اذهب الي المحتوي
منتدى العقاب

مقالات من المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير - متجدد


Recommended Posts

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الأفعى في دارنا!

 

تتعرض بلاد المسلمين لهجمات متتالية من الولايات المتحدة وكيان يهود. كيف يُعقل هذا، والولايات المتحدة تفصلها عن البلاد الإسلامية محيطات شاسعة؟!

 

لا تستطيع أمريكا مهاجمتنا إلا لوجود قواعد لها في بلادنا، ومراكز مراقبتها المتخفية في هيئة سفارات، وعملائها من حكام المسلمين الذين يعملون ليل نهار بأوامر منها، وقاعدتها الأمامية في بلادنا، كيان يهود.

 

إن البنية التحتية الأمريكية هي أفعى في دارنا، ستلدغنا مراراً وتكراراً. ولن نعرف الأمن والأمان والازدهار ما دامت في بلادنا، فلماذا لا نفككها؟

 

لقد فضح أهل غزة زيف ادعاء كيان يهود بأنه قوة لا تقهر، وفضحت إيران زيف ادعاء أمريكا كذلك، والأمة الإسلامية جمعاء ترفض الاستعمار والاستبداد الأمريكي.

 

لقد حان الوقت لأن تُقيم الأمة الإسلامية الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، التي ستفكك البنية التحتية الأمريكية، تلك الأفعى المتغلغلة في دارنا.

 

#لنجعل_أمريكا_تتراجع_مجدداً

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مصعب عمير – ولاية باكستان

رابط هذا التعليق
شارك

  • الردود 583
  • Created
  • اخر رد

Top Posters In This Topic

  • صوت الخلافة

    584

بسم الله الرحمن الرحيم 

الغذاء: الحرب القادمة بلا أسلحة

قراءة في النظام الغذائي العالمي بين الصراع والهشاشة والانهيار التدريجي

 

 

لم تعد الحروب الحديثة تقاس بعدد الدبابات أو الصواريخ فقط، بل باتت تقاس بقدرة الدول على ضمان عنصر أكثر أساسية من كل أدوات القوة وهو الغذاء؛ ويعود ذلك إلى أننا نعيش في عالم مترابط اقتصاديا، ما جعل الخبز جزءا من معادلات الجغرافيا السياسية، وأصبح اضطراب سلاسل الإمداد يعادل في أثره أحيانا اضطراب الجبهات العسكرية.

 

هذه القراءة تفكك البنية العميقة للنظام الغذائي العالمي كما تصفه تقارير الفاو وبرنامج الغذاء العالمي، وتوضح كيف يتحول الغذاء من سلعة إلى أداة ضغط، ومن عامل استقرار إلى عنصر هش شديد الحساسية للصراعات.

 

أولا: العالم لا يعاني نقصاً في الغذاء بل في كيفية الوصول إليه

 

رغم أن الإنتاج العالمي يكفي نظرياً لإطعام البشر، إلا أن مئات الملايين يعيشون في حالة انعدام أمن غذائي. فالمشكلة ليست في الإنتاج، بل في اختلال التوزيع وضعف القدرة الشرائية وهشاشة سلاسل الإمداد والصدمات السياسية والمناخية ما يجعل العالم لا يجوع بسبب قلة الطعام، بل بسبب عدم استقرار الوصول إليه.

 

ثانيا: بنية النظام الغذائي

 

تقوم على قوة بلا مركز، فهي شبكة معقدة تتداخل فيها الدول المنتجة الكبرى للحبوب والشركات العالمية وأسواق التسعير والممرات البحرية كقناة السويس وباب المندب ومضيق هرمز، فهذه الشبكة تمنح العالم وفرة، لكنها في الوقت نفسه تجعل النظام قويا ظاهريا ولكنه هش بنيويا.

 

ثالثا: الحروب كعامل تسريع لا كسبب مباشر

 

فالحروب الحديثة لا تستهدف الغذاء غالبا، لكنها تضرب أساسياته كالإنتاج والطاقة والنقل، ولنا عبرة فيما آلت إليه الأمور في حرب أوكرانيا حيث أدى الصراع في مكان حساس غذائيا إلى اضطراب عالمي في أسعار الحبوب خلال فترة قصيرة.

 

رابعا: من الأزمة المعيشية إلى الاضطراب السياسي

 

تعد أهمية الغذاء ليس كونه مجرد سلعة، بل عامل استقرار داخلي، فعند ارتفاع الأسعار أو نقص الإمدادات تبدأ سلسلة تصاعدية بالظهور: أولها ضغط معيشي بسبب ارتفاع أسعار الغذاء الذي يضغط على الأسر، ثم تأخذ شكل اضطرابات مجتمعية، كاحتجاجات وتوترات داخل المدن إلى أن تصبح أزمة سياسية بسبب تراجع الثقة في المؤسسات وازدياد الاحتقان، ما يجعل الدول أكثر عرضة للضغط أو التأثير الخارجي.

 

خامسا: كيف يصبح الغذاء أداة ضغط دون حرب؟

 

لا يستخدم الغذاء كسلاح تقليدي، بل عبر أدوات غير مباشرة كفرض قيود على التصدير أو تعطيل الممرات أو من خلال المضاربة في الأسواق أو التلاعب بأسعار الطاقة أو إحداث اضطراب في سلاسل الإمداد واستخدامه كأداة ضغط أو ورقة تفاوض كما حصل في غزة حين تداخلت الحرب مع الإمدادات الإنسانية بسبب تعرض سلاسل الإمداد لاضطراب شديد ثم تقييد دخول المساعدات الغذائية ما جعل الغذاء جزءا من معادلة الصراع لا مجرد حق إنساني.

 

سادسا: الانهيار التدريجي للنظام الغذائي

 

لا يكمن الخطر الحقيقي في مجاعة مفاجئة، بل في تآكل بطيء في استقرار النظام الغذائي العالمي قد يحدث بسبب حروب أو مناخ أو ارتفاع في أسعار الطاقة أو كما ذكرنا فرض قيود على التصدير أو قد يكون بسبب ضعف المخزون... كل هذه التحولات قد تؤدي إلى أسعار مرتفعة بشكل دائم وتراجع القوة الشرائية وإحداث فجوة بين الدول.

 

سابعا: سيناريو التسارع الجيوسياسي

 

في حال توسعت الحروب في مناطق مثل أوكرانيا أو إيران أو في حال تم توريط الخليج أو حرب نووية غير محسوبة من شأنه أن يؤدي (بسبب اضطراب الإنتاج والطاقة وتهديد الممرات البحرية وارتفاع تكاليف النقل وقرارات منع التصدير) إلى انفجار الأسعار عالميا، وهكذا تتشكل أزمة غذائية دون استهداف مباشر للغذاء.

 

ثامنا: منطق القوة في زمن الغذاء

 

القوة لا تكمن في السيطرة الكاملة، بل في القدرة على الصمود والتحكم في الإمداد أثناء الأزمات وامتلاك مخزون استراتيجي والتحكم في طرق النقل.

 

وهنا بيت القصيد من كل ما سلف، وهو دورنا اليوم في العمل لاستعادة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة التي تملك القدرة على استثمار ما تملكه بلادنا من عناصر القوة وعلى قلب معادلة الغذاء بالكامل، فبلادنا تقع على مفاصل حيوية من الاقتصاد العالمي وتتحكم في ممرات بحرية كبرى، وتملك وزنا مؤثرا في أسواق الطاقة، فضلا عن مساحات زراعية يمكن مع إدارة فعالة أن تستعيد جزءا مهما من القدرة الإنتاجية، فكل ما سبق ذكره كفيل بأن يحول موقعنا من دائرة التأثر إلى دائرة التأثير، عندها لن يبقى الغذاء ورقة ضغط تفرض من الخارج، ولا أداة تفاوض تنتزع بها التنازلات، بل عنصر سيادة يدار بوعي واستقلال، عندها فقط، يتغير موقعنا في هذه المعادلة؛ من مستهلك يتأثر بالأزمات إلى فاعل يملك القدرة على تشكيلها أو احتوائها.

 

ولن نتمكن من استعادتها طالما هناك حكام يفرضون قيودهم علينا ويسترخصون دماءنا ويبيعوننا بثمن بخس مقابل استمرارهم في الحكم الذي لا يرضي الله ورسوله.

 

إن السعي لكسر تلك القيود مع اليقين الصادق بأن النصر من الله من شأنه أن يعيد لأمتنا مجدها وعزتها، وهذا وعد الله عز وجل لنا ولن يخلف الله وعده.

 

 

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحب التحرير

منال أم عبيدة

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

يجب على المسلمين في إيران

رفض المفاوضات مع أمريكا الماكرة

 

يمكن القول إن المفاوضات تحقق للدولة الماكرة ما لم تستطع تحقيقه في ساحة المعركة، فكيف ينبغي للأمة الإسلامية أن تنظر إلى محاولات الولايات المتحدة التفاوض مع إيران، في حين إن مسلمي إيران قد صرّحوا مراراً بأن الأمريكيين يبالغون في مطالبهم، ويتقلبون في مواقفهم، ويمارسون الخداع والكذب الصريح؟

 

أولاً: موضوع المفاوضات بحد ذاته

 

تستخدم القوى الاستعمارية الغربية المفاوضات عندما تصبح هزيمتها في ساحة المعركة وشيكة. ولا تنسى الأمة الإسلامية اتفاقيات الدوحة الغادرة في قضية أفغانستان، لا سيما فيما يتعلق بإشراف أمريكا على العلاقات بين باكستان وأفغانستان تحت ذريعة مكافحة الإرهاب. فقد كانت تلك سلسلة من التدخلات التي أدت إلى اشتباكات مسلحة بين شعبين مسلمين، ولم تنتهِ هذه السلسلة لغاية اليوم، حيث صرّح ترامب علناً بهدفه إعادة سيطرة أمريكا على قاعدة باغرام الجوية. وهكذا، وبعد فشل أمريكا في إخضاع مسلمي أفغانستان رغم حرب استمرت عشرين عاماً وتحالف وتكالب غربي كبير على أفغانستان، لجأت إلى حكام المسلمين لترتيب مفاوضات مع طالبان، حفاظاً على مصالحها بعد انسحابها المهين.

 

ثانياً: الفشل في ساحة المعركة أجبر أمريكا على التفاوض

 

لقد كشفت الحروب في الصومال وأفغانستان والعراق، والآن إيران، عن القدرات العسكرية الحقيقية لأمريكا، التي شُلّت بجبن جنودها. فقد توقّع ترامب أربعة أيام من القتال، لكن صمود إيران قلب توقعاته، ما دفعه إلى تغيير المهل الزمنية والأهداف والمراحل المعلنة. إن الهدف الاستراتيجي للحرب ضد إيران هو جعلها دولة تابعة تضحي بمصالحها لصالح مصالح أمريكا، بعد أن كانت تدور في فلكها لعقود. إلا أن ترامب فشل فشلاً ذريعاً، إذ وحّدت الحرب أهلنا في إيران حول جيشهم، وتمكنت القيادة العسكرية من تولي زمام القرار. لذلك وكعادتها لجأت أمريكا إلى المفاوضات لتحقيق أهداف استراتيجية تعجز عن تحقيقها بالحرب، أو لكسب الوقت لشن هجوم عسكري ثانٍ.

 

ثالثاً: تخلي أوروبا أجبر أمريكا أيضاً على التفاوض

 

عبّر ترامب مراراً عن استيائه من حلفاء أمريكا التقليديين في أوروبا بسبب رفضهم نشر قوات وسفن حربية في الوقت المناسب، وكذلك رفضهم استخدام أمريكا لقواعدهم. وكان ترامب يحلم بتحالف غربي كبير ضد إيران، كما فعل بوش الأب ضد العراق عام 1990، وبوش الابن ضد أفغانستان عام 2001. إلا أن هذا التحالف لم يتحقق، بل إن أوروبا، بقيادة بريطانيا، تحركت لإضعاف المبررات والسرديات والتوجيهات الأمريكية. ومن الجدير بالذكر أيضاً أن روسيا والصين تستفيدان من استنزاف أمريكا في مستنقع طويل، كما استنزفت هي روسيا في أوكرانيا، وأشعلت بؤر التنافس والصراع حول الصين.

 

رابعاً: استمرار هيمنة القيادة العسكرية في إيران على توجيه الأمور، في حين تسمح المفاوضات بتمكين القيادة السياسية

 

لدى ترامب رجال داخل القيادة السياسية مستعدون لجعل إيران تابعة لأمريكا، ولذلك كان يأمل أن تؤدي ضربة محدودة تستهدف الصف القيادي الأعلى إلى إيجاد فراغ يملؤه رجاله. إلا أن القيادة العسكرية تولت زمام القرار، وهي غير مستعدة للتنازل في قضايا أمنية حيوية مثل القدرات النووية والسيطرة على مضيق هرمز. كما أن استمرار الحرب، حتى لو كانت طويلة ومنخفضة الشدة، سيعزز من سيطرة القيادة العسكرية. لذلك، استعانت أمريكا بحكام المسلمين لفتح باب المفاوضات، لإتاحة الفرصة لرجال ترامب داخل القيادة السياسية لتوجيه مسار البلاد. وليس من المستغرب أن تكشف الصحافة الإيرانية عن توترات بين الشخصيات السياسية والقيادة العسكرية العليا.

 

خامساً: حقيقة الصراع ليست بين طرفين متنازعين بشكل مشروع يسعيان للتوصل إلى تسوية، بل هي بين معتدٍ يغتصب الحقوق وأصحاب حقٍّ مشروع

 

فأمريكا لا تملك أي حق في التدخل في شأن الأمة الإسلامية والسيطرة على ممراتها المائية الاستراتيجية أو تطوير قدراتها العسكرية الدفاعية أو حتى الهجومية، إنها دولة معتدية استخدمت الحرب أولاً لانتزاع حقوق أهلنا في إيران وانتهاك حرماتهم، وهي الآن تستخدم المفاوضات الماكرة لتحقيق الهدف نفسه. وعليه، فإن الواجب على الأمة الإسلامية هو الوقوف إلى جانب أهلنا في إيران عسكرياً في مواجهة المعتدي، ورد عدوانه، وذلك بعد أن تخاذلت الأمة عن نصرة أهلها في غزة، وتركتهم للمفاوضات التي استُخدمت لفرض التهجير ونزع السلاح وتوسيع الاحتلال. ولا ينبغي للأمة الإسلامية أن تستمر في هذا التقصير الآثم، بل يجب أن تحث مسلمي إيران على رفض المفاوضات مع المعتدي المخادع، وأن تأمر جيوشها بإقامة الخلافة الراشدة الثانية التي توحد جيوش المسلمين ضد الأعداء وتهزمهم شر هزيمة. قال الله تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾.

