اذهب الي المحتوي
منتدى العقاب

مقالات من المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير - متجدد


Recommended Posts

بسم الله الرحمن الرحيم 

بالشرع والعقل السليم

الخلافة الراشدة هي الحل الوحيد

لمواجهة التحالف الشيطاني الهندوسي اليهودي

 

 

في 25 شباط/فبراير 2026، ألقى رئيس وزراء الدولة الهندوسية ناريندرا مودي خطاباً أمام برلمان كيان يهود، وقد أكد خطابه الحقيقة القرآنية حول عداء يهود والمشركين الهندوس الشديد للمسلمين، حيث قال الله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾، وقد بدا هذا العداء واضحاً في خطاب مودي.

 

لقد وقف مودي إلى جانب كيان يهود الإرهابي في ارتكابه جريمة الإبادة الجماعية في غزة، قائلاً: "تقف الهند مع (إسرائيل)، بثبات وبقناعة تامة، في هذا الوقت وما بعده". وهكذا تصطف الدولة الهندوسية مع كيان يهود، بينما يواصل مذابحه في غزة، ويوسّع حربه إلى الضفة الغربية ولبنان وسوريا وقطر واليمن وإيران.

 

ثم هاجم مودي ما أسماه (الإرهاب)، وهو في الحقيقة غطاء لحربه على الإسلام والجهاد والمسلمين، حيث قال: "لا شيء يبرر الإرهاب، لقد عانت الهند أيضاً من ألم الإرهاب لمدة طويلة، نتذكر هجمات مومباي 26/11 والأرواح البريئة التي فقدت، بمن فيهم "إسرائيليون"، وكما هو حالكم، لدينا سياسة ثابتة لا تهاون فيها تجاه الإرهاب، دون معايير مزدوجة". وبالتستر بغطاء أكذوبة "مكافحة الإرهاب"، احتل يهود والهندوس أراضي المسلمين، وقتلوا مجاهديهم، وذبحوا أبناءهم، واعتدوا على نسائهم، وحاربوا دينهم.

 

ثم وجّه مودي نداءً قوياً لـ"مكافحة الإرهاب"، وهو في جوهره جهد عالمي يقوده سيده ترامب لمحاربة الإسلام، فقال: "مواجهة الإرهاب تتطلب عملاً عالمياً مستمراً ومنسقاً". ولم يفُته أن يذكر اتفاقيات أبراهام، التي تهدف لجعل دين الإسلام الحنيف مساوياً لشرك اليهود والنصارى، حيث قال: "قبل سنوات، عندما أبرمتم اتفاقيات أبراهام، أشدنا بشجاعتكم وبُعد نظركم".

 

ثم تطرق إلى التحالف القديم بين يهود والمشركين الهندوس ضد أمة الإسلام عامة، وضد جيشها الأقوى، الجيش الباكستاني خاصة. وذكر الجنرال اليهودي الذي ساعد الهند ضد باكستان في القرن الماضي قائلاً: "إن المساهمة البطولية للّواء جاكوب خلال حرب 1971 مع باكستان معروفة على نطاق واسع". وبيّن صراحة قوة العلاقات الأمنية بين كيان يهود والدولة الهندوسية قائلاً: "الدفاع والأمن يمثلان ركيزة مهمة أخرى في شراكتنا، في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، وقعنا مذكرة تفاهم بشأن التعاون الدفاعي، وفي عالم اليوم المليء بعدم اليقين، فإن شراكة دفاعية قوية بين شركاء موثوقين مثل الهند و"إسرائيل" أمر بالغ الأهمية".

 

لقد عانت أمة الإسلام بالفعل من هذا التحالف الشرير؛ ففي 7 من أيار/مايو 2025 أسقطت باكستان طائرات مسيّرة من صنع كيان يهود أطلقتها الهند داخل مجالها الجوي، بعد سلسلة من الغارات الهندية عبر البلاد في اليوم السابق. كما ذكر تقرير لقناة TV9 Hindi الهندية في 7 شباط/فبراير 2024 أن الطائرات المسيّرة الهندية المصنَّعة في مدينة حيدر آباد ستُسهم في تلبية احتياجات كيان يهود.

 

يا أمة الإسلام وجيوشها: لن يتصدى حكامكم للتحالف الشرير المتنامي بين يهود والمشركين الهندوس. ففكرياً، هؤلاء الحكام قوميون، وحين يتحدثون عن "بناء الوطن" لا تتعدى رؤيتهم حدود القومية التي مزّقت المسلمين وأضعفتهم. ولن يفكروا أبداً في بناء الأمة، الذي يستوجب إزالة الحدود القومية وتوحيد الأمة الإسلامية لتكون أعظم دولة في العالم. وسياسياً، هؤلاء الحكام أتباع لأمريكا، حليفة كيان يهود والدولة الهندوسية معاً، ودورهم هو كبح جيوش الأمة، بينما يُذبح المسلمون على يد كيان يهود في الغرب والدولة الهندوسية في الشرق. فهل تبقى بعد ذلك أي شبهة في ضرورة أن نستبدل بهؤلاء الحكام قيادة إسلامية تحكم بالإسلام، وتوحد الأمة الإسلامية، وتحارب أعداءها؟

 

يا جيوش الأمة الإسلامية: إن العقل السليم يوجب توحيد الأمة الإسلامية وهو مطلب اللحظة، وقبل ذلك هو واجب شرعي عليكم. قال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: "أمرهم بالجماعة ونهاهم عن التفرقة". فهذه الآية الكريمة دليل شرعي على وجوب اجتماع المسلمين في كيان واحد موحد، وقد كان أنصار المدينة هم من قدّموا نصرتهم لإقامة حكم الإسلام وتوحيد المسلمين في كيان واحد، فمكّنهم الله من هزيمة اليهود والمشركين في زمانهم. وفي زماننا، فإن المؤمنين الصادقين من بينكم هم من سيطوون صفحة الذل والخيانة على أيدي اليهود والمشركين الهندوس إلى الأبد. وها هو حزب التحرير يعمل بينكم ومعكم، ويعرف خيركم عن قرب، ويؤكد لكم أن الوقت قد حان لأن تعطوه نصرتكم لإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مصعب عمير – ولاية باكستان

رابط هذا التعليق
شارك

  • الردود 521
  • Created
  • اخر رد

Top Posters In This Topic

  • صوت الخلافة

    522

بسم الله الرحمن الرحيم

 

لن نسمح للعوائق أن تمنعنا من النجاح

في رؤيتنا الحقيقية للتغيير

 

(مترجم)

 

ما يتضح أكثر مع مرور الأيام والأشهر والسنوات هو أن البنية السياسية الحالية - الرأسمالية العلمانية - لم تُبنَ لرعاية الناس أو لإقامة مجتمع يسوده السكينة والأمن. ففي الغرب نرى نتائج قوانينه: العنصرية، وكراهية النساء، والاغتصاب، والعنف الداخلي المصطنع، والفقر، والفوارق الهائلة في الدخل، والانحلال الأخلاقي، وغير ذلك. ونعلم جيداً نتائج السياسات الخارجية الغربية: حروب لا تنتهي، واعتداءات، وفقر، ونهب للموارد، وانقسامات، وتدخلات سياسية، وانعدام تام للاستقلال السياسي.

 

إن ملفات إبستين، رغم أنها لم تُنشر بالكامل وخضعت لتنقيحات واسعة، تسلط الضوء على مدى بشاعة ونفاق الحضارة الغربية. ففي كل المجالات - من السياسيين الليبراليين والمحافظين، إلى أفراد العائلات المالكة، والأكاديميين، وكبار رجال الأعمال - انكشف الانحدار الأخلاقي للنخب. وبينما يروّجون لما يُسمى بالقيم الليبرالية على بقية العالم، وغالباً ما يتخذونها ذريعة للتدخل العنيف في البلدان أو لفرض قوانين قاسية تُقيّدها مالياً، فإنهم يرتكبون الجرائم نفسها في بلدانهم. وبينما كنا نعلم منذ عقود أنهم يُجَوِّعون الشعوب في الخارج ويعتدون عليها ويعذبونها ويقتلونها دون محاسبة، فإننا نكتشف الآن أن لدى النخب آلية منظمة لإدارة شبكات الاتجار بالأطفال والنساء واستغلالهم وإسكاتهم. وهناك مؤسسات ومحامون وشبكات لإدارة المخاطر وحماية السمعة، ما يكشف أن الأنظمة الغربية غالباً ما تحتوي الفضائح وتسيطر عليها بدلاً من ضمان العدالة وحماية الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع. إن "المستنقع" أعمق وأكبر مما كان يتخيله أحد. فالحضارة الغربية تعاني فساداً أخلاقياً واقتصادياً وسياسياً.

