية. في الخلافة، السلطان للأمة؛ أي أن الأمة هي التي تمنح الحاكم سلطان التنفيذ بعقد شرعي. أما حين يغيب هذا المعنى، وتصبح البيعة إجراءً لاحقاً لقرار سابق داخل دائرة ضيقة، فإن العلاقة بين الأمة والحكم تتبدل.

 

هذا التحول لم يُلغِ تطبيق الإسلام دفعة واحدة، ولم يُخرج الدولة عن كونها دولة إسلامية من حيث الجملة، لكنه أثّر في حيوية النظام السياسي، وأضعف عنصر المحاسبة، ومهّد لظهور صراعات داخلية متكررة. فالطريقة الشرعية في تنصيب الخليفة ليست تفصيلاً تنظيمياً، بل صمام أمان يحول دون تحول الحكم إلى صراع عائلي أو عسكري.

 

إن النظر المنضبط إلى هذا الحدث يبيّن أن قوة الأمة لا تُقاس فقط باتساع رقعتها أو كثرة جيوشها، بل بسلامة نظامها السياسي. فقد بلغت الدولة الإسلامية في عصور الحكم العضوض اتساعاً عظيماً، لكنها في الوقت ذاته شهدت اضطرابات داخلية وانقسامات متكررة، كان أحد جذورها غياب الالتزام الكامل بكيفية أخذ البيعة كما كانت في عهد الراشدين.

 

وعند إسقاط هذا الدرس على واقع المسلمين اليوم، يظهر أن المشكلة لم تعد في التحول من خلافة إلى مُلك فحسب، بل في غياب الخلافة أصلاً، وقيام كيانات قطرية على أساس الرأسمالية، تفصل الإسلام عن الحكم، وتجعل السيادة لغير الشرع. ومع ذلك، يبقى درس التحول التاريخي مهماً: أي مشروع لإقامة الحكم بالإسلام لا بد أن يلتزم بطريقة انعقاد صحيحة واضحة، تمنع احتكار السلطة، وتُبقي السلطان للأمة، وتمكنها من محاسبته متى خالف عقد البيعة.

 

فإقامة الخلافة ليست مجرد إعلان سياسي، بل إعادة بناء كاملة لطريقة الحكم وفق الأحكام الشرعية المتعلقة بالبيعة، وشروط الخليفة، وصلاحياته، ومحاسبته. ولا يكفي أن يُرفع شعار "تطبيق الشريعة" إن لم تكن طريقة الوصول إلى الحكم منضبطة بالشرع أيضاً، لأن الطريقة في نظام الحكم جزء من الحكم نفسه.

 

إن تحوّل الحكم إلى ما يشبه المُلك في التاريخ الإسلامي يقدّم درساً عميقاً، فالانحراف في طريقة تنصيب الحاكم يفتح الباب لانحرافات لاحقة في الممارسة السياسية، ولو بقيت بعض الأحكام مطبقة. والعودة إلى المنهج الكامل تقتضي إعادة الاعتبار لمعنى البيعة الشرعية كعقد مراضاة واختيار لا إجبار فيها وﻻ إكراه عليها، ولأن السلطان للأمة تمارسه بتنصيبها للخليفة، لا بفرضه عليها.

 

الأمة التي تضبط طريقة حكمها بأحكام الإسلام تحافظ على وحدتها السياسية، وتمنع تحوّل السلطة إلى إرث شخصي أو عائلي، وتبقي الحاكم في موقع النائب عن الأمة في تنفيذ الشرع. أما حين تُفرّط في هذه الأصول، فإنها تفتح باب الصراع والاضطراب، ولو امتلكت القوة المادية.

 

وهكذا فإن دراسة هذا التحول ليست اجتراراً لحدث تاريخي، بل تذكير بأن استئناف الحياة الإسلامية اليوم لا يكون إلا بإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، تلتزم بالأحكام الشرعية كاملة: في طريقة الانعقاد، وفي ممارسة السلطان، وفي المحاسبة.

 

عندها فقط يستعيد الحكم معناه الصحيح، وتستعيد الأمة موقعها كأمةٍ لها سلطان واحد، وسيادة للشرع وحده، ووحدة سياسية تمنع تكرار أخطاء الماضي.

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

أهمية التفكير في سبيل التغيير

 

مضت سنون طوال والأمة الإسلامية تعيش أسوأ حقبات التاريخ التي مرت عليها منذ نشأتها؛ حقبة رزحت فيها ولا تزال ترزح تحت وطأة الذلّ والهوان والتفرقة والتبعيّة بل وتحيا فيها حياة تعيسة لا تليق بها أساسا كخير أمّة أخرجت للناس.

 

لقد كان وما زال أمام الأمة خياران اثنان لا ثالث لهما؛ فهي إمّا أن تذهب في درب ترضى فيه بواقعها وتواصل فيه استسلامها وخضوعها وخنوعها، وإمّا أن تغيّر طريقها وتتخيّر سبيل عودتها لمجدها وعزّتها! مع العلم أنّ خيار الرضا بالواقع ومحاولة التأقلم معه والانصهار فيه هو إيذان بموت الأمة البطيء ومواصلة الانحدار والسقوط والتدحرج من أعلى القمة إلى الحضيض!

 

قال الشيخ العلامة تقي الدين النبهاني رحمة الله في كتابه "التفكير": "والتفكير بالتغيير ضروري للحياة؛ لأن ركود الحياة والاستسلام للأقدار هو من أخطر الآفات التي تجعل الشعوب والأمم تنقرض وتندثر مع الأحداث والأيام؛ ولذلك كان التفكير بالتغيير من أهم أنواع التفكير".

 

ولقد جربت الأمة فعلا ردحا من الزمن ما تحدثنا عنه من استسلام وانغماس في الواقع ومحاولة ترقيعه إلى غير ذلك من أمور ولكن كل ذلك زاد من مآسيها وذلّها وهوانها وبقيت تتقاذفها أمواج عاتية تهوي بها كل مرة من ساحق إلى سحيق! ثمّ قامت بعد ذلك تتلمس طريقا ثانية ولكنّها لم تفكر ولم تختر دربا يوصلها لمبتغاها كما لم تحدد هدفها والغاية التي ترجوها فلم تتمكنّ من تحقيق تغيّر حقيقي ينهض بها!

 

لذا وجب على الأمة التنبّه قبل الاختيار أوّلا إلى خطر الواقعيّة والقبول بالوضع الراهن ومحاولة التعايش مع الانحطاط، فهذا كما أسلفنا يعني إمضاءها على شهادة وفاتها بيديها وقبولها ببقائها في غرفة الإنعاش ميتة غير حيّة، ولولا بعض الأجهزة الطبيّة لانتهى أمرها سريريّا.

 

إنّ التسليم بالأمر الواقع والخضوع له والسماح للعقول بالتلبدّ والخمول وعدم التفكير في طوق النجاة بل ومحاولة الانصهار في الواقع والتأقلم معه ما هو إلا خيار الضعفاء الذين يفرّون من قلب المعركة ويقبلون على أنفسهم الانبطاح وأخذ وضعيّة الدفاع، بل وأكثر من ذلك مصالحة الخصم والتذلل له وهو يواصل هجماته وضرباته دون هوادة!! فالأمر محسوم في تلك الوضعية، والهزيمة ملحقة حتما بل والضربة القاضية هي مسألة وقت فقط!

 

أمّا الدرب الثاني درب المواجهة فهو الدرب المحفوف بالأشواك، درب التململ والنهوض؛ فبعد الإحساس ببشاعة الوضع الذي تحياه الأمة كان لزاما عليها السعي لوقف الانحدار بل وتلمس سبيل قيام المارد من جديد! ولقد حاولت فعلا ذلك مرارا ولكنّ تحركها كان عشوائيا بادئ الأمر إذ لم تفكر جيّدا قبل السير ولم يكن تحركها قائما على أساس فكري متين وبحث ودراية، فكان أشبه بالتخبط ولم يتغير الواقع المأساوي! فكانت نشأة الجماعات الإسلامية غير المبدئية والدعوات القومية، بل وحدثت أيضا ثورات الربيع العربي ولكن نتيجة أنّ السعي للتغيير لم يكن نابعا من فكر صحيح مبلور وبحث عميق ولم تحدد معه الغايات والأهداف، لم يحصل المنشود ولم يوصل إلى المرغوب!

 

إنّ ما على الأمّة التنبه له ثانيا بعد تنبهها أنّ درب الاستسلام والرضا بالواقع يعني انتحارها وتلاشيها مع الوقت، أنّ عليها التفكير جيّدا في سبيل نهضتها وتبني مشروع كامل مبلور عندها وتحديد غايتها وهدفها قبل المسير ضماناً لعدم تنكبها عن دربها وكي لا يكون تحركها كحركات المذبوح يمنة ويسرة على غير هدى! إن التفكير العميق والمستنير يؤدي للوصول إلى أنّ المشروع الوحيد القادر على تغيير حال الأمة الإسلامية اليوم وعودتها إلى سالف عهدها وأوج قوّتها هو المشروع الإسلامي فقط، ولكننا لا نتحدث هنا عن مجرد شعارات جوفاء عاطفية نابعة من حنيننا للماضي وحسب بل نتحدث عن المشروع الكامل المتكامل الذي لا يغفل عن أيّ تفصيل، الأساس الفكري المتين الذي تنبثق عنه المعالجات والمفاهيم والقناعات والذي يؤكد لنا تاريخنا المشرق أنّه كان سبب ازدهارنا ورفعتنا ونهضتنا في السابق وسيكون جزما سبب نهوضنا من جديد!

 

إنّ مشروع التغيير عندما يُبدأ فيه من الأساس يكون متينا ضاربة جذوره في الأرض فيتبنّاه مجموعة من الأفراد الواعين ويحملونه بقوّة ويعقدون العزم على تغيير حال الأمّة ووضعها المريع من خلاله؛ بتغيير المقاييس والمفاهيم والقناعات لديها وتذكيرها بحقيقتها ودورها، فالتفكير بالتغيير يوجد ابتداء عند أفراد ثمّ تتأثر به الأمّة وتتبناه بدورها لتسير على بيّنة من أمرها مدركة وجهتها وغايتها ومقدّمة كل التضحيات اللازمة لضمان نجاح مشروع نهضتها.

 

إنّ طريق النهضة محفوف بمخاطر كثيرة وتعترضه عقبات عديدة، لذلك كان الفكر الصحيح هو بوصلة الأمة التي تهديها للاتجاه المناسب وتوصلها إلى هدفها الأخير، فكان بالأهميّة بمكان وعي الأمة أنّ العقيدة الإسلامية هي الأساس الفكري الذي يجب أن تقيس به كل فكر والمقياس الأساسي الذي تقيس به كل المقاييس والقناعة الوحيدة الذي تردّ بها غيرها من قناعات.

 

لقد جربت الأمة مرات ولم تنجح وكانت إرادة تغييرها بالإسلام ظاهرة في إيصالها الجماعات الإسلامية المعتدلة للسلطة في تونس ومصر وفي مطالب الثورة السورية وغير ذلك، ولكن عدم تبني المشروع الإسلامي بكل ملامحه الواضحة جعلها تخفق ولا تصل لمبتغاها، فحريّ بها أن تتعلم من تجاربها وتبحث وتفكر وتمحص وتبلور المشروع عندها لكي تنجح المرة القادمة وتصل برّ الأمان!

 

إنّ في الأمة أفرادا كثيرين انكبوا على دراسة الإسلام بعمق وردّوا الشبهات ونقّوا المفاهيم وأصّلوا المشروع الإسلامي وفصّلوه، ووضعوا بين يدي أمتهم سبيل نهضتها على طبق من ذهب، فهلاّ وعى المسلمون بذلك فتبنّوه وتحركوا بوعي وثقة فأرضوا الله عزّ وجلّ ليعودوا خير أمّة أخرجت للنّاس.

 

إنّ على الأمة الإسلامية أن تلتف حول المخلصين من أبنائها فتتحرك معهم حركة واحدة منتجة تطيح بهؤلاء الحكام وتقيم بها دولة الإسلام فهي الوحيدة القادرة على وضعهم في مسار النهضة الحقيقي.

 

إنّ الإسلام هو المبدأ الصحيح الوحيد الذي طلب منّا الله أن نحيا به ونرعى به شؤوننا وننظم به أمورنا، فإقامة دولة تضع أحكام الإسلام موضع التطبيق هو السبيل العملي الوحيد لكي تنبثق المعالجات من العقيدة الإسلامية الكامنة في قلوب وعقول المسلمين فتصوغ المجتمع المسلم المتميّز والفريد من نوعه وغيرها من المعالجات، طبعا سيجعل الصدام موجودا دائما بين ما وقر في الصدور من بذرة العقيدة وبين القوانين الوضعية ويحول دون تحقيق التغيير المنشود والنهضة المرجوّة!

 

فيا أمة الإسلام: ها هو حزب التحرير دعاك ولا يزال يدعوك لما فيه مرضاة ربّك وعزّك، دعاك ولا يزال لتفكري وتدركي سبيل خلاصك وتعضّي بنواجذك على الإسلام دون غيره، دعاك وقدّم لك دستور الإسلام كاملا مفصلاً على طبق من ذهب، ولا يزال يدعوك ويدعوك لما فيه عزّ الدنيا والآخرة... فهلا أجبت والتففت حوله فنهضت ونفضت عنك غبار الوهن، هلا أجبته وعدت لسالف عهدك شاهدة على كل الأمم فتطوى صفحة الذلّ والهوان؟! وإننّا على يقين أنّ إجابتك أقرب من أيّ وقت مضى.

 

﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً

 

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

منة الله طاهر

 

#رؤية_حقيقية_للتغيير

 

#TrueVision4Change

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

ميونيخ 2026:

سقوط أقنعة الغرب الفكرية وزوال التحالفات الرأسمالية

 

مؤتمر ميونيخ للأمن الذي أسسه إيفالد-هنريش فون كلايست عام 1963 تم تنظيمه في البداية باعتباره "اجتماع الدول المدافعة"، وكانت استراتيجيته الأولية تتمثل في إنشاء منصة خاصة لتنسيق الخطط العسكرية بين الحلفاء الغربيين وحماية مصالح الدول الرأسمالية في فترة الحرب الباردة بعد الحرب العالمية الثانية. على مدى عقود كان هذا المؤتمر بمثابة "بوصلة استراتيجية" عالمية للأفكار الغربية. لكن من المهم أن نفهم أن مثل هذه المؤتمرات لم تخدم أبداً المصالح الحقيقية للبلاد الإسلامية أو بعضها مثل آسيا الوسطى. بل على العكس كانت آلية تسمح للغرب بإخفاء هيمنته وفرض سيطرته على الشعوب الأخرى.

 

أظهر مؤتمر ميونيخ الثاني والستون الذي عقد في فندق بايريشير هوف في شباط/فبراير 2026 هذه الحقيقة بشكل أوضح من أي وقت مضى. هذا العام أصبح هذا التدبير منصة للغرب لكي يخلع قناع "المحبة للسلام" الذي ارتداه على مر السنوات الطويلة ويعلن صراحة عن رغبته في إقامة نظام عالمي جديد بالقوة وحل نزاعاته الداخلية على حساب الآخرين. من على هذا المنبر بالذات ألقى وزير الخارجية الأمريكي مارك روبيو خطاباً يعد من أكثر الخطب حدةً وغنىً بالاعترافات الفكرية في تاريخ المؤتمر. لقد كشف روبيو النقاب عن اللباقة الدبلوماسية تماماً واعترف صراحةً بأن عصر خداع العالم بأحلام زائفة عن "سيادة السلام والقانون الدولي إلى الأبد" قد انتهى، وأن فكرة استبدال المصالح الوطنية بنظام عالمي لم تبرر نفسها وأنها كانت خطأً فادحاً. فكلماته: "لقد ارتكبنا خطأً بتجاهلنا تاريخ البشرية وافتراضنا أن القانون الدولي والسلام سيكونان دائماً سائدين هو وهم خطير". وهذا يعتبر نزع وتمزيق قناع الديمقراطية وحقوق الإنسان بيديه، والذي استخدمه الغرب لسنوات لإخضاع الشعوب الأخرى.

 

روبيو مارس ضغوطاً علنية على أوروبا قائلاً إن أمريكا لم تبق لديها طاقة بـ"الحلفاء الضعفاء" لأن ذلك سيضعف واشنطن أيضاً. وأوضح أن أمريكا ليست مهتمة بمجرد مشاهدة "انحدار الغرب المنظم" كمراقب سلبي. وحسب رأيه فإن الحضارة الغربية تنهار بسبب هوسها الأعمى بالسياسة المناخية والهجرة الجماعية وأن إنقاذها يتطلب قيادة أمريكية قائمة على القوة وحدها. هذا الاعتراف يعني أن واشنطن لن تراعي بعد الآن القواعد الدولية أو مصالح حلفائها بل ستكون مستعدة لاتخاذ أي إجراءات قاسية في سعيها في سبيل مصالحها الخاصة. لكن في ردها على ذلك عارضت الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي كايا كالاس، الاستراتيجية الجديدة للأمن القومي الأمريكي قائلة إن "أوروبا التي استيقظت لا تهددها انقراض الحضارة".

 

وصف وزير الخارجية الإيراني عراقجي نزاعات الغرب الداخلية هذه بـ"سيرك ميونيخ" وأعلن صراحة أن الاتحاد الأوروبي لا يتمتع بأي وزن جيوسياسي في الشرق الأوسط وأصبح "محيطاً" (أي قوة ثانوية لا تحل شيئاً). وفقاً لعراقجي أصبح الاتحاد الأوروبي عديم الوزن تماماً. فقد أصبحت القوى الإقليمية أكثر فعالية من "الثلاثي الأوروبي" الذي ليس لديه ما يقدمه. ووصف الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي غياب أوروبا عن طاولة محادثات السلام بأنه "خطأ كبير". وحسب رأيه لا يريد بوتين التحدث مع أوروبا، وواشنطن تسمح بذلك. وهذا يدل على أن أوروبا مضطرة إلى إعادة بناء نظامها الأمني بالكامل.

 

على خلفية هذه المناقشات العالمية كشفت مشاركة الوفد الأوزبيكي عن حقيقة مريرة. على الرغم من أن أوزبيكستان ليست دولة قادرة على التأثير على مصير العالم على الساحة الدولية فإن مشاركتها في هذا المؤتمر تعكس الاهتمام الاستراتيجي للغرب بمنطقة آسيا الوسطى وسعي دول المنطقة للبقاء على قيد الحياة في ظل الصراعات بين القوى العظمى. تصريحات وزير الخارجية بختيار سعيدوف بأن دول آسيا الوسطى تقدم نموذجاً للحل السلمي للمشاكل تظهر مدى عدم وزن هذه التصريحات أمام تهديدات روبيو بأن "القانون الدولي هو وهم". هذه المشاركة تعني أنه إذا لم يكن لدى البلاد الإسلامية مشاريع أيديولوجية مستقلة خاصة بها، فإنها ستظل مجرد أدوات في الألعاب الاستراتيجية للقوى العظمى.

 

وفقاً لتحليل البروفيسور ألكسندر وولف إذا كانت "رياح التغيير" في عام 1989 قد بثت الأمل فإن رياح عام 2026 تدمر الغرب من الداخل وتهزّ استقراره في مجال الأمن. أقر المستشار فريدريش ميرتس في كلمة ألقاها في ميونيخ وتحدث فيها عن "القيادة التي ضاعت وتم إسرافها" بأن النظام الذي أعقب الحرب العالمية الثانية الآن غير موجود وأن العالم دخل في مرحلة "منافسة قاسية وغير متوقعة بين القوى العظمى". وأكد أن حرية أوروبا لم تعد أمراً معروفا. إن زيادة نفقات ألمانيا على الدفاع إلى 5 في المائة وسعي الرئيس الفرنسي ماكرون إلى إيجاد "مظلة نووية" جديدة لأوروبا يدلان على أن الغرب يحاول الآن البقاء على قيد الحياة "بقوة السلاح" فقط. أظهرت تصريحات رئيسة وزراء الدنمارك ميت فريدريكسن بأن تهديدات الولايات المتحدة بشأن غرينلاند تشكل "خطاً أحمر" مدى تدهور العلاقات بين الحلفاء. سعي ترامب للاستيلاء على غرينلاند بالقوة دون تغيير أدى إلى عدم الثقة بين الحلفاء تماماً.

 

قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين أن الوقت قد حان لإحياء المادة 42(7) المتعلقة بـ"الدفاع المتبادل" لأوروبا، ودعت أوروبا إلى وضع برنامج دفاعي بقيمة 800 مليار يورو. وهذه محاولة يائسة من أوروبا للتخلص من تبعيتها الاستراتيجية للولايات المتحدة.