 

يا أمة الإسلام: إن حزب التحرير يطلب النصرة من جيوشكم لإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، فافتحوا الأبواب لشبابه للوصول إلى أبنائكم وإخوانكم وآبائكم وأجدادكم في القوات المسلحة.

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مصعب عمير – ولاية باكستان

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

البوصلة والانتماء والهوية

بين إيران وأمريكا وسواها نموذجا

 

(الجزء الثاني والأخير)

 

في الجزء الأول من المقالة تعرضنا للأسس التي يتشكل منها الواقع السياسي الحالي كـ"بوصلة وانتماء وهوية" مقابل تلك التي ينبغي أن يتأسس عليها حتى تحصل نهضة صحيحة أو ارتقاء لشأن الأمة الإسلامية والبشرية عموما.

 

وسنتحدث هنا عن الوقائع السياسية المتراكمة في آخر عقدين وخلفياتها الفكرية ومحاولات الدول الكبرى اغتنام الأحداث تلك أو تشكيلها بحسب وجهة نظرها ومصالحها مقابل محاولات التحرر الحقيقية من الاستعمار الغربي التي بدأت ملامحها تؤتي أكلها سواء قبل أحداث تشرين الأول 2023م في غزة أم بعدها.

 

أولا: محاولة المنظومة الغربية إعادة ترتيب كل مشهد جديد بمرجعيتها الفكرية:

 

كان لعملية طوفان الأقصى في السابع من تشرين الأول عام 2023م أثر كبير في إيذاء كيان يهود رغم قلة الإمكانيات العسكرية. نعم لقد أعادت عملية طوفان الأقصى إلى الأذهان ما حصل بالانتفاضة الأولى والثانية أي منذ عقدين أو ثلاثة مضت. حيث أثبتت الأمة حيويتها من جديد. لكن عناصر قيام الأمة من جديد كجسد واحد لم يكتمل لعوامل عديدة منها متعلق بما أسلفت ذكره في الجزء الأول. ومنها أيضا أن العدو تموضع مع الأحداث الجديدة التي كان للأمة دور في صنعها وذلك بهدف الالتفاف عليها لحرف عملية نهضتها ومحاولة إعادة تشكيل تلك الوقائع بما يحمل من قناعات ومصالح أي بمرجعيته الفكرية لا بمرجعية الحكم الشرعي. فكانت عملية التدافع تلك شاهدة على أن الأمة تمر بمراحل تحاول فيها التحرر الحقيقي لتجد أن الغرب التف عليه بأعمال سياسية وأحيانا عسكرية أو مزيج بينهما. والأهم من ذلك أن يحاول إعادة الأمة بتلك الأعمال إلى أن تستنير بحضارة الغرب الفكرية تارة من أفكار الحريات التي انكشف زيفها، أو بأحكامه عن الحياة وما انبثق عنها مثل نظامه الاقتصادي الذي أفقر الشعوب، مستعينا بمنظومة من القوانين التي تفرض على الجماهير الاحتكام إليها عن طريق الحكام العملاء وسيرهم في ركابها، أو إلى إعلام رسمي للحكام العملاء يزيد الجهل جهل بعض الناس إلى الإنفاق على اقتصاد وهمي يزيد الحكام الرأسماليين وحاشيتهم ثراء بمثل ما هو رائج من شركات أسهم أو عملات رقمية كالبيتكوين فيما يتم سحب أموال المودعين بسهولة وبما يشبه ما يحصل مع البنوك الربوية عندما توهم المودعين أموالهم فيها بأرباح بمسمى "فوائد". نعم تعيد المنظومة الغربية بقيادة أمريكا دوما المحاولة بإعادة تشكيل المشهد بمرجعيته الفكرية حتى بعد أن يظهر للجميع فساد معالجاته كما حصل في عملية سحب أموال المودعين في البنوك في لبنان عام 2019م. فتحاول أن تقوم بالتغطية على ما تحدثه عملية الاستدانة الربوية من مشاكل على صعيد العالم بتصوير المشهد بأنه مجرد خطأ متعلق بسياسة المصرف المركزي وقيامه بسحب أموال المودعين من غير استئذانهم. أي محاولة الاعتراف بجزء من المشهد دون الاعتراف بالتفاصيل الكاملة حتى لا تكفر الجماهير بالنظام الرأسمالي برمته وتبحث عن البديل الحقيقي الذي يصلح ليرعى شؤون البشر. والسؤال الحقيقي يجب أن يدور عن فساد النظام الرأسمالي من أساسه وكون المال الربوي غير موجود عند المصارف برغم وعودها بتوفيره، فهو مبني على نظام اقتصادي وهمي يدفع الجماهير لوضع أموالهم عند كبار الرأسماليين من مالكي المصارف تحت تأثير وهمي أنه سيأتيهم من جراء ذلك "فوائد شهرية أو سنوية"، وهو وهم تتم تغذيته باستمرار بعوامل شتى ذكرتها آنفا منها ما هو متعلق بالقوانين التي يفرضها الحكام العملاء على الناس، ومنه ما هو متعلق بالإعلام الرسمي للحكام العملاء، ومنه نابع عن جهل البعض بالمشهد الكامل جراء أمرين: أولا عدم فهمهم للإسلام فهما صحيحا، والثاني عدم فهمهم الواقع المتجدد الذي يحدثه العدو أو مخططات الكافر المستعمر. فالسؤال الحقيقي يجب أن يكون ما هو البديل الصالح عن النظام الاقتصادي الرأسمالي الذي تقوده المنظومة الغربية؟ هل هو نظام اقتصادي رأسمالي نقوده نحن؟ أم نظام اقتصادي آخر كليا من جنس عقيدتنا ومبدئنا؟ وهل يصلح لنا فقط أم يصلح لنقود البشرية كلها على أساسه؟ وما هي المرجعية الفكرية التي يجب أن تتم الدعوة لها مقترنة بنظامها التفصيلي الذي ينبثق عنه عند كل مشهد جديد حتى يتم تشكيل الواقع الجديد بالمبدأ الصحيح لا بمبدأ العدو؟

 

ثانيا: الأحداث في الأرض المباركة فلسطين:

 

لقد تآمر الحكام منذ هدم دولة الخلافة على الأرض المباركة وليس الموضوع أبدا وليد 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 ولا الانتفاضة الأولى ولا الثانية. فقد مرت عملية المؤامرة بمراحل عديدة منها التنصل من الأرض المباركة وتوكيل منظمة التحرير الفلسطينية بأحقية تمثيل أهل فلسطين وذلك لهدفين: أولهما محاولة حكام المسلمين التنصل من القضية تنفيذا لسياسات أسيادهم في أمريكا وبريطانيا القاضية بـأن يستفرد كل منهما بصياغة ما يرونه صالحا من مشاريع في المنطقة، ومنها تقوية كيان اليهود المحتل وتثبيته وتوسيعه. وثانيهما وهو الأهم وهو محاولة دفع الجماهير للتعلق بمرجعية فكرية بديلة عن الإسلام وهي الرابطة الوطنية التي أسهبتُ الكلام عنها في الجزء الأول. تلك المرجعية التي حاول البعض التسويق لها بأنها لا تخالف رابطة العقيدة الإسلامية دهرا من الزمان. فكان الهدف من محاولات الحكام تلك دفع الناس للتعلق بأي شيء سوى رابطة المبدأ الإسلامي الذي من شأنه توحيد الأمة فكريا وعمليا وخلع مشاريع الحكام العملاء وطرد نفوذ الغرب من البلاد الإسلامية. أما وسيلة الحكام العملاء في الداخل فكانت بتوكيل منظمة التحرير بمحاولة جعل طبيعة القضية عند الجماهير قضية "وطنية" من غير أي صلاحيات حقيقية تمس كيان يهود، بل بحيث تقوم بتسهيل بناء المستوطنات ونزع الأراضي من أصحابها والسماح للكيان بالتوسع في الاحتلال أكثر فأكثر، أي عن طريق لعب دور الشرطي الذي يحمي كيان يهود بحجة أنه أضعف من مواجهته، بل ينسق معه أمنيا بالذريعة نفسها، أي ذريعة حماية أهل الأرض المباركة من الاغتيال والقتل! بدل أن تكون قضية الأرض المباركة قضية الإسلام وحمل الدعوة الإسلامية وتحرير البشرية من أنظمة الكفر لا تحرير الأرض المباركة وحدها. وبمكر ودهاء الدول الغربية وعملائها من حكام المسلمين وعقود من المد والجزر تم تحويل منظمة التحرير الفلسطينية من منظمة عسكرية إلى منظمة سياسية تقبل بالتفاوض مع كيان الاحتلال على أي شبر من فلسطين للحصول على فتات من أرضها من غير أي صلاحيات حقيقية. فالسلاح بيد من لا يعي حقيقة الصراع وبال على صاحبه. وهذا ما تبين بوضوح بعد دخول جيش حافظ الأسد باسم جيش سوريا إلى لبنان بأمر أمريكا عام 1976م وعملية إخراج قيادة منظمة التحرير من لبنان عام 1982م، وقيام أمريكا بالتوسط بإبرام اتفاقيات أوسلو عام 1993-1995م. الواضح من كل ما سبق أن محاولة الغرب لإعادة تشكيل المشهد لم تخل من محاولة تعزيز مفاهيم عند الجماهير مفادها عدم تكافؤ عسكري بين كيان يهود وبين حركات التحرر، ناهيك عن الحديث عن الفرق في الموازين العسكرية بين أمريكا وقوى التحرر في فلسطين أو في جوارها. وأن التحرير هو موازين عسكرية بحتة في حين إن عملية التحرير الحقيقية هي أعمق من ذلك بل هي معركة الهوية والانتماء والبوصلة، وعلامة اقترابها من التحقق هو إعادة تشكيل أي مشهد من حاملي المبدأ الإسلامي بما يتلاءم مع المبدأ الإسلامي وحده لا غيره وجعل تلك السردية هي السائدة في المجتمع سواء محليا أو دوليا. ولو كان ذلك يقتضي عدم قبول الواقع الجديد بل الحث على تغييره ومخاطبة الأمة الإسلامية بهذا الوصف لا بوصف آخر ودفعها لتضم جهودها إلى كل عمل جماعي من شأنه أن يحدث هذا النوع من التغيير الانقلابي في المقاييس بدل أن تكون من الذين يستصعبون التغيير بمقاييسهم المعتادة من "الأنا" والذات الفردية.

 

ثالثا: الأحداث في لبنان:

 

أما في لبنان فأجواء الحرب فيه لم تهدأ رغم حصول اتفاقية لوقفها منذ 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024م. حيث أعقبها استهداف واغتيال المزيد من أهل البلاد وخاصة أهل الجنوب فكانت أشبه بإيقاف حرب من طرف واحد فقط. إلى أن قرر حزب إيران الرد بعد مقتل خامنئي بستة صواريخ انطلاقا من لبنان فكان على إثرها المزيد من الاغتيالات في صفوفه. وفي حين أن كيان يهود يحاول أن يصور لأهل لبنان بأن معركته محصورة مع إيران وأتباعها بعمليات الاغتيال الدقيقة في كيفية الاستهداف عن طريق البوارج الحربية في البحر أو عن طريق الطيران الحربي فلم يخل ذلك من محاولة تذكير كل من هو ليس من بيئة حزب إيران بأن محيطه السكني مستهدف وذلك بأعمال اغتيال في مناطق ما يسمى "مناطق النصارى" و"مناطق السنة" على سواء، إن صحت التسمية، ولو كانت محدودة، وذلك محاولة منهم للضغط على سكان تلك المناطق لطرد أي شخص يحتمل أن تكون له علاقة بحزب إيران أو ممن يقاتل كيان يهود وإيجاد بيئة مناوئة لهم، بحيث قد تساعدهم في إضعاف الجو العام الراغب في قتال يهود وتدمير كيانهم.

 