 

والسؤال الآن: كيف لا تزال هناك عوائق في طريقنا نحو تحقيق رؤية التغيير؟ فبدل أن يكون هذا الواقع حافزاً للأمة للتحرك نحو إقامة النظام الوحيد القادر على إحداث التغيير الحقيقي - الخلافة - ما زلنا نجد أنفسنا نعتقد أن هذه الرؤية متطرفة أكثر من اللازم، أو مخيفة، أو أنه من الأفضل العمل ضمن الإطار السياسي القائم.

 

لا تزال هذه الأفكار تتسلل إلى عقول المسلمين، وربما أكثر لدى المسلمين الذين يعيشون في الغرب، رغم أننا نشهد حالياً تراجع الإمبراطورية الأمريكية، وتتعالى صرخات المظلومين من كل أنحاء العالم.

 

فلننظر في سبب وجوب تغيير نظرتنا إلى العالم، وكيف يمكن أن يساعدنا ذلك في تحقيق رؤية التغيير الناجح. فمثلاً، كيف قاد النبي ﷺ الصحابة إلى النجاح دون أن يساوم على الإسلام، حتى تمكنوا من إقامة الدولة في المدينة المنورة بثقة كاملة بالله سبحانه وتعالى. وإذا قارنا المجتمع آنذاك بواقعنا اليوم، نجد أوجه شبه كبيرة: كانت الفتن منتشرة، وكان المسلمون يُعاملون بقسوة وظلم، وطُلب منهم التنازل والتكيف مع الوضع القائم، وكانت هناك قوى عظمى تفوقهم في المال والتقنية والموارد البشرية. ومع ذلك، لم يقبل النبي ﷺ أن يكون سياسياً في نظام قريش أو في أي من الأنظمة الأخرى آنذاك. بل حين عُرض عليه أن يكون زعيماً في قريش مقابل المال والسلطة والنساء إن هو تخلى عن دعوته، قال ﷺ: «وَاللهِ لَوْ وَضَعُوا الشَّمْسَ فِي يَمِينِي وَالْقَمَرَ فِي يَسَارِي عَلَى أَنْ أَتْرُكَ هَذَا الْأَمْرَ، مَا تَرَكْتُهُ، حَتَّى يُظْهِرَهُ اللهُ أَوْ أَهْلَكَ دُونَهُ».

 

ولم يظن ﷺ لحظة أن الانخراط في نظام سياسي غير إسلامي، أو إرسال أحد الصحابة للانضمام إليه، سيغير المجتمع. بل ثبت هو والصحابة على دعوتهم، وصبروا على الأذى وهم ينشرون رسالة الله سبحانه وتعالى، حتى جاءت النصرة من قبيلتي الأوس والخزرج، وعندها أُسِّس لأول مرة كيان الدولة الإسلامية التي تطبق شريعة الله كاملة. تخيلوا التغيير الجذري الذي حدث في مجتمع كانت العصبية القبلية فيه تتغلب على العدالة، وكان فيه ظلم النساء والفقراء شائعاً، إلى مجتمع تُصان فيه كرامة المرأة والفقير، وتعلو فيه العدالة على كل انتماء قبلي. وبهذا النمط من التغيير الجذري يمكن أن يتحقق اليوم واقع جديد، يصرخ فيه المظلومون فرحاً بعد أن كانوا يصرخون ألماً.

 

وبعد أن ترسخت الدولة الإسلامية في المدينة، توجه النبي ﷺ والأنصار والمهاجرون لنشر الدعوة في الجزيرة العربية وما وراءها. وعلى الرغم من قلة عددهم مقارنة بقريش والروم والفرس، لم يتوقفوا خوفاً على أرواحهم أو أموالهم، ولم يروا أن أعداء الإسلام أقوى من أن يُواجَهوا، بل ثبتوا على إيمانهم بالله سبحانه وتعالى، وصدقوا في حمل رسالته وحكمه إلى العالم. وبذلك الصدق واليقين نصرهم الله على قريش في بدر، وعلى الفرس في القادسية، وعلى الروم في اليرموك. يقول الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً﴾.

 

لا شك أن في ذلك تذكرةً لنا، كما كان تذكرةً للصحابة رضي الله عنهم، ولصلاح الدين الأيوبي عندما هزمت جيوشه الصليبيين، ولسيف الدين قطز الذي قاد الجيش لهزيمة المغول الذين كان يُظن أنهم لا يُقهَرون، بأن لا قوة أعظم من قوة الله سبحانه وتعالى. فمهما بلغت دولةٌ ما من التقدم والهيمنة، فإنه إذا قضى الله بزوالها فتزول. وفي المقابل، فهو تذكيرٌ بأنه إذا قضى سبحانه بنصر المؤمنين على عدوهم، فلا قوة سياسية أو اقتصادية أو عسكرية أو تكنولوجية تستطيع أن تمنع ذلك.

 

وهذا يشمل الحكام الخائنين في بلاد المسلمين، والحكام الظالمين في أمريكا وأوروبا وغيرها اليوم. إن المنظور الذي كان ينظر من خلاله نبينا الحبيب ﷺ، والصحابة رضي الله عنهم، وعلماء وحكام ماضينا المشرّف إلى العالم، كان هو منظور الإسلام وحده. لم يكونوا يخشون فقدان أموالهم أو أرواحهم أو مكانتهم، وحتى إن شعروا بالخوف بحكم طبيعتهم البشرية، فإنهم لم يسمحوا له أن يثنيهم أو يوقفهم، لأن الله سبحانه وتعالى يذكّرهم في كتابه العزيز: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾ وقوله سبحانه: ﴿انْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.

 

إن العوائق التي تقف في طريقنا هي عوائق صُنعت عبر الدعاية الغربية ورؤيةٍ شُوِّهت بفعلها. والحقيقة أن الأمة اليوم تملك القوة البشرية، والخبرة العسكرية، والقدرات الفكرية، والموارد المادية، والثروات. لكن يبقى أن نُحكِم إيماننا وتوكلنا على الله سبحانه وتعالى، ونحن نتقدم لفضح كل الآفات في العالم التي هي نتيجة مباشرة للأنظمة السياسية الوضعية التي صنعها البشر.

 

نحن بحاجة إلى تذكير إخواننا في جيوش المسلمين بأن ولاءهم يجب أن يكون لله سبحانه وتعالى، وليس للحكام الخاضعين لأمريكا. فهم مسؤولون أمام الله وأمام الأمة عن نصرة المظلومين وتحرير البلاد المحتلة وإقامة شريعته سبحانه وتعالى. كما ينبغي أن نذكّر علماءنا وقادة جالياتنا والموظفين والمسؤولين في الغرب، وكذلك أصحاب المناصب والنفوذ في بلاد المسلمين، بضرورة متابعة ما يجري في الساحة السياسية العالمية بعينٍ إسلامية، والبحث عن حلول تنبثق من القرآن والسنة، لأن لهم تأثيراً كبيراً على الأمة في توجيهها نحو الطريق الصحيح، حتى يمنّ الله علينا بإذنه سبحانه بالنصر على الظالمين، فنستبدل بالنظام الوضعي الفاسد نظام الإسلام العادل.

 

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سارة محمد – أمريكا

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

العاقل لا يلدغ من الجحر نفسه مرتين

 

كانت آسيا الوسطى تتألف قبل زحف الروس من ثلاثة خانات: خانية بخارى، وخانية قوقند، وخانية خيوة. كانت هذه الخانات تتنازع باستمرار وتتقاتل فيما بينها، وفوق ذلك كان هناك صراع على العرش داخل كل خانة. وكان كل واحد منهم يرغب في ضعف الآخر، ويطلب صديقاً يعينه ضد خصمه.

 

في ذلك الوقت، كانت روسيا تراقب كل واحدة منها، وكانت ترغب في احتلال هذه الخانات والاستيلاء على ثرواتها.

 

كان كل خان يطلب المساعدة من روسيا ضد الآخر، ويعتبرها صديقاً مساعداً له. كانت روسيا تظهر لكل واحد منهم أنها صديق محايد، وتقنعه بأنه سيكون أسعد إذا تواجد معها، وفي الوقت نفسه تجعل كل واحد منهم عدواً للآخر. كانت روسيا تهدف إلى احتلال آسيا الوسطى، ونهب ثرواتها، وتأمين حدودها الجنوبية وحمايتها. ثم جاءت الفرصة التي كانت تنتظرها، ففتحت خانات آسيا الوسطى أبوابها لها واحدةً تلو الأخرى. فدخلت روسيا في البداية بصفة الصديق، لكنها في زمنٍ قصير احتلت الخانات الثلاثة جميعاً، وارتكبت المجازر بحق السكان، ونهبت الثروات التي جُمعت عبر قرون طويلة، ثم قسمت المنطقة إلى خمس دويلات ضعيفة غارقة في النزاعات والخلافات الدائمة فيما بينها.