 

لطالما كانت التحالفات بالنسبة للغرب قناعاً أيديولوجياً لكنهم اليوم تخلوا عن كل ستار وتحولت هذه التحالفات إلى صفقات مؤقتة قائمة على مصالح باردة. في الماضي كان الغرب يقدم أهدافه الجيوسياسية تحت شعار "الوعود المقدسة" و"القيم المشتركة". أما الآن فقد سقطت هذه الأقنعة وظهرت الطبيعة التجارية المحضة والبراغماتية للتحالفات. الأفكار التي تم طرحها في ميونيخ تعنى أن كل شريك سيتم النظر إليه الآن وفقاً لمعيار "ما الفائدة التي يمكن أن تقدمها لنا؟" فقط. وحيثما تنتهي المصلحة تفقد عبارة "الوعد المقدس" معناها تلقائياً. وقد كشفت هذه الحالة عن نقطة الضعف الرئيسية في المبدأ الرأسمالي وهي أنه لم يكن أبداً قائما على أساس أخلاقي ثابت بل كان مبنيا حصراً على الربح المادي. وعلى الرغم من أن نظام التحالفات كان يُروّج له في السابق على أنه ضمانة للحماية إلا أنه يظهر اليوم وجهه الحقيقي باعتباره وسيلة للدولة القوية لاستعمار أو قمع شريكها. كما قال البروفيسور وولف "الحنين إلى الماضي ليس مفهوماً من مفاهيم السياسة الأمنية". تواجه أوروبا حالياً منطقاً لا يرحم مفاده أن "أمريكا هي القوة المطلقة".

 

من وجهة نظر التحليل الأيديولوجي المقدم في كتاب "نظام الإسلام" لمؤسس حزب التحرير، الحزب السياسي الإسلامي، الشيخ تقي الدين النبهاني واعتماد روبيو على القوة واعتراف ميرتس بنهاية النظام وحديث عراقجي عن "السيرك" واضطراب أوروبا النووي، فإنها كلها مظاهر مختلفة لأزمة النظام الرأسمالي. في هذا الكتاب أثبت بشكل قاطع أن المبدأ الرأسمالي يتعارض مع الفطرة البشرية وأن أساسه يقوم حصرياً على المنفعة المادية. كما نرى اليوم في ميونيخ فإن "الأمن" في الرأسمالية يعني تجاهل حقوق أي طرف آخر غير أنفسهم واستغلال الدول الأخرى لمصالحهم الخاصة. في حين يسعى البعض إلى الحفاظ على هيمنتهم بالقوة يكشف آخرون إفلاس أيديولوجية الغرب.

 

إن العالم اليوم بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى مبدأ إسلامي حقيقي، قائم على وحي الخالق، يحرر البشرية من عبودية النفوس وديكتاتورية الأقوياء. في الوقت الذي تبدي فيه الرأسمالية في ميونيخ عدم الثقة لحلفائها وتمزق العالم بحروب جديدة ومغامرات نووية يصبح من الواضح أكثر من أي وقت مضى أن الخلاص الحقيقي لا يكمن إلا في نظام إلهي قوي وعادل، ألا وهو نظام الإسلام... فإن هذه الاعترافات والاتهامات المتبادلة في ميونيخ تدل على اعتراف الباطل بضعفه وعلى اقتراب انتصار الحق. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾.

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

صلاح الدين الأوزبكي

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

شرف المسلمين وعزهم بالعمل بالكتاب الذي شرّف شهر رمضان

﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ

 

 

لقد اختص الله سبحانه وتعالى هذا الشهر المبارك بنزول القرآن الكريم، كما اختصه بأنه الشهر الذي كانت الكتب الإلهية تنزل فيه على الأنبياء؛

 

فعن واثلة يعني ابن الأسقع أن رسول الله ﷺ قال: «أُنْزِلَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، وَأَنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ لِسِتٍّ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ، وَالْإِنْجِيلُ لِثَلَاثَ عَشَرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ الْقُرْآنَ لِأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ».

 

ولم يجعل الله عز وجل من كتابه الكريم آيات تتلى فحسب، بل كان منهاجا للبشرية لتنظيم جميع علاقات الإنسان؛ بربه، وبنفسه، وبغيره من البشر، فهو منهاج إلهي شامل لجميع مناحي الحياة.

 

وهذا المدح للقرآن أنه هدى للناس لمن آمن به وصدقه وعمل بموجبه، وفيه من الدلائل والحجج البينة الواضحة من الرشد والهدى الذي يبدد الضلال والغي، وهو الفارق بين الحق والباطل، وبين الحلال والحرام.

 

وعندما امتثله المسلمون وتمسكوا به سادوا الدنيا، وانقلبوا من الذلة إلى العزة، فملكوا العرب ودانت لهم العجم، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق ﷺ وهو يدعو قومه للإيمان به، فعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: "مرض أبو طالب فجاءته قريش، وجاءه النبي ﷺ فدخل البيت وبينهم وبين أبي طالب قدر مجلس رجل، فخشي أبو جهل إن جلس رسول الله ﷺ إلى أبي طالب أن يكون أرق عليه، فوثب أبو جهل فجلس في ذلك المجلس، فلم يجد رسول الله ﷺ مجلسا قرب عمه، فجلس عند الباب، فقال: يا ابن أخي هؤلاء أشراف قومك قد اجتمعوا إليك ليعطوك وليأخذوا منك، فقال رسول الله ﷺ: «نَعَمْ، كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ تُعْطُونِيهَا تَمْلِكُونَ بِهَا الْعَرَبَ، وَتَدِينُ لَكُمْ بِهَا الْعَجَمُ». وفي رواية: «تَدِينُ لَهُمْ بَهَا العَرَبُ، وَتُؤْدِّي لَهُمْ بِهَا العَجَمُ الجِزْيَةَ»، ففزعوا لكلمته ولقوله، فقال القوم: كلمة واحدة؟ قال: نعم، فقال أبو جهل: نعم وأبيك عشر كلمات، قال: تقولون لا إله إلا الله وتخلعون ما تعبدون من دونه، فصفقوا بأيديهم ثم قالوا: يا محمد تريد أن تجعل الآلهة إلها واحدا؟ إن أمرك لعجب، ثم قال بعضهم لبعض: ما هذا الرجل بمعطيكم شيئا مما تريدون فانطلقوا وامضوا على دينكم حتى يحكم الله بينكم وبينه. ثم تفرقوا".

 

وقد تحقق وعد رسول الله ﷺ، وكان ذلك العز مرتبطا بتمسك المسلمين بمنهاج ربهم، ولما أن ابتعدوا عن هذا النهج العظيم غدوا أذلة متفرقين، ولقمة سائغة بيد عدوهم، يرسمون لهم خريطة عيشهم في الحكم والاقتصاد والاجتماع وسائر مناحي الحياة، فبدلوا بحكم الله حكم الطاغوت، وتبددت ثرواتهم بالاستثمار والخصخصة والقروض الربوية، وانتشر الفساد والرذيلة والتفكك المجتمعي والأسري بدعوى حقوق المرأة والحرية الشخصية.

 

 لذلك حذر البارئ عز وجل من فتنة يتجاوز أذاها الذين ظلموا، ويكتوي بنارها عامة الناس، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، وهل هناك فتنة أكبر من فتنة تعطيل الحكم بما أنزل الله؟! هذه الفتنة التي توعد الله عز وجل الجميع؛ الظالمين والساكتين والقاعدين بالعقاب الشديد.

 

فمن أجل ذلك كله نقول: لا يمكن أن نكرم هذا الشهر العظيم إلا بالامتثال بما خصه الله سبحانه وتعالى به بالعمل بموجب كتابه العزيز حتى ولو تلوناه ليل نهار.

 

وإنا لنعجب لمسلم يتلو كتاب الله ويقرأ أحكام الحكم والحدود والعقوبات والجهاد ولا يحرك ذلك تفكيره بكيفية تطبيق ذلك في واقع الحياة!

 

أيها المسلمون: إذا أردتم أن تغيروا حالكم المزري إلى الحال الذي ارتضاه لكم ربكم، فما عليكم إلا الامتثال لأمر ربكم بالعمل الجاد لتحكيم شرعه، وإقامة الخلافة الراشدة الثانية، عند ذلك تكرمون هذا الشهر العظيم، وتنالون رضوان ربكم، وتأمنون عذابه، وتعود لكم العزة والكرامة التي كانت لأسلافكم، وتدين لكم دول الكفر قاطبة مصداقا لقول رسول الله ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِي الْأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا».

 

اللهم إنا نسألك في هذه الأيام المباركة وفي هذا الشهر الكريم أن تمن علينا بخلافة راشدة على منهاج النبوة وإمام راشد يوحد الأمة ويحرر البلاد والعباد إنك سميع مجيب.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أحمد الطائي – ولاية العراق

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

بين الصراع الفكري والكفاح السياسي في منهج الدعوة

 

 يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾، إن خير تفسير وشرح لهذه الآية الكريمة هي سيرة المصطفى ﷺ، فهو صاحب الرسالة وهو الذي بلّغها كما أراد الله منه أن يبلّغها فكرة وطريقة وأساليب، وقد كان لنا عبر ودروس من سيرة المصطفى منها:

 

 1. أن حمل الدعوة يكون واضحاً لا مراء فيه ولا غموض، فقد قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، وهذا الوضوح هو الذي يبرئ الذمّة، إذ إن القصد من القيام بأعمال حمل الدعوة هو إبراء للذمّة، لذلك يجب إيصال الفكرة واضحة وجليّة دون تحرّج أو غموض أو مجاملة أو مراعاة للمجتمع والناس وما هم عليه من أفكار وعادات وتقاليد، وما يحملون من أفكار مناقضة للدعوة أو استنكارهم لأفكار الدعوة أو تلكُّؤهم لحملها كما يحملها حملة الدعوة.

 

2. أن الوضوح في حمل الدعوة لا يتناقض مع الحكمة وحسن التأتي، فالحكمة هي طرح الفكرة وشرحها والتدليل عليها بالأدلّة الشرعيّة التي تثبت صحتها حتّى يحمل حامل الدعوة الناس على حملها، وهذا يتطلّب عدم مراعاة مشاعر الناس إن كانوا يحملون فكرة أو عندهم عادة تخالف ما جاء به الوحي ومن حملوا رسالته، فالمجاملة في هذا المقام تكون على حساب الدعوة، وهذا عين ما غاظ كفّار قريش من صلاة رسول الله ﷺ في ظلّ الكعبة، ووضعوا على ظهره مخلّفات الجزور وهدّد أبو جهل أن يطأ رأس رسول الله ﷺ إن صلّى في صحن الكعبة، ولم يثنِ ذلك الرسول ﷺ، بل ظلّ يصلّي سافراً متحدّياً إرادة كفّار قريش وما هو عليه المجتمع من شرك كان يحيط بالكعبة المشرفة.

 

3. أن طبيعة الدعوة التي جاءت للنهضة بالأمّة من خلال قلع كلّ ما فُرض عليهم من ضلالات وفساد وسوء أفهام... إلخ، أن طبيعة هذه الدعوة تقتضي المواجهة والصراع، لذلك كان ملخّص طريقة الرسول ﷺ في حمل الدعوة مفهوم "الصراع الفكري والكفاح السياسي"، فكما أن الكفاح السياسي هو صراع بين حملة الدعوة والأنظمة التي لا تحكم بالإسلام ومنازعتهم على الحكم لانتزاعها منهم انتزاعاً، كذلك الصراع الفكري، وهو نقض ما عند الناس من مفاهيم مغلوطة أو فاسدة وإلزامهم بحمل وتبنّي أفكار الدعوة الصحيحة، لذلك لا يتصوّر أن تتم عمليّة استبدال الحق بالباطل بسهولة ويسر دون حصول صراع وكفاح.

 

4. أن محاولة حامل الدعوة مسك العصا من المنتصف، في أن يحمل الدعوة واضحة ومباشرة، وفي الوقت نفسه مراعاة ما يحمله الناس من أفكار وآراء، هي محاولة مكتوب عليها الفشل، فهي بالتأكيد تفرض طريقة الحلّ الوسط أو البراغماتيّة في حمل الدعوة، أي انحراف حامل الدعوة عن الطريق الصحيح والفكرة السليمة، فلا يظنّ حامل الدعوة أن مسك العصا من المنتصف حكمة أو حسن تأتٍّ، بل هو تنازل عن الدعوة ومساومة عليها، وفي النهاية سيكون بين خيارين إمّا أن يلتزم بحمل الدعوة كما هو مبرِّئ للذّمّة أو يرضي الناس بالتنازل أو بعدم القيام بأعمال حمل الدعوة أو تشويه الدعوة حتّى يرضي الناس ولا يستثيرهم عليه.

 

5. أجواء الصراع الفكري كانت أوَّل دخول المجتمع والتفاعل معه، وظلّت عدّة سنين، ولكن اليوم تغيّر حال الأمّة فأصبحت محبّة للإسلام ومقبلة على الدعوة، وأصبحت مدركة أن أيّ فكر غير فكر الدعوة فاسد، واتّضحت الصورة عند الجميع، فأصبحت الأمّة تدرك فساد وبطلان الحضارة الغربيّة وما تمخّض عنها من فكر وحكّام مأجورين وأنظمة فاسدة، وأصبحت الأمّة تتلمّس سبيلاً للخلاص في الإسلام، لذلك كان دور حامل الدعوة محصوراً في ملء الفراغ الفكري والسياسي القائم في الأمّة، لذلك يجب على حملة الدعوة أن يكونوا مطمئنين أن بضاعتهم مطلوبة من الأمّة، فلا يتردّدوا في طرحها وشرحها صافية نقيّة واضحة ومباشرة، ويجب أن يكونوا مطمئنين بأنَّ الناس ستقبل عليهم وعلى حمل دعوتهم دون تردّد بإذن الله.

 

6. الشريحة الوحيدة التي ظلّت ترفض الدعوة وتحاربها هي حصراً الأنظمة ورجالاتها ومن يقوم مقامها، من علماء سلطان ومفكّرين مأجورين ومنتفعين من الأنظمة الفاسدة، لذلك يجب أن لا يختلط على حامل الدعوة إن ردَّه أحد هؤلاء الفاسدين، ويجب عليه أن يعلم بأنَّ هؤلاء لا يمثّلون الأمّة ولا ينطقون بحال الناس، بل هم شيء والأمّة شيء آخر، وهم في وادٍ والأمّة في وادٍ آخر، وإنْ تحدَّثوا باسم الأمّة وباسم الإسلام، فحديثهم باسم الناس وادِّعاؤهم تمثيل الأمّة هو غصب لفكر الأمّة وحسّها وتلبيس وتدليس على الأمّة، مستغلّين جهل عامّة الناس في الأحكام الشرعيّة العامّة والتفصيليّة، ومستغلّين الجهل في الواقع السياسي للأنظمة والموالين لها، أمَّا عامّة الناس والفئة المخلصة والمفكِّرة والمؤثِّرة، وهم بيضّة القبان في الأمّة، فهم بانتظار حامل الدعوة وما يحمل لهم بفارغ الصَّبر ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

بلال المهاجر – ولاية باكستان

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

من تراه سوف يأتي حاملا طُهر الوشاح؟

 

في آخر الليل، حين تخفت الأصوات، وتنام المدن على أرصفة مبللة بالإنهاك، أسمع شيئا لا يسمعه أحد. ليس بكاء طفل رضيع، ولا انفجارا يشق السماء، ولا خطابا سياسيا صارخا بلا معنى. أسمع صرخات مكتومة، صرخات الذين تعبوا من الانتظار. الانتظار ليس مجرد زمن يمر، بل هو سجن بلا جدران، هو أن تعيش معلقاً بين وعد طال انتظاره وعالم مصاب بالصمم وأمة كالغثاء تجبن في إمداد من يدافع عن مسرى رسولها بشربة ماء!

 

في قطاع غزة ينتظر الناس الحياة ليس طلبا لرفاهية بل ليلملموا ركام بيوتهم، أو ليدفنوا من تبقى منهم بكرامة. هناك صار الانتظار يعني القدرة على البقاء. هناك الوقت لا يمضي، بل يتكدس كغبار خانق فوق الصدور كالتائه في الصحراء كل أمل له يغدو سراباً.

 

وفي السودان صارت الأرض ساحة لجوع ونزوح وانقسام، مجازر حجبت عن شاشاتنا، ليس احتراما لمشاعرنا، لا بل لأن القاتل هو نفسه من يملك ذلك الإعلام. وها هم اليوم يعيشون سنوات من انتظار بلا أفق.

 

أما في مخيمات الشتات على حدود سوريا، فالانتظار له طعم الطين، خيمة لا تقي حرا ولا بردا، طفولة تنضج قبل أوانها، وذاكرة لا تستطيع أن تعود إلى بيت صار دماراً.

 

وفي أقصى الشرق خلف أسوار الصمت، تسمع صرخات مكبوتة حيث يقف الأويغور في تركستان الشرقية بين هوية تمحى وذاكرة تعاد صياغتها قسرا.

 

كل ما ذكرته آنفا من صرخات لا تشبه صرخة الأقصى وهو ينادي هل عاد صلاح؟ وهو يتأوه ألماً ويقول: هدّني طعن رماح عدو وصديق، هدّني خذلان أهلٍ مسراهم أضحى مُباح! صرخته كصرخة الثكلى بعد أن فقد جزءاً منه وتحول إلى كنيس، صرخة أسير مستباح، يُدنِّس جسدَه مستوطنون بأداء طقوس دينية تمهيدا لهدمه. صرخات لا تهدأ من تحت الأنقاض، ومن الأبواب المغلقة للأقصى.

 

وبين تلك الصرخات صوت آخر يرتفع في الخفاء؛ صوت من ينتظر قيام خلافتنا الراشدة، المنقذة من كل هذا الشتات، والحل لكل هذا النزيف، والمرفأ الأخير بعد طول التيه. لكن، هل يكفي الانتظار؟ هل تبنى الدول بالأمنيات؟ هل تنهض أمة لأننا نحلم بها فقط؟ أم لأننا نعيد بناء الإنسان الذي سيقيمها؟

 

الانتظار وحده يطيل المأساة، أما السعي فيصنع التحول، ولا يكون التحول إلا ضمن عمل جماعي كحزب التحرير الذي يمتلك المنهج الصحيح لإقامتها، فإن كنا نريد دولة واحدة تجمع شتاتنا، فعلينا السعي والعمل معه يدا بيد لأجل إقامتها وليس انتظار مخلص يخرج من السرداب! عندها فقط سنطيع من حمل طُهر الوشاح واتبع نهج الرسول وعرف سر الفلاح، عندها فقط لن نسمع صرخات ألم في ضجيج المدن، بل سنسمع صرخات فرح تعلن أن الانتظار انتهى، وأن الأمة قررت أخيرا أن ترتاح بدل أن تنتظر. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.

 

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

منال أم عبيدة

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

سراج المؤمن في الظلمة بصيرته

وسراج الغافل عنها هو العمى

 

إن الله سبحانه هو نور السماوات والأرض، وكل نور فيهما هو قبس من نوره، وكتابه هو نور حسِّي معنوي، ﴿يَهْدِيبِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾.

 

وهذا الوحي هو سبيل الهداية للحيارى والتائهين، ودليل نجاة من مكائد الشيطان الذي كانت حربه علينا منذ أن رفض السجود لسيدنا آدم في الجنة. فمن استمسك به نجا، ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلاً. قال نبينا ﷺ: «اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ».

 

وفي هذه الدنيا هناك عنوانان عريضان لفخاخ الشيطان للمسلم: الشبهات، والشهوات. وهذه تستلزم من المؤمن وعياً وإخلاصاً وتقوى. فلا سلامة لمجاهد يجهل طبيعة أرض المعركة، أو لم يتدرب كفايته ويتحصل قوَّة تمكنه من دفع العدو، أو ركن لنفسه واغترَّ ولم يُسلم قلبه لمولاه.

 

وحال المسلم في الدنيا حال مجاهد يجاهد نفسه وشيطانه وشبهات الدنيا وشهواتها. فعليه إذاً أن يكون على بصيرة، أي وعيٍ يدرك معه أحوال الدنيا ومآلاتها، ومنازل العدو: مبادئه وأفكاره وطريقته في الحرب علينا، وطريقة تفكيره، وقبل ذلك نواياه وأساليب حربه التي نحن هدفها. والوعي بكل هذه الأمور ومعرفة حقائقها الخفيَّة والجليَّة، هو نظرة عميقة لن تستنير إلا بنور الوحي.

 

المسألة ليست مسألة علم بما يجري، فالكل يدري وينظر ويشاهد، لكن الوعي هو رؤية ما لا يراه الكل، ومعالجة الأحداث من زاوية المبدأ، والحكم على الوقائع لأجل التعامل معها بما يناسب من منطلق العقيدة الإسلامية. وهذا ما يميز صاحب البصيرة من غيره من الناس.

 

والمسلم حين يحقق الوعي والإخلاص لله والتقوى، يحصِّل البصيرة التي هي ثمرة لهذه التقوى يمن الله بها على عباده المُخلَصين. وهي كما يُعَرِّفها ابن القيم رحمه الله: "نورٌ يقذفه الله في القلب، يرى به حقيقة ما أخبرت به الرسل، كأنه يشاهده رأي عين". وإن موضع البصيرة القلب، فهو محل نظر الله، وفيه الخير والشر، وهو المضغة التي عوّل رسول الله ﷺ صلاح الجسد أو فساده عليها.