من جهة أخرى فقد كانت تصريحات أقطاب الحكم في لبنان تدور حول ما يسمونه ضرورة إيقاف أعمال حزب إيران وعدم جدواها واعتبارها أعمالا لا تقبل بها الدولة بل تعتبرها خارجة عن القانون، خاصة العمل العسكري ضد كيان يهود. بل كانت التصريحات الرسمية تنادي بضرورة جعل قرار السلم والحرب بيد الدولة "الرسمية" في لبنان وحدها، خاصة بعد اغتيال خامنئي وردود إيران الانتقامية في المنطقة كلها ومن داخل لبنان. لكن سبق لحزب إيران قبل ذلك أن تحدى بعض أقطاب الدولة في لبنان بعد عملية اغتيال حسن نصر الله، سواء في القيام بأعمال جماهيرية في أماكن عامة دون الحصول على تصريح لذلك أو التحريض على بعض رؤساء الدولة عبر إعلامهم الرسمي وغير الرسمي. أما قمة التحدي فحصل عقب قيام وزير خارجية لبنان المحسوب على حزب القوات اللبنانية بإصدار قرار بطرد سفير إيران من لبنان وتجريده من صلاحياته، ما جوبه من إيران بعدم الاستجابة للقرار وتحديه والبقاء في لبنان وحتى إعلان إيران أنه "باق في مهامه"، ما كرس صورة أن منطقة لبنان أصبحت ملحقة بإيران وأن حكامه مجرد "دمى" لا يملكون من أمرهم شيئا، فضلا عن طرد سفير لأمريكا أو إيران. وما زاد الطين بلة قيام سفير أمريكا في لبنان بالإعلان أنه توسط لدى كيان يهود بألا يستهدف الكيان "مناطق النصارى" في جنوب لبنان. فما سمي بميثاق "لبنان الحديث" الذي نشأ بعد اتفاق الطائف أصبح في خطر حقيقي، أي النظام الطائفي المتعارف عليه أصبح في خطر، لا من جهة إيران فحسب، بل من جهة سياسات أمريكا وكيان يهود الآنفة الذكر أيضا. وبين هذا وذاك لم يحصل المسلمون من جراء النظام الطائفي العلماني وتحت مظلة "الوطن" سوى التخلي عن مبدئهم ومنظومة الأحكام الشرعية التي من شأنها تشكيل حضارة لرفعة الإنسان ككل في أي بقعة كانت، كما أسلفت في الجزء الأول من مقالتي. إلا أن الحديث عن الأمن الذاتي أصبح جزءا من حديث بيئة قلقة لكن بالمعايير الفردية البحتة لا بمعيار الأمة الإسلامية ككل بما يشمل قواها العسكرية. فالفريق القلق هذا وجراء الصراع الدموي بين أمريكا وكيان يهود من جهة وإيران من جهة أخرى، كان في نهاية عام 2024م يركز على مجرد ضرورة تركيب أبواب حديثة للمنازل مؤلفة من حديد وذلك لحماية الممتلكات الشخصية من "اغتصاب بعض النازحين لها"، بينما في عام 2026م تعدى ذلك إلى "ضرورة" تحقيق "الأمن الذاتي" أو الفردي أو الأناني باستخدام السلاح الفردي كل على حدة عند حصول عملية سرقة أو نشل، وليس الحديث على أمن الأمة الإسلامية ككل وبما يحققه الشق العسكري منه. وتم تجيير الدليل الشرعي القاضي بقتل المعتدي على ملكية خاصة ولو كان سرقة والتركيز على ناحية فردية بحتة فيه لا ناحية الأمة ككل كما حصل مع شخص قام مؤخرا بإطلاق الرصاص على شخص دخل أرضه وهم بنشل دراجته النارية، ما عرض مطلق النار للاعتقال ومن ثم إخلاء سبيله تحت ضغط فريق ابتهج بما قام به. هذا وقد يكون الحكم الشرعي في صف مطلق النار نعم، لكن الحديث عن الأمن الفردي دون الحديث عن أمن الأمة الإسلامية وكيفية تحقيقه على أرض الواقع والسعي له عمليا يعد جريمة بحد ذاته. وهذا ليس للانتقاص من أهمية استرداد الحقوق وعدم السكوت عن المظالم، فالمظالم عبارة عن "قنابل متفجرة" لم تنفجر بعد أن صح التعبير. وإهمال المظالم واستساغتها جريمة كذلك. ومن هنا لا بد من الإقرار بأن فريقا للأسف قبل على نفسه أن يدفع بجزء من النازحين في الفتنة الطائفية مستغلا جهل بعضهم ودفعهم للاصطدام بأهل البلاد بشكل مباشر عبر السكنى في مدارس خاصة رغما عن مالكيها وتجاهل مفاعيل ذلك الأمر على المدى البعيد. كما أنه توجد فئة تقابلهم وتتمنى تدمير قرى النازحين على يد كيان يهود عن بكرة أبيها لاعتبارات طائفية وبغيضة وجاهلية. ويوجد فريق آخر يتحدث عن ضرورة الاحتكام للدولة في لبنان والتي سبق أن عرضت على كيان يهود باب التفاوض المباشر بدل إغلاقه كليا. نعم كان لتصرفات الكثير من الفرقاء (قبل اهتمام الدولة بملف النازحين مؤخرا) دور في الاصطياد بالماء العكر وتصوير بيئة النازحين وحزب إيران بأنها بيئة "سرقات" ومخدرات وكبتاغون و"أرجيلة" وغير ذلك، وهذا إن وقع فيه البعض فلا يصح تسويقه كحكم شمولي وإجمالي أي لا يصح اتهام بيئة النازحين كلها بذلك. وما يقوم به البعض من محاولة تسويق هذا فهو في حكم إثارة الطائفية البغيضة والعنصرية ولا يساهم في استرداد الحقوق لأهلها، وذلك لأن هذا الفريق أو ذاك لم يهتد إلى مبدأ الإسلام العظيم ورقيه في علاج المشكلات الطارئة. نعم إن افتقاد مشروع سياسي على أساس مبدأ الإسلام يجعل المرء في مرمى تحقيق أهداف الآخرين السياسية. ويساعد في إنشاء بيئة حاضنة قابلة للاستغلال من قبل كيان يهود وأمريكا على حد سواء وفي إعادة صياغة المشهد العام في لبنان بحسب المرجعية الفكرية الغربية أي النظام الرأسمالي لكن بطعم "طائفي مع بعض التعديلات" أو "ميثاقية معدلة". وقد قال أحد الوزراء السابقين في لبنان بما معناه أنه لا يرغب بوجود السوريين ولا الإيرانيين في صناعة القرار في لبنان، معبرا عن أحقاده الطائفية ونظرته لأي "ميثاقية معدلة" في لبنان بعد اليوم. وفي حال عدم تمكن أمريكا من تحقيق أهدافها ربما تفكر بحلول أشبه بحلول غزة من قبلها، أي إبقاء أهلها مجرد أرقام للقتل. حيث في غزة قامت بإعلان عن "مجلس للسلام" لم ير النور ولو بقيادة مجرمي الغرب، بل لم ير أهل غزة إلا آلة القتل على يد يهود حتى يومنا هذا. وهذا ليس ببعيد على أمريكا في لبنان. أما السردية التي ينبغي على حاملي المشروع الإسلامي التركيز عليه فهي كما أسلفت بأن الأمة الإسلامية كلها مستعمرة من شرقها لغربها وقضية الأمة اليوم هو تحريرها جميعها من قبضة الاستعمار الغربي وطرد القواعد العسكرية الأمريكية والبريطانية من البلاد الإسلامية وإلغاء كل مفاعيل سايكس وبيكو من تقسيمات بين الأمة الإسلامية على الأرض بحيث تصبح دولة واحدة من طنجة لجاكرتا. وتحريرها يكون أيضا بتغيير الدستور الوضعي فيها كلها لتحتكم إلى الشرع وحده ويكون المصدر الوحيد للتشريع لا المصدر الرئيسي فحسب. أما داخليا فيكون بدعوة الأمة لنبذ الوطنية والطائفية المحرمة شرعا والتمسك برابطة المبدأ الإسلامي الذي ينبثق عنه نظام متكامل لشؤون المجتمع ودعوة كل ظالم لإعادة الحقوق لأهلها ودعوة كل مظلوم للمطالبة بحقه الشخصي دون تردد والانتقال بعد ذلك لمحاولة أخذها بالقوة دون التعدي على ما سوى ما هو من حقه. من دون نسيان التذكير بأن الأمة عليها أن تعنى بالحق العام والواجب العام من محاسبة الحكام على تقصيرهم في تطبيق الأحكام الشرعية لا مجرد الحصول على حقوق خاصة وأنانية. وهذا ما يجب أن يكون هو أساس النظرة إلى الحكم حيث يجب إشاعة سردية وجوب الحكم بالإسلام وأن العلاقة بين الحكام والمحكومين هي طاعة مرتبطة بطاعة الحكام أولا والمحكومين ثانيا بطاعة الله ورسوله ﷺ وليست علاقة إجارة شخص لشخص آخر، أي هي لا تندرج في باب النظام الاقتصادي بل في باب نظام الحكم والبيعة الشرعية، وهي ليست علاقات مبنية على تفاهمات على إدارة مناطق حكم ذاتي أو مناطق طائفية كما هو حاصل الآن بناء على حسابات طائفية ومصالح دول إقليمية. ومن هنا فإن ذهاب فريق إلى "معراب" ليقدم "عربون الولاء" للحصول على كعكة ضمن نظام طائفي آخر بـ"ميثاقية معدلة للبنان" ولفريق آخر من الطائفيين يعد انتكاسة بل زلة للأقدام ويكشف بوضوح عن عدم اهتداء أهله لواقع المبدأ الإسلامي ولا أنهم تعلموا من أحداث التاريخ الحديث للبنان الذي لم تجره الدول الاستعمارية منذ عام 1860م إلا إلى حروب داخلية بحجة "ضرورة التدخل" بشؤون الأقليات داخل الدولة الإسلامية، وأدت إلى نشوء فريق من العملاء لدول الغرب سواء فرنسا وبريطانيا قديما أو أمريكا حديثا، وفريق آخر ارتضى الارتماء بأحضان ما هو أسفل من ذلك أي الارتماء في أحضان عملاء تلك الدول من حكام العرب والمسلمين في الإقليم. فنظام الإسلام الفريد له ميثاقه الذي يترك غير المسلمين وما يعتقدون، لكن في الوقت نفسه يترك التشريع ليكون لله وحده لا يشاركه فيه أحد. والمشروع السياسي للأمة لا ينبغي أن يكون على مقاس "لبنان ذات 10452 كم مربع والذي يأكل من مساحته كيان يهود ما يأكل"، بل مشروع الأمة الإسلامية ينبغي أن يكون على مقاس امتداد الأمة الإسلامية شرقا وغربا، هذا وقد تهيأت لها فرصة ذهبية للانقلاب على النظام الدولي والموقف الدولي والتصدر لقيادة العالم، خاصة بعد قيام أمريكا بهدم طاغوت "القانون الدولي" معنويا ومعه قوات الناتو ما يسمح بنوع جديد من العلاقات بين الدول مفادها ليس فرض "قوانين عضوية" ولا إعطاء امتيازات لدول دون أخرى كان يحصل في "نظام الفيتو" كما كان يحصل في الأمم المتحدة بل الانسحاب من الأمم المتحدة وبناء علاقات بين كل دولة على حدة مع دولة أخرى بما يتناسب مع مصالحها الحقيقية وبما يتلاءم مع المبدأ الذي تحمله حقيقة للعالم. وهذا الأمر يمنع تشكل أحلاف بين الدول ويقلل من فرص الحروب. ولئن لم تقم الدول الآن بالدعوة إليه فلا يبدو أن أحدا سيسبق الدولة الإسلامية بقيادة هذا الأمر في المعترك الدولي، هذا بعد أن تكون متجسدة في الواقع.

 

رابعا: الأحداث في سوريا:

 

أما أبرز الأحداث التي أعقبت اتفاقية وقف الحرب في لبنان نهاية عام 2024 فظهر بعد الاتفاقية بيوم واحد حيث باشرت القوى المسلحة المجتمعة تحت رعاية تركيا في إدلب من الوصول إلى دمشق خلال أقل من أسبوعين وهروب بشار. وذلك دون أن تكمل الطريق إلى القدس واجتثاث كيان يهود. أما قصة اندماج الفصائل والقوى المسلحة في سوريا فقد أخذت حظا وافرا من تاريخ الثورة التي بدأت تأخذ شكلا شعبيا منذ عام 2011م أي منذ انطلاقتها في درعا منذ أن كانت مجرد مطالبة أهل بعض الأطفال الاقتصاص ممن قام باقتلاع أظافر أولادهم بعد أن اشتبه في أنهم كتبوا عبارة "يسقط النظام" على جدران المدارس تأثرا بما شاهدوه من مشاهد في بلدان الربيع العربي كمصر وغيرها من مطالبات شعبية. وتطور الأمر ليصبح شعبيا بعد تراكم الظلم بدل إزالته ومقتل غيرهم من الأولاد على يد النظام ومطالبة الأهالي بنسيانهم بل "جلب أولاد جدد"! فأصبح القتل هو وسيلة النظام مع كل من يطالب الاقتصاص من الجناة، ودفع الجيش النظامي للاشتباك مباشرة مع الشعب وقتله والتمترس خلفه وقتله في حال لم يواجه الناس بأوامر النظام بإطلاق الرصاص على من في الشوارع. ما دفع الكثيرين لتشكيل فصائل بشعارات مختلفة وقيادات مختلفة، منها ما كان إعلانا للانشقاق عن الجيش النظامي ومنها غير ذلك، أي فصائل من خارج النظام أساسا، جمعها الإحساس بضرورة التخلص من حكم حزب البعث وحكم بشار قبل الحديث عن أي مشروع آخر قبل أن يصبحوا هم وأولادهم مشروع موت محقق وقريب. هذا الأمر جعل تلك الفصائل قابلة للتطويع من قبل كثير من الدول لأنها لم تتشكل على أساس رابطة المبدأ الإسلامي بل كان أغلبها مجرد قائم كردة فعل على أفعال النظام لا نتاج عملية فكرية على الأحداث والحقائق، فبقي الكثير منها على مجرد مطلب إزاحة شخص بشار لا تغيير بنية النظام وتوجهه العلماني إلى مشروع إسلامي راشد ومفصل. فدخلت الدول على خط كثير من الفصائل وبشكل واضح أي كل من بريطانيا وأمريكا وتلاميذها تركيا وآل سعود وقطر والإمارات، وسعت أمريكا في احتواء مطالب الثورة بحصرها في سردية ظلم الرئيس أو ظلم الحكم الديكتاتوري لحزب البعث عند قيام نظامه بعد عام 2011م، بأعمال المجازر ردا على المظاهرات الشعبية في مختلف أنحاء سوريا وحيث ترك مليشياته العسكرية تقوم باغتصاب النساء وقتلها والولدان بدم بارد والتخلص من الجثث بمقابر جماعية وقتل جزء منهم ببراميل متفجرة عبر طائرات حربية تستهدف أماكن سكن بأكملها في محاولة منه لإخماد الحراك القاضي بتغيير حكمه. وقامت أمريكا خاصة بحملات عبر مجلس الأمن الأمم المتحدة وبقرارات أصدرتها مثل قرار رقم 2254 بمحاولة محاصرة مطالب الثورة بما لا يتعارض مع مصالحها وبما لا يضر المبدأ الرأسمالي عبر حث جميع الدول التي أتاحت لها الدخول على الخط في سوريا، عن طريق التسليح والتمويل بضرورة المحافظة على النظام والمؤسسات الرسمية للدولة مع حصر المطالب بتغيير شخص بشار ومحاولة التوصل لمرحلة تسليم حكم انتقالية تشرف عليها الدول حتى لا تخرج جزئية عنها لا من ناحية المعلومات الاستخباراتية ولا أي ناحية متعلقة بتبعية القوى الفعلية والموجودة على الأرض عن المنظومة الدولية. وجندت أمريكا تلك الدول بأموالها للاستحواذ على ضعفاء النفوس في مراحل الثورة تلك خاصة بعد اشتداد حملة النظام البعثي بالقتل والتهجير. وعندما وصلت أمريكا إلى قناعة بوجود انبعاث توجه إسلامي عام واحتمال وصول الجماهير والحاضنة الشعبية في سوريا على وعي كامل على المبدأ الإسلامي عقيدة ونظاما، بمعنى احتمال وصول الجماهير والحاضنة إلى فهم متكامل للسردية التي تسقط الحضارة الغربية والنظام الرأسمالي وتجهز للحضارة الإسلامية في أرض الشام لتحرير البشرية قامت بتغيير خطتها كليا. فقد لمست أن الفئة الواعية كانت غير منخرطة بمشاريع الدول الإقليمية وأن الفئة الواعية استطاعت أن تقنع الحاضنة بوسائل مثل المظاهرات بضرورة نبذ العملاء المكشوفين للدول أي المجتمعين في عواصم خارج سوريا تحت إشراف الدول، سواء في جنيف أو الرياض أو سوتشي وأستانة أو غيرها. أي عدم الثقة بهم مطلقا. وفعلا استطاعت الفئة الواعية أن توصم أمثالهم بمختلف المسميات عند الجماهير مثل "ثوار الفنادق". وأن تقنع عموم الناس أن الدول الأخرى لا تريد مصلحة الناس عموما بل يهمها مصالحها بل هي من كانت تمد النظام البعثي بأسباب الحياة. وهذا ما لمسوه عندما قامت كلينتون من أمريكا بالتصريح بأنه لا ينبغي للنظام في سوريا استخدام الأسلحة الكيماوية على الناس في سوريا لقتلهم. فقد فهم الناس أن أمريكا تعطي ضوءا أخضر لبشار ليقوم بما يقوم به للتخلص من أية محاولة تحريرية حقيقية للأمة من قبضة الاستعمار الغربي ومنظومته الفكرية. وما أكد أنه كان في أعماق الناس وفي فهمهم لما يجري من أحداث هو مسمى إحدى الجمع الذي أطلقوه لمظاهرات عارمة بعد صلاة الجمعة في مختلف المناطق: "أمريكا: ألم يشبع حقدك من دمائنا؟"