 

تكتسب آسيا الوسطى اليوم أهميةً جيوسياسيةً وجيواقتصاديةً بالغة لم يسبق لها مثيل، إذ تُعد مركزاً استراتيجياً يربط آسيا بأوروبا، وأوروبا بآسيا وبالدول الجنوبية، فضلاً عن كونها منطقة غنية بالموارد الطبيعية ومصادر الطاقة. تسعى روسيا إلى التذكير بصداقتها القديمة، بينما تعرض كلٌّ من الصين وأمريكا وأوروبا أشكالاً جديدة من الصداقة الجديدة. وفي الوقت نفسه تُصوَّر بعض الدول المجاورة، كأفغانستان، ولا سيما الدعاة إلى الإسلام على أنهم أعداء ينبغي الحذر الشديد منهم.

 

ويسعى كلُّ طرفٍ من هذه القوى إلى دعوة قادة الدول الخمس إمّا إلى بلاده أو زيارتهم في آسيا الوسطى، من أجل دفعهم إلى إقامة تحالفات وشراكات، أي صداقة جديدة كصداقة روسيا القديمة ضمن صيغة (5+1). وتهدف جميع هذه القوى إلى السيطرة على الموقع الجيوسياسي والجيوقتصادي الاستراتيجي للمنطقة، والاستحواذ على ثرواتها الهائلة التي لا تنضب. وفي ظلّ غرقِ روسيا اليوم في مستنقع الحرب الأوكرانية، فقد حان الوقت الذهبي للتخلّص من صداقةٍ قديمة، وعدم الانخداع بصداقاتٍ جديدة.

 

يقف اليوم أمام قادة آسيا الوسطى ونخبها الواعية تحدٍّ حقيقي، لا يتمثل في مجرد تنظيم تعاونٍ بين خمس دول متفرقة وضعيفة، بل في إيجاد دولةٍ واحدةٍ قويةٍ وواعية، توحّد الجميع وتدرك بوضوح من هو الصديق ومن هو العدو.

 

لقد اختارت في الماضي القريب صديقاً واحداً فلدغت لدغةً قاسية، واليوم ومع حلول الفرصة الذهبية، يبقى السؤال: هل ستختار صديقاً جديداً فتُلدغ من الجحر نفسه مرةً أخرى أم لا؟ فالعاقل لا يُلدغ من جحرٍ واحد مرتين.

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أحمد هادي

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

معادلة التغيير في الإسلام

من الوعي المبدئي إلى إقامة الدولة

 

التغيير من وجهة نظر الإسلام ليس انفعالاً عاطفياً، ولا ثورة غضب عابرة، ولا إصلاحات جزئية داخل واقع فاسد، بل هو عملية منضبطة بأحكام الشرع، تقوم على أساس فكرة كلية عن الكون والإنسان والحياة، وتستهدف إقامة نظام ينبثق عن عقيدة الأمة. والسؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم، لماذا تعثرت الأمة في مسارها الحضاري رغم كثرة طاقاتها وإمكاناتها؟ وأين الخلل في معادلة التغيير؟

 

إن النظر في واقع المسلمين يظهر أن الأزمة ليست أزمة أفراد متدينين أو غير متدينين، وليست نقصاً في الموارد أو ضعفاً في القدرات، بل هي أزمة غياب الكيان السياسي الذي يطبق الإسلام كاملاً. فمنذ هدم الخلافة، فُقدت الدولة الجامعة، واستُبدلت بها أنظمة قطرية علمانية عميلة، تفصل الدين عن الحكم، وتجعل السيادة للدساتير الوضعية، والهيمنة والتبعية للغرب وأطروحاته، وبالطبع يحكمها عملاء يرعون مصالح الغرب، وﻻ يعبؤون بحال الأمة.

 

التغيير الحقيقي في الإسلام يبدأ من الفكرة؛ لأن الفكرة هي التي تحدد الاتجاه. حين بعث الله رسوله ﷺ، لم يبدأ بتغيير الأنظمة القائمة عبر مواجهة مسلحة، بل بدأ ببناء وعي على أساس عقيدة لا إله إلا الله. هذه الجملة لم تكن مجرد شعار تعبدي، بل إعلاناً بأن السيادة لله وحده، وأن التشريع حق خالص له، وأن كل نظام يخالف وحيه باطل. هذا الوعي أنتج كتلة مؤمنة تحمل الفكرة، ثم تحولت هذه الكتلة إلى نواة دولة في المدينة.

 

إن إقامة الدولة في المدينة لم تكن حدثاً عفوياً، بل نتيجة مسار واضح؛ صراع فكري مع أفكار الجاهلية، وكفاح سياسي مع قياداتها، وبناء قاعدة مؤمنة واعية، مع طلب النصرة لإقامة الحكم بالإسلام. هذه المراحل تشكل معادلة التغيير في الإسلام؛ فكرة مبدئية، كتلة تحملها وتجسدت فيها، رأي عام يتبناها، ثم إقامة كيان سياسي يطبقها في الداخل ويحملها للعالم بالدعوة والجهاد رسالة هدى ونور للعالمين.

 

وإذا نظرنا إلى أحداث كبرى في التاريخ الإسلامي، نجد أن النصر لم يكن نتيجة تفوق مادي فقط، بل نتيجة وضوح المشروع. في بدر لم يكن المسلمون يملكون عدة قريش ولا عددها، لكنهم كانوا جزءاً من كيان سياسي ناشئ يقوم على عقيدة واضحة، وقيادة منضبطة بالوحي. وكذلك في فتح مكة لم يكن الفتح انفجاراً مفاجئاً، بل ثمرة سنوات من العمل السياسي المنظم، وبناء القوة ضمن إطار الدولة.

 

المشكلة اليوم أن كثيراً من الدعوات إلى التغيير تنطلق من داخل الإطار القائم، لا من خارجه وﻻ تعمل على تغييره بل تجعل الواقع مصدرا لتفكيرا بدلا من أن يكون موضع عملها للتغيير. فتُطرح مشاريع إصلاح اقتصادي مع بقاء النظام الرأسمالي، أو إصلاح سياسي مع بقاء السيادة للشعب، أو تحسين إداري مع بقاء علمانية النظام أساسا للدولة وأجهزتها. وهذا يعني أن التغيير يبقى شكلياً، لأن الأساس لم يتبدل. فالأنظمة التي تجعل التشريع حقاً للبشر لا يمكن أن تنتج حكماً إسلامياً كاملاً، مهما حسنت نوايا القائمين عليها.

 

ثقافة الإسلام السياسية تجعل السيادة للشرع، والسلطان للأمة، والخليفة يُبايَع على الحكم بما أنزل الله. وهذا يعني أن التغيير المطلوب ليس تغيير وجوه، بل تغيير نظام. لا يكفي أن يتدين الحاكم شخصياً إذا كان ملتزماً بدستور وضعي. ولا يكفي أن تُضاف بعض المواد الإسلامية إلى قوانين مستمدة من فلسفات بشرية. المطلوب هو استئناف الحياة الإسلامية بإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، ككيان سياسي جامع يوحّد الأمة ويطبق الإسلام كاملاً.

 

معادلة التغيير إذن تتكون من عناصر مترابطة:

 

- الكتلة الواعية. التغيير لا يصنعه أفراد متفرقون، بل جماعة مبدئية منظمة تحمل مشروعاً واضحاً لإقامة الدولة، وتعمل وفق طريقة الرسول ﷺ في التغيير، بعيداً عن الفوضى أو الاندفاع غير المنضبط.

 

- الوعي المبدئي. لا بد أن تدرك الأمة أن مشكلتها سياسية في جوهرها، وأن سبب ضعفها هو غياب الحكم بما أنزل الله. هذا الوعي لا يتشكل عبر خطابات عاطفية، بل عبر صراع فكري يكشف زيف المفاهيم السائدة، كالوطنية القُطرية، والسيادة الشعبية، وفصل الدين عن الدولة، وهو جوهر عمل الكتلة الواعية في تفاعلها مع الأمة حاملة مبدأ الإسلام ومشروعه الحضاري.

 

- الرأي العام المنبثق عن وعي عام. حين تتحول الفكرة إلى مطلب جماهيري واعٍ، يصبح الواقع مهيأً للتحول. فالدولة لا تقوم في فراغ، بل تحتاج إلى بيئة شعبية ترى في تحكيم الإسلام خلاصاً من أزماتها، وهذا نتاج ما تضخه الكتلة من أفكار الإسلام النقية في الأمة ونتيجة مباشرة للصراع الفكري الذي تقوم به هدماً للأفكار التي لوثت عقول أبناء الأمة وإعادة عقيدتهم إلى صفائها ونقائها من جديد.