 

وقال الأخفش في قوله سبحانه: ﴿قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾، أي علمت ما لم يعلموا به، من البصيرة [أي بسببها]. وقال اللّحيانيّ: والبصيرة: عقيدة القلب. قال اللّيث: البصيرة اسم لما اعتقد في القلب من الدّين وتحقيق الأمر، وقيل: البصيرة الفطنة، تقول العرب: أعمى اللّه بصائره أي فِطَنَهُ، عن ابن الأعرابيّ: وفعل ذلك على بصيرة: أي على عمد، وعلى غير بصيرة: أي على غير يقين.

 

أما الفِراسة فإنما هي ثمرةٌ للبصيرة الصادقة، ومرتبة عالية من مراتبها، لا ينالُها إلا أهلُ التوحيد الخالص، والقلبِ السليم، والسريرة النقية، والنفس الطاهرة، واللسان الصادق، ومع ذلك التقوى والورع، والمعرفة والفهم. ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾، تأمل قوله تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾، فهذا قسم محقق لا شرط فيه، وذلك أن ظهور ما في قلب الإنسان على لسانه أعظمُ من ظهوره على وجهه، لكنه يبدو بُدوّاً خفيّاً يراه الله، ثم يقوى حتى تصير صفةً في الوجه يراها أصحاب الفراسة، ثم يقوى حتى يظهر لجمهور الناس.

 

وحسَب قوة البصيرة وضعفِها تكونُ الفِراسة، وفراسة الصادقين العارفين بالله وأمره، فإن همَّتَهم لَمَّا تعلَّقت بمحبةِ الله ومعرفته وعبوديته، ودعوة الخَلق إليه على بصيرة، كانت فراستُهم متصلةً بالله، متعلقة بنُور الوحيِ مع نور الإيمان، فميَّزَتْ بين ما يُحبه اللهُ وما يُبغضه من الأعيان والأقوال والأعمال، وميَّزت بين الخبيث والطيب، والمُحِقّ والمُبطِل، والصادق والكاذب، وعرفت مقاديرَ استعداد السالكين إلى الله، فحملت كلَّ إنسان على قدرِ استعداده، عِلماً وإرادةً وعملاً" [مدارج السالكين لابن القيم الجزء 1 ص 123].

 

قال ابن رجب رحمه الله: "فإذا كان القلب صالحاً ليس فيه إلا إرادة الله وإرادة ما يريده لم تنبعث الجوارح إلا في ما يريده الله، فسارعت إلى ما فيه رضاه، وكفت عما يكرهه، وعما يخشى أن يكون مما يكرهه" يقول سبحانه: ﴿واتقوا الله ويعلِّمكم الله﴾.

 

ويتفاوت الناس في عمى البصيرة، قوة وضعفاً بقدر ما لديهم من توفيق الله تعالى أولاً، ثم بما لديهم من علم ومعرفة وتقوى وإخلاص واجتهاد في عبادة الله تعالى، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾. قال المراغي رحمه الله: "إن الأمة في العمل أقسام ثلاثة: مقصّر في العمل بالكتاب مسرف على نفسه، ومتردد بين العمل به ومخالفته، ومتقدم إلى ثواب الله بعمل الخيرات وصالح الأعمال بتيسير الله وتوفيقه".

 

فأصحاب الفراسة يرون ما لا يظهر لجمهور الناس، وهذا حال المؤمن الواعي المستبصر، الذي يعالج مجريات الأحداث وفق رؤية القرآن والسنة. فيرى ما يُحاك للأمة قبل وقوعه، ويُبصر ما لا يبصرون من مخططات ونوازل يستهدف فيها العدو أمته، فيكون ممن يحذّر أمته منها ويصدع بالحق لا يخاف في الله لومة لائم.

 

في سورة البروج يذكرنا الله أن غاية العدو ليست القتلَ فحسب، بل فتنةُ المؤمنين عن دينهم، فالمعركة في الميدان في السلاح، وفي بلاد الإسلام بوسائل الإعلام، فهي معركة وعي وبشكل أخص وعي سياسي على الأفعال وردّات الفعل، وإذا ضَعُفَت البصيرةُ انكسرتِ النفوسُ قبل الجبهات.

 

فإذاً المعركة تستلزم إخلاصاً وصدقاً وثباتاً. كلها مجموعة في التقوى والتمسك بحبل الله، ومعهما: وعي سياسي منبثق من الإسلام، فالوعي السياسي ضرورة شرعية حتى لا يقع المسلم في فخاخ عدوه، ولا يكون أداة ينفذ عبرها الغرب مكائده للأمة. ومن الوعي السياسي أن ندرك أن الفوضى التي نعيشها لا حلَّ لها إلا بإيجاد رأي عام يفرض نفسه في الأمة على ضرورة تطبيق الإسلام تطبيقاً انقلابياً شاملاً، بالطريقة التي طبقه بها رسول الله ﷺ، ورأي عام على ضرورة وجود قوة تحمي هذا الرأي العام وتمنع وأده أو الانقلاب عليه أو تمييعه في الناس.

 

ومن صور البصيرة أن يدرك المسلم مهلكة الركون لغير الله فلا يركن للنظام الدولي، ولا يستجدي مجلس الأمن أو غيره، وطبعاً مما يستلزمه الوعي على نتائج الركون للنظام الدولي هو نبذ الأنظمة في بلاد المسلمين جملة وتفصيلاً فكلها أدوات بيده. وأن الحل هو في وحدة الأمة وتوحيد مقدراتها وجهودها.

 

ومن فراسة حزب التحرير العامل لاستئناف الحياة الإسلامية: تحذيره للفصائل المجاهدة في الشام من خطورة الركون للنظام التركي والقبول بالدعم السياسي أو المال السياسي القذر. ومن فراسته: تحذيره من أن إيجاد منظمة التحرير في فلسطين هو خطوة لبيع قضية فلسطين. وقد أثبتت الأيام صدقه، وفضحه لخيانة عرفات والسادات وعبد الناصر قبل أن تكتشف الأمة وتصدق. ومنه أيضاً فضحه لأردوغان وارتباطه بأمريكا وخدمته لها، وهو ما كشفته ثورة الشام، وفضحته غزة.

 

ولنا في سيدنا رسول الله ﷺ الذي كان النذير العريان، قدوة، وأبي بكر الذي أسلم على يده عدد من العشرة المبشرين بالجنة، وهو الذي به ثبت المسلمون حين تلقوا مصيبة موت رسول الله ﷺ، فرأى الفتنة التي كادت تهلك الأمة حين ارتدت قبائل العرب وأنكروا الزكاة فقال: "لو منعوني بعيراً كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم عليه"، وقال: "لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة"، رغم مصابه بفقد حبيبه وخليله ورسوله ﷺ، وإنجازه لبعث أسامة وحال الضعف الذي كانت تمر به المدينة.. لكنه ببصيرته أدرك أن المسألة مسألةُ صدق مع الله وثبات على شرعه، ولو تضعضعت عزيمته لهلك المسلمون واندثر دين الله، وبصيرته حين استخلف عمر بن الخطاب على المسلمين. وقدوته سيدنا عمر الذي كان يقول: "لست بالخِبِّ ولا الخِبُّ يخدعني".

 

قال تعالى: ﴿قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.

 

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

بيان جمال

 

#رؤية_حقيقية_للتغيير

 

#TrueVision4Change

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

تبني الرؤية الحقيقية للتغيير في عصر المدينة الفاسدة

 

(مترجم)

 

يقول الله عزّ وجل: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلاً مَّا تَتَذَكَّرُونَ.

 

يصوّر عصرٌ بائسٌ مجتمعاً مستقبلياً قاتماً يعجّ بالمعاناة والظلم والفوضى. ومع الأسف، أصبح هذا المجتمع واقعنا في هذا العقد: مجتمعٌ خالٍ من الحرية وغارقٌ في الخوف. وقد أدّى ذلك إلى إحباط معظم الناس، بمن فيهم المسلمون، من التطلّع إلى أحلامٍ كبيرة، وحصرهم في مجرد البقاء على هامش المجتمع.

 

في هذا العصر الذي تُقيّد فيه الحياة، غالباً ما يفتقرُ المسلمون إلى فهمٍ عميقٍ لغاية الحياة وكيفية السّعي وراء الطموحات الحقيقية. وقد أدّى تهميش نور الإسلام إلى انغماس الكثيرين في الحياة بلا هدف، متجنبين الرؤى العظيمة ليصبحوا مجرد أتباعٍ عاديين للظروف، أو على العكس، منغمسين في السعي وراء المكاسب المادية السطحية وملذات الدنيا.

 

يقول ابن القيم الجوزية: "إنّ قيمة الإنسان تُحدَّد بما يسعى إليه". لذا، فإن مساعينا تعكس جوهرنا ومكانتنا الحقيقية، سواء أكانت نبيلة أم دنيئة. وتختلف رؤية المسلم وتطلعاته اختلافاً جذرياً عن الطموحات الدنيوية التي تركز فقط على المكاسب المادية والجاه. ترتبط هذه الرؤى دائماً بجانبين أساسيين من جوانب الحياة: الهوية الذاتية ومعنى النجاح، وكلاهما يقود في نهاية المطاف إلى غاية الحياة؛ عبادة الله تعالى.

 

لكن في هذا العصر المضطرب، المليء بالشكوك والأزمات المتلاحقة، حيث تُخيّم طبقات من الغموض والالتباس على رؤية المسلمين كالمتاهة، تحتاج الأمة الإسلامية إلى نور الإسلام الهادي ليرشدها نحو مستقبلها الحقيقي، في الدنيا والآخرة.

 

بناءُ رؤية الأمة

 

غالباً ما تُفهم الرؤية لغوياً على أنها البصر أو القدرة على الرؤية. ويقدمُ القرآن الكريم شرحاً وافياً لهذه الرؤية، ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾، في هذه الآية، يقدم القرآن مصطلح البصير كأول مفهوم لرؤية المسلم. وهذه البصيرة هي القدرة على إدراك الحقيقة، وتمييز طريق الصواب، والتمييز بين الصواب والخطأ. لا تُنمّى هذه القدرة إلا بالتقوى، فالنفس النبيلة ذات المُثل العليا لا تُولد، بل تُصقل بالعقيدة الإسلامية.

 

والمفهوم التالي الذي يُشكّل رؤية أمة محمد ﷺ هو الفراسة، أو البصيرة، استناداً إلى قول النبي ﷺ: «اِتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ، فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ» رواه الترمذي. تُبنى الفراسة على البصيرة، فتمنح البصيرة أو الحدس لتقييم الحاضر بدقة، واختيار الطريق الصحيح، واستشراف المستقبل، كل ذلك بنور الإيمان. تُمكّن هذه البصيرة الاستراتيجية من اتخاذ قرارات سليمة مع الاستعاذة بالله سبحانه وتعالى.

 

هذان المفهومان - البصيرة والفراسة - ينمّيان البصيرة والقدرة على استشراف المستقبل في أمة محمد ﷺ، مانحين إياهم فهماً عميقاً ورؤية ثاقبة تمتدُ إلى الآخرة. ولذلك، لا يساورهم أي قلق بشأن المستقبل، إذ يُهيّئون حياتهم لاستقبال الدنيا والآخرة.

 

في العصر الذهبي للإسلام، برز جيل مسلم تزخر أرواحه بالمثل العليا، جيل لم تثنه مغريات الدنيا، بل غلبها لتحقيق انتصارات في الدنيا والآخرة. أسقط صحابة النبي محمد ﷺ أعظم الإمبراطوريات، وهزموا قوتين عظميين (الروم وفارس)، ووسعوا فتوحاتهم إلى الهند والمغرب وإسبانيا وغيرها. كذلك، في عصور مجد المسلمين وحماستهم - كما في زمن صلاح الدين الأيوبي - أذلوا أعداء الله، فكانوا يربطون كل عشرة أسرى نصارى بحبل واحد ويستبدلون بهم زوجاً من النعال. وعندما سُئلوا عن السبب، أجابوا: "إننا نخلد إذلالهم باستبدال الأحذية بمحاربيهم". وهكذا، استمر عارهم إلى الأبد.

 

الرؤية الجماعية للتغيير في أمة محمد

 

بالنسبة للمسلم، حتى العصر الكئيب لا يستطيع أن يُخفت الرؤية العظيمة للتغيير في الإسلام. ولا يمكن للشك أن يُضعف عزيمته، فإيمانه يُنير له الطريق، وهو يثق في الغيب، في اليقين المُعطي. يطمح بشجاعة إلى العظمة وينخرط في شؤون أمة محمد ﷺ النبيلة، كما يقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيْمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾. يُقدّم الله الإيمان بالغيب على أداء الصلاة وإنفاق المال، لأن الإيمان بالغيب هو مفتاحها. إنّ الإيمان بالغيب هو ما يُقوّي المسلم، إذ يقوم على يقين أنه مخلوق يحتاج إلى خالقه. هذا الإيمان يُفعّل البصيرة والفراسة لإحداث تغيير جوهري في الإسلام.

 

بالبصيرة والفراسة، يُدرك المسلم أنّ السبيل الوحيد للخروج من هذا العصر الكئيب هو العودة إلى الحياة الإسلامية. فالعقيدة الإسلامية ليست مجرد عقيدة روحية، بل هي قناعة روحية وسياسية. وعليه، يُفهم أنّ الأمة لا تنال الكرامة والتقدم إلا في عهد الخلافة، لأنّ الإسلام لا يُطبّق كمبدأ شامل إلا في ظلّ نظام الخلافة.

 

من جهة أخرى، من مظاهر الفراسة وضع استراتيجيات نجاح مُفصّلة ومستدامة، حيث يُفضي الوعي السياسي إلى إدراك أنّ التغيير الحقيقي لا يتحقق إلا بالعمل الجماعي، لا بالعمل الفردي، وأنّ عملية التغيير تكمن في العمل الجماعي، لا في الأعمال الفردية فحسب.

 

قال النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَجْمَعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ، وَيَدُ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَة» رواه الترمذي. يحمل هذا الحديث دلالة عميقة على أهمية تضامن الأمة الإسلامية كقوة جماعية موحدة. إنّ يد الله مع الجماعة. وقد بيّن ﷺ بنفسه أنّ أعظم قوة في التغيير هي جماعة الدعوة التي بناها على مدى أكثر من عقد في مكة، حتى تحقّق النصر والتأييد الإلهي في المدينة المنورة.

 

وفي الختام، فلنواصل شحذ بصيرتنا وفراستنا بالإسلام، كما في رسالة الآية التالية: ﴿قَالُوا۟ أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾.

 

العبارة في الآية ﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾، أي فيرى كيف تعملون، تأتي بعد أن يمنحكم الله النصر بتدمير أعدائكم. ومعنى هذه الآية من سورة الأعراف هو أنه يجب علينا جميعاً أن نستعد لتمهيد الطريق واتباع خطا تطبيق الإسلام في المستقبل، بعد أن نتعلم من تطبيقه في الماضي. لذا، استعدّوا لعالم آخر في ظلّ الإسلام، وتوكّلوا على الله تعالى وحده.

 

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

د. فيكا قمارة

 

#رؤية_حقيقية_للتغيير

 

#TrueVision4Change

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

الثبات على الحق والسبيل الوحيد لجلب النصر

 

 

حين تضطرب الموازين وتختلط المفاهيم، يبحث الإنسان عن معيار ثابت يزن به طريقه بين الصواب والخطأ، وبين العدل والهوى. وقد أثبتت تجارب الأمم قديماً وحديثاً أن النصر لا يُصنع بالقوة المجردة، ولا بكثرة العدد، ولا بتبدل المواقف تبعاً للمصالح، بل يُصنع حين يستند الإنسان إلى مبدأ قويم لا يتغير بتغير الظروف. وهذا المبدأ في الرؤية الإسلامية هو الحق الذي أنزله الله هدايةً للبشر، وهو الإسلام بمنهجه المتكامل الذي يجمع بين العقيدة والعدل والعمل.

 

فالحق في الإسلام ليس فكرةً نظرية تُقال في أوقات السلم وتُترك عند الشدائد، بل هو طريق حياة كامل يختبر صدق أصحابه حين تضيق السبل وتشتد المحن. وقد دلّ التاريخ مراراً على أن الأمة التي تتمسك بدينها وتمضي بثبات على قيمه لا تنكسر وإن تعثرت، ولا تضيع وإن طال انتظارها؛ لأن الثبات على الحق يمنحها قوةً معنوية تتجاوز حدود السلاح والمال. إن الإيمان الراسخ يصنع وضوح الهدف، ووحدة الصف، واستعداد التضحية، وهي جميعها مقدمات النصر الحقيقي.

 

ومن هنا كان الثبات على الإسلام ليس مجرد موقف تعبدي فقط، بل مشروع نهضة وصناعة مستقبل؛ إذ إن الانتصارات الكبرى لم تكن وليدة لحظة حماس عابرة، وإنما ثمرة صبر طويل على المبدأ، وثقة بوعد الله، وإصرار على السير في الطريق المستقيم مهما كثرت المغريات أو اشتدت الضغوط. فالحق إذا حُمل بصدق وصبر أهله على تبعاته تحوّل من عقيدة في القلوب إلى قوة تغيّر مجرى التاريخ.

 

فقبل قيام الدولة الإسلامية لم يكن المسلمون في مكة يملكون سلطاناً ولا قوة مادية، بل كانوا أقلية مستضعفة تواجه ضغطاً اجتماعياً واقتصادياً وتعذيباً جسدياً شديداً. ومع ذلك قدّم الرسول ﷺ وأصحابه أعظم نموذج للثبات على الحق، حتى أصبح ذلك الثبات نفسه أساس النصر الذي تحقق لاحقاً بعد قيام الدولة في المدينة المنورة. ومن أبرزها وبعجالة:

 

ثبات النبي ﷺ أمام الإغراء والتهديد: فقد ساومه كفار قريش وعرضوا عليه المال والملك والجاه مقابل أن يترك دعوته، ثم انتقلوا إلى التهديد والمقاطعة. ومع ذلك أعلن موقفه الواضح حين قال لعمه: «يَا عَمِّ لَوْ وَضَعُوا الشَّمْسَ فِي يَمِينِي وَالْقَمَرَ فِي شِمَالِي عَلَى أَنْ أَتْرُكَ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يُظْهِرَهُ اللَّهُ أَوْ أَهْلِكَ فِيهِ مَا تَرَكْتُهُ». وبهذا أعلن أن الحق لا يُساوَم عليه، وأن الدعوة قائمة على المبدأ لا على المصلحة.

 

أما صبر الصحابة فقد تجلى في صبر آل ياسر تحت التعذيب، وثبات المستضعفين من الصحابة، والهجرة إلى الحبشة ثباتاً بالحكمة لا بالمواجهة، والتضحية بالجاه والمال كأمثال مصعب بن عمير، والتضحية بالمكانة المجتمعية كأبي بكر الصديق.

 

ومن هذه المرحلة، مرحلة ما قبل الدولة، ثبت أن النصر لا يبدأ بالسيوف ولا بالسلطة، بل يبدأ برجال ونساء ثبتوا حين كان الثبات هو الخيار الأصعب. فحين ترسخت المبادئ في القلوب جاءت الدولة لاحقاً نتيجةً طبيعية لذلك الصبر الطويل؛ لأن الناس تلتف حول من لا يبدل موقفه تبعاً للمصالح، والثبات يمنح القضية قوة تتجاوز القوة المادية، لأن الخصم يراهن غالباً على انهيار أصحاب الحق مع الزمن، فإن صمدوا تغيّرت المعادلة.

 

والصبر مسار طويل، وقد تتأخر نتائجه، وقد تشتد المحن، ولكن التاريخ يشهد أن القضايا التي ثبت أهلها على مبادئهم وعياً وصبراً وتخطيطاً هي التي انتصرت في النهاية.

 

ولكن هناك أصنافاً للناس في الثبات، أذكر منهم ثلاثة:

 

الصنف الأول: الملتزمون بشرع الله، الفاهمون لدينهم، يتحملون ما يتعرضون له من ظروف وأحداث صعبة، حيث يمثل لهم التمسك بالمبدأ بمثابة الخلاص والنجاة من أي صعاب، كما أنه يمثل لهم طوق النجاة، وهم أهل التغيير الجذري وعودة الإسلام إلى حياتهم.

 

الصنف الثاني: ملتزمون إلى حد التعصب، وهؤلاء يصلون إلى التطرف والمغالاة في دين الله دون فهم صحيح للنصوص الشرعية، ما يعرضهم لكثير من الانتقادات، وتنفر الناس من هذا الغلو.

 

الصنف الثالث: يكون تمسكهم بمبدئهم قائماً على الظروف والاحتياجات، فنجدهم يتمسكون بمبدئهم ليوم ثم يتخلون عنه بعد ذلك مع تغير الظروف، وتكثر المبررات. وهؤلاء الأشخاص لا يمكن الوثوق بهم، بل يكونون أخطر على المجتمع من الأشخاص عديمي المبدأ.