 

نعم عندما أدركت أن الفئة الواعية في الأمة الإسلامية بدأت تقود الحاضنة الشعبية فقدت أمريكا أملها في أن يكون للنخب العلمانية المعلوفة التي تشكلت تحت عينها وبصيرتها أي دور في مستقبل حكم سوريا، سواء التي اجتمعت في إسطنبول أو الرياض تحت بصرها وثقافتها وتحت عنوان ضرورة اللجوء "إلى الدول الصديقة" ولو كان لها مسحة "إسلامية" خفيفة. فحاولت أمريكا الالتفاف على الحاضنة داخل سوريا عن طريق محاولة استعمال الفصائل المسلحة في وجه تلك الحاضنة أو عن طريق اختراق بعض الفصائل بشكل مباشر وتطويعها وفي بعض الحالات التخلص من الفصائل التي لم تقبل بأي ارتباط بالدول. فقد علمت بأن الفئة الواعية لم تكتف بقيادة الحاضنة الشعبية بل كانت تعمل لتوحيد الفصائل المسلحة وقيادتها على أساس المشروع الإسلامي. فقامت بتسخير الدول إلى جانبها في تصفية المخلصين من قادة الفصائل باغتيالهم في حال لم ينجح حزب البعث أو حليفه من العصابات الطائفية الموالية لإيران بذلك. ولا أدل على ذلك بأن كثيرا من الفصائل الكبيرة عددا أنشئت في دمشق واختفت عن المشهد في مرحلة مبكرة من الثورة. منها ما كان مخلصاً في توجهه الإسلامي ومنها ما كان غير ذلك سواء تهجر أصحابه إلى غوطة دمشق أو غيرها جراء الصدامات المتعددة مع النظام البعثي أو صدامات مع فصائل مناوئة على الأرض ومدعومة من دول أخرى أو مع فصائل طائفية تابعة لإيران كما أسلفت. أما الفئة الواعية فكانت على تواصل مع كل القوى وكانت مدركة لمخططات الغرب وأنه قد خسر المعركة الفكرية وأنه لم يعد بجعبته سوى القتل والاغتيال والمكر والاختراق الجسدي كما سيأتي. حيث إن الغرب ودوله الوظيفية بالإضافة للنظام البعثي تواصل مع جزء من أفراد الفصائل المسلحة في مرحلة مبكرة من الثورة بهدف استمالتهم للعمل معهم أمنيا من خلال دعم أفرادهم سواء بالسلاح أو بالمال. ولم يكتف الغرب بذلك بل لقد أعد عدته للفئة الواعية بجلب قوات عسكرية من سجون العراق وزرع بعض العملاء بينهم تحت مسمى "تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام" وتركهم يجولون في مناطق من الشام ليقوموا بالاستحواذ على مناطق شاسعة من الشام قرب حدود العراق ليكونوا جسما إضافيا في الاقتتال الجاري بين الفصائل وتشويه فكرة الدولة الإسلامية عبر نشر مقاطع لملثمين يقطعون أعضاء بشرية تعود لأفراد من جهات مناوئة. بحيث يوحون أن الدولة في الإسلام هي عبارة عن ملثمين مجهولي الهوية، بينما الفاعلون في تلك المقاطع هم في الحقيقة عبارة عن عملاء مأجورين لدول غربية ومشبوهة. وكان لفعلهم الأثر الأكبر في تغيير توجه الكثير من أهل الأردن من نصرة ثورة الشام جراء حرقهم لجثة الطيار معاذ الكساسبة ودهس جثته بعد ذلك بآلية عسكرية ما يطرح تساؤلات حقيقية عن ماهية هذا التنظيم. فتنفيذ أحكام الأسرى في الإسلام لا تجري على هذا المنوال ولو كان المأسور مرتكباً لأكبر الخيانات. هذا لا يعني أنه لا يوجد مخلصون في صفوف ذلك التنظيم لكن منبته ومؤسسوه مشبوهون منذ التأسيس سواء كأشخاص من حيث التعرف على حقيقة هوياتهم أو ماهية الدولة التي يعملون لصالحها مباشرة سواء أكانت واحدة أم متعددة. فكان لأمريكا دور في جلب هؤلاء من سجون العراق وتركهم يجولون في الشام بل وربما عصابات طائفية تابعة لإيران وحتى فلول حزب البعث في العراق التابعين لصدام دور في ذلك. لكن مع كل هذا المكر الدولي بقيادة أمريكا بقيت عموم الأمة في الشام ترى أن "عقر دار المؤمنين في الشام". وعندما أدركت أمريكا أن الفئة الواعية قد وصلت إلى مرحلة متقدمة من جمع للفصائل المخلصة في الشام على مشروع سياسي إسلامي أي مشروع دستور دولة الخلافة وبمبايعة قيادة مخلصة، أي حزب التحرير، عبر إطلاق "ميثاق العمل لإقامة دولة الخلافة" وبالرغم من كل تشويش أوعزت به عبر إعلان وصنع "دولة خلافة" على غير حقيقتها على يد "تنظيم الدولة" في جزء من الشام، لجأت أمريكا إلى أسلوب مختلف وهو مطالبة الدول الثانية من الدخول بقواتها العسكرية إلى الشام. فعندما أدركت أمريكا أن الذيول الطائفية التابعة لإيران غير قادرة على مجابهة الفصائل الإسلامية المخلصة وأنها فشلت في التصدي لها قامت أمريكا بمطالبة روسيا بالتدخل العسكري المباشر لقاء أن تسكت أمريكا عن ابتلاع روسيا للقرم من أوكرانيا. فكان أن دخل عامل آخر في حسم التغير لصالح المنظومة الغربية والنظام الرأسمالي وهو إقناع الفصائل المسلحة بأنها غير قادرة على إسقاط النظام دون دعم دولة من الدول بسياسة العصا والجزرة - خاصة بعد إطباق الطائرات الروسية على مناطق الفصائل المسلحة وتدمير مناطق بأكملها - وقيام تركيا بدور الوسيط لدى أمريكا بالتفاوض مع جزء من تلك الفصائل لإعادتها إلى طاولة الحوار مع الدول بمسمى "عمليات المصالحة والهدن". فكان لسياسة العصا والجزرة - أي عصا روسيا وجزرة تركيا - نجاح عند أمريكا في دفع فريق من ضعفاء النفوس من الفصائل للقبول بما لم يقبلوه سابقا - أي الاحتكام إلى الأمم المتحدة ودول إقليمية وما يملونه من قرارات بمستقبل الحكم في سوريا والتسليح والدعم المستمر والتبعية - بعد أن عاهد جزء كبير منهم ألا يحكم سوريا إلا نظام الإسلام. فكان لتلك الفصائل أو قادتها الدور الأكبر في إعادة التموضع مع مصالح الدول (وتحديدا مع تركيا التي تدور في فلك أمريكا) بدل التموضع مع المبدأ الإسلامي. ما هيأ لفتح قناة تواصل مباشرة بين تركيا وتلك الفصائل وقامت بدعمها ماليا وعسكريا ومطالبتها بالتموضع الجغرافي في سوريا لكن على مقربة من حدود ما يسمى تركيا لتكون حاجزا منيعا إضافيا للحدود التركية الحديثة. فقد كان لتركيا مصلحة في تجيير تلك الفصائل وتوظيفها في قتال الأحزاب الكردية المسلحة منعا لإقامة أي دولة كردية تهدد تركيا على الحدود الكردية أو حتى داخل سوريا. وكان لتلك الفصائل القابلية في التطويع سواء وظفتها تركيا في الداخل السوري أو أعادت تموضع جزء منهم في ليبيا لحراسة مصالح تركيا هناك أو في أذربيجان أو غير ذلك. نعم كان لتغيير وسيلة أمريكا من الاعتماد على النخب العلمانية والشخصيات العلمانية التي تروج لها في عواصم خارج سوريا، إلى محاولة "ركوب" وتطويع الفصائل الإسلامية ومحاولة دفعها لتصبح في متناول أيدي الدول مثل تركيا الدور الأكبر للالتفاف على ثورة الشام والمشروع الحضاري لإقامة دولة إسلامية حقيقة تحرر أهل المنطقة. حيث أصبح جزء كبير منها يتلقى التعليمات مباشرة من تركيا. ولا أدل على ذلك من حاكم الشام الحالي - الذي انتقل من "تنظيم دولة العراق والشام" وكان في سجون العراق تحت أيدي أمريكا - ليقود فصيلا مرتبطا بـ"القاعدة" ويستقل عنه ليجعله سوريا على مقاس حجم الدولة الوطنية ثم يعود بناء على طلب تركيا المباشر منه بتغيير مسمى جبهته "جبهة النصرة لأهل الشام" إلى هيئة تحرير الشام بناء على تهديدات بأنه موصوم بـ"الإرهاب". وكان لتركيا دور في تجربة ولائه لها عندما سلمته زمام أمر المنطقة الحدودية مع تركيا قرب إدلب بالرغم من وجود قوات أخرى مناوئة له وتابعة لتركيا مباشرة من فصائل الجيش الحر. فقد شهدت تركيا في فصيله المسلح ما يطمئن تركيا وأمريكا معا - من محاولة دفع باقي الفصائل الإسلامية للتوحد تحت لوائه بدل التوحد تحت ميثاق إقامة دولة الخلافة وقيادة حزب التحرير. ووسيلته لم تكن النقاش بعد أن انتقلت الكثير من الفصائل جراء القصف الروسي على حمص إلى إدلب - بل كانت وسيلة هذا اللواء هي البطش (كما حال الدول) وقتل أفراد الألوية الإسلامية الأخرى كما حصل مع "حراس الدين" ومحاولة الاستحواذ على كل أسلحتهم وعتادهم. فكان دمجا مزيفا تقوده تركيا والمليشيات المسلحة التابعة لها والمدربة على أيديها مستخدمة بعض الشخصيات كحاكم الشام الحالي بغرض الخداع وتطويعها وإعادتها إلى حضن الدول. إضافة إلى ذلك فقد رأت تركيا أنه يمكن الاعتماد عليه بعد أن جربت "إدارته للمناطق المحررة" فيما سمي "حكومة الإنقاذ السورية" من عام 2017 إلى 2024م وذلك بالتعاون معها ومع شخصيات سياسية مدفوعة من قبلها من علمانيين تابعين لها مع "مسحة إسلامية". فكان جل همها في إدلب أن تحاول تطويع الفصائل الإسلامية تحت حاكم الشام الحالي لتقود عملية "البناء" أي صرف انتباه الناس والحاضنة عن المشروع السياسي ليلتهي الناس ببناء المجمعات التجارية وعدم الالتفات لخطر النظام في الشام ولا في تركيا من حيث محاولة عمل كل منهما على صياغة مستقبل البلاد بمرجعية من جنس المنظومة الغربية. فكانت تركيا تحاول دفع الحاضنة للقبول بالمصالحة مع النظام البعثي بل وفتح الحدود معه لتطبيع العلاقات معه، وقد جوبه كل ذلك من الفئة الواعية عبر حملات مخاطبة جماعية للحاضنة الشعبية سواء في إدلب أو الحدود التابعة لتركيا أو على الحدود الفعلية مع النظام البعثي منبها من خطر ذلك. وقد جعلت هذه الأعمال السياسية ظهر الفصيل التابع لحاكم الشام الحالي مكشوفا ولم يقف متفرجا على ذلك بل تصدى لشخصيات منها بالاعتقالات والخطف وبشكل مكرر لأنها تعرضت لما تخطط له أمريكا عن طريق تركيا. فكانت أمريكا تحرص أن تدير إيقاع مجريات الاقتتال ونفوذ الأطراف في الشام لصالح مشروعها من الهيمنة والمنظومة الغربية عن طريق الدول المختلفة، وقد تجلى ذلك في مضمون الاتفاقية التي سرت عام 2020م بين تركيا وروسيا بعد اجتماعهما بإيران - والتي كان محورها أن يكون دور لكل من الجيش التركي والروسي في المراقبة بل التدخل المباشر في حال تعدي أي من الفريقين (أي الفريق المحسوب على الفصائل الإسلامية والآخر المحسوب على الجهة الأخرى أي النظام البعثي) على خطوط تماس حدودية اتفقا عليها مسبقا قرب إدلب. ما يعني أن الفصائل كان يتم توجيهها تحت الحاكم الحالي لتكون موظفة عند تركيا لا غير - ومشروعها العلماني لحكم سوريا بحيث لا يشكل أي تغيير بنيوي في منظومة الحكم في تركيا وطبيعتها العلمانية والسائرة في فلك أمريكا. فقد كان لتركيا عامل زمن الوقت الطويل في تجربته في "إدارة إدلب" دور في تعويمه ليكون حاكم الشام الحالي عند حكام المنطقة وعند أمريكا - بعد أن رأت فيه قابلية فرض نفسه على الآخرين عبر فصيله المسلح على الأرض والذي استطاع أن يفرض المكوس على الناس في بقعة صغيرة كإدلب والقضاء (بمساعدة تركيا) على أي فصيل إسلامي مواز له وليتسنى له وحده (تحت رعاية تركيا) تمثيل جميع الألوية الإسلامية المنضوية والمجتمعة والمتبقية في إدلب. أما الثمن فكان طبعا التنازل عن تبني المنظومة الإسلامية الكاملة فكان هذا التنازل مقابل الحصول على اعتماد تركيا والدول للكرسي الجديد لا غير من دون أي أثر على الناحية التشريعية أو القانونية في البلاد التي ما زالت تحكم بموجب دستور وقوانين حافظ وبشار الأسد والاستعمار الغربي من حيث ترتيب البيت الداخلي والبيت الخارجي. ثورة تسلق عليها أشخاص ودول حرصا على عدم تغيير النظام البعثي تغييرا مبدئيا انقلابيا وذلك عبر تأمين جهات تشرف مباشرة على عملية تغيير شخص الحاكم والتأكد من أنه لن يغير بنية النظام وأسسه بل سيحافظ على أسس الحكم العلماني في الناحية التشريعية سواء داخليا أو خارجيا، أي إبقاء الشام تحت حكم القانون الوضعي الذي وضعه الاستعمار وتحت ما يسمى القانون الدولي الذي سبق أن لفظته أمريكا كما لفظت الناتو. وبشكل أدق ليكون تابعا للحكم العلماني في تركيا حيث اعتماد الحريات والنظام الديمقراطي وعقيدة النظام الرأسمالي كأساس للحكم لا الشريعة الإسلامية. أما ما تضمنه هذا العمل اللئيم من خطف لثورة الشام فقد كان من نتائجه اعتراف الحكم في سوريا بـ"لعبة" أو اتفاقية سايكس بيكو وحدود سوريا بموجبها واعتماد الرابطة الوطنية العنصرية بديلا عن الرابطة المبدئية الإسلامية واتخاذ الراية الوطنية الضيقة راية للدولة بديلا عن لواء الإسلام الجامع للأمة والذي تم به دخول المسجد الأموي يوم 8 من كانون الأول 2024م. وقد دفعت أمريكا الحكم الجديد في سوريا للقيام بأعمال التطبيع والتنسيق المباشر مع كيان يهود في ظل وجود احتلال للأرض المباركة فلسطين والجولان وحتى أجزاء إضافية من سوريا تم قضمها من قبل الاحتلال اليهودي بعد الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024م. لكن إن كانت لأمريكا وتركيا وكيان يهود الجولة الآن في الشام فإن الجولة القادمة ستكون للأمة الإسلامية. حيث إن الفئة الواعية ستعمل على سردية أن الأمة تستطيع الحكم بالإسلام الآن لكن ذلك محال بوجود منظومة سايكس وبيكو وبوجود دساتير علمانية المضمون. حيث إن الأمة لا تستطيع نصر أي قضية بمبدأ غير مبدئها فكيف بسجون الوطنية ودساتير الغرب؟ هذه المفاهيم التي أخرجت المسجونين ظلما من أهل سوريا من سجون رومية في لبنان وأعادتهم إلى ذويهم لكن أبقت على أهل لبنان منهم في السجون. فهل من سعى لإخراج أهل سوريا من تلك السجون أسس جبهته لنصرة أهل الشام حقا؟ أم تم إيقاعه في فخاخ الغرب من وطنية ومنظومة الغرب العلمانية؟ أم هو ومن معه رضوا بما هو أقل من منظومة الإسلام الكاملة مقابل كرسي معوج - كرسي لا يمنحهم لا تحرير أراضي الجولان وإعادتها إلى أرض "الوطن" ولا فرض القوات النظامية على أرض السويداء بسبب إملاءات كيان يهود ولا إنهاء حالة "قسد" بل العمل على دمجها في الجيش النظامي بإملاءات أمريكية وتركية! فضلا عن أن هذا الكرسي المعوج لا يسمح بتحرير الأرض المباركة فلسطين - حيث بدلا عن العمل على ذلك وقتال يهود وتحرير الأسرى المهددين بالقتل وتحرير المسجد الأقصى المغلق - نجد أن الصف الأول من "السياسيين" التابعين لتركيا يتوددون إلى ساسة كيان يهود ليرضوا ولي نعمتهم أمريكا مخافة أن تغضب منهم أو أن تعيدهم إلى عداد "الإرهابيين" بعد أن أزاحوهم منها "تحت التجربة". وقد وقعوا في الفتنة جراء دخولهم الرسمي في "التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب" مع أمريكا لقتال بعض من أهل الشام في أرض الشام وبمعاونة قوات أمريكية عسكرية - ما كان عندهم من "المحرمات" من قبل - لكنها الحياة الدنيا حيث لا يبقى فيها إنسان على حال إلا بتثبيت من الله. ولعل الأحداث القادمة في الشام وغير الشام وسير الأحداث عند قوى مختلفة من الأمة الإسلامية تدفع بالفئة الواعية لتتقدم الصفوف من جديد بسردية وجوب حكم الإسلام كاملا وبه وحده وبأمة إسلامية مترامية الأطراف لا بوطنية نتنة بل بأحكام الإسلام التفصيلية والدقيقة بدل حكم علماني وتابع لمشاريع تركيا وأمريكا وكيان يهود بعد أن يتم استنفاد الغرض منه من قبل أمريكا.