 

- طلب النصرة من أهل القوة والمنعة، لإقامة الحكم بالإسلام، كما فعل الرسول ﷺ حين طلب النصرة من الأنصار، فأقام بهم الدولة الإسلامية الأولى في المدينة، عمل مهم للكتلة الواعية تذكير أهل القوة والمنعة من أبناء الأمة بواجبهم الحقيقي في نصرة الإسلام وحفظ بيضة الأمة، ووجوب قطع علاقاتهم بحكام باعوا نفوسهم للغرب بثمن بخس ومتاع من الدنيا قليل.

 

هذه المعادلة ليست نظرية مثالية، بل طريقة شرعية ثبتت بنصوص السيرة، وأكدها إجماع الصحابة على وجوب نصب خليفة بعد وفاة الرسول ﷺ. فالدولة في الإسلام ليست خياراً سياسياً بين خيارات، بل فرض شرعي لا تكتمل أحكام الإسلام بدونه.

 

إن الأزمات التي تعيشها الأمة اليوم من تبعية، وتفكك سياسي، وضعف عسكري، ليست إلا أعراضاً لغياب هذا الكيان. ولا يمكن علاج الأعراض دون معالجة السبب. فكما أن غياب القلب يميت الجسد، فإن غياب الخلافة يشتت الأمة، مهما كثرت شعوبها وثرواتها.

 

الطريق إلى التغيير ليس قصيراً، لكنه واضح المعالم. يبدأ بإعادة بناء الوعي على أساس العقيدة، ويتقدم بعمل سياسي منظم، وينتهي بإقامة الدولة التي تعيد للأمة وحدتها وعزتها. وبين البداية والنهاية يقف جيل يقرر أن يتحمل مسؤوليته التاريخية، لا أن يكتفي بمراقبة الأحداث.

 

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

محمود الليثي

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

كيف تُشكّل البراغماتية أحد أكبر عوائق التغيير الناجح؟

 

(مترجم)

 

تتناول هذه المقالة أحد العوائق التي تحول دون تحقيق رؤية ناجحة للتغيير قادرة على حلّ مختلف المشكلات التي تواجه الأمة الإسلامية والإنسانية جمعاء اليوم. ولتحقيق ذلك، تُحلّل المقالة الأسس الفلسفية التي تُوجّه العمل السياسي في الغرب الحديث، وتُقارنها بالفلسفة السياسية للإسلام. ومن خلال تحديد أوجه القصور الكامنة في النهج الغربي السائد، تُوضّح المقالة سبب فشل هذا النهج في تقديم حلول حقيقية للمشكلات النظامية. ثم تُقدّم الرؤية السياسية الإسلامية باعتبارها البديل الصحيح الوحيد، مُحدّدةً الصفات المطلوبة من الفرد المسلم، والأمة الإسلامية، والحزب السياسي، والدولة، لتحقيق تغيير حقيقي وتجاوز العقبات القائمة.

 

الأساسُ الفلسفيُ للممارسة السياسية الغربية

 

تستند الممارسة السياسية الغربية إلى حدّ كبير إلى البراغماتية. وقد ظهرت البراغماتية في القرن التاسع عشر كردّ فعل على العقلانية والتجريبية، اللتين كانتا تهيمنان على الفلسفة الغربية سابقاً.

 

ترى العقلانية أنّ المعرفة مستمدةً من الاستدلال الاستنتاجي القائم على أفكار فطرية أو حقائق بديهية، دون الحاجة إلى الملاحظة المباشرة للواقع. ومن أبرز ممثلي هذه المدرسة ديكارت، وسبينوزا، وليبنيز. في المقابل، ترى التجريبية أنّ المعرفة تنشأ من التجربة الحسية والملاحظة، وأن الفهم يتشكل استقرائياً. ومن أبرز التجريبيين بيكون، ولوك، وبركلي، وهيوم.

 

تجمع البراغماتية، التي يمثلها مفكرون مثل تشارلز بيرس، وويليام جيمس، وجون ديوي، بين عناصر كلا المنهجين. يبدأ اكتساب المعرفة بملاحظة الواقع، يليه وضع نظريات عقلانية، ثم اختبارها عملياً. ولا تُعتبر النظرية صالحة إلا إذا كانت تتوافق مع الواقع المرصود. مع تغير الواقع، قد تُراجع النظريات أو تُهمل. لذا، يُنظر إلى المعرفة على أنها مؤقتة وقابلة للتغيير بطبيعتها.

 

ومن الأمثلة الشائعة على ذلك اكتشاف البجع الأسود، الذي دحض الاعتقاد السائد سابقاً، والمبني على ملاحظة محدودة، بأنّ جميع البجع أبيض. في البراغماتية، لا يُعدّ الواقع مجرد موضوع للتفكير، بل هو مصدره، وتبقى الحقيقة مشروطة.

 

من الناحية الأخلاقية، ترفض البراغماتية كلاً من المطلقية والنسبية. تؤكد المطلقية على وجود معايير ثابتة وعالمية للخير والشر، بينما ترى النسبية أنّ المعايير الأخلاقية تعتمد على السياقات الثقافية أو التاريخية أو الشخصية. تنفي البراغماتية وجود معيار أخلاقي دائم، وتؤكد بدلاً من ذلك على ضرورة إعادة تقييم الأحكام الأخلاقية باستمرار وفقاً للظروف والنتائج المتوقعة. ونتيجةً لذلك، تتغير مفاهيم الصواب والخطأ بمرور الوقت، ما يعكس تغير الأعراف المجتمعية.

 

البراغماتية كعائق في الممارسة السياسية الغربية

 

تؤثر البراغماتية تأثيراً بالغاً في صنع السياسات في السياسة الغربية المعاصرة. حيث تُتخذ القرارات السياسية بناءً على الواقع الراهن، مع افتراض ضرورة إعادة تقييم هذه القرارات باستمرار مع تغير الظروف. وقد تُستبدل السياسات المعتمدة اليوم غداً إذا تبين أنها أقل فعالية من البدائل المقترحة حديثاً.

 

يُصبح هذا النهج إشكالياً بشكل خاص عندما لا يكمن جذر الأزمة في تنفيذ السياسات، بل في النظام نفسه. فإذا نشأت المشكلة من خلل في التنفيذ، قد تُقدم التعديلات البراغماتية حلولاً مؤقتة. هذا المنطق هو أساس الحوكمة الرأسمالية، حيث تهدف الإصلاحات القانونية المستمرة إلى تحسين النظام.

 

ومع ذلك، عندما تكون المشكلات متأصلة في النظام، مثل الأزمات المالية وأزمات الديون المتكررة في ظلّ الرأسمالية، فإن تعديلات التنفيذ لا تُقدم حلولاً دائمة. يُشير تكرار هذه الأزمات إلى أنها متأصلة في النظام نفسه. كما تُؤكد إجراءات مثل تدخل الدولة أو التأميم، التي تُناقض المبادئ الرأسمالية الأساسية، أن النظام يفتقر إلى القدرة على حل تناقضاته.

 

عندما تنشأ المشكلة من النظام نفسه، لا سبيل لحلها إلا بتحول جذري فيه. هذا التغيير ثوري بالضرورة. إلا أن البراغماتية ترفض الحلول الثورية باعتبارها غير واقعية، وتصف مؤيديها بالمثاليين. ونتيجة لذلك، يعجز السياسيون البراغماتيون بنيوياً عن حلّ الأزمات النظامية، بل إنهم يعرقلون التغيير الحقيقي بحصر النقاش في تعديلات ضمن الإطار القائم، ما يعزّز وهم سلامة النظام نفسه. وهذا يشكل عائقاً رئيسياً أمام تحقيق رؤية ناجحة للتغيير.

 

الرؤية السياسية الإسلامية كبديل صحيح وحيد

 

تقوم الفلسفة السياسية للإسلام على الإيمان بأن جميع الأمور المتعلقة بالكون والإنسان والحياة والحقّ والباطل والخير والشّر هي من الله سبحانه وتعالى. فالله سبحانه وتعالى هو خالق الكون والإنسان، وهو صاحب السيادة والسلطة المطلقة.

 

يميز الإسلام بين مجالين: أحدهما لا يملك فيه الإنسان أي سيطرة، ويخضع لقوانين الطبيعة التي وضعها الله، والآخر يُمنح فيه الإنسان حرية الاختيار والتصرف. وفي كلا المجالين، فإن لله سبحانه وتعالى الحق الحصري في التشريع وتحديد كيفية سير الأمور. في مجال الاختيار، يمكن للإنسان أن يطيع أو يعصي، لكن السلطة الإلهية تبقى مطلقة.

 

لذا، يقوم الحكم الإسلامي على قناعة راسخة بأن حكم الله عادل وكامل، وأنه لا يمكن لأي سلطة بشرية أن تحل محله. والقرآن الكريم وسنة النبي ﷺ هما مصدرا المعرفة المتعلقة بالشريعة الإلهية، التي تُعتبر الشريعة العليا. والحكم وفقاً لهذه القوانين هو الشكل الصحيح الوحيد للحكم.