 

وهناك خلط بين المبدأ والرأي؛ فقد يظن البعض أن الثبات على المبدأ مجرد حماقة بالية، ولكن هؤلاء لديهم خطأ كبير في التفريق بين الرأي والمبدأ، لذلك يجب التفريق بينهما:

 

الرأي هو اجتهاد بشري أو تقدير شخصي لطريقة فهم الواقع أو التعامل معه، فهو قابل للتغيير ويتأثر بالمعلومات الجديدة، ويختلف من شخص لآخر، ولا يستحق التضحية لأجله مطلقاً. والخلاف في الرأي أمر طبيعي، ويسهل التعايش معه في المجتمع بناءً على مساحة الحرية والتحضر فيه، سواء أكان خلافاً اجتماعياً أو ثقافياً.

 

أما المبدأ فهو قاعدة ثابتة يقوم عليها التفكير والسلوك، ولا يتغير بتغير المصالح أو الظروف؛ لأنه مرتبط بقناعة عميقة أو مرجعية عليا. فهو ثابت لا يتبدل بسهولة، ويرتبط بالقيم الكبرى أو العقيدة، وهو الذي يوجه القرارات وليس العكس، ويضحي الإنسان لأجله. فالمبدأ هو عقيدة عقلية ينبثق عنها نظام.

 

ويحدث الخلط لأن التعصب الشخصي يجعل الإنسان يظن رأيه حقاً مطلقاً، ويغلف هذا التعصب ضعف المعرفة بالمقاصد، ما يجعل الوسيلة تبدو وكأنها أصل، كما أن ضغط الواقع يدفع البعض لتحويل المبادئ إلى آراء قابلة للمساومة.

 

الرأي يختار الطريق، أما المبدأ فيحدد الوجهة؛ فإذا تغير الرأي بقي الإنسان على طريقه، أما إذا ضاع المبدأ فقد ضاعت الرحلة كلها مهما بدا الطريق ناجحاً.

 

وحتى يتلبس الفرد أو الجماعة صفة الثبات الحقيقي، لا مجرد الادعاء أو الحماس المؤقت، فإن هناك متطلبات أساسية إذا غابت سقط الثبات عند أول امتحان.

 

إن الثبات ليس شعوراً عابراً، بل بناء متكامل يقوم على أساس فكري وروحي وعملي، ومنها:

 

1- وضوح المبدأ، أي معرفة لماذا أثبت: لا يمكن للإنسان أن يثبت على شيء لا يفهمه، فالجهل بالمبدأ يجعل صاحبه يتراجع عند أول شبهة أو ضغط. فحين يختلط الهدف أو تتداخل المفاهيم يصبح التراجع أمراً طبيعياً، أما حين يكون المبدأ واضحاً فكرةً وطريقةً من جنس الفكرة نفسها، يعرف الإنسان لماذا يصبر ولماذا يضحي.

 

فليس كل ما نتمسك به مبدأ؛ فقد يكون عادة أو رأياً أو وسيلة، والوضوح يعني التمييز بين الأصل والفرع. فصاحب المبدأ لا يبحث عن حل وسط في أصل دعوته؛ لأن مبدأه واضح عنده أنه حق لا يقبل التفاوض، ويستطيع الرد على الشبهات.

 

لذلك يجب معرفة المبدأ فكرةً وطريقة. فالصحابة لم يثبتوا لأنهم متحمسون فقط، بل لأنهم فهموا معنى التوحيد ومسؤولية الالتزام بالثوابت، لذلك لم تتغير طريقة الدعوة مع تغير ظروفهم من سرية إلى علنية، إلى صراع فكرة، إلى دولة في المدينة.

 

فصاحب المبدأ لا يسأل: لماذا أتحمل الألم الآن؟ ولا يعيش ازدواجية يقول شيئاً ويفعل عكسه، يعلن المبدأ ويبحث سراً عن مصلحة تعاكسه؛ لأن الانسجام الداخلي قولاً وفعلاً يولّد قوة نفسية هائلة.

 

2- اليقين الداخلي هو القوة التي تجعل الثبات ممكناً: قد يعرف الإنسان الحق بعقله، لكنه لا يثبت عليه إلا إذا استقر في قلبه حتى يصبح جزءاً من هويته. ولهذا فإن اليقين هو الوقود الحقيقي للصبر والثبات. واليقين هو الاطمئنان الكامل بصحة ما نؤمن به، فلا تهزه الضغوط ولا تغريه المكاسب، وهو نتاج معرفة عقلية وتجربة شخصية وارتباط روحي بالمبدأ. فهناك فرق كبير بين أن أظن أن هذا صحيح وبين أن أقول: أنا أعلم أنه الحق.

فبلال بن رباح في مكة لم يكن يملك إلا اليقين الذي جعل كلمة "أحدٌ أحد" أقوى من الآلام التي كان يشعر بها.

 

3- الاستعداد للتضحية: من يريد الثبات دون ثمن كمن يريد حصاداً بلا زرع! وتجارب التاريخ تظهر أن النصر جاء بعد صبر طويل.

 

4- القيادة أو القدوة: لأن الأفراد يضعفون إذا فقدوا النموذج العملي، أي القدوة الصادقة، فالقيادة توضح الاتجاه وقت الفتن، فهي تختصر الطريق وتمنع الانحراف.

 

5- الجماعة الداعمة والبيئة الحاضنة: الفرد وحده قد يعتليه التعب أحياناً، أما الجماعة فتمنحه قوة إضافية. فالصحبة في الهدف تشكل دعماً نفسياً وفكرياً متبادلاً، ولهذا كان الصحابة يتواصون بالصبر في أوقات المقاطعة والأذى.

 

6- الصبر الزمني: لأن أخطر ما يهدم الثبات هو استعجال النتائج؛ فالحق غير مرتبط بسرعة النصر، ولكنه مرتبط بحتمية النصر مع الثبات.

 

وغيرها كثير، فهذه هي أعمدة الثبات التي يجب أن نحرص على التحلي بها.

 

وفي نهاية الطريق لا يبقى من الضجيج شيء، فالشعارات التي وُلدت من المصالح أو الخوف تزول، بل يبقى ما تأسس على الحق وحده. فالتاريخ لم ينصف الأقوياء سلاحاً دائماً، ولا الأكثر عدداً، وإنما انحاز عبر صبره الطويل إلى الذين عرفوا لماذا ساروا؛ فثبتوا حين تراجع غيرهم، وصبروا حين استعجل سواهم، وحملوا مبدأهم كأمانة لا كعبء يمكن التخلي عنه عند أول منعطف.

 

إن الثبات على تحكيم الشريعة ليس جموداً أمام الواقع، بل رؤية وسط العواصف؛ أن يعرف الإنسان أن الطريق قد يطول، وأن الابتلاء قد يشتد، لكن الحق لا يضيع ما دام في الأرض من يحمله بصدق. فالنصر الحقيقي لا يبدأ يوم تُفتح المدن أو تُرفع الرايات، بل يبدأ يوم ينتصر الإنسان على خوفه وشهوته وتردده، ويختار أن يبقى وفيّاً لما آمن به.

 

هكذا كانت سنة الله في الأمم؛ إذا صلح القلب استقام الطريق، وإذا استقام الطريق جاء التمكين في الوقت الذي يختاره الله لا الذي يستعجله الناس.

 

ليس انتظاراً سلبياً، بل عمل وصبر ويقين يمضي بصاحبه خطوة بعد خطوة، حتى تتحول الفكرة إلى واقع، والصبر إلى فتح، والوعد إلى حقيقة يراها الجميع بعد أن آمن بها القليل.

 

فمن أراد النصر فليبحث عنه أولاً في داخله؛ في صدق نيته، وفي وضوح مبدئه، وفي يقينه بأن الحق وإن تأخر ظهوره لا يُهزم أبداً. فابحث عن الصادقين وكن منهم.

 

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نبيل عبد الكريم

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

التوتُّرُ الأمريكي الإيراني.. هل ينتهي إلى اتفاقٍ؟

أم إلى حربٍ تُغيِّرُ أوضاعَ المنطقة وتقلبُ الموقفَ الدولي فيها رأساً على عَقِب؟

 

منذ منتصف العام 2025 والتحركات العسكرية للولايات المتحدة على قدمٍ وساقٍ في منطقة الخليج العربي، حيث تحشد مختلف أنواع الطائرات الحربية كالإف 22 الشبحية، والإف 35، وطائرات الإنذار المبكر، وطائرات الحرب الإلكترونية، تحشدها في قواعد برية، وفي المياه القريبة من الخليج، وفي الجزء الغربي من المحيط الهندي الذي تملؤه بحاملات طائراتها وما يرافقها من مدمرات وطرادات وغواصات وسفن. وقد ازدادت وتيرة هذه الحشود بشكل جنوني منذ كانون الثاني الفائت، ما زاد أجواء المنطقة توتراً، تشحنه تهديدات أمريكا لإيران لتخضع لشروطها بشأن برنامجها النووي وتسلحها العسكري. وتواجه إيران هذه التهديدات برفض يبدو كأنه ثابت وعنيد، وتهديدات مضادة تزيد التوتر. الأمر الذي يُنذر بحرب كبيرة وخطيرة بنتائجها وتداعياتها. ويقف المراقبون ما بين محرض وخائفٍ ومتربِّص، ومتسائل: هل تندلع الحرب أم يتوصلون إلى اتفاق؟

 

يختلف المراقبون في النتيجة التي ستؤول إليها هذه الحشود والتهديدات والسياسات المتضادة في المنطقة، فمنهم من يذهب إلى أنها محكومة بأن تنتهي إلى التفاوض والاتفاق، لأن الحروب الكبيرة مكلفة وكبيرة الأضرار بكل أطرافها، فلا أحد من أطرافها يريدها، ويفضلون التفاوض بشأنها مهما طال أمدها. وهذا القول له وزنه ولكنه منطقي وحسب. ومنهم من يذهب إلى أن الصدام العسكري في المحصلة حتمي، لأن الخلاف هو حول مصالح حيوية واستراتيجية، وأطراف المشكلة تراها قضية مصيرية. وهذا القول أيضاً له وزنه ولكنه منطقي فقط. لذلك لا يمكن ترجيح أي من الرأيين إلا بأدلة من الواقع. فالحشود والتهديدات والتهديدات المضادة لا تحسم الأمر، كما أن حصول التفاوض بين أمريكا وإيران والتصريحات المتفائلة أحياناً لا تحسمه أيضاً. وإذا كانت الحرب رهناً بأن تبدأها أمريكا، فيبدو أن الإدارة الأمريكية نفسها لم يتقرر لديها بعد أن تقوم بذلك.

 

إن مجريات الأحداث من حشود أمريكية تقابلها استعدادات إيرانية، وتهديدات أمريكية تنقضي مددها مرَّةً بعد مرة وتقابلها تهديدات إيرانية مضادة، مع جمود الطرفين عند مواقف ثابتة، وفي الوقت نفسه استمرار جلسات التفاوض لعلها تسفر عن شيء يُبعد شبح الحرب، لَيدلُّ على أنهما كليهما يخشيان الحرب.

 

وإذا كانت إيران تفضل عدم وقوع الحرب، فهذا يرجع إلى فروق القوى بينها وبين أمريكا، وما قد تؤول إليه الحرب من أضرار تؤدي إلى تدمير كبير في إيران، وتغيير النظام فيها وتحويلها إلى دولة ضعيفة وفاشلة كالعراق وسوريا وليبيا والسودان وغيرها. فهذا احتمالٌ قائم ولا يمكن إغفاله، وهو يدفع إلى سؤال: لماذا إذن هذا الإصرار الإيراني والتهديد بدخول حرب مفتوحة مع أمريكا وضرب قواتها ومصالحها في المنطقة؟ لماذا لا تذعن لمطالب أمريكا وتوفر على نفسها هذا المصير؟

 

والجواب هو أن هذا المصير هو مجرد احتمال منطقي. وإذا كان وارداً فعكسه وارد أيضاً، وهو أن تتمكن إيران من استيعاب الهجمات الأمريكية، وبخاصة أن لها امتدادات وأذرعاً في المنطق. والجواب الأهم هنا هو أن مطالب أمريكا أخطر على إيران ونفوذها في المنطقة من نتائج الحرب. فالذي تريده أمريكا بالمفاوضات هو نفسه الذي تريده بالحرب، وهو استسلام بمثابة انتحار. وسياسة أمريكا هي أن تخضع المنطقة لها بشكل وقح وعلني، لتقتلع الإسلام السياسي منها اقتلاعاً نهائياً، وتنصب كيان يهود شرطياً عليها، بما فيها إيران ومنطقة الخليج، لتصول فيها وتجول، وتضرب وتدمر وتقتل بلا رقيب ولا حسيب، كما تفعل في لبنان وسوريا. وهذا يتطلب القضاء على قوة إيران، وإلحاقها بالدول الضعيفة والتابعة. ولذلك تقف إيران بهذا العناد لأنها تدرك أن أصعب مآلات هذه الحرب أسهل عليها من الخضوع لمطالب أمريكا.

 

هذا بالنسبة لإيران، فماذا عن أمريكا، وهي الدولة الأولى في العالم، والأقوى عسكرياً، وسيدة النظام العالمي؟ كيف تقبل بهذا العناد الذي وصل حدَّ التحدي والاستفزاز، كيف تقبله من دولة سارت عقوداً في فلكها، وتمددت في كنفها، وحفظت لها مصالحها في لبنان وسوريا والعراق واليمن وغيرها؟ بل كيف تتجاهل تهديداتها بضرب أهم مصالحها في المنطقة سواء في منطقة الخليج أو بضرب كيان يهود؟!

 

إن مكانة أمريكا الدولية وقوتها وسوابقها في انتهاك القوانين الدولية، واعتمادها على يدها الضاربة كيان يهود، يبعث على إعادة النظر في هذه المكانة وفي فوارق القوة، وهل تتراجع قدرة أمريكا على فرض سياساتها في العالم. وذلك أنها لم تكن لتقبل هذا التحدي الإيراني لولا خوفها هي أيضاً من عواقب مهاجمتها لإيران لإكراهها على تنفيذ ما تريده منها. وبخاصة أن لها تجربة معها في حرب الــ12 يوماً في حزيران 2025. وبتعبير آخر: لولا خوف أمريكا من ردّ إيران، لما تأخرت في ضربها والقضاء على كل عقبة تحول دون تنفيذ استراتيجيتها. وهذا مما تؤكده حقائق الواقع العسكرية والجيوسياسية. فالصواريخ الإيرانية تثير الرعب في كيان يهود وأمريكا أيضا. سواء الفرط صوتية التي جُربت واشتهرت قوتها، أو التي ما زالت في إطار الدعاية الصاخبة.

 

فإذا استعرض المراقب ما يستعرضه المسؤولون الأمريكان عن المآلات الخطرة لهذه الحرب عليهم، كما تقدم استعراض خطرها على إيران، فمن المحتمل أن أذرع إيران في العراق واليمن ولبنان تمتلك قوى صاروخية قادرة على توسيع دائرة إشعال المنطقة، وخصوصاً ضد كيان يهود. أضف إلى ذلك ضرب القواعد العسكرية الأمريكية في منطقة الخليج ودول الطوق، وضرب المصالح الاقتصادية عبر مضيقَي هرمز وباب المندب، وطرق التجارة والملاحة الدولية. ناهيك عن خطر إغراق كل أو بعض قوات أمريكا العسكرية البحرية. ومهما تضاءلت هذه الاحتمالات فهي موجودة. والجهل بما لدى إيران من قوى عسكرية يزيد مخاوف أمريكا من إشعال هذه الحرب. وإذا استطردنا أكثر وعلى عجَل، فإن دولاً مثل روسيا والصين لها مصلحة في إغراق أمريكا في رمال الخليج ومياهه. فهذا الهجوم الذي تهدد به أمريكا إيران، قد يكون سببا لاستنزافها في المنطقة. وهو استنزاف أخطر من استنزافها لروسيا في أوكرانيا. وذلك أن روسيا تحارب دولة حدودية، بخلاف أمريكا التي ستشكل المسافات عبئاً كبيراً عليها. كما أن روسيا وجدت دولة كبرى تنقذها وتدعمها، وجدت الصين ومعها كوريا الشمالية. أما أمريكا، فإذا أُغْرِقت بعض سفنها ودمرت بعض قواعدها، واحتاجت لأي نوع من أنواع الدعم، فمن الذي سيدعمها، وهي تقطِّع نسيج علاقاتها والثقة بها مع حلفائها الأوروبيين. وإذا وقع هذا الأمر فهو - مع تداعياته الاقتصادية على الولايات المتحدة، ومع الأوضاع الداخلية بين الحزبين - نذير بتراجع نفوذها في المنطقة، وخروجها التدريجي منها، وبتغيُّر الموقف الدولي في المنطقة ثم في العالم.

 

وهذا ما يفسر تكرار تهديدات أمريكا لإيران من غير طائل. وهو أيضاً ما يشجع إيران على عدم الخضوع لطلبات أمريكا وتهديداتها. ولهذا الأمر شواهده الكثيرة والمتراكمة، لأنه ليس حديثاً، فقد بدأ بغرور ترامب خلال رئاسته الأولى عام 2018 بعد إلغائه الاتفاق النووي مع إيران، ولكن لا يتسع المقام لمزيد شواهد.

 

وبناء على هذه الرؤية، هل ينتهي هذا التوتر الأمريكي الإيراني حالياً إلى اتفاق بينهما أم إلى حرب تغيِّر أوضاع المنطقة وتقلب الموقف الدولي رأساً على عقب. والجواب: إن ما تقدم بيانه من عواقب خطيرة لهذه الحرب على أمريكا يجعل قيامها بها مغامرةً خطرة، مقامرة بجلِّ ما تملك. ولما كانت أمريكا محكومة لدولتها العميقة، وهي دولة براغماتية ذكية، فإنه ليس من الحكمة أن تقدم في الأوضاع الحالية على الهجوم الذي تهدِّد به. وهذا يجعلها في مأزق لأنه ضارٌّ بمكانتها الدولية. فالتهديدات والضغوط من غير طائل يبعث على السخرية.

 

 فهذا الخلاف والتوتر الجاري حالياً بين أمريكا وإيران، كيفما قلّبتَ وجوهه، هو مأزقٌ معقدٌ لأمريكا، يضاف إلى مآزقها المتزايدة مع أوكرانيا حيث تعجز عن فرض شروطها عليها لوقف إطلاق النار، ومع كندا حيث فشلت في محاولات ترامب ضمها إلى الولايات الأمريكية، ومع الدنمارك وأوروبا حيث فشلت في ضم جزيرة غرينلاند، ويتعمق الخلاف بينهما. وتكاثر المآزق واشتدادها هو سبيل النقص والتلاشي.

 

﴿أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

الدكتور محمود عبد الهادي

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

رمضان.. إعدادٌ لمعركة الحق مع الباطل

 

 

لقد بات من الواجب على المسلمين، بعد أن استبان طريق الشيطان واتضحت معالم معركة الحق مع الباطل، أن يدركوا حجم التحدي المفروض عليهم؛ فقد استأسد الكفر على الإسلام في كافة مجالات الحياة، سالكاً في عدائه آخر خطوات الغطرسة والتبعية لسلطان الشيطان. إنهم يسعون لتحويل هذا الطغيان إلى أمرٍ واقع تذعن له الشعوب، وترضى بسيطرته حتى وإن كان على حساب الفطرة الإنسانية وتغييراً لحقيقتها، دون مواربة أو مبررات لأفعالهم. لقد اتخذت قوى الكفر في العالم موضعاً واضحاً في الظلم والتعسف، بعيداً عن أي رقابة أو محاسبة، في منظومة عمل متكاملة تهدف لإزهاق الحق والقضاء عليه.

 

تبدأ هذه المنظومة من القوانين المنبثقة عن الأهواء، ومن مصدر ذلك الشيطان الذي أعلنوا اتباعه، فرفعوا أعلام التقسيم لتثبيت هيمنتهم على العالم ونهب ثروات الشعوب، وفي مقدمتها الأمة الإسلامية. لقد قرر رؤساء الدول المتسلطة، وفي مقدمتهم قادة كيان يهود، أن لهم "الحق" في اغتصاب الأرض، وتبين عبر خطاباتهم اليوم أنهم ماضون في سياسة الهيمنة، وتغليف هذا التسلط بإنشاء ما يسمى "جمعيات السلام"؛ لضمان تغييب العدالة بالكلية. وبغطرسة بالغة، لم يتركوا لأي جهة في العالم صوتاً يعارضهم، بل سخروا أعوانهم لقمع كل من يقف في وجههم من العلماء والمشايخ وأبناء الأمة الأحرار.

 

ومع كل هذا النكران للحق، والاستمرار في الاستقواء على المستضعفين، وشرعنة الإبادة والتهجير والأسر بحق المسلمين، تلك الأيدي التي فُضحت أمام العالم بملفات أثارت الصدمة والاشمئزاز، لا تزال قوى الشر تعيث في الأرض فساداً، وتدمر كل قوة تسعى لإقامة الإسلام وإعادته عزيزاً. وأمام هذا الإعداد النفسي والعسكري الذي يمارسونه ليل نهار دون توقف، يبرز السؤال الملح: ما هو موقفنا نحن المسلمين؟ إن كل هذا العلو وجولات الباطل المشتعلة تفرض علينا، ونحن أصحاب الحق، أن نقابل كل إعداد بإعداد مضاد.