 

خامسا: الأحداث في الأردن وبلاد شمال أفريقيا وبنغلادش وباكستان:

 

بالرغم من تغير أشخاص بعض الحكام في بعض بلاد شمال أفريقيا بعد أحداث الربيع العربي نهاية عام 2010م ومنها مصر وفي بنغلادش عام 2024م لكن دون تغيير أي منهم في الأردن، بقيت المنظومة الغربية بمرجعيتها الفكرية وسرديتها هي من تتحكم بالمشهد العام. وحتى عبر النظام المتحكم الذي ركب الموجة وضحى بـ"شخص الرئيس" أحيانا مقابل إبقاء منظومة الحكم الرأسمالية والعلمانية التابعة للغرب والأخطبوط الأمني المربوط بأمريكا كما في مصر. وفي أحيان أخرى ضحى النظام القائم بشخص الرئيس لأن رئيسه أصبح في بعض الحالات عبئا على النظام العلماني كما في حالة الشيخة حسينة في بنغلادش والتي كانت تستهين بأرواح المدنيين والجنود على حد سواء فاستضافتها الهند بعد فرارها إليها. وفي بعض الحالات اضطر النظام العام لأعمال دعائية للمحافظة على سرديته عن "الاستقلال" المزعوم عن أمريكا كما حصل في باكستان عام 2025م بضرباته العسكرية حيث برزت قوته العسكرية ردا على الهند المجاورة وبها حاول كبح الفئة الواعية التي تحاول التأثير على أفراد القوات المسلحة ودفع باكستان إلى سردية الأمة الإسلامية ودولة الخلافة، وضرورة نصرة غزة بالقوات المسلحة لا بالدعاء ولا الأكل ولا بحماية كيان يهود بل القضاء عليه.

 

أما الفئة الواعية في بلاد الطوق ومنها مصر والأردن فعليها أن تركز على دفع سردية وحدة الأمة الإسلامية وبأن جيش مصر وبأن جيش الأردن قادر على قتال يهود بل على توحيد الأمة الإسلامية بمشروع سياسي متكامل من جنس مبدئها وذلك عندما يلتحمان أو يلتحم أحدهما بمشروع دولة الخلافة الذي يقوده حزب التحرير، فيصبح دورهم ليس حماية اتفاقيات خيانية كوادي عربة أو كامب ديفيد أو وضع حواجز على رفح تتيح ليهود الاستفراد بالأمة الإسلامية في غزة ولا يصبح دورهم حماية كيان يهود اللقيط وإسقاط المسيرات المنطلقة لضرب كيان يهود بحجة أنها "إيرانية" ولا حماية الاتفاقيات الأمنية مع أمريكا ولا أن يكونوا حراسا لجنود أمريكا ويهود بمسمى "مجلس السلام" بل يكون دورهم الزحف إلى كيان يهود المجاور وإنهاؤه عن الوجود وطرد أمريكا وبريطانيا من المنطقة مع طرد كل بضاعتها من علمانية وأنظمة ملكية وجمهورية وروابط وطنية ودساتير غربية وعلمانية.

 

الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة مقابل استراتيجية الأمة الإسلامية:

 

 أما أمريكا فهي حريصة كل الحرص على تنفيذ استراتيجيتها الجديدة بعهد ترامب والتي نشرها في شهر تشرين الثاني من 2025م فكان أن باشر بتنفيذ الجزء المتعلق بمضيق هرمز ومحاولة تغيير ما يسميه "النظام الإرهابي" في إيران.

 

وفور اغتيال خامنئي عادت إيران لتقول كلمتها في أرض لبنان والعراق واليمن وكذلك فوق مضيق هرمز وفوق سماء كثير من دول الخليج بالإضافة إلى سماء سوريا والأردن والأرض المحتلة المباركة وذلك عبر أعمال انتقامية متعددة طالت بعض المسلمين كما طالت أفرادا من الجيش الأمريكي المحتل في بعض البلاد الإسلامية وأفرادا من كيان يهود وعتادهم العسكري كما تعرضت لبعض مصالح الدول الغربية وبعض مصالح المسلمين من نفط وغاز ولبعض من مصالح كيان يهود بالأرض المباركة. وكان ترامب الأرعن قد وعد بتغيير نظام إيران في غضون أربعة أيام في رمضان لكنه فشل وأي فشل.

 

ومقابل هذه الاستراتيجية الأمريكية، على أصحاب الفكر الإسلامي أن يعززوا من سردية أن قضية الأمة الإسلامية ليست مجرد تحرير الأرض المباركة فلسطين. فالموضوع لا يحصر لا بفلسطين وأهلها ولا حتى لبنان وأهلها أو الجزيرة العربية وحدهم ولا أهل إيران وحدهم بل بالأمة الإسلامية جميعها وسردية ضرورة إيجاد جيش إسلامي نظامي يعيد وحدة الأمة كلها وسيادة الشريعة على باقي النظم في الكرة الأرضية كلها، وتعزيز سردية أن الأمة الإسلامية كلها محتلة في هذه السجون "الوطنية" و"الأنظمة العلمانية" سواء بشكلها الجمهوري أو الملكي، ما يستلزم التحام المخلصين من أبناء القوى العسكرية سواء الملتحقين بجيوش نظامية أم غير ذلك، بمشروع سياسي مفصل للحكم بالإسلام وحده دون سواه. وهذا المشروع السياسي موجود لكن هو بحاجة إلى تبني شريحة أكبر وأوسع من الجماهير وأهل القوة من المسلمين. أما قوة المسلمين العسكرية فلا يشك في أنها متكافئة مع العدو من شاهد ما فعلته دولة واحدة فقط من بلاد المسلمين وهي إيران في عام 2026م من أعمال انتقامية ردا على مقتل خامنئي وردا على مقتل الصف الأول من رجال دولة إيران على يد أمريكا وكيان يهود، سواء عبر انتقامها بضربات مباشرة على كيان يهود وقتل بعض أفراد جيشهم أو على قواعد عسكرية أمريكية وبريطانية في الخليج العربي والشرق الأوسط. وأيضا من شاهد هروب قوات أمريكا من أفغانستان نتيجة لضربات المجاهدين هناك عام 2021م. لكن ليس باستطاعة إيران ولا أفغانستان ولا حتى باكستان ولا غيرها من القوى العسكرية في الشام وتركيا الخروج من عزلتها عن الأمة الإسلامية طالما أبقت على الروابط الوطنية والطائفية البغيضة. وطالما بقيت أسيرة في هذه الحظائر و"السجون" الفكرية فسيبقى الغرب بمنظومته الفكرية يعيد تشكيل المشهد بمبدئه الرأسمالي مستعينا بالحكام العملاء وما يتيحونه من احتلال عسكري للبلاد الإسلامية، منعا لقيام أي أمن ذاتي للأمة الإسلامية إلا ما يثيره الحكام وأحلافهم من حملات إعلامية كاذبة يتشدقون بها وهي لا تعدو أن تكون حملات أمنية لأسر الحكام وذويهم ومنافعهم الشخصية أي الحراسة الشخصية لا حراسة البلاد من هجمات عسكرية كما تأكد في ضربات إيران الأخيرة على دول الخليج العربي التي لم يتم التصدي لأي منها برد حقيقي معتبر من قوات تلك الدول. زد على تلك الحملات الإعلامية الكاذبة عن "أمن ذاتي" مشاركة دول الخليج بمناورات عسكرية قبل مقتل خامنئي، أي مشاركة دول الخليج العربي أو أغلبها في تنظيم تدريبات لقوات البلاد العسكرية تحت إشراف قوات الاحتلال ومشاركتها سواء أمريكية أو غيرها حتى يكون أفراد القوات المسلحة من أهالي البلاد وقوتهم الحقيقية تحت بصر الاحتلال المباشر وحتى لا يخرج أحد منها عما هو مرسوم له من الغرب وحتى يستمرئ الذل ويشاهده ويعتاده ويتملق الكفار المحتلين وينسى معاني العز وأحكام الشرع شيئا فشيئا التي تحرّم عليه وعلى أمته بشكلها الجماعي لا الفردي فقط موالاة الكفار ولإحباط أي محاولة تحريرية حقيقية في مهدها من أول الطريق عند ظهور بوادرها عند أفراد القوات المسلحة أو تشكيلاتها.

 

ضرورة الحذر من محاولات التوفيق بين الإسلام وغيره من النظم:

 

في خضم هذا الصراع يجب على المسلمين الحذر من أية محاولات لإعادتهم إلى المربع الأول والالتفاف على مشروع الإسلام الحضاري. وهذا يشمل عمليات تجميل الواقع المحسوس بمسميات مختلفة ومحاولة تصويرها بأنها إسلامية أو أنها تتماشى مع الإسلام. كمن يحاول تصوير الدساتير الغربية العلمانية بأنها "إسلامية المنشأ" ونسبتها إلى مذهب من المذاهب. وذلك ليتسنى للغرب بسهولة من زرع منظومته الفكرية وسرديته من جديد والتي تختلف في الأسس والتفاصيل عن الإسلام بشكل لا يخفى على أي عاقل كما يحصل مع من يروج لمشروبات "روحية" أي الخمر مع أن الخمر لا علاقة لها بالروح والروحانية أي ليس من شأنها تقوية العلاقة مع الخالق ولو حملت اسم "روحية". فالمهم هو مضمونها أي واقعها وليس اسمها فقط، أي واقعها وحكم الشرع فيها حقيقة. فمثلا لا مكان للدولة المدنية في الإسلام لأنها علمانية المضمون. ولو كان اسمها يوحي للبعض أنها محكومة من مدنيين وليس عسكريين. ولو كان كذلك يوحي لبعضها الآخر أنها مجرد دولة قائمة على قوانين تنظم حياة الناس دون تمييز. فكل الدول لها قوانين وما يميز دولة عن أخرى هي مرجعيتها الفكرية وأسسها. فالمصطلح ضبابي والأفضل تجنبه في أحسن الأحوال منعا من تجييره لسردية الغرب في الحكم. بالمقابل فإن الإسلام لا يحوي دولة دينية كذلك لأن حكامها بشر وليسوا ملائكة. بقي إذن أن الدولة في الإسلام بشرية لكن التشريع فيها لله وحده فتكون السيادة فيها للشريعة الإسلامية لا لأهواء البشر بمن فيهم الحكام. فملاحظة دقة المصطلحات أمر مهم ودورها في نشر السرديات على أنواعها وتوجهاتها الحقيقية حتى يتسنى بقاء هيمنة الإسلام. كما حصل مع سرديات الغرب العلمانية التي احتوت على مصطلحات كانت الغاية منها إلهاء الأمة عن معرفة سر نهضتها ودفعها لإرضاء الغرب وجعل جزء من الأمة تابعا لها كما حصل جراء استخدام مصطلحات "الإرهاب والاعتدال والتطرف والأصولية والتطرف العنيف وداعش والاندماج واحترام التنوع..." كما هي تحت ضغط الواقع ومخافة الوقوع تحت ظل مخالفتها دون التطرق للأهداف الحقيقية من ورائها، أي أهداف الدول التي أطلقتها في حصار الإسلام وحملة دعوته حول العالم وإبقاء سيادة هيمنة أفكار وأنظمة الغرب العلمانية في تنظيم المجتمع بدلا عن الإسلام. ولمنع الوقوع في حبائلها فلا بد من الباحث عن الحق أن يقوم بالتالي:

 

1- التزود بالثقافة الإسلامية واستحضار الأدلة الشرعية التفصيلية أي بذل مجهود شخصي في التعمق في كتب الحديث الشريف والسيرة النبوية والتفسير وعلوم التجويد والقرآن الكريم والحفظ منه ومن السنة النبوية ما أمكن من الأدلة التفصيلية.