 

في هذا الإطار، يصون الخليفة سيادة الشرع، وتُفهم السلطة السياسية على أنها تطبيق لشرع الله لا حكما بشريا مستقلا.

 

وبناءً على ذلك، فإن الواقع في الإسلام، هو موضع الفكر لا مصدره. والوحي الإلهي هو المعيار الذي يُفهم من خلاله الواقع ويُعالج. فالخير يبقى خيراً، والشر يبقى شراً، مهما تغيرت الظروف.

 

لذا، لا تُحلّ المشكلات بتغيير النظام أو استعارة عناصر من أنظمة أخرى، بل تُبحث الحلول بالعودة إلى النظام الإسلامي نفسه ودراسة مدى صحة تطبيقه. وتُعزى أوجه القصور إلى تقصير بشري في التنفيذ، لا إلى النظام نفسه. وتُفرض المساءلة وفقاً للشريعة الإسلامية، في الدنيا والآخرة.

 

البراغماتية والإسلام

 

عند المقارنة بين البراغماتية والإسلام، لا يكمن الاختلاف في طريقة تعاملهما مع الواقع فحسب، بل في أسسهما المعرفية أيضاً. فالبراغماتية محصورة في القدرات المحدودة للعقل والإدراك البشري، بينما يقوم الإسلام على الثقة بعلم الله وحكمته.

 

وما تعتبره البراغماتية مستحيلاً أو غير واقعي قد يكون ممكناً تماماً في الإسلام. وما يُرفض باعتباره مثالية قد يُمثل في الواقع واقعية عند الحكم عليه وفقاً للمبادئ الإسلامية.

 

يُبرز هذا التمييز عقبة جوهرية أمام إحداث تغيير حقيقي: الاعتماد على التفكير الذي يتمحور حول الإنسان ويرفض التوجيه الإلهي.

 

أمثلة تاريخية ومعاصرة

 

يُمكن إيجاد مثال من بدايات الدولة الإسلامية في غزوة مؤتة. فبعد مقتل رسول مسلم على يد حليف بيزنطي، حشد النبي ﷺ جيشاً قوامه ثلاثة آلاف رجل. ولما علم بعضهم بمواجهة قوة تفوقهم عدداً وعدة، تردّدوا. فذكّرهم عبد الله بن رواحة بأنّ النصر لا يعتمد على العدد أو القوة المادية، بل على الإيمان وطاعة الله سبحانه وتعالى.

 

ومن منظور عملي، بدت مواجهة هذه القوة عبثية. ومع ذلك، اتُخذ القرار بناءً على واجب ديني لا على حسابات مادية. ورغم تفوق العدو عددياً، حافظت المواجهة على مكانة الدولة الإسلامية وأظهرت عزمها.

 

ومن الأمثلة المعاصرة هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023. فمن وجهة نظر عملية، بدا من غير الواقعي أن تواجه قوة صغيرة إحدى أقوى الكيانات العسكرية في العصر الحديث. ومع ذلك، نُفذت العملية وتلتها مقاومة مستمرة، ما يُظهر مرةً أخرى التباين بين الحسابات العملية والعمل المدفوع برؤية مختلفة للنصر.

 

الخلاصة: التغلب على معوقات التغيير

 

إن استعداد المسلمين لإعطاء الأولوية للآخرة يُغير جذرياً نهجهم في العمل السياسي وفي كلّ عمل آخر. فالقرارات التي تبدو محفوفة بالمخاطر من منظور عقلاني أو عملي بحت، تصبح ممكنة عند الاسترشاد بالإيمان والالتزام بالشريعة الإسلامية.

 

يكمن العائق الرئيسي أمام تحقيق رؤية ناجحة للتغيير في هيمنة النزعة العملية، التي تحصر الحلول فيما يبدو قابلاً للتطبيق الفوري ضمن النظام القائم. لكن الإسلام يقدم رؤية مختلفة: رؤية تتطلب التزاماً راسخاً بالهداية الإلهية، واليقين الأخلاقي، والنزاهة النظامية.

 

ويتطلب تجاوز هذه العقبات من الأفراد والأمة والحركات السياسية والدولة الإسلامية أن يجسدوا الإيمان والانضباط والتوكّل على الله سبحانه وتعالى، مدركين أنّ النجاح الحقيقي يكمن في طاعته.

 

روى حذيفة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لَا تَكُونُوا إِمَّعَةً؛ تَقُولُونَ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا، وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا، وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا، وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَا تَظْلِمُوا» رواه الترمذي

 

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سمية بنت خياط

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

بدل تفاخر المسلمين بقتل بعضهم بعضا

يجب عليهم التوحد وقتال كيان يهود والهند وأمريكا

 

الآن وقد وصلت نار الفتنة ذروتها، والتي أشعلتها القومية الباكستانية والعصبية القبلية الأفغانية، في 27 شباط/فبراير 2026 مع إعلان الحرب المفتوحة، حان الوقت للالتزام بالحكم الشرعي. بينما يؤدي الجميع صيام رمضان وقيام لياليه، شهر النصر على الكفار، فلينظر جيش باكستان ومجاهدو أفغانستان في الأحكام الشرعية الأربعة التالية:

 

أولا: القتال بين المسلمين محرم شرعاً، ويحدث القتال بينهم حينما تقطع العصبية القبلية والقومية رابط التوحيد الإسلامي. فتأملوا جيداً حادثة الأنصار حينما كادوا أن يدخلوا في صراع مع المهاجرين على أساس العصبية القبلية. روى البخاري عن جابر بن عبد الله: «كُنَّا فِي غَزَاةٍ فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: يَا لَلأَنْصَارِ‏. وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ. فَسَمَّعَهَا اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ قَالَ: مَا هَذَا‏؟‏ فَقَالُوا كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ يَا لَلأَنْصَارِ، وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ يَا لَلْمُهَاجِرِينَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ». إن أيام قتال مسلمي أفغانستان وباكستان ضد الروس الكفار المحتلين ليست ببعيدة، وهي في علم وتجربة وذاكرة القادة الكبار في الجانبين. وإن اتبع الجانبان الأحكام الشرعية اليوم، فإن أيام تحرير كشمير والمسجد الأقصى ليست ببعيدة أيضاً بإذن الله.

 

ثانيا: القتال لتحرير الأراضي المحتلة فرض شرعي. يجب بدء القتال لتحرير كشمير فورا في وقت تفرح فيه الدولة الهندوسية بالقتال بين المسلمين. يدعي حكام باكستان أنهم يقاتلون الهند في حرب بالوكالة، فليكونوا صادقين في كلامهم! وليصلح حكام أفغانستان مسارهم الخاطئ تجاه الهندوس المشركين. ومن ثم يجب على مسلمي أفغانستان وباكستان تبني موقف حربي ضد الهند. ويجب إغلاق جميع بعثاتها الدبلوماسية وطرد موظفيها، وإلغاء جميع اتفاقيات التجارة، وإبطال جميع الهدن سواء على خط السيطرة أو خارجه، ويجب البدء بقتال الهندوس المشركين بتنسيق لتحرير كل كشمير، قال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾، وليعلم الجانبان أن الجهاد ضد الكفار يكشف المنافقين، لأنهم دائما جاهزون لقتال المسلمين. لكن لديهم قائمة طويلة من الأعذار الواهية لعدم قتال الأعداء الكفار. فالجهاد يطهر المسلمين كما تطهر النار الحارقة المعدن من شوائبه.

 

ثالثا: الحدود القومية بين المسلمين حرام. فبعد فتح مكة لم يقم المهاجرون والأنصار سلطتين منفصلتين على أساس العصبية القبلية، بل بقوا دولة واحدة بديوان واحد وجيش واحد وكيان سياسي واحد تحت إمام واحد يحكمهم بالإسلام. غياب الحدود العصبية بين المسلمين وحّدهم ضد يهود والفرس والروم. وإنهاء الحدود القومية بين المسلمين اليوم يقوي الأمة الإسلامية أمام كيان يهود والدولة الهندوسية وأمريكا الصليبية. قال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ قال ابن كثير في تفسيره: "أمرهم بالجماعة ونهاهم عن التفرق". وهذه الآية دليل على وجوب اجتماع المسلمين موحدين في كيان واحد. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، قال الإمام القرطبي في تفسيره: "أي في الدين والحرمة لا في النسب، ولهذا قيل أخوة الدين أثبت من أخوة النسب، فإن إخوة النسب تنقطع بمخالفة الدين، وأخوة الدين لا تنقطع بمخالفة النسب".