 

فهل ينسى المسلمون، وهم يرقبون جولة الكفر ضد دينهم وأمتهم، أنهم مأمورون من ربهم بالإعداد؟ إن القرآن الكريم الذي بين أيديهم يصدع بقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ.

 

لقد قدر الله لنا بلوغ هذا الشهر العظيم، الذي يمنحنا قوة الإعداد النفسي، ويغير سلوكنا من مربع الخوف من تهديدات العدو وحشده، إلى موضع العزة واليقين بالنصر. فإن تآمر العدو لنزع قوتنا العسكرية، فإن في رمضان فرصة لتقوية العقيدة والثبات، وشحذ الهمة لنصرة هذا الدين. إن رمضان هو الوقت الذي يقابل فيه إعداد المؤمنين إعداد عدوهم فيغلبه؛ فبالتقوى والإنابة إلى الله تتحقق العدة النفسية، أما العدة المادية فبإذن الله وقدرته سيحرك الله القوة والمنعة تأييداً لنا، ليقلب الدائرة على الظالمين وتعود القوة لأيدينا بفضل الله تعالى. فليكن عنوان هذا الشهر شهر الانتصارات، ولنا في تاريخنا دلائل عظمى على أن رمضان هو شهر الإعداد والاستعداد والظفر.

 

يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾.

 

 

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

زبيدة أم عثمان - الأرض المباركة (فلسطين)

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

حين يرتدي مشروع الغرب عباءة الإسلام احذروا الرموز المزيّفة

 

إن أخطر ما تواجهه الأمة اليوم ليس الجيوش الجرارة ولا الأساطيل العابرة للقارات، وإنما هو ذلك الاختراق الناعم الذي يتسلل إلى عقول أبنائها وقلوبهم عبر رموزٍ تُصنع بعناية، وتُلمَّع بإتقان، وتُقدَّم لهم بوصفها صوت الإسلام، بينما هي في حقيقتها تحمل ثقافةً غريبةً عنها، ومشروعاً مناقضاً لنهضتها.

 

لقد أدرك الغرب، منذ هدمه دولة الإسلام، أن المواجهة الصريحة مع عقيدة الأمة ومشاعرها لا تؤتي أكلها، وأن الطريق الأقصر للسيطرة هو صناعة بدائل من داخل الصف، تتكلم بلسان المسلمين، وتستعمل مصطلحاتهم، وتستشهد بنصوصهم، لكنها تُفرغها من مضمونها السياسي وتبتعد بها عن مشروع الأمة الحضاري، وتُبقي الإسلام مجرد طقوسٍ روحية أو شعاراتٍ أخلاقية لا صلة لها بالحكم والسيادة والسلطان.

 

وهكذا نشأت طبقة من "الرموز" التي تُقدَّم على أنها مفكرون إسلاميون، أو دعاة إصلاح، أو قادة رأي، بينما هي عن وعي أو عن غير وعي تحمل مشروع الغرب أو تدور في فلكه، وتعيد إنتاج مفاهيمه، وتسوّق حلوله، وتدافع عن أنظمته، ولو صيغ ذلك كله بعباراتٍ فقهية أو بنصوص شرعية.

 

إن المسألة ليست مسألة نوايا شخصية، ولا صلاحٍ فردي، ولا بلاغة خطاب، وإنما هي مسألة مشروع. فكل إنسان شاء أم أبى ينحاز إلى مشروعٍ ما؛ إما مشروع الأمة الذي يقوم على الإسلام عقيدةً ونظاماً ودولة، وإما مشروع الغرب الذي يقوم على فصل الدين عن الحياة، وجعل السيادة للبشر، وربط بلاد المسلمين سياسياً واقتصادياً وعسكرياً بالغرب. فإن لم تكن تعمل لإقامة سلطان الإسلام في واقع الحياة، وتسعى لإعادة وحدة الأمة تحت رايةٍ واحدة، وتتصدى للهيمنة الغربية بأدواتٍ سياسية واعية، فأنت مهما حسنت عبارتك تعمل لخدمة الواقع القائم الذي صنعه الغرب، وتكرّس بقاءه، وتمنح شرعيةً ضمنية لمفاهيمه وحدوده ومؤسساته.

 

قد تقول إنك لا تقصد ذلك، وقد تؤكد أنك حريص على مصلحة المسلمين، لكن الحقائق لا تُقاس بالنيات وحدها، بل بالنتائج والمسارات. فالمشروع الغربي لا يحتاج دائماً إلى عملائه الصريحين؛ يكفيه أن ينشغل أبناء الأمة بسذاجتهم في تحسين صورته، أو ترقيع أنظمته، أو تجميل ديمقراطيته، أو الدفاع عن حدوده الوطنية المصطنعة، ليبقى هو المستفيد الأكبر.

 

الرموز بين الوعي والاستغلال

 

كم من رمزٍ صعد على أكتاف الناس، ورفع شعاراتٍ براقة عن الحرية والعدالة والهوية، فلما تمكن، وجدناه يهادن الأنظمة، أو يبرر القروض الربوية، أو يسوّغ التحالفات المشبوهة، أو يدعو إلى التعايش مع كيانٍ مغتصب، أو يطالب بتطوير الشريعة لتتلاءم مع المواثيق الدولية!

 

وكم من شخصيةٍ جرى تضخيمها إعلامياً حتى صارت أيقونة، فإذا بها لا تتجاوز سقف الدولة القطرية، ولا تقترب من أصل الداء، ولا تمس جذور التبعية السياسية والاقتصادية، بل تكتفي بإصلاحاتٍ شكلية تبقي البنية الفاسدة كما هي.

 

إن الخطر لا يكمن فقط في خيانةٍ صريحة، بل في انحرافٍ دقيقٍ في زاوية النظر حين يُختزل الإسلام في الأخلاق والعبادات الفردية، ويُقصى عن الحكم والسياسة، وحين تُقدَّم الديمقراطية على أنها من صميم الإسلام، وحين تُعتبر الحدود التي رسمها المستعمر قدراً لا يجوز المساس به، وحين يُصوَّر السعي لإقامة دولةٍ على أساس الإسلام على أنه حلمٌ خيالي أو مغامرة غير محسوبة. هنا يتحول الرمز دون أن يشعر إلى أداةٍ في تثبيت الواقع، لا في تغييره.

 

لا حياد في معركة المشاريع

 

إننا لسنا أمام ساحةٍ رمادية يمكن الوقوف فيها على الحياد. فإما أن تكون مع مشروعٍ يهدف إلى إعادة الإسلام إلى موقع القيادة، في دولة خلافة راشدة توحد المسلمين وتحمل دعوتهم إلى العالم، وإما أن تكون موضوعياً في صف المشروع المقابل الذي يسعى لإبقاء الأمة مجزأة، تابعة، مستهلكة لمنتجات الغرب، ومستقبِلة لقيمه وثقافاته.

 

إن أخطر ما في الخداع الغربي أنه لا يأتي دائماً بوجهٍ سافر، بل بوجهٍ مألوف، بملامح قريبة، وبخطابٍ يستحضر النصوص، لكنه يفرغها من بعدها السياسي، ويعزلها عن واقع الصراع الحضاري، ويجعلها قابلةً للتطويع داخل نظم لا تعترف بسيادة الشرع ولا بوحدة الأمة.

 

ولذلك كان الواجب على الأمة أن تعي أن معيار الانحياز ليس عدد الآيات التي تُتلى، ولا كثرة الشعارات الإسلامية، ولا المظاهر الشخصية، بل السؤال الحاسم: إلى أي مشروعٍ يدعو هذا الرمز؟ وأي واقعٍ يسعى لتثبيته أو تغييره؟ وهل يحمل تصوراً واضحاً لإقامة حكم الإسلام، أم يكتفي بإصلاحاتٍ تحت سقف النظام الدولي القائم؟

 

مسؤولية الأمة وعيٌ يحمي من الخديعة

 

إن الأمة التي تُسلّم قيادتها للرموز دون مساءلة، وتمنح ثقتها بلا تمحيص، وتكتفي بحسن الظن دون فحصٍ للمشروع، أمةٌ تفتح الباب لتكرار الخديعة مرةً بعد أخرى. وما أكثر ما تكررت في تاريخنا المعاصر صورٌ لرموزٍ حمّلتهم الجماهير آمالها، فإذا بهم عند أول اختبار ينحنون لعاصفة الضغوط الدولية، أو يقبلون بشروط المؤسسات المالية، أو يتخلون عن ثوابت كانوا بالأمس يتغنون بها.

 

وليس المقصود هنا إشاعة الشك في كل أحد، ولا الطعن في النيات، بل ترسيخ مبدأٍ واضح لا عصمة لأحد بعد رسول الله ﷺ، ولا قداسة لرمز، ولا حصانة لفكرةٍ لمجرد أن صاحبها متدين أو خطيب مفوّه أو صاحب تاريخٍ نضالي.

 

إن المشروع وحده هو الميزان. فمن لم يحمل مشروع الأمة الكامل، الذي يرفض التجزئة والتبعية، ويسعى لإقامة دولةٍ تحكم بالإسلام في السياسة والاقتصاد والاجتماع، فهو في ميزان الصراع الحضاري يخدم بقاء الهيمنة الغربية، علم ذلك أم جهل وشاء أم أبى.

 

تذكّروا حتى لا يتكرر المشهد

 

تذكّروا هذا جيداً قد يأتيكم من يرفع راية الإسلام، ويتحدث عن الهوية، ويستدر عواطفكم بآياتٍ وأحاديث، لكنه لا يقترب من أصل المشكلة، ولا يطرح مشروعاً جذرياً لتحرير الأمة من تبعيتها، بل يطلب منكم الصبر على الواقع، أو الاندماج فيه، أو الاكتفاء بإصلاحاتٍ جزئية.

 

تذكّروا أن الرمز الذي لا يحمل همّ إقامة كيانٍ سياسي يجمع المسلمين تحت رايةٍ واحدة، ولا يعمل بوعيٍ لإزالة الأنظمة التي تحكم بغير ما أنزل الله، إنما يظل مهما حسنت صورته جزءاً من نظام صاغه الغرب لخدمة مصالحه.

 

فلا تنخدعوا ببريق الأسماء، ولا بلمعان الشاشات، ولا بحماسة الخطب. وانظروا إلى المشروع، وفتشوا عن المآل، واسألوا: هل هذا الطريق يقود إلى نهضةٍ حقيقية تستعيد للأمة سلطانها، أم يعيد إنتاج التبعية بوجوهٍ جديدة؟

 

إن الأمة التي تعي هذا المعيار، وتحاكم الرموز إلى مشاريعها، لا إلى صورها، أمةٌ عصيّة على الخداع، منيعةٌ أمام الاختراق، قادرةٌ على أن تميّز بين من يعمل لنهضتها، ومن يتسلّق أكتافها ليبيع قضية أمةٍ كاملة في سوق السياسة الدولية.

 

وحين يستقر هذا الوعي في العقول والقلوب، لن يكون للرموز المزيّفة مكان، ولن تتكرر المآسي التي دفعت الأمة ثمنها مراراً، لأن البوصلة ستكون واضحة، مع مشروع الإسلام الكامل، أو في صف أعدائه، ولا ثالث بينهما. ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ﴾.

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحرمات المخذولة في كشمير المحتلة:

نداء إلى الضباط المخلصين للتحرير

 

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً﴾.

 

في ليلة شتاء شديدة البرودة في 23 شباط/فبراير 1991 قامت قوات الاحتلال الهندية وتحديدا الكتيبة الرابعة من مشاة راجبوتانا بانتهاك أعراض النساء المسلمات بشكل منهجي: أمهات وبنات وجدات، شابات وكبيرات في السن. حيث حاصرت قوات الدولة الهندوسية الجبانة قريتي كونان وبوشبورا في كوبوارا بكشمير المحتلة وفصلت الرجال وأخذتهم إلى الحقول بعيدا عن بيوتهم في ليلة شديدة البرودة. ثم اقتحم هؤلاء الجنود المحتلون المخمورون بالإفلات من العقاب، المنازل واغتصبوا النساء؛ من البنات في سن 13 إلى نساء كبيرات في الثمانين بما في ذلك الحوامل، وعذبوا الرجال. لقد كانت هذه جريمة بشعة انتهكت حرمات المسلمين وكانت وحشية لدرجة أنها كان يجب أن تؤدي إلى تعبئة فورية للجيوش الواقعة على بعد بضعة كيلومترات عبر الحدود، ولكنها لم تتحرك وهذه الخيانة لم تنته بعد.

 

مرت خمس وثلاثون سنة منذ ظلام تلك الليلة ولم يتغير شيء، وهذه الجروح ليست ندوب الماضي فحسب بل هي شهادات حية على الخيانة المتكررة مرارا وتكرارا من فلسطين إلى كشمير.

 

كان ينبغي أن يكون شرف المسلمين هو الخط الأحمر، ولكن للأسف لم يحشد حكام باكستان الرويبضات وقادة الجيش قواهم ضد الدولة الهندوسية، بل اكتفوا بمراقبة الأزمة وإدارتها للحفاظ على الوضع الجيوسياسي الراهن. وتقلصت الفظاعة التي حصلت إلى مجرد نقطة نقاش دبلوماسية عقيمة. وكان تعاملهم مع الدولة الهندوسية بعد هذه الجريمة الشنيعة خيانة محفورة في سجلات العار.

 

بعد شهر واحد فقط من صرخات كونان وبوشبورا وبينما كانت الضحايا لا يزلن يتعرضن للتهديد بالصمت استمر حكام باكستان في تدابير بناء الثقة بتأثير من أمريكا بعد 1990. من 4 إلى 7 نيسان/أبريل 1991 وصل وزير خارجية باكستان إلى نيودلهي لمواصلة الحوار الثنائي على مستوى عال. ومنذ 6 نيسان/أبريل 1991، وفي أقصى مظاهر الاستسلام، وقعت القيادة في إسلام أباد "اتفاقية الإخطار المسبق بالتمارين العسكرية والمناورات وحركات القوات" مع نيودلهي. قال الله سبحانه وتعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُبِيناً﴾.

 

"وا معتصماه"! صرخة واحدة من امرأة مسلمة أسيرة في عمورية كانت كافية لتهز عاصمة الخلافة، ولم يرد الخليفة المعتصم بالله بإرسال وفد دبلوماسي أو توقيع معاهدة حدود أو فرض وقف إطلاق نار، بل رد بتعبئة جيش كامل وقاده بنفسه لتحطيم أسوار عمورية وفتحها، لقد فهم أن الخلافة هي درع الأمة وأن عِرض مسلم واحد يفوق كل المجاملات الدبلوماسية في العالم.

 

أيها الضباط المخلصون في الجيش الباكستاني: إن القيادات العسكرية التي سبقت قيادتكم الحالية، والذين فرطوا في أعراض المسلمين مقابل مصالح دبلوماسية زائلة، وابتسامات أسيادهم الاستعماريين قد ألقي بهم في هاوية سحيقة بلا رحمة. والقوات التي كانت في الثكنات والدبابات والطائرات كان لديهم القوة المادية الهائلة للرد على صرخات كونان بوشبورا وتحطيم قوات الاحتلال لكنهم اختاروا طريق الجبن في الحياة الدنيا. اعلموا أن هؤلاء سيلقون الله سبحانه وتعالى ليس بصدور مزينة بمجد الأوسمة بل بظهور مكسورة تحت وطأة صرخات المظلومين الثقيلة.

 

للأسف هذه الخيانة لا تقتصر على الفصول المظلمة لعام 1991 بل هي سلسلة خانقة مستمرة من الاستسلام. من تنازلات مشرّف المدمرة إلى استسلام باجوا المتعمّد، تم التعامل مع دماء الشهداء وشرف المسلمين كعملة رخيصة. تم تداولها حينها، ويتم تداولها الآن أمام أعينكم تحت قيادة عاصم منير الذي فرض وقف إطلاق النار وأهدر فرصة تحرير كشمير بأكملها في أيار/مايو 2025.

 

يا ضباط الأمة المخلصين: أين حميتكم وأنتم تملكون القوة؟ نحن في شهر رمضان المبارك حيث تفتح أبواب الرحمة وتلين قلوب المؤمنين فكيف تقفون أمام ربكم؟ كيف تصطفون في صفوف التراويح الهادئة ساجدين في سلام بينما عبر الحدود القومية المصطنعة تنزف الأمة من فلسطين إلى كشمير تستنصر الجيوش؟ تفطرون على موائد مكتظة بالنعم في المعسكرات المحصنة بينما تفطر أمهات وبنات هذه الأمة بدموع الحزن بطعم الاحتلال المر! إن صلاتكم طقوس كهنوتية إذا بقيت سيوفكم في أغمادها بينما تُنتهك مقدسات الإسلام. صرخات المظلومين لا تحتاج شجبكم الفارغ بل تحتاج إلى قرع أحذيتكم وهدير محركاتكم. لكنكم تجلسون مشلولين تخشون عقوبات واشنطن أكثر من غضب العلي الجبار، ودموع الأمة شهادة عليكم وتذكير لكم بأن سلام رمضان الحقيقي لا يذوقه أبدا من يتخلى عن إخوته وأخواته للذئاب.

 

إن جريمة كونان وبوشبورا ليست حادثة معزولة بل هي مأساة متكررة تحدث حيث تقسم الأمة إلى دول قومية وتحكم بغير شريعة الله، من زنازين التعذيب عند الديكتاتوريين العرب إلى زنازين الاغتصاب لقوات الاحتلال الهندية والصهيونية، والسبب الجذري واحد: غياب الخلافة.

 

إن الحل النهائي الذي أوجبه الله هو إقامة الخلافة على منهاج النبوة، فالخلافة سوف تتخلى عن مفهوم الدولة القومية الاستعمارية وتعبئ الجيوش تحت راية واحدة وترد على صرخات المظلومين ليس بمعاهدات استسلام بل بصرخة التحرير التي تهز الأرض بصيحات الله أكبر.

 

أيها الضباط المخلصون: نسأل الله سبحانه وتعالى أن يمنحكم البصيرة لرؤية ما وراء الحدود القومية الاستعمارية ويجعلكم مثل سعد بن معاذ رضي الله عنه والأنصار النبلاء لهذه الأمة، لم يحسبوا نصرتهم للدين بحسب عقوبات قريش أو المخاطر الجيوسياسية بل قدموا أرواحهم وسيوفهم وحياتهم لإقامة سلطان الإسلام، فاقطعوا سلاسل الحكام العملاء وكونوا أنصار هذا العصر وتخلوا عن الرتب الزائلة في الدنيا بشرف تحرير الأمة. قال الله سبحانه وتعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

محمد عبد الله – كشمير المحتلة

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

رمضان: إيقاظُ الشخصية الإسلامية المفكّرة

 

(مترجم)

 

رمضانُ ليس مجرد شهر للصّيام والعبادات والتأمُّل الشّخصي، بل هو شهر أيقظ العقول تاريخياً، وأعاد تشكيل المجتمعات، وغيّر مسار البشرية. نزل القرآن الكريم في رمضان هُدىً للبشرية، ليس لتطهير القلوب فحسب، بل لإعادة بناء الحياة نفسها على الهدي الإلهي. لهذا السبب، يدعو رمضان المسلمين إلى ما هو أعمق بكثير من مجرد ممارسة الطقوس الرّوحية، إنه يدعونا إلى التفكير، وتقييم الواقع، والعمل بوعي من أجل التغيير.

 

إنّ إحدى أخطر المشكلات التي تواجه المسلمين اليوم ليست نقص الإيمان، ولا نقص الممارسات الدينية، بل وجود عقول خاملة اعتادت على الوضع الراهن. يؤمن كثير من المسلمين بالإسلام، ويصلّون، ويصومون، ويؤدّون العبادات، ومع ذلك يعيشون ضمن أنظمة وقيم وواقع يتعارض مع عقيدتهم. هذا التناقض لا ينشأ عادةً من رفض الإسلام، بل من انفصال تدريجي بين العقيدة والسلوك. عندما تقتصر العقيدة على الطقوس الشخصية، بينما تتشكل القرارات اليومية بفعل الخوف والراحة والثقافة والظروف، تتشتت الشخصية الإسلامية.

 

لا يقبلُ الإسلام القبول السلبي للواقع، ولا يُنشئ شخصيات تتكيف ببساطة مع الظُّلم والانحلال والفساد. بل يُنشئ مفكرين ينظرون إلى الواقع من خلال عقيدتهم، وليس العكس. يُطلب من المسلم تقييم العالم بوعي، وفهم الأسباب والنتائج، وقياس المواقف وفقاً لأوامر الله. هذا التفكير الفعّال هو أساس التغيير الحقيقي.