 

2- التعمق في فهم الإسلام بوصفه منظومة متكاملة لشؤون المجتمع سواء السياسية والاقتصادية والاجتماعية مقابل منظومة الغرب العلمانية. وهذا يلزمه كذلك دراسة ما طرأ في العصر الحديث من أحداث على الأمة الإسلامية والكيفية التي قضى فيها الكفار على دولة الخلافة، والطريقة الشرعية والعملية لعودتها. ما يستلزم البحث والتنقية ودراسة كل ما اكتسب من علوم شرعية ومعرفة ما طرأ عليها من خطأ في الفهم أو النقل على سواء. وأضرب على ذلك مثال حديث رسول الله ﷺ: «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ». وإن كان حديثا متعلقا بأمر غيبي وليس بالمنظومة التشريعية المعنية، فإني ضربته كمثال لأن البعض أراد أن يفهم أن حرف الهاء في كلمة "صورته" عائدة إلى الله سبحانه وتعالى والعياذ بالله من ذلك، لأن هذا البعض يريد تأييد بعض عقائد النصارى حول ألوهية عيسى عليه السلام بالرغم من أن كلام الله سبحانه وتعالى على النقيض من ذلك حسب ما جاء في صريح القرآن الكريم. فينبغي للمتعمق في حديث كهذا أن يعلم أن هناك محاولات تحريف للإسلام بشتى الوسائل وأن حرف الهاء في الحديث المذكور بالحقيقة عائد كضمير إلى آدم عليه السلام. أما المثال الثاني الذي أضربه فهو حديث أقرب لواقع المنظومة التشريعية فهو حديث نصه (كما يرويه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه) «دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَا وَرَجُلَانِ مِنْ بَنِي عَمِّي، فَقَالَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمِّرْنَا عَلَى بَعْضِ مَا وَلَّاكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَالَ الْآخَرُ مِثْلَ ذَلِكَ. فَقَالَ ﷺ: إِنَّا وَاللَّهِ لَا نُوَلِّي عَلَى هَذَا الْعَمَلِ أَحَداً سَأَلَهُ وَلَا أَحَداً حَرَصَ عَلَيْهِ». فمنه من فهم أن الإسلام يأمر الناس باعتزال السياسة. وفهمه بشكل يتناقض مع مقتضيات ما قام به تكتل الصحابة في مكة من تحد لصناديد وقيادات وطريقة حكم قريش، وبشكل يتناقض مع أعمال كتلته ﷺ وعرض الرسول ﷺ نفسه على القبائل. وكل ذلك أعمال سياسية ثبتت بالسيرة النبوية وبالقرآن الكريم كذلك وهي أعمال لأخذ قيادة المجتمع. وبالتدقيق نجد أن الحديث المذكور ليس دعوة لاعتزال السياسة ولاعتزال رعاية شؤون الناس، ولا دعوة لترك الحكم ليكون بأيدي الكفار ولتكون كلمة الطاغوت والجاهلية هي العليا. وليس بحديث يظهر منه أي تناقض مع ما حصل من أحداث سياسية في سقيفة بني ساعدة إثر وفاة الرسول ﷺ من التنازع على ما يقود الأمة وما نتج عنه من نصب خليفة للمسلمين. بل عمل الأنبياء هو السياسة كما في الحديث الشريف: «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ، كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي، وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ. قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: فُوا بِبَيْعَةِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ». أي هو أشرف عمل وهو قيادة البشرية على الحق لا الباطل. إذن يتبين أن الحديث عن تولية شخص يحمل على غير ما يفهم منه البعض. فالحديث عن جهاز دولة إسلامية قائمة وبشخص الرسول ﷺ، وليس دولة تحكم بأحكام الطاغوت. ما يستدعي وجود دولة تطبق الإسلام أساسا قبل الحديث عن تولية من عدمها. وهذا بالتأكيد يستلزم عملا لإيجادها في أرض الواقع بل طلبا لوجودها من أمة موجودة مكلفة بحمل رسالة الإسلام وتنفيذ أحكامها. فالحديث لا يعدو إلا أن يكون وصية للقائم على دولة الإسلام بألا يولي أحداً مسؤولية في الدولة بناء على تقدم أحد الناس إليه بخصوصها بل لمعرفة القائم على الدولة الخاصة بقدرات كل إنسان وأهليته لتلك المسؤولية آخذا بالحسبان تقواه وورعه الشخصي بالإضافة إلى كفايته في العمل المعين أو المسؤولية المعينة. فالتعمق في فهم الأدلة الشرعية واستظهار أدلتها وتمييز ما هو ضعيف من الصحيح منها هو أحد الأعمدة في بناء شخصيات إسلامية تقود الناس إلى المشروع الإسلامي الصحيح لا إلى مشروع عدوها العلماني. وما يساعد في أن يبلغ التعمق مداه حتى يكون مستنيرا هو التأكد من أن الثقافة المتبناة سواء أكان أدلة نصية أو فهما لتلك النصوص لا يتناقض بعضها مع بعض في أي جزئية، وقد حرص حزب التحرير على ذلك أيما حرص في ثقافته المتبناة - سواء أكانت كتبا يقوم بتثقيف الأفراد بها بشكل أسبوعي أو عبر نشراته المتعددة وأجوبة الأسئلة التي تصدر عنه في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية أو التعليمية أو ما تعلق بسياسة الدعوة والجهاد. وكانت تلك الثقافة مستنيرة إلى درجة أنه تم ربط كل فكرة جزئية أو فرعية (سواء أكانت من العقائد أم الأحكام الشرعية) بالأساس الذي انطلقت منه، أي تم ربط كل ذلك بالمفهوم الرئيسي للقيادة الفكرية الإسلامية ألا وهي "لا إله إلا الله محمد رسول الله". كما فعل كذلك مع كل ما يناقض المبدأ الإسلامي في أرض الواقع من أفكار ومفاهيم ومبادئ كالنظام الرأسمالي أصحاب مفهوم "الحل الوسط بين رجال الدين والكهنوت وبين علماء الكون في العالم النصراني" أو كالنظام الشيوعي أصحاب مفهوم "لا إله والكون مادة". لكنه لم يفعل ذلك ليؤكد على مضامين المبادئ المخالفة للإسلام، بل ليشرح واقعها وفلسفتها وكيفية انبثاق نظمها عن عقيدتها ونقضها وتبيان مخالفتها لحقائق الأمور أي عدم انطباقها على واقعها فضلا عن مخالفتها لرسالة الإسلام.

 

قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ * وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَىٰ لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُم مُّفْرَطُونَ * تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نزار جمال

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

انكشف السر وراء الاعتقالات والمحاكمات

والتضييق على حملة الدعوة

 

 

في الفترة الماضية قامت الأنظمة القائمة في بلاد المسلمين بحملة شرسة ضد حملة الدعوة باعتقالهم ومحاكمتهم والتضييق عليهم؛ من علماء ومنسوبي الجماعات وبخاصة شباب حزب التحرير/ ولاية السودان، في ظل الحرب الدائرة بين قوات الدعم السريع والجيش، ونتائجها الوخيمة التي تقع على أهل البلاد من قتل وتجويع ونزوح وتشريد في أطراف البلاد والدول المجاورة، لتحقيق هدف أمريكا الاستعماري بتمزيق السودان وجر الحكومة للتطبيع مع كيان يهود بعقد اتفاقات أبراهام.

 

في ظل هذه الأوضاع يقوم حزب التحرير بواجبه الشرعي في كشف خطط أمريكا وتبني مصالح الأمة في المساجد والساحات العامة والأسواق والفضاء الإلكتروني، وهذا ما أزعج أمريكا الطامعة في بلادنا فأوعزت لحكومة السودان بالقيام باعتقالات لشباب حزب التحرير في مدن السودان المختلفة، آخرها اعتقال شباب في مدينة الأبيض ومحاكمتهم بالغرامة تحت مادة الإزعاج العام! وقد كان الاعتقال بعد مخاطبة في مسجد الأبيض.

 

يكشف ذلك أن التعليمات جاءت من سيدتهم أمريكا وسلطات السودان تنفذها ضد حملة الدعوة. وفي استغراب واستنكار من الرأي العام في البلاد، كيف لمن يقومون بأعمال سلمية وحديث في مسجد أن يعتقلوا، ومن يعتدون على الأموال والأعراض أن يسرحوا ويمرحوا ولا يعاقبوا، بل يستقبل رئيس البلاد قياديا من قوات الدعم السريع ويعفو عنه ويهديه سيارته؟!

 

يكشف ذلك تصريح كوشنير صهر رئيس أمريكا ترامب في فيديو متداول في الوسائط هذه الأيام يقول فيه: "طهرنا الكثير من المساجد لتسهيل التطبيع مع (إسرائيل)"، حيث نقلت سي إن إن تصريحات لجاريد كوشنير تعود للعام ٢٠٢١ يقول فيها: "طهرنا الكثير من المساجد لتسهيل التطبيع مع إسرائيل".

 

وفيما يتعلق بتشريد الأمة وتهجيرها، فقد كانت سياسات أمريكا واضحة؛ ففي مقابلة في جامعة هارفارد في 15 شباط/فبراير 2024، قال كوشنر "لو كنت مكان إسرائيل لنقلت سكان غزة وطهرت المنطقة"، وفقا لصحيفة الغارديان البريطانية.

 

إذاً هذه الإجراءات ضد المخلصين في الأمة ومحاربة المنبر الإسلامي، وسياسات التهجير والتشريد، هي لحماية كيان يهود وذلك بتمزيق بلاد المسلمين وإضعافها وإشعال الصراعات والفتن بين مكوناتها.

 

على الأمة الإسلامية حزم أمرها والسعي لتغيير هذه الأنظمة العميلة الخائنة التي تأتمر بأمر الغرب الكافر وكيان يهود، واستعادة سلطان الإسلام بإقامة الخلافة الثانية على منهاج النبوة، التي هي وعد الله سبحانه وبشرى حبيبنا المصطفى ﷺ.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد الله حسين (أبو محمد الفاتح)

منسق لجنة الاتصالات المركزية لحزب التحرير في ولاية السودان

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

ما الذي يضير إيران أن تعلنها خلافة راشدة

لتشفي صدور قوم مؤمنين وتقطع دابر الكافرين؟!

 

 

لقد بلغ السيل الزبى، هذا مثل عربي يقال عندما تصل الأمور إلى مستوى لا يمكن السكوت عنها. وقد عبر القرآن الكريم بأسلوب أعمق في غزوة الخندق عندما طوق المشركون ومن معهم المدينة، وأدرك المسلمون أنهم في مأزق رهيب، فقد وصف القرآن ذلك المشهد في تصوير يترك القارئ كأنه يشاهد الواقع أمامه: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾.

 

إن ما آلت إليه حال الأمة الإسلامية خلال المائة عام ونيف بعد إسقاط الخلافة العثمانية لا يخفى على أحد؛ فقد مزقت شر تمزيق، وقتلت شر تقتيل، وجوعت شر تجويع، وأهينت كرامتها، بل تطاول العلوج على الذات الإلهية، وتطاول الكفار على رسولنا الكريم ﷺ في صور كاريكاتورية، وحُرق المصحف أكثر من مرة. لقد مارس الغرب جرائمه تحت غطاء مبدئه الفاسد الذي بنى له منظومته الأممية، مستغلا شعوب الدنيا عبر سماسرة الفكر الرأسمالي من أبناء المسلمين وغيرهم، الذين قبضوا الثمن، وعبر ما يسمى بالدول الوطنية والقومية، حيث نصب نواطير يضبط بهم بوصلة حياة الشعوب لنهب ثرواتها ويبطش بكل من يخرج من عباءة نظامه الفاسد. وقد عبر المتظاهرون في أمريكا عن الحالة الفرعونية التي ظهرت بشكل فج في رئيسهم ترامب (لا ملوك... الملايين يحتجون ضد سياسات ترامب والحرب على إيران).

 

لقد هدم ترامب منظومة الأمم المتحدة على رأس الجميع، وهو يقول إن كل المنظمات الأممية والدولية وقوانينها يجب أن تذهب إلى واد سحيق ونعيد بناء الأسرة الدولية وفق مزاجنا، ووفق رؤيتي لخدمة "أمريكا أولا"، وإجبار كل من يعارض دخول بيت الطاعة بالقوة، ولا اعتبار لأي أخلاق أو أي معيار موجود ولا خطوط حمر؛ فموت الأوكرانيين لدفع روسيا عن طموحها الدولي واجب، وخطف مادورو رئيس فنزويلا ضرورة لإفساح المجال أمام شركاتنا لدخول فنزويلا، وضرب غزة وقتل أهلها لتحقيق أمن كيان يهود أمر لا بد منه. أما حرب إيران فهي اصطياد عصفورين بحجر واحد؛ العمل على قصقصة أجنحة الصين ذات النفوذ في آسيا وإيجاد متاعب لها في الطاقة، والتوسع في النفوذ والسيطرة المطلقة على الشرق الأوسط في جميع المجالات، بل جعله منطقة نفوذ أمريكي بامتياز دون منازع، ليكون أشبه بالمزرعة الخلفية في البيت الأبيض.

 

إن سلوك أمريكا اليوم بلغ مبلغا من العنجهية والغطرسة والجبروت والإرهاب المكتمل الأركان. فهي لا تسمع لأي صوت ينادي بأن تتوقف عن هذا السلوك. بل داست أمريكا على الهرم الدولي المنادي بحقوق الإنسان والمرأة، وأخرست كل ناعق منبهر بتلك المؤسسات بعد جرائم إبستين وعنهجية ترامب.

 

إن دخول أمريكا حربا مع إيران بعد خدمات قدمتها الحكومات المتعاقبة في إيران لم يشفع لها أمام سلوك أمريكا العدواني المتأصل فيها، وهي تطبق مبدأها القائم على أن المنفعة أساس كل شيء، فلا اعتبار لأي قيمة إذا تعارضت مع طموح أمريكا وسيادتها للعالم. إن من يعرف أمريكا لا يستغرب البتة تصرفاتها، سواء أكانت من ترامب الجمهوري، فالجمهوريون يظهرون العنجهية في سياساتهم وعدم استخدام الدبلوماسية الناعمة، أو الديمقراطيون الذين يمارسون سياسة العصا والجزرة والنعومة الدبلوماسية، سياسة دس السم في الدسم. فهذا منهجهم وهذه طريقة عيشهم.