 

وحين عرض اقتراح أميرين، واحد للأنصار وواحد للمهاجرين، يروي ابن إسحاق أن أبا بكر رضي الله عنه قال: "وَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ أَنْ يَكُونَ لِلْمُسْلِمِينَ أَمِيرَانِ، فَإِنَّهُ مَهْمَا يَكُنْ ذَلِكَ يَخْتَلِفْ أَمَرُهُمْ وَأَحْكَامُهُمْ، وَتَتَفَرَّقُ جَمَاعَتُهُمْ، وَيَتَنَازَعُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ، هُنَالِكَ تُتْرَكُ السُّنَّةُ، وَتَظْهَرُ الْبِدْعَةُ، وَتَعْظُمُ الْفِتْنَةُ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ عَلَى ذَلِكَ صَلَاحٌ". فاقطعوا لسان كل رجل يتكلم عن العصبية القبلية أو المصالح القومية، حتى لو تقمص جاهليته بتأويل الإسلام. لتسكت ألسن الحزبية الجاهلية الشريرة كلها. وليهْرُب المنافقون ويختبؤوا بينما يعلن جانبا الصراع نيتهما لتوحيد المسلمين تحت خليفة واحد.

 

رابعا: النصرة لإقامة الحكم الإسلامي واجب على أهل القوة والمنعة. لا تنسوا بيعة العقبة الثانية، بيعة الرجال، بيعة الحرب، التي أقامت للإسلام دولة في المدينة المنورة. عن عبادة بن الصامت قال: «بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ، وَأَنْ نَقُومَ، أَوْ نَقُولَ بِالْحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ» رواه البخاري. لذلك يجب أن يعطي أنصار الحرب بيعة النصرة لإمام واحد على الحكم بالإسلام. على أساس هذا الحكم الشرعي يكرر حزب التحرير طلبه للنصرة من الجانبين، كما هو معروف لهما منذ أكثر من عشرين سنة.

 

يا إخواننا، لننه القتال بين المسلمين، ولنبدأ الجهاد ضد الأعداء الكفار. ولنكسب دعاء مسلمي كشمير وغزة وإيران وكل الأمة الإسلامية، ربنا اجعلنا من المرضيين والشهداء وممن يحشرون على حوض رسول الله ﷺ في الفردوس الأعلى.

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مصعب عمير – ولاية باكستان

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

رجل الدولة صاحب الرؤية الحقيقية

الذي تتطلع إليه الأمة والإنسانية

(مترجم)

 

 

 

على الرغم من أن عدد المسلمين يقارب المليارين، وهو عدد يتزايد بسرعة كبيرة، ورغم امتلاكهم لأقوى الجيوش وأفضلها تجهيزاً وأشجعها، ولأخصب الأراضي وأغنى الثروات، فإن الأمة الإسلامية لا تمتلك الإرادة السياسية والقوة اللازمة لوقف الاستعمار أو حتى أبسط أشكال الظلم.

 

والسبب أن القوة الحقيقية لا تنبع من الثروة، بل من القيادة. في الواقع، إن الأمة الإسلامية محكوم عليها بهذه الحال، وقد سُلبت منها مزاياها وطاقاتها وآمالها، ومُنعت من تحقيق نجاحها المضمون في الدنيا والآخرة، عبر شعارات فارغة ومغالطات سياسية يروج لها قادة سياسيون فاسدون، طغاة، مجرمون، مصابون بجنون العظمة، حراس للغرب الكافر، يتزينون بصور زائفة ومضخّمة، بل ويتباهون بقربهم ومودتهم وخدماتهم لأعداء الإسلام والمسلمين.

 

لنوضح أمراً من البداية: القيادة ليست مجرد منصب، بل هي رؤية، أما القائد فهو من يحتضن هذه الرؤية ويجسدها في شخصيته ليهتدي بها ويهدي غيره. وهذا يعني أن من لا يمتلك رؤية حقيقية لا يستحق بأي حال أن يكون قائداً. فهذه الأمة لا تحتاج إلى قادة بالاسم، بل إلى رجال دولة صالحين يحملون رؤية قيادية حقيقية ويجسدونها.

 

إن الرؤية الحقيقية الثابتة لم يضعها إلا الله سبحانه وتعالى وحده. ولذلك فإن أي "رؤية" خارج إطار الإسلام ليست سوى خيال لتحقيق الأهواء والرغبات الشخصية، ومآلها الفشل. لقد شهد العالم أمماً ودولاً ومبادئ قوية كثيرة، ومع ذلك هلكت جميعها في نهاية المطاف. واليوم النظام العالمي الرأسمالي، الذي يطيح بالأنظمة القانونية التي كان يصنفها ذات يوم على أنها صالحة، والذي يعتبر فئة صغيرة فقط من البشرية جديرة بالعدالة، ويحكم على الجماهير بالفقر بينما يمنح الثروة لقلة قليلة، ويتمسك بالأخلاق بقدر ما لا تمس الانحرافات أو المصالح المادية (وأحدث مثال على ذلك قضية إبستين)، والذي يرى نفسه المالك الأعلى والأبدي للنجاح عبر احتكار الحكم على العالم؛ هذا النظام يحتضر. إن نظام الكفر الاستعماري، الذي استمر حتى اليوم باستهلاك شعاراته البراقة منذ نشأته (كالحرية، والمساواة، وحقوق الإنسان، وحقوق المرأة، وحقوق الطفل، والقانون الدولي، وغيرها)، لم يعد يملك أي رأس مال يخدع به البشرية. وأولئك الذين تمسكوا بدفّة السفينة في مياه اللاعودة، عاجزون عن مغادرتها بعد أن جنحت، فلا يملكون ما ينقذهم، فينقضّون على كل من يواجههم بضراوة لم يشهد لها مثيل، كالحيوانات المسعورة.

إن تاريخ البشرية شاهد على أن الأوهام لم تتحول يوماً إلى رؤى حقيقية. فالقيادات التي بُنيت على تلك الأوهام دمّرت نفسها، وسحقت البشرية بين تروس حلقات فارغة. وأقصى ما بلغه من تولّوا شؤون الناس بمثل هذه القيادات أنهم أصبحوا فراعنة، أو نماريد، أو طغاة، أو دكتاتوريين؛ ثم هلكوا جميعاً، ونالوا غضب الله، وهلكت أنظمتهم معهم لافتقارها إلى رؤية حقيقية.

 

أما الرؤية الحقيقية الثابتة الناجحة فهي الإسلام ذاته. فنجاح هذه الرؤية مكفول من الله عز وجل، وهي لا تقود جزءاً من البشرية إلى السلام والطمأنينة كما تفعل الرأسمالية، بل تقود البشرية كلها. وهي لا ترفع الأمة التي تحتضنها إلى التقدم المادي فحسب، بل إلى التقدم الأخلاقي والإنساني والثقافي والعلمي. كما أنها لا تترك الإنسان يتخبط في البحث عن بدائل تتغير كل يومين، فتقوده إلى حياة قلقة لا تشبع ولا تستقر؛ لأن هذه الرؤية الإلهية منسجمة مع فطرته.

 

وبما أن نجاح هذه الرؤية لا يقتصر على الدنيا، بل يمتد إلى الأبد في الآخرة، فإن الذين يحملونها هم أصحاب الرؤية الحقيقيون. وأصحاب الرؤية الحقيقيون لا يخافون ولا تحدّهم حدود؛ لا يستسلمون للخوف، ولا يعرفون حداً للتفاني والصبر والمثابرة. ولأنهم لا يعتبرون أنفسهم أصحاب السلطة، فإنهم لا يتكبرون، بل يصبحون قدوة حسنة ورواداً في خدمة صاحب السلطة الحقيقي. وهذا ما يجعل إرادتهم راسخة لا تلين، وطريقهم نحو هدفهم غير قابل للتفاوض.

 

الذين يتبنون الرؤية الحقيقية هم أصحاب الرؤية الحقيقيون. فهم لا يصبحون قادة بسبب كاريزما شخصية، أو مال، أو شبكة علاقات مجتمعية؛ بل يصبحون قادة نتيجة لقيادة الفكرة ذات الرؤية التي احتضنوها. وهم لا يتنافسون فيما بينهم، بل يشجع بعضهم بعضاً، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويستمدون قوتهم من وحدتهم، ويتمسكون بحبل الله ويدعون الآخرين إلى التمسك به، فيصبحون بذلك رجال دولة شهوداً أمناء.