 

تتشكل الشخصية الإسلامية عندما تنبع الأفكار والميول من العقيدة الإسلامية. ومع ذلك، غالباً ما تظهر ثغرات في السلوك. قد يؤمن المسلم بالإسلام إيماناً صادقاً، لكنه يتصرف بطرق تُخالفه. يحدث هذا عندما يفشل في ربط المفاهيم بالعقيدة، أو يتأثر بالشيطان، أو يسمح لمصالحه الشخصية المتوهمة بأن تطغى على الهداية الإلهية. لا تُخرج هذه اللحظات المرء من الإسلام، بل تكشف عن ضعف في الالتزام والوعي، وتُظهر شخصية لم تدمج الإيمان بالعمل بشكل كامل.

 

لهذا السبب يُعدّ التفكير ضرورياً. فبدون التفكير الواعي، يبدأ المسلمون بالانحراف، وتُملي عليهم أحوالهم ظروف الواقع، وتُصبح الأعراف المجتمعية مرجعياتهم، وتحلّ الراحة محلّ المسؤولية. ومع مرور الوقت، يُنتج هذا مجتمعاً يمارس الإسلام سراً، بينما يُسلّم حياته العامة لأنظمة من صنع الإنسان. والنتيجة هي الجمود: قد تبقى القلوب مُتعلّقة بالإيمان، لكن العقول مُستسلمة للهياكل القائمة.

 

يطالب الإسلام بأكثر من ذلك، فهو يُلزم المسلمين بالتفكير في التغيير. وهذا يعني رفض تطبيع الظُّلم والجور والانحلال الأخلاقي، والتساؤل عن سبب عيش الأمة تحت قوانين أجنبية، واستغلال اقتصادي، وهيمنة سياسية. ويعني أيضا إدراك أنّ الفقر والحرب وتفكك الأسر والفراغ الروحي ليست أحداثاً عشوائية، بل هي نتائج أنظمة تُخالف الهداية الإلهية.

 

المسلم المُفكّر لا يكتفي بالتفاعل العاطفي مع المعاناة، بل يسعى لفهم أسبابها الجذرية. يتساءلون عن سبب انقسام بلاد المسلمين، وتآكل القيم، وضعف الهوية، واختزال الإسلام إلى مجرد عبادة فردية. إنهم يدركون أنّ الإسلام أُنزل لتنظيم الحياة تنظيماً شاملاً؛ سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وأخلاقياً. لذا، يرفضون قبول الإسلام الجزئي.

 

يُتيح رمضان فرصة فريدة لاستعادة هذا الوعي. فمع كبح الشهوات الجسدية، يزداد صفاء الذهن. ومع تلاوة القرآن، تتغير النظرة. ومع قضاء الليالي في العبادة، يقلُّ التعلق بالدنيا. هذه البيئة الروحية تُهيئ المسلمين لإعادة تقييم أولوياتهم وإعادة ربط حياتهم بعقيدتهم.

 

يبدأ التغيير الحقيقي عندما يكفُّ المسلمون عن النظر إلى أنفسهم كأفراد منعزلين، ويدركون مسؤوليتهم الجماعية. لم يأتِ الإسلام ليُنتج مؤمنين متفرقين يركزون فقط على الخلاص الشخصي، بل ليبني أمة موحدة تحمل رسالة إلى البشرية. كل مسلم وكل مسلمة هم جزء من هذه المسؤولية. فالأمّهات يُشكلن الأجيال، والأخوات يُؤثرن في الأسر والمجتمعات. النساء لسن هامشيات في التغيير، بل هنّ محور أساسي في تنشئة شخصيات واعية ومبدئية.

 

يتطلبُ بناء شخصية إسلامية واعية انضباطاً، وتعلم الإسلام كنظام متكامل، لا مجرد طقوس. ويتطلبُ وعياً بالشؤون العالمية وكيف تُشكل القوى العالمية واقع المسلمين. ويتطلب شجاعة لتحدي الروايات السائدة، وصبراً للثبات. وقبل كل شيء، يتطلب إخلاصاً، أي استعداداً للخضوع التام لله في الحياة الشخصية والرؤية المجتمعية.

 

عندما يُفكر المسلمون من منظور العقيدة، تتغير أولوياتهم. لم يعد النجاح يُقاس بالثروة أو المكانة، بل بطاعة الله. يقلُّ الخوف من الناس، بينما يزدادُ الشعور بالمسؤولية أمام الله. تصبح الحياة ذات معنى، ويصبح الكفاح ذا قيمة.

 

يذكّرنا رمضان بأنّ الإسلام قد غيّر العالم في الماضي لأنّ المسلمين فكروا بعمق، وعملوا بروح الجماعة، وعاشوا عقيدتهم جهاراً. ولا تزال هذه الإمكانية قائمة اليوم، لكنها تبدأ بنبذ العقول الخاملة، وبربط الإيمان بالأفعال، وبالمسلمين المفكرين.

 

من خلال هؤلاء، يُحدث الله تغييراً حقيقياً، لا مجرد إصلاحات شكلية، بل تحولاً شاملاً. نسأل الله أن يكون رمضان هذا نقطة تحول تلين فيها القلوب، وتستيقظُ فيها العقول، ويعيدُ المسلمون اكتشاف دورهم في نشر الإسلام كمنهج حياة متكامل.

 

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

ياسمين مالك

عضو المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

 

#رؤية_حقيقية_للتغيير

 

#TrueVision4Change

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

ما الذي يريد أن يوصله ترامب إلى العالم والمسلمين؟

 

بعد كل ما كُشف عنه من اتهامات وفضائح موثقة في ملفات إبستين، لم يتوقف ترامب عن غطرسته وعنجهيته فهي جزء أصيل من شخصيته. فهو يهدد بضرب إيران، ويتدخل في شؤونها الداخلية متذرعاً بطريقة تعامل نظامها مع شعبه، ويأتي ذلك بالتزامن مع مخططات تصفية أذرعها في المنطقة، لا سيما في لبنان، بهدف تكريس حقيقة التبعية المطلقة لأمريكا، وضمان خضوع المنطقة لإرادته وإرادة ربيبه كيان يهود، كي لا يبقى في المنطقة من يشعر بامتلاك القوة أو القدرة على التأثير، سواء أكان في صف التبعية أو باحثاً عن استقلالية قراره.

 

إن ترامب يمارس دور الإملاء على من ارتضوا لأنفسهم التبعية، ممن فتحوا بلادهم لتكون مجرد مادة استثمارية لمخططات أمريكا، فتفرض ما تشاء من جمارك، وتمارس نهباً منظماً لخيرات البلاد ومقدراتها. إن ما يريد ترامب إيصاله للعالم وللأمة الإسلامية هو استعراض قوة متفرد بالعنجهية، بهدف كسر إرادة الأمة ومنعها من مجرد التفكير في استرداد حقها أو معاقبة من نكّل بها.

 

وعلى مدار عامين ونصف من الحرب الشعواء على غزة، نجد إعلام هذه القوى الدولية يتعمد توثيق المجازر وإظهار تفاصيلها المرعبة على الشاشات؛ ولم يكن هذا النشر الممنهج في صالح المنكوبين بقدر ما كان يهدف لتهيئة النفوس في البلاد الإسلامية والغرب للخضوع والذل، وتدجين الشعوب لتألف هذه السطوة وكأنها قدر لا مفر منه، وكأن الناس مجرد قطعان لا تملك من أمرها شيئاً.

 

لكن لا بد من إدراك حقيقة كبرى، وهي أن ترامب وأمثاله لم يظهروا بهذا الجنون وهذا الكفر الصريح بقيم الإنسانية، ولم يتمكنوا من ظلم شعوب العالم وأمة الإسلام، إلا لغياب صولة الإسلام عن الساحة الدولية؛ تلك الصولة التي تتمثل في وحدة الأمة لتكون القوة الغالبة في العالم، بيقين وصبر وثبات. إن عودة الأمة إلى ريادتها آتية لا محالة بوعد من الله للعاملين لدينه، وبشرى رسوله ﷺ؛ فالإسلام لا يجوز له إلا أن يكون عزيزاً قائماً بأهله المرابطين على ثغوره، الراجين من الله العون والنصر.

 

يقول الله تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ * فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزيزٌ ذُو انتِقَامٍ﴾.

 

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

زبيدة أم عثمان – الأرض المباركة (فلسطين)

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

تدليس ترامب

يكشف إفلاس أمريكا الحضاري والسياسي والاقتصادي

 

 

أعلن رئيس أمريكا ترامب أن أمريكا "عادت أكبر وأفضل وأغنى وأقوى من أي وقت مضى"، مؤكدا في خطاب حالة الاتحاد أن إدارته حققت تحولا تاريخيا بعد عام واحد من توليه السلطة. (الجزيرة نت)

 

للقفز عن الواقع والتغطية على الإخفاقات التي تمر فيها أمريكا وآخر فصول هذه الإخفاقات فترة حكم ترامب، كممثل للوسط السياسي والدولة العميقة في أمريكا، لجأ ترامب إلى التدليس والكذب للتغطية على الإخفاقات والإفلاس الحضاري الذي وصلت إليه أمريكا منذ شنها حرباً صليبية على البلاد الإسلامية فيما عُرِّف "بالحرب على الإرهاب" واحتلال أفغانستان والعراق وما أعقب ذلك من أزمة اقتصادية حادة عام 2008 وتعاظمت على مر الزمن إلى أن وصلت أمريكا حد الإفلاس الاقتصادي بعد وصول دينها حافة 39 تريليون دولار، إضافة إلى الإفلاس الحضاري الذي وصلت إليه، من خلال تخليها عن القيم والمبادئ الغربية وعلى رأسها الحريات والديمقراطية وحرية السوق، وليس آخرها انسحاب أمريكا من أكثر من 60 منظمة دولية، وسعيها إلى التفرد في الموقف الدولي. ظهر واضحاً لدى النقاد والمتابعين مجموعة من المغالطات والتدليس في خطابه الذي كان مطولاً، في محاولة منه لإيهام الناخب الأمريكي أن بلدهم بخير وهي عظيمة وليس العكس، حيث تضمن الخطاب عدداً كبيراً من الادعاءات المبالغ فيها أو غير الدقيقة أو الكاذبة الصريحة، خصوصاً في ملفات الاقتصاد، والهجرة والجريمة، والانتخابات، والسياسة الخارجية، ومن هذه المغالطات:

 

1- ادعى ترامب أن "عدد الأمريكيين العاملين اليوم هو الأعلى في تاريخ الولايات المتحدة"، وأنه حقق قفزة استثنائية في الوظائف، وأن نمو الاقتصاد في عهده يمثل "انعطافة تاريخية". بينما تؤكد التحليلات التي قامت بها بعض الوكالات الإعلامية مثل نيويورك تايمز، أن جزءاً من هذه العبارات صحيح من حيث الأرقام المطلقة بسبب زيادة عدد السكان، لكنه مضلل لأن نسبة المشتغلين إلى عدد السكان ونمو الوظائف تباطأ مقارنة بسنوات سابقة، وأن نمو الناتج في 2025 كان أضعف من سنوات في عهد بايدن. كما كرر ترامب ادعاءً بأنه أمّن 18 تريليون دولار من الاستثمارات الجديدة في أمريكا خلال 12 شهراً، مقدّماً ذلك كإنجاز غير مسبوق، إلا أن هذا الرقم لا يستند إلى بيانات موثوقة، وأن موقع البيت الأبيض نفسه تحدث عن 9.7 تريليونات من إعلانات استثمارية معظمها تعهدات غامضة أو طويلة الأجل وليست استثمارات فعلية، بل إن جزءاً منها مجرد إعادة تدوير لمشاريع قائمة.

 

2- ادعى ترامب أنه قدم أكبر خفض ضرائب في التاريخ وإلغاء ضرائب الإكراميات و(الضمان الاجتماعي)، وزعم أنه ألغى الضرائب على البقشيش والعمل الإضافي، إلا أن الحقيقة هي غير ذلك، فإنه بعد التحقق تبين أن هذه الحزمة ليست الأكبر تاريخياً بل تأتي تقريباً في المرتبة السادسة أو السابعة من حيث الحجم نسبةً إلى الناتج المحلي، وأن الضرائب على الدخل من العمل الإضافي والبقشيش لم تُلغَ بالكامل وإنما تم إدخال خصومات وحدود دخل معيّنة، كما أن كثيراً من متقاعدي (الضمان الاجتماعي) ما زالوا يدفعون ضرائب على جزء من مزاياهم.

 

3- قال ترامب إن إدارة بايدن "أعطتنا أسوأ تضخم في تاريخ البلاد" وإنه خفّض التضخم الأساسي إلى 1.7% خلال 12 شهراً، كما ادعى أن أسعار البيض انخفضت 60% وأن أسعار الدجاج والزبدة والفواكه والفنادق والسيارات والإيجارات باتت أقل بكثير مما كانت عليه عند توليه الرئاسة. بينما أوضحت محطات مثل CBS وCNN وBBC أن التضخم في عهد بايدن لم يكن الأسوأ تاريخياً، وأنه في الأشهر الأخيرة من ولايته كان أقل من 3% سنوياً، وأن التراجع في بعض أسعار السلع حقيقي لكنه جزئي ومتقلب ويعود لعوامل سوقية عالمية، بينما تبقى تكاليف الإيجار والسكن والرعاية الصحية مرتفعة نسبياً مقارنةً بما يُوحي به الخطاب.

 

4- كرر ترامب القول إن التعريفات الجمركية تدفعها الدول الأجنبية وإنها ستستبدل تدريجياً ضرائب الدخل وتخفف العبء عن الأمريكيين. إلا أن الأدلة الاقتصادية تُظهر أن نحو 90% من كلفة الرسوم يتحملها المستوردون الأمريكيون وتُمَرَّر جزئياً إلى المستهلك في شكل أسعار أعلى، ما يجعل هذه الرسوم عملياً ضريبة داخلية مقنَّعة وليست عبئاً على الحكومات الأجنبية.

 

5- وبالنسبة للعنصرية القميئة التي ما فتئ يتبجح بها، قال ترامب إن "صفر" من المهاجرين غير النظاميين دخلوا الولايات المتحدة خلال الأشهر التسعة الماضية، وإن الحدود الجنوبية هي الأكثر أماناً في التاريخ. إلا أن ما يشير إليه ترامب، إضافة إلى أنه تبجّح بعنصريته واحتلاله لبلاد الهنود الحمر الذين أُبيدوا على أيدي أجداده الغزاة الأوروبيين، فإن الفئة التي يتحدث عنها هي فئة محددة من المهاجرين الذين يُطلق سراحهم بعد توقيفهم، وليس كل من يعبر الحدود أو يُسَجَّل في النظام، وأن أعداد الموقوفين ومحاولات العبور لا تزال مرتفعة، وأن وصف الحدود بأنها الأكثر أماناً لا تدعمه بيانات الهجرة أو تهريب المخدرات.

 

6- ألمح ترامب إلى أن سياساته خفضت الجريمة إلى مستويات تاريخية، وكرر القول إن 11888 قاتلاً دخلوا كمهاجرين وإن الجريمة مرتبطة مباشرةً بالهجرة، كما ادعى أن مدينة واشنطن العاصمة أصبحت من أكثر المدن أماناً بعد نشر الحرس الوطني. إلا أن تحقيقاً نشرته كل من CNN وNBC وAP يُظهر أن هذا الرقم يخلط بين غير المدانين بجرائم قتل على مدى سنوات عديدة وبين الوافدين الجدد، وأن كثيراً منهم مقيمون منذ زمن طويل، أي أنهم رعايا، كما أن بيانات الجريمة في واشنطن لا تؤيد وصفها بأنها من الأكثر أماناً رغم تراجع بعض المؤشرات.

 

7- اتهم ترامب أفراداً من الجالية الصومالية في مينيسوتا بأنهم نهبوا 19 مليار دولار من أموال دافعي الضرائب عبر الاحتيال في برامج غذائية. وبعد التحقيق في هذه الأرقام، تبين أن وزارة العدل وجهت تهماً لنحو مائة شخص في قضية احتيال تقدر قيمتها بحوالي مليار دولار، وأن تحقيقات الكونغرس قد ترفع التقدير إلى نحو 9 مليارات، لكن لا توجد أرقام تُقارب 19 ملياراً، ما يجعل هذا الادعاء بلا سند.

 

8- قال ترامب إنه أنهى ثماني حروب خلال عشرة أشهر من ولايته، معدّداً أزمات بين باكستان والهند، كمبوديا وتايلند، كوسوفو وصربيا، مصر وإثيوبيا، أرمينيا وأذربيجان، الكونغو ورواندا، إضافة إلى حرب الإبادة التي كان الداعم الرئيس لها في غزة التي وصفها بأنها عند مستوى متدنٍ جداً. وبالنظر إلى هذه "الحروب" التي ذكرها، فإن معظمها نزاعات دبلوماسية أو صراعات منخفضة الوتيرة لم تُعْلَن فيها حروب رسمية، وأن القتال استمر في بعضها بعد أي وساطات مزعومة، كما أن عملية التطهير العرقي في غزة لم تنتهِ فعلاً، ما يجعل الحديث عن إنهاء ثماني حروب وهماً لا حقيقة. كما ضخَّم ترامب دوره في زيادة إنفاق الناتو وتقديم نفسه كمن كان يدفع تقريباً عن كل الحلف. بينما الواقع هو أن أمريكا تتحمل بالفعل جزءاً كبيراً من إنفاق الناتو تاريخياً، لكن زادت مساهمات الدول الأوروبية بشكل ملحوظ، ويعود ذلك لمجموعة عوامل وضغوط سابقة، ولا يعني أن أمريكا كانت تدفع عن الجميع بالمعنى الذي أوحى به الخطاب.

 

وخلاصة القول إن الاتجاه العام في الخطاب، يُظهر مجمل عمل التحقق أن نمط خطاب ترامب في حالة الاتحاد 2026 اعتمد على حقائق جزئية تُقَدَّم خارج سياقها، وأرقام غير دقيقة أو مبالغ فيها، وسردية متكررة عن تزوير انتخابي واسع ومهاجرين خطيرين وحروب أوقفها شخصياً، دون سند من البيانات، وبالمقابل، قدَّمت غرف التحقق والصحفيون والخبراء والسياسيون المعارضون رواية مضادة تستند إلى الإحصاءات الرسمية وسجلّ القضايا أمام المحاكم، وتُظهر فجوة واسعة بين الصورة التي رسمها الخطاب وواقع الاقتصاد والديمقراطية والسياسة الخارجية في الولايات المتحدة. ولكن كان ترامب مجبراً على هذا السرد والتدليس للتغطية على الحال المزري الذي وصلت إليه أمريكا، سياسياً وحضارياً، وهي الحقيقة التي ينبغي على الأمة الإسلامية إدراكها واستغلال هذه الفرصة للتحرر من هيمنة أمريكا وإقامة دولة الخلافة على منهاج النبوة التي تحل محل النظام الدولي بقيادة أمريكا، بالعدل، ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ.

 

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

بلال المهاجر – ولاية باكستان

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

عدوان أمريكي يهودي مشترك على إيران

 

 

 

قام رئيس أمريكا ترامب بنشر فيديو على منصته تروث سوشيال يعلن قيام قواته الموجودة في الشرق الأوسط بشن عمليات قتالية كبرى في إيران. وعدّد المبررات لهذا الهجوم، وهو الدفاع عن الشعب الأمريكي من خلال القضاء على التهديدات الوشيكة الصادرة عن إيران وتهديدها لأمريكا مباشرة ولقواتها في الخارج وحلفائها في العالم، وقيامها بأعمال ضد أمريكا على مدى 47 عاما، مثل إطلاق شعارات الموت لأمريكا، وعملية الرهائن في سفارة أمريكا في طهران عام 1979، وتفجير مقر المارينز في بيروت عام 1983، والهجوم على مدمرة كول عام 2000 في ميناء عدن. وذكر أن هدفه منع إيران من امتلاك السلاح النووي وتطوير صواريخ بعيدة المدى تهدد أوروبا وربما الأراضي الأمريكية، ودعا الشعب الإيراني للاستيلاء على الحكم.

 

وقام رئيس وزراء كيان يهود نتنياهو يعلن أيضا عن الهجوم المشترك معلنا أن الهدف منع إيران من صناعة السلاح النووي وإسقاط نظامها.

 

وبدأت إيران بالرد على هذا العدوان بمهاجمة كيان يهود بالصواريخ وبإطلاق صواريخ على مواقع أمريكية في دول الخليج.

 

وكانت قد جرت ثلاث جولات من المفاوضات في الشهر الماضي بين أمريكا وإيران، وآخرها كان يوم 26/2/2026، ولم يتوصل إلى اتفاق بين الطرفين، إلا التصريحات بأنه حصل تقدم، وأنه ستعقد جولة أخرى من المفاوضات. ويظهر أن هذه التصريحات كانت للتضليل، لشن هذا العدوان. وقد فعلت أمريكا مثل ذلك العام الماضي عندما ضللت إيران وأوعزت لكيان يهود بشن عدوان عليها بين يومي 13-24/6/2025 وانتهى بهجوم أمريكي على المفاعلات النووية الإيرانية.