 

إن المستغرب حقا وما يدعو إلى الاستهجان هو سلوك دول الشرق الأوسط ومنها إيران، واتباع سنن الكافرين وعلى رأسهم أمريكا، ظنا منهم أنهم معها في مأمن، وأن أمريكا تحترم الدول التي وقفت معها في إدارة العالم وفق المعايير الدولية. فالواجب على كل مسلم أن يدرك بأن المعايير الدولية تخالف أحكام الإسلام جملة وتفصيلا، ومن يؤمن بالله حقا وبالإسلام دينا وبأن سيدنا محمدا ﷺ نبي ورسول لا يمكن له أن يوالي الكفار ويأمن مكرهم، وقد نطقت الآيات بذلك، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتم تَعْقِلُونَ﴾.

 

لقد كانت أمريكا في السابق تحافظ إلى حد ما على عملائها وتحاول أن لا تكشفهم أمام شعوبهم، إلا أن معطيات السياسة الدولية حتمت عليها أن تكشف عن وجهها القبيح، فكشفت عن كل من يتعامل معها بوضوح تام، فعرّت هؤلاء الحكام، الأمر الذي جعل الشعوب تتعرف على حقيقة الاستعمار، وأن هؤلاء الحكام خدم، وبدل أن يخجلوا من مواقفهم المخجلة ازدادوا تعنتا ونذالة! وانطبق عليهم قول الشاعر أبو الطيب المتنبي:

 

مَن يَهُن يَسهُلِ الهَوانُ عَلَيهِ *** ما لِجُرحٍ بِمَيِّتٍ إيلامُ

 

إن سلوك أمريكا المستفز بأن من يعارضها من حكام المنطقة يجب تغييره بالقوة دون النظر لأي خدمات قدمها لها، كان كفيلا بأن يجعل الدماء تغلي في العروق، ويوقظ العقول التي تحجرت على الواقع الفاسد ليُروا من أنفسهم خيرا، وهم في فسحة من أمرهم، فإيران قدمت لأمريكا خدمات كبيرة على حساب أخوة العقيدة الإسلامية، وهي أسمى أخوة، وأخوة الجار، وهي حقوق جعلها الإسلام عظيمة، والأخوة في علاقات كثيرة مشتركة يأخذ بعضها برقاب بعض. فكان ظلم ذوي القربى أشد، كفيل بأن يحرك إيران تجاه أمتها فتقطع حبائل الغرب الكافر لتكفر عن ذنوبها بأن تغير وجه التاريخ وتقلب الطاولة على الكفار وتنتصر للحق (الإسلام العظيم) وتكتب سفرا جديدا يخلده التاريخ، يعيد للأمة مجدها ومكانتها التي ترضي ربها، وتقوم الخلافة نظام الحكم الذي يقطع دابر الكافرين ويشفي صدور قوم مؤمنين.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

الشيخ محمد السماني – ولاية السودان

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الصَّهْيَنَةُ في المغرب

استفحلت واستشرى خبثها وطفا نتنها

ونظام الخيانة والعار هو راعيها وحاميها!

 

ما جرى من فجور على أسوار مدينة مراكش في المغرب هو نتيجة خيانة تطبيع النظام مع الكيان الغاصب، عبر فتح أبواب المغرب ليهود، وأنكى منها عقدهم لطقوسهم التلمودية على أسوار المدينة بضمانات من النظام الخائن، ما خلف غضبا شديدا بين أهل المغرب بعد انتشار فيديو يوثق تلك الطقوس.

 

إن هذه الخيانة ليست نشازا ولا هي معزولة منفردة، بل هي نهج لسياق متنامٍ ومتصاعد، فهي شق من سياسة الضغط والصدمة للدفع قسرا بأهل المغرب المسلمين الرافضين نحو خيانة التطبيع التي يستنكرونها بشدة، وهي صدمة لكسر الحاجز النفسي قسرا تجاه يهود وكيانهم الغاصب، وهذا الحادث هو شق من سياسة الصهينة العامة والشاملة التي ينتهجها النظام الخائن.

 

لقد أخرج تطبيع النظام المغربي مع الكيان الغاصب عبر اتفاقيات أبراهام المشئومة تلك الصهينة الدفينة في أحشاء النظام إلى العلن، وأضحت بعد التطبيع سياسة دولة، وقد طالت هذه الصهينة السياسة والثقافة والاقتصاد والاجتماع والأمن، بل لقد استفحلت واستشرت وفاض خبثها وطغى نتنها.

 

فتلك الصهينة السياسية ووجهها السافر الفاضح ممثلا في مستشار القصر أندري أزولاي عَيْن ويد الكيان الغاصب في المغرب، ولقد طال نفوذه حتى شمل دائرة الثقافة في المغرب، فهو من يترأس مؤسسة الثقافات الثلاث للبحر الأبيض المتوسط ومن أهم أهدافها محاربة الإسلام، وهو من يؤطر ويدعم ويسند العصبية الأمازيغية ويرعى كذلك أوكار الإلحاد والزندقة في المغرب ويغرس بذور جرثومة الصهينة فيها، وجراء تفانيه في خدمة الكيان الغاصب فقد وشحه رئيسه إسحاق هرتسوغ وسام الشرف الرئاسي في قدس المسلمين المغتصبة!

 

ثم الصهينة الأمنية والعسكرية والاختراقات المفزعة للدائرة الأمنية والعسكرية عبر اتفاقيات ومناورات وتصنيع حربي وتسليح وأجهزة تجسس وتكنولوجيا الرصد والمراقبة، ويتم هذا الاختراق الأمني الخطير عبر التكنولوجيا والأمن السيبراني على يد شركات يهود التي أبرمت عقودا مع وزارة الداخلية والدرك الملكي، تتيح لهم الاطلاع على البيانات الحساسة والملفات الخطيرة المتعلقة بأمن البلد والمنطقة.

 

أما الصهينة العسكرية فقد تطورت بشكل مرعب وتحولت لشراكة استراتيجية ومؤسساتية عميقة واختراق تام للمؤسسة العسكرية بالمغرب، ترجمتها خطة العمل العسكرية المشتركة 2026 التي تم توقيعها رسميا في كانون الثاني/يناير 2026 وتهدف لمأسسة التعاون الأمني والعسكري لسنوات قادمة، وشملت مجالات التصنيع تحت غطاء نقل التكنولوجيا كمصنع المسيرات "سباي إكس" في منطقة بن سليمان، الذي يزود كيان يهود بالمسيرات التي يقتل بها أبناء الإسلام في غزة والضفة ولبنان وسوريا واليمن والعراق وإيران، وهي أول منشأة من نوعها في شمال أفريقيا تابعة لشركة بلو بورد التابعة لكيان يهود، ولقد خضع معها مهندسون وفنيون من المغرب لتدريبات مكثفة في الكيان على عمليات التجميع والصيانة لضمان ضبط كامل لتكنولوجيا قتل المسلمين!

 

ثم صفقات التسليح الكبرى كنموذج الأقمار الصناعية، فقد أبرم النظام بالمغرب في عام 2024 صفقة بقيمة مليار دولار لشراء قمرين صناعيين للاستطلاع (التجسس لصالح الكيان وخدمة له) من طراز "أوفيك 13" من شركة "إ-أي-إ" الصهيونية، وكذلك أنظمة الدفاع الجوي حيث تسلم نظام "باراك إم إكس" للدفاع الجوي والصاروخي وكذلك نظام "سبيدر" من شركة رافائيل، ثم هناك المدفعية فقد تم اقتناء 36 وحدة من نظام المدفعية ذاتية الدفع "أتموس 2000" وأنظمة صواريخ "بيلس" الموجهة، فلقد أصبح الكيان بحلول عام 2024 ثالث أكبر مورد للأسلحة للمغرب بعد الولايات المتحدة وفرنسا، مع توجه قوي ليصبح المورد الأول في مجال تكنولوجيا المسيرات والتجسس.

 

عطفا على المناورات والتدريبات الميدانية كمناورات الأسد الأفريقي 2025 والتي شاركت فيها وحدة الاستطلاع التابعة للواء جولاني الوالغة في دماء أهل غزة، وبشكل علني ومكثف في التمارين الميدانية بمدينة أكادير بما في ذلك محاكاة حرب الأنفاق بغزة، ثم هناك تبادل الخبرات ويشمل زيارات متبادلة لوحدات عسكرية وحلقات نقاش استراتيجية لبناء القدرات، فالحاصل مع شنيع خيانة التطبيع هو اختراق عسكري ليهود مكتمل الأركان للمجال العسكري في المغرب.

 

والصهينة الاقتصادية ونماذجها شركات الكيان الغاصب التي اخترقت النسيج الاقتصادي للبلد على مستوى الصناعة والزراعة والسياحة والمؤسسات المالية والعقار...، وكنماذج لشركات صهيونية بالمغرب:

 

* شركات يهود كشركة بازان لتكرير النفط والمشتقات الكيماوية، وشركة نتافيم للري بالتنقيط وتقنيات الفلاحة كالتعديل الجيني للبذور، وقد افتتحت وطورت مصنعا لهذه الغاية الخبيثة بمدينة القنيطرة بالمغرب، وتغطي كل مجالات الزراعة وهو ما يجعل لها نفوذا بالغا وسامّاً وسيطرة على قطاع الفلاحة، ويتم كذلك استحواذ يهود وشركاتهم على أراضٍ زراعية في مناطق مثل سوس والصحراء جنوب المغرب باسم الاستثمار الأجنبي ويتم بيع منتجاتهم في أسواق المغرب كالتمور المعدلة بأسعار مدعومة من النظام، وكذلك في قطاع الماء والري عبر شركات ليهود تدير مشاريع تحلية المياه (الدار البيضاء، أكادير) ما يمنحها نفوذاً استراتيجياً عبر تحكمها في ماء البلد.

 

* شركة إلبيت سيستمز للصناعات العسكرية والأمنية تشمل توريد طائرات بدون طيار وأنظمة المراقبة والتجسس.

 

وعلى المستوى المالي هناك بنوك واستثمارات مالية وصناديق استثمار ليهود تم تغليفها باستثمارات أوروبية، وما خفي أدهى وأمر!

 

وعندنا الصهينة السياحية ونموذجها شركات طيران مثل إل عال وأركيا التي تنظم رحلات مباشرة إلى مراكش والدار البيضاء وطنجة، ثم هناك فنادق كبرى في مراكش وأكادير وطنجة يملكها أو يديرها يهود وتستقبل علوج الكيان بأعداد كبيرة تحت غطاء السياحة، وأخطر من ذلك شركة الخميس المملوكة لمستثمرين يهود تعمل على امتلاك عقارات وممتلكات سياحة بالمغرب، ويشهد الساحل البحري على ضفة الأطلسي بالمغرب وخاصة بعد التطبيع هجمة على أملاك أهل البلد وانتزاع ممتلكات الناس ظلما وعدوانا وتسليمها لشركات العقار الخاصة ومنها شركات تابعة لكيان يهود، وطول هذا الشريط الساحلي 40 كلم وتم تخصيصه للعقارات السياحية والعقارات العالية السعر مع تصميم عمراني ذا طابع حضاري علماني غربي لا ترى فيه أثرا لمسجد، بل إقامات سكنية يتوسطها مسبح مختلط ومكشوف وقاعات للترفيه والرياضة، والنموذج الصارخ لهذه الصهينة العقارية مدينة الدار البيضاء التي تم هدم ومسح مدينتها القديمة التاريخية من فوق أرض المغرب، فهدمت مساكنها ومدارسها وأسواقها ومساجدها وشرد أهلها وسلمت أرضهم للشركات الخاصة ومنها شركات لكيان يهود تحديدا!

 

والأخطر هي الصهينة الثقافية التي تستهدف العقول والتي وصلت إلى أقصى مستوياتها في استهدافها للإسلام، ترجمها اللقاء الذي عُقد في 9 شباط/فبراير 2022 بمدينة الرباط بين أحمد عبادي الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء وديفيد غوفرين رئيس مكتب الاتصال الصهيوني بالمغرب لبحث خطط عمل لتعاون مستقبلي بين الأئمة المسلمين والحاخامات اليهود لتطويع الخطاب الديني لخدمة خيانة التطبيع.

 

هو نظام الخيانة والعار وهو راعي هذه الصهينة والحامي ليهود الغاصبين لمقدساتنا والوالغين في دمائنا، والأنكى أن سفكهم لدماء أهلنا في غزة ما توقف حتى الساعة وإبادتهم قائمة على قدم وساق، وهذا النظام الخائن هو الراعي والحامي لهذه الصهينة بل يسعى في فجور تام لتحويل بلاد المغرب لوطن بديل ليهود.

 

فهذه الصهينة الكافرة الفاجرة السافرة اليوم هي شق في حرب الغرب الصليبية ضد الإسلام وأمته بعدما أرهقته الحيوية المتنامية المتعالية لمشروع الإسلام الحضاري وكل المؤشرات تنبئ بقرب انبعاثه، فالغرب يصارع في الإسلام اليوم فناءه، وكل همجيته ووحشيته وساديته اليوم في التعامل مع الإسلام وأمته هي بمثابة الحركة القاسية لرمقه الأخير، وقد استدعى فيها كل مخزونه الاستراتيجي وعلى رأسه عملاء حارات الاستعمار.

 

والحالة الاستعمارية اليوم تدار من المركز الغربي رأسا وموضوعها الوحيد حرب الإسلام، وسلاحها الرئيسي والاستراتيجي هم عملاء حارات الاستعمار الموكول بهم استئصال الإسلام للإبقاء على المستعمرة والاستعمار، ولكل دوره ووظيفته في هذه الحرب الحضارية الوحشية الدامية ضد الإسلام وأمته، والنظام الخائن بالمغرب يعد بالنسبة للغرب الكافر مختبرا ومدرسة لكل أسلحته الصليبية وقد اتخذ من الصهينة سلاحا في حربه على الإسلام وأهل المغرب المسلمين.

 

يا أهل المغرب، يا أهل الإسلام: لقد خبر الغرب الكافر تجذر إسلامكم وغيرتكم على حرمات ربكم وعداوتكم العقائدية للكيان الغاصب، وخبر اللعين تلك المفارقة الصادمة المزلزلة بين نظامكم الغارق في رجس يهود، وحقيقتكم كشعب مسلم أبى أهله إلا غسل سورهم بباب دكالة بمراكش لتطهيره من رجسهم.

 

يا أهل المغرب، يا أهل الإسلام: ما خبرنا في تاريخ الأمم أنجاسا يناقضون شعوبهم دينهم ولغتهم وتاريخهم ومقدساتهم وأعرافهم وعاداتهم ويوالون أعداءهم كأنجاسنا، فحري بكم تطهير كل أرض الإسلام من رجس حكامكم الأنجاس.