 

يمكننا تلخيص الصفات التي تميّز القيادة ذات الرؤية عن القيادة الزائفة، وبالتالي القائد الأمين عن المتكبر المخادع المتنكر في هيئة قائد، فيما يلي:

 

الإبداع والابتكار: فهم ليسوا مقلّدين لغيرهم، بل شخصيات متميزة قادرة على ابتكار حلول ومفاهيم جديدة نافعة للإنسانية وللأرض، تضمن تنمية مستدامة وتقدماً حقيقياً، مع امتلاك القدرة على تحويل هذه الحلول إلى واقع عملي. القيادة ذات الرؤية لا تتأثر بزمان أو بشخص أو بظرف، بل هي التي تؤثر في المكان وفي كل شيء وفي كل زمان. لذلك فإن من يحملون هذه القيادة قد تصوروا غاياتهم وأهدافهم تصوراً واضحاً كأنهم يمسكون بها بأيديهم؛ فيرفضون العقليات السطحية والمفروضة ويتحدّونها ويتجاوزونها. وعلى عكس من يسعون وراء مكاسب دنيوية، فإن أصحاب القيادة ذات الرؤية يؤدون أعمالهم جميعاً على أساس تقوى الله والإخلاص التام والإحسان؛ فلا يضعون خطة، ولا يميلون إلى استراتيجية أو طريق، إلا وهم يستحضرون كامل مسؤوليتهم أمام الله، وأمام المسلمين، وأمام البشرية جمعاء.

 

الفراسة: هذا النوع من الذكاء النافذ، الذي يُرى عند أصحاب التفكير التحليلي القادرين على فهم العلاقات المعقدة ومتعددة المستويات، يرتقي عند المسلم إلى مستوى مختلف تماماً. فالفراسة لا تنمو إلا لدى من ينظر إلى العالم بنور الله، وهي أعمق بكثير من مجرد بُعد النظر المعتاد. ومن يرى بنور الله لا يرضى بالمعلومات السطحية أو الإجابات المختصرة، بل يسعى دائماً إلى التعمق في القضايا وتحليلها برؤية مستنيرة. وهو يقيّم ما يحصل عليه من معلومات وفق الموازين التي وضعها ربه، ثم يتخذ قراراته وينفذها فوراً. وخلاصة القول: إن إطار العمل لرجل الدولة صاحب الرؤية والمزوّد بالفراسة تحدده الأحكام الشرعية وحدها.

 

البصيرة: كونهم أصحاب أهداف واضحة لا يعني أنهم يقتصرون على حلول يومية مؤقتة، بل هم أشخاص راسخون يمتلكون استراتيجيات متينة تقودهم إلى أهدافهم البعيدة المدى. والحدود الوحيدة لرجل الدولة صاحب البصيرة هي رضا الله، وهدفه الأسمى أن يكون من المفلحين في الآخرة. فلا يسعى إلى هدف أو يقيّم نجاحاً إلا وفق معايير النجاح في الدنيا والآخرة التي حددها القرآن والسنة وإجماع الصحابة والقياس. وانطلاقاً من هذه الرؤية، فإن فشل رجل الدولة في تحقيق مقصده وهدفه يُعد عنده أعظم خسارة، بل هلاكاً. وهم يقودون بالقدوة من خلال جديتهم وعزمهم ونزاهتهم، فيحفزون من حولهم ويدفعونهم نحو الهدف الأسمى، وينبهونهم بشجاعة إلى المخاطر التي قد تُبعدهم عن المسار. ومع ذلك، فإن البشرية جمعاء قد أرهقها الضرر والدمار اللذان ألحقتهما العقليات الانتهازية التي تُسوّق نفسها بوصفها "تقدمية" ضمن الأنظمة الرأسمالية وغيرها من أنظمة الكفر.

 

ومن الضروري توضيح الفرق بين القيادة والقائد مرة أخرى: فالمفهوم الشائع للقيادة يربطها بشخصية كاريزمية ذات نفوذ مجتمعي ومالي. غير أن ربنا سبحانه وتعالى لم ينسب صفة القيادة حتى إلى رسوله ﷺ، الذي هو الأسوة الحسنة. نعم، وصفه بأنه الأسوة الحسنة ورحمة للعالمين، لكنه سبحانه لم يصف حبيبه ﷺ بصفة القيادة، بل عرّفه بأنه الأبرز والأجدر بالاقتداء في حمل القيادة ذات الرؤية التي أنزلها سبحانه. ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَئِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾.

 

وهذا يعني أن الله سبحانه وتعالى، ربّ العالمين، عندما أمرنا بالاقتداء بنبيّه ﷺ، فقد أمرنا أن نقتدي به في الطريقة التي حمل بها رسالته؛ أي في قيادته ذات الرؤية الفريدة. فالمعنى الحرفي لكلمة رسول هو: الشخص الذي ينقل كلام غيره إلى الآخرين كما هو تماماً، دون أن يكون له حق التصرّف أو التغيير أو التأويل. وعليه، فإن لقب رسول هو اللقب الذي يمنحه الله سبحانه وتعالى لمن يكلّفه برؤية "تبشير الناس وإنذارهم". وبناءً على ذلك، فإن الرسل قد يموتون أو يُقتلون، لكن رسالتهم تبقى حيّة إلى يوم القيامة. والذين آمنوا بالإسلام قد ورثوا هذه المهمة العظيمة من محمد الرسول ﷺ، وهي المهمة التي أمرهم الله سبحانه وتعالى بحملها وتبنّيها. ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾.

 

باختصار؛ إن الأمة الإسلامية في حاجة إلى قيادة سليمة راشدة. وهذه القيادة ليست لغزاً ولا وهماً ولا خيالاً ينتظر من يبتكره. بل على العكس، فإن الله سبحانه وتعالى، ربّ العالمين، قد أرسل هذه القيادة بوحيه إلى نبيّه الخاتم، ورسوله الأخير، محمد ﷺ. وهذه القيادة ليست قيادة روحية مجردة، ولا فلسفية، ولا علمية، ولا بشرية الصنع، وإنما هي الإدارة السياسية لشؤون الناس بالإسلام نفسه (القرآن والسنة). ولذلك فإن كل مسلم، بحكم إيمانه، هو سياسيّ ورجل دولة.

 

وقد وصف مؤسس حزب التحرير، العالم والفقيه والسياسي تقي الدين النبهاني رحمه الله، في كتابه "أفكار سياسية"، رجلَ الدولة بقوله: "إن رجل الدولة هو القائد السياسي المبدع، وهو كل رجل يتمتع بعقلية الحكم، وهو يستطيع إدارة شؤون الدولة ومعالجة المشاكل، والتحكم في العلاقات الخاصة والعامة. هذا هو رجل الدولة وهو قد يوجد بين الناس ولا يكون حاكماً ولا يمارس شيئاً من أعمال الحكم".

 

وهذا يعني أن رجل الدولة (السياسي، المسلم الذي يحمل قيادة الرؤية الإسلامية) قد يكون فاعلاً سياسياً نشطاً، لكنه كذلك مطالب بأن يكون محاسباً للحكام، عاملاً لإقامة القيادة التي تضمن وحدة الأمة الإسلامية، ومحذراً للأمة وللبشرية جمعاء من أخطار ومكر أنظمة الكفر، وحاملاً للرسالة ذات الرؤية التي تُخرج الناس من الظلمات إلى النور، ومن المستنقعات إلى قمم الازدهار. بل إنه يصبح تجسيداً عملياً لهذه الرسالة.

فالأمة والبشرية قد سئمت من القادة المزيّفين المدمّرين، وهي تستحق حكماً وإدارة تحت نور القيادة الحقيقية، وتستحق إنقاذاً ناجحاً، وسلاماً وطمأنينة في ظل نجاح مستدام.

 

ولكي يتحقق ذلك، لا بد أولاً من التخلّص من الحكام المقلّدين العاجزين الذين يتمسكون بالأفكار والحلول الرأسمالية بدلاً من الحلول المنبثقة من العقيدة الإسلامية، وأن نسعى لنكون سياسيين مبدعين أصحاب رؤية، متكاتفين فيما بيننا.

 

كما يجب التخلص من العقول المقيّدة التي لا تستطيع إدارة الشؤون الداخلية والخارجية باستقلال عن منتجات الهيمنة الاستعمارية للولايات المتحدة، وحلف الناتو، والاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة، مع دعم وتقوية رجال دولة أحرار حقاً، يقيمون دولة تحكم بحرية الرؤية الإسلامية الحقيقية كما تحددها أحكام الشريعة.

 

وعلينا أن نعمل على تنشئة رجال دولة يمتلكون "حسّ المسؤولية" و"الرؤية القيادية" المنبثقة من العقيدة الإسلامية في حلّ مشاكل الأمة والإنسانية. وهذا العمل لا يقع إلا ضمن قدرة هيكل، حزب سياسي مؤسّس على ضوابط وأوامر الله سبحانه وتعالى. ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ اِلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.