 

علما أن أمريكا منذ شهر وهي تحشد قواتها في المنطقة وتعلن استعدادها للعدوان، فإذا لم تحقق أهدافها في المفاوضات من تخلي إيران عن برنامجها النووي وتسليمها نحو 400 كلغم قد خصبتها إلى نسبة 60%، وكذلك وقف برنامج تطوير الصواريخ التي يصل مداها إلى 3 آلاف كلم، فإنها ستضربها.

 

ولكن لم يمض يوم وليلة على الجولة الأخيرة من المفاوضات حتى أعلن عن هذا العدوان، واستهدف في البداية المجمع الرئاسي في طهران، ليتأكد أن العدوان يستهدف إسقاط النظام أو قتل قادته واستبدال آخرين بهم. وما يؤكد ذلك إعلان إيران أن رئيسها بزشكيان بخير.

 

إن قيام أمريكا الصليبية وقاعدتها الإجرامية في المنطقة كيان يهود بهذا العدوان يصب في خانة أهدافها من إحكام سيطرتها على منطقة الشرق الأوسط للحيلولة دون وجود أية قوة ربما تهدد نفوذها مستقبلا. وكذلك أهداف يهود بالسيطرة على المنطقة لإقامة (إسرائيل الكبرى) كما أعلن نتنياهو.

 

فهذا العدوان ليس تهديدا لإيران فحسب، بل لمصر والسعودية وتركيا وباكستان، بل لكل دول المنطقة، وخاصة الدول التي لديها قوة ربما تهدد نفوذ أمريكا وكيان يهود في المستقبل.

 

ففي مذكرة الاستراتيجية الأمريكية الأخيرة يوم 5/12/2025 تحدثت عن أهمية الشرق الأوسط لأمريكا وأنها "احتلت الصدارة في سياستها منذ نصف قرن"، وهدفها "تحويل المنطقة إلى مصدر ووجهة للاستثمار الدولي في قطاعات تتجاوز النفط والغاز بما في ذلك الطاقة النووية والذكاء الاصطناعي والتكنولوجية الدفاعية، وتأمين سلاسل التوريد". ومن أهدافها "مكافحة التطرف في المنطقة" والذي يعني الحرب على الإسلام وعلى محاولات المسلمين التحرر من ربقة الاستعمار الغربي بكل أشكاله الفكرية والعسكرية والسياسية والاقتصادية والعمل على إقامة حكم الإسلام متمثلا بالخلافة على منهاج النبوة. وأن "لدى أمريكا مصلحة واضحة في توسيع اتفاقات أبرهام" والتي تعني جعل دول المنطقة كلها تعترف بكيان يهود المغتصب لفلسطين وتطبع العلاقات معه. حيث إن هناك العديد من هذه الدول مثل مصر والأردن وتركيا والإمارات والبحرين والمغرب قد طبعت العلاقات معه بالفعل. لأن تركيز كيان يهود هو أولوية قصوى في السياسة الأمريكية حتى تنزع فلسطين من أيدي المسلمين وتكون لها قاعدة ثابتة في المنطقة تستخدمها ضد أي تحرك للأمة.

 

إن القائمين على النظام الإيراني لم ينظروا من هذه الزاوية، فكانت نظرتهم ضيقة تنحصر في تقوية نظامهم ونفوذهم بالمنطقة على حساب مصالح الأمة، ولهذا ساروا في فلك أمريكا فساعدوها في أفغانستان والعراق كما اعترف بعض قادتهم، وساعدوها في سوريا حيث حافظوا على نظام بشار أسد عميلها حتى تأتي ببديل كأحمد الشرع يمكن أن يخدع الشعب السوري فتجهض أهداف الثورة لإعادة حكم الإسلام في الشام ويستسلم لكيان يهود. فقد أتت بالبديل فلم تعد لها حاجة بإيران. بل يظهر أنها تريد أن تجعل إيران دولة تابعة وليست دولة فلك، ولهذا أعلنت أنها تستهدف إسقاط النظام الإيراني.

 

فتوهموا أنهم بتعاونهم مع الشيطان الأكبر أمريكا كما وصفوها، أن هذا الشيطان سيتركهم يحققون أهدافهم الداخلية والإقليمية إلى الأبد. فلو لم يساعدوا أمريكا في تلك المناطق ما كانت لتعزز نفوذها فيها وبالتالي تحكم سيطرتها على المنطقة. والآن جاء الدور عليهم.

 

فأمريكا وكيان يهود ودول الغرب كلها تستهدف السيطرة على المنطقة إلى الأبد بالقضاء على أي تهديد يواجههم. بل إنهم يستهدفون القضاء على الإسلام. فبعد أن هدموا دولته عام 1924م واحتلالهم لرقعتها وتمزيقها نحو 57 مزقة كأنظمة مرتبطة بهم فيها، تنفذ أوامرهم وتستند إلى دساتيرهم التي تخالف الإسلام وتنفذ سياساتهم التي تحارب عودة الإسلام إلى الحكم، ومحاربتهم لأفكار الإسلام ومحاولة حرف المسلمين عن دينهم.

 

إننا لا نشمت بإيران فهي إحدى بلادنا رغم فساد نظامها، ونحن ضد العدوان عليها، فهو عدوان على الأمة كلها كما كان عدوان أمريكا على أفغانستان وعلى العراق عدواناً على الأمة كلها. ولكن نحذر حكام المسلمين كافة من العاقبة نفسها. فربما يكون الهدف التالي باكستان فإن حكامها ينفذون لأمريكا ما تريده، وخاصة في أفغانستان، ويظنون أنهم ناجون من هذا العدو المتوحش وذراعه الباطشة كيان يهود الذي يهدد بضرب بلادهم.

 

وبما أن هؤلاء الحكام لا يتعظون ولا يرعوون فيعودوا إلى رشدهم ويتخلوا عن ولائهم لأمريكا والغرب ويهود، فلم يبق على الغيورين من أبناء الأمة إلا العمل مع إخوانهم العاملين لإسقاطهم وأنظمتهم وكنس أسيادهم الكفار من المنطقة. وهم العاملون لإقامة الخلافة على منهاج النبوة كما بشر رسولهم الكريم ﷺ، فهي الطريقة الوحيدة لتحرير الأمة ونهضتها وتوحيدها وحمايتها من أعدائها الذين يواصلون عدوانهم عليها في كافة أقطارها، وجعلها الدولة الأولى في العالم تنشر الخير في ربوعه.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أسعد منصور

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

سُنن الله ماضية في الخلق لا يغيرها أحد سواه

 

إن الله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي استغنى عن الصاحبة والولد الذي لم يكن له شريك في الملك وما ينبغي له، الخالق للخلق وموجد الأشياء من عدم، المدبّر، قد وضع سُنناً للخلق وقوانين حين خلقها، لتسير عليها أمور الحياة. فجعلها ماضية في خلقه إلى قيام الساعة، يبدلها منها ما هي في الحياة الدنيا، كطلوع الشمس من المغرب.

 

إن من سُنن الله في الخلق، جعل الأيام "الأزمنة" يظهر الناس فيها بدولهم بعضهم على بعض، بعوامل وأسباب يتخذونها ومناهج وسبل يسلكونها بغض النظر عن صوابهم وخطئهم، فقد ظهرت دولة الإسلام الأولى في المدينة المنورة على العالم "الفرس والروم". والخطاب والعبرة فيها لأهل الإيمان بالثبات على الحق، والتحذير لأهل الباطل من التمادي فيه. قال تعالى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾.

 

وما نحن بصدده اليوم هو انهيار الدولار وتدهوره أمام الذهب، وما يحمله من دلالات. إن بلوغ الدين العام الأمريكي اليوم في النصف الثاني من شهر شباط/فبراير 2026م يكاد يلامس 40 تريليون دولار؛ مقسّم إلى ثلثين دين داخلي، وثلث دين خارجي. وإذا دقننا في الأمر فسنجد أن الدين الأصلي لا ينطبق على هذا الرقم بل هو أقل! إذاً من أين أتت الزيادة التي لا تتوقف، وهي بمقدار إضافي هو 1.2 تريليون دولار لعام 2025م ليصبح حجمه ثاني إنفاق حكومي؟! وإذا قارنّا بين سعر أونصة الذهب "31.1 جم" عيار 24 قيراط اليوم، وبين 35 دولارا سعرها في مؤتمر بريتون وودز "هامشاير" عام 1945م! إضافة إلى طبع 5 تريليون دولار سنوياً لمواجهة سداد ربا سندات الخزانة وعجز الموازنة الفيدرالية السنوية! وفي الحقيقة هناك من قال "لا توجد وسيلة أضمن وأدهى لقلب الأسس القائمة لمجتمع ما من إفساد العملة". ما جعل البنوك المركزية حول العالم تصرف النظر عن التمسك بالدولار، وتقبل على شراء الذهب وتخطط لأن يكون 15% إلى 30% فقط من كتلتها النقدية من الدولار، ومعها الصناديق المتداولة والمستثمرون حول العالم في الإقبال على شراء الذهب وحيازته. فقد دق ناقوس الخطر في العام 2008م بحدوث الأزمة الاقتصادية، التي امتدت إلى العام 2025م.

 

إذا نظرنا إلى كل ذلك فإننا سنجد أنفسنا أمام صورة منهكة بلغها الاقتصاد الأمريكي، لم ينفع معه رفع سقف حجم الدين من قبل الكونجرس، ولا جمع ترامب 4 - 5 تريليون دولار من أنظمة الخليج، ولا رفع التعريفات الجمركية المبالغ فيها في وجه التجارة الخارجية مع أمريكا، ولا وضع اليد على نفط فنزويلا ولا حتى نفط إيران، ولا تعيين كيفن وارش رئيساً للاحتياطي الفيدرالي المتحمس لخفض نسبة الربا، ولا مساندة البنوك الأمريكية، ولا أسواق المال في وول ستريت ولا غيرها من الأعمال الاقتصادية التي تهدف إلى الحد من انهيار الدولار وصعود الذهب!

 

لكن السؤال ما الذي جعل الأمور تسوء وتصل إلى هذا الحد؟ السبب ببساطة هو تمادي نظام الاقتصاد الرأسمالي بجعل الربا أساساً من أسسه وحلاً يفزعون إليه في معالجة المشكلات الاقتصادية، وما نشأ عنه من تعاملات كتداول للدين بيعاً وشراءً، وبيع سندات الخزانة الأمريكية، وإنشاء للشركات المساهمة، وتداول لأسهمها، وأسواق المال من بيع للسلع الحاضرة والغائبة، كلها أهلكت ما بقي من جوانب الاقتصاد، ومعالجات أخرجت الاقتصاد من الحقيقي في تبادل السلع والأموال إلى الوهمي الذي وجد معه طيف من الأسواق والتعاملات غير الموجودة سابقاً، ساعدهم فيه التقدم التقني والعلمي، مع ظهور برامج الكمبيوترات والتطبيقات الفيزيائية من مؤشرات ومنحنيات الصعود والهبوط والتسويات، والمتاجرة بالبيع والشراء بالآجل لسلع ومنتجات غير موجودة بحيازة التجار وغير متوفرة في الأسواق. هذا كله ضاعف من القيمة الحقيقية للسلع إلى 40 ضعفاً! فقد صار السوق الذي فيه بضائع بقيمة 100 مليار تساوي 4 تريليون! وكل ذلك طمعاً في تحقيق الأرباح بغض النظر عن الوسائل والأساليب، وبأسرع ما يمكن! قال تعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ فلا يظن ظان بأن الربا محرم في الإسلام فقط.

 

ومعه وصول عجز الميزانية الأمريكية، حداً جعل الاحتياطي الفيدرالي يزيد سنوياً في إصدار الأوراق النقدية التي وصلت حد تريليونات الدولارات، ما أوجد معه تصخماً بأرقام مفجعة، ازدادت معها أثمان ما بين أيدي الناس من سلع مجتمعة "ذهب وفضة ومعادن، عقارات ومصانع...الخ" قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.

 

إن الحلول التي يضعها الاقتصاديون الأمريكيون هي أقرب للفوضى، وتؤدي إلى فقدان الناس ما بين أيديهم من أموال، من أمثال فرض سلطة قانون الطوارئ (قانون صدر عام 1917م أثناء الحرب العالمية الأولى تحت عنوان قانون المتاجرة مع العدو. وصادر بموجبه الرئيس روزفلت الذهب من الأمريكيين في 1933م، في أعقاب الكساد العظيم، وإلا تعرضوا للحبس والغرامات. ثم عاد القانون للظهور عام 1977م في زمن الرئيس كارتر) إلى إقفال البنوك ومصادرة ترامب ما في أيدي الأمريكيين من ذهب، ومعه السيطرة على ذهب الدول المودع في بنك الاحتياطي الفيدرالي وفي غيره من خزانات أمريكا.

 

إن الاقتصاديين الأمريكيين حالياً كبرنانكي وروبرت زوليك وجيمس ريكاردس وغيرهم، يعرفون التعامل بالنقدي على أساس قاعدة الذهب، وحري بهم العودة إليها مع تحمل أعبائها، وعدم ترك الفوضى تسيطر على النظام المالي العالمي. ودعك من المنادين برفض العودة إليها.

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المهندس شفيق خميس – ولاية اليمن

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

عالم بلا سقف نووي!

 

 

لم يعد القلق الذي يعيشه الإنسان المعاصر ناتجاً فقط عن الحروب التقليدية أو الصراعات الحدودية كما كان في الماضي، بل أصبح خوفاً مركباً يتشكل من تداخل أدوات جديدة للعنف والسيطرة، أدوات تتطور بسرعة تفوق قدرة المشاعر الإنسانية على اللحاق بها. فمن سباق التسلح النووي الذي ظل لعقود رمزاً للفناء الشامل، إلى الحديث المتزايد اليوم عن القنبلة القذرة، وصولاً إلى عودة الاغتيالات السياسية كوسيلة لإدارة الصراع، يبدو أن العالم يسير في مسار أكثر غموضاً وخطورة.

 

لقد دخل العالم منذ منتصف القرن الماضي مرحلة الردع النووي، فأصبح السلام يُصنع بالخوف، وأصبح امتلاك القدرة على التدمير الكامل الضمانة الأساسية لعدم استخدامها. إلا أن غياب المواجهة المباشرة خلق في الوقت نفسه حالة من القلق الدائم، لأن أي خطأ في الحسابات قد يتحول إلى كارثة.

 

ولكن اليوم لم يعد الخطر محصوراً في السلاح النووي التقليدي، فالتطورات التقنية والعلمية أفرزت أشكالاً أخرى من التهديد أقل تكلفة وأكثر غموضاً وأشد فتكاً. فمثلاً، القنبلة القذرة لا تهدف بالضرورة إلى قتل أعداد ضخمة فوراً، بل إلى نشر التلوث والإرباك والرعب داخل المدن والمجتمعات، لأنها سلاح نفسي إلى جانب كونها سلاح مادة؛ حيث يكفي أن يتحول حي واحد إلى منطقة ملوثة حتى تتوقف الحياة الاقتصادية والمجتمعية في مدينة كاملة.

 

وقبل أن نشرح عمل هذه القنبلة نسأل: لماذا الآن؟

 

فقد نشرت الجزيرة نت في 24 شباط/فبراير 2026 خبراً بعنوان: (السلاح المعجزة... روسيا تتهم الغرب بتنفيذ مغامرة نووية لصالح أوكرانيا). حيث ذكر المقال أن الاستخبارات الروسية ترى أن الهدف هو منح أوكرانيا سلاحاً معجزة، بالمصطلح الألماني (فوندر فافه)، يمكن التعويل عليه باعتباره سلاحاً نووياً أو على الأقل قنبلة قذرة، في إشارة إلى قنبلة تتكون من متفجرات تقليدية معبأة بمواد مشبعة لنشرها في الجو وقت الانفجار.

 

إن هذا الخبر فتح لنا أبواباً لفهم إلى أين يتجه عالمنا.

 

منذ نهاية الحرب الباردة ظل العالم يعيش داخل توازن هش يقوم على فكرة الردع النووي المنظم. لم يكن السلام نتيجة ثقة متبادلة بين القوى، بل نتيجة قيود قانونية واتفاقات جعلت السلاح الأكثر فتكاً محكوماً بقواعد واضحة. ومن أهم تلك القيود جاءت معاهدة نيو ستارت، وهي آخر وأهم اتفاقية دولية كبرى لتنظيم وتقليص الأسلحة النووية الاستراتيجية بين أكبر قوتين نوويتين في العالم، الولايات المتحدة وروسيا. حيث تم توقيعها سنة 2010، ودخلت حيز التنفيذ عام 2011، ووقعها الرئيس الأمريكي باراك أوباما والرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف، وتنتهي في شباط/فبراير 2026. وقبلها انتهت اتفاقية سالت، كما انتهت عام 2009 اتفاقية ستارت واحد، وبعدها اتفاقية سورت التي انتهت عام 2012، وفي عام 2019 انتهت معاهدة القوات النووية متوسطة المدى.

 

لذلك، ومع ما نشهده اليوم من تصاعد التوتر الدولي، يعود السؤال القديم: ماذا يحدث عندما تختفي القيود؟

 

واليوم تظهر أدوات أخطر، أقل كلفة وأكثر غموضاً، مثل القنبلة القذرة باعتبارها خياراً بديلاً في عالم يتجه نحو المواجهة غير المباشرة، ويتمتع بمحدودية المكان ولكن برعب كبير جداً.

 

القنبلة القذرة: هي ببساطة مادة متفجرة تقليدية يتم دمجها مع مواد مشعة بهدف نشر الإشعاع في منطقة واسعة عند الانفجار. أي إن الانفجار نفسه يشبه انفجار قنبلة عادية، لكن الخطر الحقيقي يأتي بعد ذلك عبر انتشار غبار أو جزيئات مشعة في الهواء تلوث الشوارع والمباني ومصادر المياه، وتعطل الحياة الاقتصادية والاجتماعية في المكان المصاب. والهدف الأساسي ليس القتل الفوري بأعداد كبيرة، بل إثارة الذعر الجماعي وإخلاء المدن أو أحياء كاملة وفرض تكلفة اقتصادية ضخمة بسبب عمليات التنظيف الطويلة، ولهذا تُصنَّف غالباً كسلاح نفسي اقتصادي بقدر ما هو أمني.

 

وفي الوقت نفسه لا تُعد قنبلة نووية، إذ تعتمد القنبلة النووية على تفاعل انشطار أو اندماج ينتج طاقة هائلة جداً.

 

أما القنبلة القذرة فلا توجد دول تعلن رسمياً امتلاكها كسلاح عسكري، لأنها تُعد سلاحاً قذراً ومحرماً دولياً. لكن المواد التي يمكن استخدامها لصنعها موجودة في أماكن كثيرة حول العالم لأسباب مدنية أو طبية، مثل المستشفيات وأجهزة علاج السرطان بالإشعاع والمفاعلات البحثية وبعض الصناعات النفطية والتعدينية. ولهذا فإن القلق الأكبر عالمياً ليس من الجيوش النظامية، بل من احتمال تسهيل وصول المواد المشعة إلى جهات غير دولية.

 

فاستخدام القنبلة القذرة من دولة معلنة قد يفتح باب إدانة دولية واسعة وربما ردوداً عسكرية قاسية، فالخطر هنا لا يتعلق فقط بالإصابة الإشعاعية، بل بكسر محرمات جديدة في الصراع الدولي. لذلك قد يكون استخدامها ضمن صراعات غير معلنة، أو عبر أطراف غير مباشرة، أو من خلال تسريبها لمليشيات وغير ذلك.

 

وإذا أصبح استخدام الأدوات الإشعاعية المحدودة مقبولاً أو متكرراً فقد تختفي الحدود النفسية التي منعت التصعيد النووي لعقود، إذ إن كل خطوة صغيرة قد تدفع الخصم إلى الرد بخطوة أكبر، وهو ما لمح إليه الرئيس الروسي إذا ما استُخدمت هذه القنبلة من طرف أوكرانيا بشكل مباشر أو غير مباشر سنرد بشكل أعنف.

 

وللأسف ربما يعيش العالم اليوم مرحلة انتقالية شبيهة بلحظات تاريخية سابقة عندما انهارت أنظمة توازن قديمة قبل أن تتشكل أخرى جديدة. فالتنافس بين القوى الكبرى يتسع، والتكنولوجيا تقلل كلفة التأثير، والإعلام يسرّع ردود الفعل.

 

ولم يعد السؤال فقط من يملك القوة؟ بل من يستطيع التحكم في استخدامها؟

 

في النهاية لا يبدو أن العالم يقف أمام سلاح جديد بقدر ما يقف أمام عقلية جديدة لإدارة الصراع. فحين تنهار المعاهدات التي كبحت سباق التسلح لعقود، فهذا لا يعني بالضرورة انفجاراً فورياً، لكنه يفتح الباب لزمن تتحرك فيه الدول بلا سقف واضح وبلا يقين حول نوايا خصومها. ويفتح الباب لوسائل ضغط لا تصل إلى الإبادة الشاملة ولا تبتعد كثيراً عنها في الوقت ذاته، حيث يصبح الخوف أحياناً أقوى من الانفجار نفسه.