 

يا أهل المغرب، يا أهل الإسلام: والله ما أبقى لكم هذا النظام من عذر، فأنتم معه أمام خيارين لا ثالث لهما: إما خلاصكم بالإسلام في اقتلاعه وتحكيم شرع ربكم بإقامة دولة إسلامكم العظيم الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، أو السكوت على بوائقه فيسوقكم للكفر والضلال والخسران المبين سوقا.

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مُناجي محمد

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

باكستان أمام خيار: إما أن تحمل رسائل "الشرق الأوسط الجديد"

أو أن تقود "كتلة الهلال الجديدة"

التاريخ لا يكافئ الأمم التي تحمل رسائل للآخرين، بل يخلّد تلك التي تغير التاريخ

 

 

 

مع إعادة تشكيل حرب أمريكا على إيران للشرق الأوسط وفق تصور أمريكا لـ"الشرق الأوسط الجديد"، تجد باكستان نفسها في دور مألوف لكنه مُقيّد: وسيطاً بين واشنطن وطهران. وقد احتفى كثير من الخطاب الداخلي بهذا التموضع الدبلوماسي، لكن اللحظة تفرض سؤالاً أكثر إزعاجاً: هل تكتفي باكستان بدور ناقل الرسائل، أم يمكنها الارتقاء إلى مستوى رجل الدولة الإقليمي؟

 

غالباً ما تُحدِث الحروب صدمة في الأمم؛ فتدفعها إلى إعادة تقييم افتراضاتها، وتُربك انحيازاتها القديمة، وتفتح المجال لتفكير استراتيجي جديد. ومع ذلك، فإن استجابة باكستان لأزمة إيران وأمريكا تعكس قدراً من الحذر أكثر من الطموح والرؤية الجريئة. قد يمنح دور الوسيط حضوراً مؤقتاً، لكنه لا يترجم إلى نفوذ دائم. فالرسول يُسهِّل الحوار لكنه لا يحدد النتائج. ورغم أن النشاط الدبلوماسي الأخير زاد من ظهور باكستان، فإن الظهور ليس قوة استراتيجية.

 

أما فنّ الحكم فيبدأ باستقلالية التفكير، ويتطلب قيادة مستعدة لبلورة رؤيتها الخاصة، المنبثقة من احتياجاتها الأمنية ومصالحها الاقتصادية ونظرتها الحضارية، ورجل الدولة لا ينتظر أن تُسند إليه قوة عظمى دوراً، بل يحدد رؤية ليصبح قوة عظمى. ويشير موقف باكستان الحالي إلى تفضيل منفعة دبلوماسية قصيرة الأمد لواشنطن على الاستقلال الاستراتيجي، غير أن كونها مفيدة لقوة عظمى تبدو في تراجع لا يعادل امتلاك قوة مستقلة.

 

فما البديل؟ مشروع إقليمي جريء ممكن، إذ تتيح الظروف فرصة نادرة: فشلت أمريكا وكيان يهود في إخضاع إيران عسكرياً، وتبدو قيادات الخليج مُنهكة ومكشوفة، فيما تحتاج إيران إلى إعادة تأهيل ما بعد الحرب. تفتح هذه الظروف مجالاً لمبادرة إقليمية جديدة، إذا أظهرت دوائر صنع القرار في باكستان قدراً من الحنكة القيادية. وسيجدون حلفاء مستعدين في الخليج وإيران يشاركونهم الاستياء من سياسة زعزعة الاستقرار التي تقودها الولايات المتحدة في المنطقة.

 

يمكن وصف هذه الرؤية بأنها "كتلة الهلال"، لتحل محل إطار سايكس بيكو المتقادم الذي فُرض بعد الحرب العالمية الأولى. ويمكن إعادة تنظيم المنطقة على أسس سياسية وحضارية أكثر طبيعية، بعيداً عن الهيمنة الخارجية، بما يدمج الشرق الأوسط مع جنوب آسيا وآسيا الوسطى في فضاء استراتيجي واقتصادي أوسع.

 

قد يقوم هذا المشروع على ثلاثة أعمدة: أولاً، تكامل عسكري إقليمي قادر على مواجهة كيان يهود وضمان الأمن الجماعي. ثانياً، ممر طاقي يربط أسواق جنوب آسيا بموارد الخليج الغنية. ثالثاً، تكتل سياسي واقتصادي أوسع يمتد عبر الشرق الأوسط وجنوب آسيا وآسيا الوسطى.

 

ستكون إيران عنصراً مركزياً في هذا الإطار، لا فاعلاً معزولاً. ولن تعتمد كتلة الهلال على القواعد العسكرية الأمريكية لضمان الأمن، بل يمكن لدول مثل باكستان وتركيا ومصر أن تؤدي دور مزوّدي الأمن الصافي، ويفضل ضمن هيكل قيادة موحّد. كما ينبغي لهذا التكتل أن يدفع الولايات المتحدة إلى الانسحاب من الشرق الأوسط وإنهاء دعمها لكيان يهود، بما يغيّر المشهد الاستراتيجي.

 

سيجادل المشككون بأن هذه الطموحات غير واقعية، غير أن القيد الحقيقي ليس القدرة بل الخيال. تمتلك باكستان الامتداد الدبلوماسي والقدرة العسكرية والموقع الجغرافي الذي يؤهلها للعب دور أكبر بكثير مما تفعل حالياً؛ وما ينقصها هو الجرأة واستقلالية التفكير لدى القيادة.

 

وعليه، فالسؤال ليس ما إذا كانت باكستان قادرة على نقل رسالة أخرى بين واشنطن وطهران، بل ما إذا كانت قادرة على تقديم رؤيتها الخاصة. وفي أزمنة الاضطراب، إما أن ترث الأمم المستقبل أو تُسهم في صنعه، وعلى باكستان أن تقرر أي الطريقين تسلك. والخطوة الأولى لكل ذلك هي إقامة الخلافة الراشدة، الحاملة لمشروع حضاري واستراتيجي فريد.

 

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

محمد سلجوق – ولاية باكستان

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

محاكمة شباب حزب التحرير في مدينة الأبيض

حرب على الإسلام وسير مع أمريكا الحاقدة على المسلمين

 

 

درج حزب التحرير الرائد الذي لا يكذب أهله منذ نشأته على توعية الأمة الإسلامية وكشف مخططات الكفار ضدها، وهو متيقن أن أمة الحبيب محمد ﷺ، فيها خير لن ينقطع إلى قيام الساعة، لذا ظل على الدوام مبصّرا الأمة، بما يحاك ضدها من مؤامرات كبيرة تحاك من وراء البحار في أضابير مراكز الدراسات الاستراتيجية عند الغرب الكافر، ليتم تنفيذها عبر عملائه في المنطقة من حكام خونة، ووسط سياسي عميل، ومفكرين رضعوا حليب الغرب الكافر.

 

لقد اندلعت حرب السودان بعنف لا يصدق، وبهمجية تجاوزت همجية التتار. ولما كان السودان ينزف دما اندلعت الحرب على غزة، ما أكد مستوى الاستهداف الممنهج لهذه الأمة، بخطة جديدة رسم خريطتها الجنرال الأمريكي بيتر رالف عام 2006 فيما يعرف بحدود الدم (سايكس بيكو الجديدة).

 

عند هذه الهجمة الشرسة انبرى حزب التحرير يكشف مخطط حدود الدم، ويعري كل ما يدثر وراء أي فكرة جوفاء، أو مظلمة يلوك فيها الكلام ليغذي نار الحرب، ليمرر جرائم الغرب من وراء ستار في ظل انبطاح كل الوسط السياسي بجميع مسمياته سواء أكان باسم الإسلام، أو باسم الوطنية الجوفاء. في ظل هذا الجو المسموم، يسطع حزب التحرير كالشمس في رابعة النهار، ليوضح للأمة ولأهل السودان بصفة خاصة، أكبر جريمة تمر عليها تطبيقا لفكرة بيتر رالف، لفصل دارفور بعدما فصلت أمريكا جنوب السودان، عندما تكشفت خيوط المخطط القذر إثر سحب الجيش من دارفور أربع فرق عسكرية، تاركا الفرقة السادسة لتضليل الناس حتى سقطت الفاشر.

 

وبعد انسحاب الدعم السريع من الخرطوم، وبعد إعلان حكومة موازية عقد حزب التحرير منتداه الشهري كاشفا هذا المخطط الجهنمي. ثم أعقبه مؤتمر صحفي للناطق الرسمي، ثم توالت الأعمال من وقفات واحتجاجات ومخاطبات سياسية ...الخ، وانتظمت الأعمال في أمهات مدن السودان، فكان نصيب مدينة الأبيض من الأعمال الكبيرة من وقفات ومخاطبات وأحاديث مساجد ومنابر وندوات وزيارات لأعيان المدينة ومحامين وغيرها من الشرائح المؤثرة، وكل هذه الأعمال تصب في توعية الناس بحجم المخاطر وأعظمها فصل دارفور، وأن بيدهم أن يقفوا وقفة رجل واحد لتفويت الفرصة على أمريكا وأدواتها لمنع فصل دارفور.

 

ومن خلال هذه الأعمال قام حزب التحرير بمخاطبة سياسية عقب صلاة الجمعة داخل مسجد الأبيض العتيق في ٢٧ رجب ١٤٤٧هـ، 16/01/2026م بمناسبة مرور 105 سنوات قمرية على هدم دولة الخلافة تحدث فيها الأخ النذير محمد حسين، وبعد الانتهاء من تبصرة المسلمين بخطورة ما يجري من مؤامرة لفصل دارفور وحث المسلمين أن يفوتوا الفرصة على من يريد أن يتربص لتفتيت السودان، ومذكرين المسلمين بهذا الحكم الشرعي، وبأن الخلافة هي ترياق المسلمين الأوحد لوقف مثل هذا الإجراء الخبيث الذي ما زال يرسم بالدماء، قامت أجهزة النظام بتوقيف الشباب، وتم سجنهم وفتحت بلاغات ضدهم تحت مواد عدة أبرزها المادة 69 (الإخلال بالنظام العام والطمأنينة العامة) بتاريخ 28/1/2026، حيث أصدرت محكمة جنايات مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان بتاريخ 12 نيسان/أبريل 2026 حكما على أربعة من شباب حزب التحرير، وهم: النذير محمد حسين، وأمين عبد الكريم، وعبد العزيز إبراهيم، وأحمد موسى، بالغرامة ثلاثة ملايين جنيه على كل متهم وبعدم الدفع السجن لمدة شهر واحد... والجريمة هي الدعوة للإسلام!

 

إن الأعمال التي قام بها حزب التحرير في مدينة الأبيض هي جليلة وطيبة توزن بميزان الذهب لمن كان له عقل، لأنها تنبيه في زمن الغفلة وهي تحافظ على أعظم أمر يتعلق بوحدة السودان التي يتخذ في أمرها إجراء واحد لا ثاني له؛ إما الموت أو الحياة. ويكفي الحزب فخراً عندما قاد حملة قوية ضد اتفاقية نيفاشا فانتظمت حملته كافة أرجاء البلد مبصراً أهل السودان بخطورة فصل جنوب السودان آنذاك، فعوقب شباب الحزب بالاعتقالات والتعتيم الإعلامي حتى وقعت الجريمة.

 

فالحزب يوضح الأمر لمن بيدهم الحكم وعامة المسلمين حتى لا تقع الأمة في مؤامرة جديدة بالعقلية نفسها التي لا تزن الأمور وزنا شرعيا ولا حتى عقليا، فإن أعظم أمر يقوم به المسلم هو الحفاظ على وحدة البلاد. فالذي يقوم بهذا العمل الأصل أن يكافأ لا أن يجرم!

 

إن المتابع لواقع هذه الحرب يجد أنها ليست لفصل دارفور فحسب بل لها أبعاد أخرى، وهي محاربة الإسلام وأن يتولى كبر هذه المحاربة هم أبناء المسلمين أنفسهم بحجة أن الحرب سببها الإسلاميين وتناغما مع حرب ترامب على الإسلام. لقد ركبت حكومة السودان موجة الرباعية التي ذكرت فكرة محاربة تنظيم الإخوان وإبعادهم من المؤسسة العسكرية وإقصائهم من العمل السياسي. وإدراكا للواقع لا يوجد إسلام يحكم الناس منذ ثلاثين عاما بل منذ سقوط دولة الخلافة العثمانية. ومن ادعوا أنهم أصحاب مشروع إسلامي ليس عندهم إلا الكذب والافتراء والبعد عن الإسلام. فكان الغرض والغاية من الموجة هي ضرب أحكام الإسلام وإبعاده تماما من الحكم مستقبلا، ومن يفكر بذلك يجد عقابه عبر الاعتقالات والمحاكمات الظالمة الجائرة لمن يدعو بصدق ووعي وإدراك تام لقضية المسلمين المركزية الخلافة الراشدة على منهاج النبوة والتوضيح للمسلمين ما يعينهم من أحكام الإسلام لاستئناف الحياة الإسلامية.

 

فما كان من النظام إلا أن يرسل رسائل تفضحه وتفضح سلوكه الإجرامي المتناغم مع هجمة ترامب للقضاء على الإسلام ليفوز برضا ترامب والغرب الكافر. بدليل أن هذه الأعمال التي قام بها حزب التحرير هي في الواقع مقوية لصف المسلمين وصمام أمان لوحدة البلد، فالذي يقف أمامها منحاز للمؤامرة بوعي منه أو بغير وعي فهو عميل ينفذ أجندة الغرب الكافر في تفتيت البلاد وتطبيق نظامه الفاسد. إن مسيرة حزب التحرير مستمرة لا توقفها الاعتقالات ولا السجن ولا الغرامات المالية المجحفة. وتظل مثل هذه الممارسات ضد الدعوة هي محاربة للإسلام وصد عن الدعوة، وبالمقابل تمثل رصيدا سياسيا لحملة الدعوة، وخزيا وعارا لمن يصد عن الدعوة وإلحاق الأذى بالشباب بدل أن يكرموا. وتظل أنظمة الشر تمارس دورها الخبيث هذا، وتمنع الدعوة إلى الله، وإن هذه الأنظمة ومن وقف معها إلى زوال بإذن الله تعالى، ليتوج الله عمل هذه الكتلة الصابرة المتيقنة بنصر الله بإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة. وما ذلك على الله بعزيز.

 

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

الشيخ محمد السماني – ولاية السودان

رابط هذا التعليق
شارك

Join the conversation

You can post now and register later. If you have an account, sign in now to post with your account.

زوار
اضف رد علي هذا الموضوع....

×   Pasted as rich text.   Paste as plain text instead

  Only 75 emoji are allowed.

×   Your link has been automatically embedded.   Display as a link instead

×   Your previous content has been restored.   Clear editor

×   You cannot paste images directly. Upload or insert images from URL.

جاري التحميل

×
×
  • اضف...