 

ويبقى السؤال مفتوحاً أمام الإنسانية: هل ستتعلم من ذاكرة الماضي، أم ستكتشف متأخرة أن أخطر القنابل ليست تلك التي تنفجر فوق المدن، بل تلك التي تنفجر داخل غياب الحكمة السياسية؟

 

فإذا لم تُستبدل بالاتفاقيات المنتهية أطرٌ جديدة تضبط سباق التسلح، أو يظهر نظام عالمي آخر يلغي هذا الحال، فقد يجد العالم نفسه في زمن تتعدد فيه أدوات الضغط الخفية: هجمات إلكترونية، وتلوث إشعاعي محدود يصعب إثبات مصدره. وعندها لن يكون الخطر في انفجار واحد، بل في سلسلة أزمات صغيرة متتالية قد تدفع البشرية تدريجياً نحو حافة الهاوية دون أن تشعر متى تجاوزت نقطة اللاعودة.

 

إن البديل المبدئي هو بين أيدي المسلمين لو أرادوا لينقذوا العالم من هذه المجازر الحالية والقادمة وقبل أن يتحول الإنسان إلى وحش كاسر لا يرحم أكثر بكثير مما هو عليه اليوم.

 

إن ظهور مبدأ الإسلام في أي بقعة كفيل بوقف نزيف العالم لأن ترياق الحياة في منهجه، وقبل أن نتكبد الخسائر ونصل لنقطة لا عودة هبوا وغذوا السير مع حزب التحرير لنعيد للإسلام مركزه في الساحة الدولية بدولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة كما بشرنا بها رسول الله ﷺ، وبمجرد وجود هذه الدولة القادمة بعناصرها الحاضرة وتركتها القديمة ستكون قادرة على تغيير مسار التحول وستعمل جاهدة لإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن جور وظلم وجشع الرأسمالية إلى عدل الإسلام ونوره.

 

قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾.

 

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نبيل عبد الكريم

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 لا حياة لنا بدون شرع الله

فبغيابه عن حياتنا نحن أموات

 

 

قال جلّ وعلا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، أي لا يُعبد سواه في هذه الحياة ولا يكون الأمر إلّا له. وقال سبحانه: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾، أي خلق هذه الحياة لتُعمَّر ويكون الإنسان خليفة له يقيم حكمه فيها، ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾.

 

فلقد تعدّدت الآيات التي ذكر فيها سبحانه وتعالى أنّ الإنسان خليفته في الأرض ليؤكّد بذلك أنّها أمانة وعلى الإنسان أن يحفظها ويحافظ عليها. وحتّى تكون حياته طيّبة وجب عليه أن يعيشها وهو يستحضر أنّها فانية وأنّ الموت نهايتها فيعمل للفوز برضوان ربّه، ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾.

 

فالإنسان إذا ما أبصر وأدرك أنّ اللّه خالقه وله الأمر كلّه فلن يقصّر في بذل الجهد لنيل رضاه وسيعمل حثيثا للخروج من الظّلمات إلى النّور. يقول سبحانه وتعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.

 

فالانصراف عن طاعة الله، والجهل بتوحيده وعدم تطبيق شريعته هو "موت". فمن يحيا دون البحث عمّا ينفعه ليدفع عن نفسه كلّ مكروه وينصرف به عن كلّ ما يغضب خالقه هو ميّت لا محالة لأنّه لم يهتد إلى نور الإسلام الذي يفصل بين الحقّ والباطل ويفرّق بينهما. هذا النّور الذي يبيّن للمرء مضارّ نفسه ومنافعها ويعمل على تخليصه من كلّ ما يوقعه في سَخَط الله وعقابه.

 

فلا يعتبر الإنسان حيّا إذا لم يقم بحلّ عقدته الكبرى حلّا صحيحا يوافق فطرته ويقنع عقله ويمنحه الطّمأنينة. فالبحث عمّن أوجد هذا الكون وهذه الحياة ومن خلق الإنسان هو من أهمّ المواضيع التي على الإنسان التبحّر فيها وإيجاد الأجوبة الشّافية التي على أساسها سيبني مفاهيمه ويحيا بها، وهي القاعدة الأساسيّة التي ستقوده في كلّ أعماله وميوله.

 

إنّ الإيمان بالله والسّير على الطّريق الذي رسمه لعباده هو وحده الذي ينير لهم هذه الظّلمات التي أطبقت على حياتهم وهو وحده الذي يجعل النّاس يبصرون الحقّ فيدركون أنّ اللّه خالقهم ومصوّرهم ورازقهم وله الأمر كلّه بعد أن كانوا جهلة لا يستطيعون إدراك المعنى الحقيقيّ لحياتهم ولا يدرون أين يسيرون ولا كيف يتوجّهون، فبدون الإيمان الحياة ظلام دامس والطّريق غير واضح.

 

والإيمان هو التّصديق الجازم الذي لا بدّ وأن يتجلّى في كلّ التزام يقوم به المؤمن ولا بدّ أن يغلّفه الصّدق مع الله حتّى تكون أعماله كلّها خالصة لله لا يريد منها إلّا جزاء ربّه ورضاه. هذا هو النّور السّاطع الذي يبدّد الظّلمات ويعين الإنسان على تخطّي كلّ العقبات بصبر وثبات ليحقّق بذلك أوفر قدر من الحسنات.

 

لقد أكّد سبحانه وتعالى أنّه ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ﴾ لهذا فإنّ الحياة التي خلقها لن تستقيم ولن تكون طيّبة إلّا في ظلّ قوانينه الرّبّانيّة التي سنّها لتسييرها.

 

إنّ واقع البشريّة اليوم - وقد عادت إلى ظلمات الجهل في ظلّ النّظام الرّأسماليّ والعلمانيّة العفنة - واقع مرير يشكو فيه النّاس ضنك العيش والخوف. فبعد أن أزيح شرع الله وأُسقطت دولة الإسلام وفُقد الأمنُ والطّمأنينةُ والعدلُ والرّحمةُ صار التّغيير أمرا ملحّا وضروريّا ولا بدّ منه لنقل البشريّة نقلة نوعيّة ولتحقيق الحقيقة الشرعيّة والعيش في ظلّ أحكام الخالق التي ستخرجها من تلك الظّلمات إلى النّور.

 

لقد اصطفى الله نبيّه ليبلّغ رسالته التي تركها عليه الصّلاة والسّلام أمانة بين يدي أمّته التي اختارها سبحانه لتكون صاحبة الرّسالة الأخيرة والخالدة ولتكون الأمّة الشّاهدة على الأمم الأخرى وتضطلع بالمهمّة العظيمة في ظلّ هذا الواقع المظلم الذي تعيشه البشريّة اليوم فعليها إعادة نظام ربّ العالمين إلى الحياة ونشر أحكامه بين النّاس.

 

من أجلّ الأعمال وأعظمها اليوم إحياء الدّين وإعادته إلى حياتنا واستئناف الحياة الإسلاميّة في ظلّ دولة الخلافة الرّاشدة الثّانية التي وعد الله بها عباده ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ وبشّر بها رسوله الكريم ﷺ «تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَاضًّا فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ. ثُمَّ سَكَتَ».

 

هي مهمّة عظيمة تقتضي الحكمة والوعي السّياسيّ والإخلاص. لذلك فعلى من يحمل هذه الدّعوة المباركة أن يتّصف بالحكمة التي هي ضالّة المؤمن فلا يتبع الهوى حتّى لا يضلّ عن السّبيل، وعليه أن يتحرّى ما أرشده إليه شرع ربّه بالاستخارة والتوكّل.

 

فحامل هذه الدّعوة عليه أن يخشى الله كأنّه يراه ويطلب معيّته وتوفيقه وسداده ورضاه. إضافة إلى ذلك عليه أن يستقصي المعلومات عن واقعه فيبحث له عن معالجات في أحكام الله ويعمل على إيجاد الدّولة التي ستطبّق هذه الأحكام.

 

عليه أن يكون سياسيّا واعيا يتفطّن لمؤامرات الأعداء ومخطّطاتهم التي يبتغون من ورائها النّيل من الإسلام وأهله، وينشر الوعي في الأمّة باعتباره قوّاماً على فكرها وحسّها فيكشف لها ما يحاك ضدّ دينها ويوضّح لها سبيل الخلاص ويرفع من هممها للحيلولة دون انتكاسها وهزيمتها واستسلامها.

 

فالصدق مع الله وحمل دعوته بإخلاص يقتضيان الصّبر وحسن الالتزام والإقدام والتّوكّل على الله عزّ وجلّ والرّضا والتّسليم لأمره ولقضائه، كما أنّه يتجلّى في النّيّة الصّافية والخالصة كلّها لله، فعن سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ».

 

فكم من حامل دعوة عمل وأفنى عمره في سبيل هذه الدّعوة وقدّم لها كلّ غال ونفيس ووافته المنيّة دون أن يرى دولة الإسلام قائمة وشرع الله يطبّق فيها، ولكن نحسبه عند الله من الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً.

 

إنّ حبّ الله ورسوله يغرس في المسلم استعدادات عقليّة ونفسيّة تدفعه للتّضحية بإقدام وثبات فيستحضر ثواب الآخرة ويرمي بالدّنيا وما فيها من ملذّات ومن متاع زائل، لا تفارقه خشية الله في السّر والعلن، تصاحبه في المكره والمنشط، حاله حال الصّحابة الكرام مع نبيّهم الحبيب في بداية تبليغه الرّسالة. عن أبي الوليد عبادة بن الصّامت رضي الله عنه قال: «بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ؛ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ، وَعَلَى أَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَعَلَى أَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ، وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ».

 

يعوّد نفسه على اقتحام الصّعاب والعراقيل طمعا في جنب الله وابتغاء لرضوانه وسعيا منه لإنجاح دعوة ربّه وبلوغها مشارق الأرض ومغاربها ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا

 

فعلى حامل هذه الدّعوة المباركة أن يرتّب أولويّاته وأن يجعل حبّ الله ورسوله ﷺ وتحكيم شرعه في الحياة أعلى سلّم اهتماماته لتكون في مقدّمة أعماله فهي فرض عظيم وتكليف من الله سبحانه، فحوله تدور كلّ الأعمال الأخرى وبه تصلح وعلى أساسه يرتّب شؤونه فيرتّل كلام الله ويحفظه، ولكن عليه أوّلا أن يلتزم بما جاء فيه من أحكام، يعين المحتاجين والفقراء ولكن يسعى قبل ذلك لإقامة الدّولة التي تكفلهم وتوزّع عليهم أموال الزّكاة، يتحرّى الأوكد ثم الأكيد، يرتّب سلّم أولويّاته ويعمل على تنفيذها مرتّبة حسب أهمّيتها .

 

في كلّ الظروف ومهما تغيّرت وتبدّلت (عسر أو يسر) وفي كلّ مراحل الحياة (شباب أو شيخوخة) على حامل الدّعوة أن يعطيها حقّها ويعمل لها دوما، فلا يتخاذل ولا يتوانى في بذل الوسع فيها فهي حاجة ضروريّة للأمّة وللبشريّة عامّة ولا تستقيم الحياة إلا في ظلّها، ولن يرضى الله ربّنا إلّا حين يعود شرعه وحكمه إلى الحياة فيصلحها وينيرها بنور الإسلام وعدله. ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ﴾.

 

فطوبى لمن جعل أكبر همّه في دنياه العمل لإعادة حكم الله وشرعه في الأرض وأخلص نيّته لله لا يرضى غير أحكامه تسيّر الحياة.

 

فاللّهمّ اكتبنا من العاملين لاستئناف الحياة بالإسلام والمخلصين لك ولرسولك ولدينك واحشرنا مع النّبيين والصّدّيقين والشهداء والصالحين. اللّهمّ آمين

 

 

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

زينة الصّامت

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم 

صناديق تُبدِّل الوجوه ولا تُبدِّل الأنظمة

حقيقة الوهم الديمقراطي في مصر والغرب

 

 

 

منذ أن فُرض النظام الديمقراطي على بلاد المسلمين بعد إسقاط دولة الخلافة، صُوِّرت صناديق الاقتراع على أنها التعبير الأسمى عن إرادة الشعوب، وأنها الطريق إلى الحرية والعدالة ومحاسبة الحكام. غير أن الواقع في مصر وسائر بلاد الأمة، بل وفي معاقل الديمقراطية نفسها في بريطانيا وفرنسا وأمريكا، يكشف أن هذه الصناديق لا تغيّر جوهر النظام، ولا تمسّ الأسس التي يقوم عليها الحكم، وإنما تُستخدم لإعادة إنتاج الطبقة السياسية نفسها، ضمن الإطار الرأسمالي ذاته.

 

الديمقراطية تقوم على مبدأ جوهري هو أن السيادة للشعب، بمعنى أن الشعب هو مصدر التشريع، يحلّ ويحرم، ويضع الدساتير ويعدلها وفق أهواء الأكثرية. وهذا الأساس يصادم أصل العقيدة الإسلامية التي تجعل السيادة للشرع، قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾. فالمسلم حين يُستدرج إلى صندوق الاقتراع ليختار من يشرّع له بغير ما أنزل الله، يُطلب منه عملياً أن يقرّ بمبدأ يناقض عقيدته. أما الحديث عن "اختيار الحاكم" في الإسلام، فهو بيعة على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، لا تفويضاً مطلقاً للتشريع وفق الأهواء والمصالح.

 

 مصر... تداول وجوه لا تداول سلطان

 

في مصر، عرفت البلاد مراحل متعددة من الاستفتاءات والانتخابات، لكن هل تغيّر النظام؟ الدستور نفسه يقوم على مرجعية وضعية، والاقتصاد قائم على الرأسمالية والاقتراض الربوي، والسياسة الخارجية مرهونة بالاتفاقيات الدولية وموازين القوى العالمية. فحتى لو تغيّر الرئيس أو البرلمان، فإن الالتزامات مع المؤسسات المالية الدولية الاستعمارية، والارتباط بالنظم الاقتصادية العالمية، تظل ثابتة. صندوق الاقتراع لا يمكّن الأمة من تغيير النظام، بل يحدد فقط من يدير النظام القائم. وهكذا تُختزل السياسة في صراع على المقاعد، بينما تبقى السيادة للقوانين الوضعية، لا لشرع الله.

 

بريطانيا... مسرح الديمقراطية العريق

 

تُقدَّم بريطانيا بوصفها "أم البرلمانات"، حيث يعود النظام البرلماني فيها إلى قرون. غير أن المتابع يرى أن الناخب البريطاني يصوّت لحزب العمال أو المحافظين، لكن السياسة العامة لا تنقلب جذرياً. السياسة الخارجية، الالتزامات في حلف الناتو، العلاقة الخاصة مع الولايات المتحدة، النظام الرأسمالي المالي في لندن... كلها ثوابت لا يمسّها التغيير الحزبي. بل إن السنوات الأخيرة شهدت تغيّر رؤساء الوزراء بوتيرة سريعة دون انتخابات عامة في كل مرة، حيث يُستبدل الزعيم داخل الحزب الحاكم ويُسلَّم الحكم له، في مشهد يكشف أن "إرادة الشعب" ليست دائماً هي الحاسمة، بل حسابات الحزب والنخبة السياسية.

 

فرنسا... احتجاجات بلا أثر جذري

 

في فرنسا، خرجت حركة السترات الصفراء لسنوات احتجاجاً على السياسات الضريبية والاقتصادية. لكن هل غيّرت صناديق الاقتراع المسار الاقتصادي الرأسمالي؟ الرؤساء يتغيرون، من يمين إلى وسط إلى يسار، غير أن فرنسا تبقى ملتزمة بالنظام الرأسمالي، وبالهيمنة في أفريقيا، وبالسياسات الأمنية ذاتها تجاه المهاجرين والمسلمين. فالناخب يختار بين برامج متقاربة في الجوهر، مختلفة في الشعارات. أما الإطار العام، أي الرأسمالية والعلمانية، فخارج نطاق التصويت أصلاً.

 

أمريكا... المال يحكم

 

أما أمريكا، فتُعد النموذج الأبرز للديمقراطية الليبرالية. لكن الحملات الانتخابية فيها تُدار بمليارات الدولارات، وتتحكم بها الشركات الكبرى وجماعات الضغط (اللوبيات). فالمرشح يحتاج إلى تمويل ضخم، ما يجعله أسيراً للممولين. وهكذا تصبح السياسات خاضعة لمصالح الشركات العملاقة ومجمع الصناعات العسكرية، بغض النظر عن الحزب الفائز. ويتناوب الحزبان الجمهوري والديمقراطي على الحكم، لكن دعم كيان يهود، والهيمنة على الاقتصاد العالمي، وحماية مصالح الشركات العابرة للقارات، تبقى خطوطاً حمراء لا يجرؤ أحد على تجاوزها. فهل هذه سيادة شعب أم سيادة رأس المال؟

 

وهم الأكثرية

 

يُقال إن الديمقراطية تعبر عن حكم الأكثرية. لكن الواقع أن نسبة المشاركة في كثير من الانتخابات الغربية لا تتجاوز نصف الناخبين أحياناً، والفائز قد يحصل على نسبة ضئيلة من مجموع السكان. ومع ذلك يُقال إنه يمثل الشعب! ثم إن الأكثرية نفسها قد تُضلَّل عبر الإعلام الموجَّه، واستطلاعات الرأي المصنوعة، وصناعة الصورة. فالإعلام في الغرب مملوك في معظمه لشركات كبرى، تشكل وعي الناخبين وتحدد أولوياتهم، فيصوّتون ضمن إطار مرسوم سلفاً.

 

يخلط البعض بين الشورى في الإسلام والديمقراطية الغربية. غير أن الشورى ليست نظام حكم وإن كانت من نظام الحكم وتعني أخذ الرأي بينما الرأي الحقيقي والنهائي للخليفة صاحب الصلاحية والسلطان في الأمة، وله وحده الحق في تبني الأحكام الشرعية وتنزيلها على الواقع، أي أنه لا يشرع من تلقاء نفسه وﻻ من رأي غيره من البشر.

 

فالحاكم في الإسلام مُلزَم بالشرع، وتُحاسبه الأمة إن خالفه. أما في الديمقراطية، فهي في ذاتها نظام حكم والحاكم يملك حق اقتراح القوانين، والبرلمان يملك حق إقرارها، ولو خالفت شرع الله، ما دام ذلك يحظى بأغلبية الأصوات.

 

الفارق جوهري: في الإسلام، الإنسان عبد لله، وفي الديمقراطية، الإنسان مشرّع لنفسه.

 

لماذا يُصرّ الغرب على تصديرها؟

 

لأن الديمقراطية صارت وسيلة لاستعمار البلاد ونهب ثرواتها واستعباد شعوبها فهي جزء من النظام الرأسمالي الذي يكرّس سيادة البشر على التشريع، ويُبقي الاقتصاد خاضعاً لحرية السوق. وهي أداة لإدارة الصراع الداخلي دون تهديد جوهر النظام. أما حين تتعارض نتائج الانتخابات التي تقام في ظل الديمقراطية مع مصالح القوى الكبرى، فإن التدخل السياسي أو الاقتصادي أو حتى العسكري يصبح وارداً، كما شهد العالم في تجارب متعددة.

 

الأمة الآن لا تحتاج إلى تبديل وجوه في ظل نظام فاسد، بل إلى تغيير جذري يعيد السيادة للشرع، ويجعل السلطان للأمة تُنيبه لمن يحكمها بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ. فالمشكلة ليست في نزاهة الصندوق أو شفافية الفرز، بل في الأساس الذي تقوم عليه ويقوم عليه النظام كله.

إن الرأسمالية، سواء ألبست ثوب الديمقراطية في الغرب، أو قُدّمت بنسخة هجينة في بلاد المسلمين، تظل نظاماً يجعل التشريع للبشر، ويجعل المصالح المادية هي المعيار الأعلى.

 

لقد أثبتت التجربة في مصر وسائر بلاد الأمة، كما في بريطانيا وفرنسا وأمريكا، أن صناديق الاقتراع لا تغيّر جوهر النظام، بل تعيد إنتاجه. فالسيادة تبقى للقوانين الوضعية، والاقتصاد يبقى رأسمالياً، والسياسة الخارجية تبقى خاضعة لموازين القوى.

 

وما لم تستعد الأمة وعيها بحقيقة هذا الوهم، وتدرك أن التغيير لا يكون بتجميل النظام، بل باقتلاعه من جذوره وإقامة نظام يقوم على العقيدة الإسلامية، فإنها ستبقى تدور في حلقة مفرغة، تنتظر من الصندوق ما لا يمكن أن يمنحه.

 

﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَـئِكَ هُمُ الْكَـافِرُونَ﴾

 

 

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

رابط هذا التعليق
شارك

Join the conversation

You can post now and register later. If you have an account, sign in now to post with your account.

زوار
اضف رد علي هذا الموضوع....

×   Pasted as rich text.   Paste as plain text instead

  Only 75 emoji are allowed.

×   Your link has been automatically embedded.   Display as a link instead

×   Your previous content has been restored.   Clear editor

×   You cannot paste images directly. Upload or insert images from URL.

جاري التحميل

×
×
  • اضف...