 

لن يتغير الوضع الراهن للعالم والأمة الإسلامية بحلول جزئية، بل بتغيير جذري. ويتحقّق هذا التغيير الجذري من خلال الأحزاب السياسية الإسلامية القائمة على الفكر الإسلامي، والتي تتبنى الرؤى والأفكار الإسلامية، وتعمل بأحكام الشريعة الإسلامية. ذلك لأن القيادة يجب أن تقوم على فكرة لا على أفراد، فمع تغير الأفراد، تبقى الفكرة ثابتة. إنّ منهج السياسيين ذوي الرؤية في حزب ذي رؤية هو منهج رسول الله ﷺ، أي العمل بمنهج النبوّة. ولأنّ هذا الحزب وهؤلاء السياسيين/رجال الدولة يستمدون مبادئهم من القرآن الكريم، فإنّ ذلك يُمكّن من متابعة أعمالهم عن كثب، ومحاسبتهم، وتصحيحها بسهولة وفقاً للقرآن والسّنة عند الضرورة. فإنهم لا يقولون إلا: ﴿قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ عَلى بِصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَان اللَّهِ وَمَا أَنَا منها الْمُشْرِكِينَ﴾.

 

النجاح حقيقة متأصّلة في الحمض النووي للإيمان. ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾.

 

تصف كلمة "شهداء" هنا الواجب الأكثر أهميةً للسياسي صاحب الرؤية. ومعنى آخر لكلمة شاهد هو "المراقبة على شخص ما". وبناءً على ذلك، أوكل الله سبحانه وتعالى مهمة مراقبة البشرية جمعاء إلى الأمة الإسلامية. وهكذا، يريدُ الله سبحانه وتعالى أن تكون للأمة القدرة على حكم البشرية جمعاء. وما يمنع الأمة الإسلامية من الانحراف والتجاوز هو شهادة رسول الله ﷺ للأمة الإسلامية، أي رعايته ومتابعته لها. وقد قام رسول الله ﷺ بهذه المهمة على الأمة الإسلامية بإعلان الوحي وتطبيقه، وتركه للأمة إرثاً يُصان ويُرعى إلى يوم القيامة. وخلاصة القول، إنّ البشرية جمعاء في أمسّ الحاجة إلى قيادة الأمة الإسلامية الرشيدة، وتتوق إليها. إنّ إقامة هذه القيادة وعد من الله سبحانه وتعالى، وبشارةٌ من رسول الله ﷺ.

 

وخلاصة القول، لا داعي للتشاؤم بالنسبة للمؤمن، بل على العكس، بالنسبة لنا كمؤمنين ذوي رؤية، هذا هو الوقت المناسب للعمل بأقصى درجات العزم والاجتهاد، أكثر من أي وقت مضى. فجرٌ جديد يلوح في الأفق لهذا العالم. حان الوقت الآن لأبطال "الأمة الوسط" الشهود أن يرفعوا الستائر ويفتحوا النوافذ على مصاريعها ليدخل نسيم الصباح. إنهم أصحاب الرؤى الحقيقيون الذين سيحققون التغيير الحقيقي الناجح.

 

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

زهرة مالك

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

أخطر الهزائم تلك التي نحتفل بها انتصاراً! سوريا مثالا

 

لقد اعتادت شعوب الشرق الأوسط، عبر عقود من الصراعات والانقلابات والحروب الأهلية والتدخلات الخارجية، أن تعيش داخل خطاب مزدوج: واقع يضغط بثقله، ورواية رسمية أو شعبية تحاول تخفيف وطأته عبر إعادة تفسير ما حدث. وهكذا نشأت ثقافة كاملة تتقن فن تحويل الانكسار إلى سردية صمود، والفشل إلى بطولة، والخسارة إلى إنجاز معنوي.

 

حين يصبح البقاء إنجازاً:

 

في كثير من دول المنطقة، مجرد استمرار الدولة، أو بقاء النظام، أو عدم انهيار المجتمع، يُقدَّم باعتباره نصراً. لكن البقاء في ذاته لا يعني التقدم؛ فالدول قد تبقى وهي تتآكل من الداخل، والمجتمعات قد تصمد وهي تفقد قدرتها على الحلم.

 

حين تتحول النجاة من الأسوأ إلى سقف الطموح الأعلى، تتوقف المشاريع الكبرى، وتصبح محاولة إصلاح الاقتصاد رفاهية، وبناء المؤسسات ترفاً، والحديث عن الحريات أعلى مستويات الترف. وتبدأ الهزيمة الحقيقية هنا، حين نقنع أنفسنا أن الحد الأدنى هو أقصى الممكن!

 

ومثالها: ما شهدته مدينة حماة عام 1982؛ مواجهة دامية بين النظام بقيادة حافظ أسد ومجموعة مسلحة من الإخوان المسلمين، انتهت بسيطرة كاملة للدولة على المدينة، بعد مجازر يندى لها الجبين، وتركت أثراً عميقاً في سوريا لعقود لاحقة.

 

حيث إن رواية النظام هي استعادة الدولة، وقُدِّم ذلك باعتباره انتصاراً حاسماً للدولة على ما سُمّي تمرداً مسلحاً، انطلاقاً من فكرة أن الدولة بقيت ولم تنهَر. وفرض واقع جديد؛ أصبح الخوف جزءاً من المجال العام، وتحولت السياسة إلى مساحة مغلقة، واختار الناس الصمت بوصفه وسيلة للنجاة، وفُرض عليهم الاحتفال سنوياً بنصر الدولة!

 

حين يصبح الاقتصاد هزيمة مؤجلة:

 

حيث تُعلن خطط الإصلاح كل بضعة سنوات، وتبشَّر الشعوب بمرحلة جديدة من الازدهار، لكن النتائج غالباً ما تكون إعادة تدوير للأزمات نفسها. الديون تتضخم، والبطالة تتبدل أسماؤها فقط، والتضخم يصبح ضيفاً دائماً على موائد الناس. ومع ذلك ترتفع الأسعار 300%، وتخرج الحكومة وتبشر الناس بأنها فرضت تخفيضاً إلى النصف، فيتم الاحتفال باستقرار الأسعار! وترتفع المحروقات والطاقة إلى 500%، فتخرج الحكومة وتلقي بُشراها لأنها خفضتها إلى 200%! وهنا تتحول إدارة الأزمة إلى إنجاز، لا حلها، وتصبح القدرة على تأخير الانفجار الاقتصادي نجاحاً سياسياً. وكلما كان السياسيون والنخب أكثر كذباً، كان الانتصار أكثر بريقاً. وهذا مثاله طوال فترة آل الأسد.

 

حين تصبح السياسة بين الواقع والوهم:

 

سياسياً تتكرر دورة متشابهة؛ تُعقد التسويات بعد سنوات من النزاع، وتُقدَّم بوصفها انتصاراً لكل الأطراف. ويعلن الجميع أنهم ربحوا، بينما يعرف الجميع في أعماقهم أن شيئاً جوهرياً لم يتغير. تستمر الأزمات لأن أحداً لا يريد الاعتراف بالخسارة؛ فالاعتراف يعني المراجعة، والمراجعة تعني المساءلة، والمساءلة تهديد لمنظومات كاملة قامت على سرديات البطولة.

 

ومثاله فترة بشار الأسد: كان الخطاب السياسي يقوم على فكرة أساسية؛ أن الدولة تواجه تهديداً وجودياً. الحرب، تعدد القوى المسلحة، التدخلات الخارجية، والانقسامات الداخلية جعلت الأولوية المعلنة هي منع انهيار الدولة. حيث اتجهت الدولة نحو تشديد القبضة الأمنية، وتحالفات إقليمية ودولية متغيرة، وقبول تسويات جزئية بدل حلول شاملة. وكانت الرسالة واضحة: الواقعية تعني البقاء أولاً.

 

حين يصبح المجتمع... ذاكرة مثقلة:

 

وهي الأكثر خطورة، لأن الأجيال الجديدة تنشأ داخل هذا المناخ الرمزي. تسمع قصص الانتصارات الوهمية أكثر مما ترى نتائجها، وتتعلّم الفخر قبل أن تتعلم النقد. ومع مرور الوقت تصبح القدرة على الاعتراف بالخطأ ضعفاً أخلاقياً بدلاً من أن تكون شجاعة فكرية. وحين يفقد المجتمع مهارة النقد الذاتي يبدأ بتكرار أخطائه بوصفها تقاليد.

 

حين تصبح الهزيمة التي تستحق الاحتفال:

 

لا نقصد هنا جلد الذات أو إنكار لحظات الصمود الحقيقية، أو غفلة عن حالة الانتصار التي شعر بها الناس بسقوط طاغية من طواغيت هذه المنطقة، التي عرفتها شعوب الشرق الأوسط، وخاصة بلاد الشام، المليئة بقصص التضحية والكرامة والبقاء رغم العواصف. لكن الفرق كبير بين الاحتفال بالصمود والإنكار الجماعي للواقع.

 

وهنا يأتي وهم الاستقرار؛ فبينما استعادت البلاد بقيت أزمة الاقتصاد عميقة، والهجرة والنزوح واسعة أو دون حل، والثقة المجتمعية متصدعة.

 

والسؤال: هل يكفي إسقاط رأس النظام وتتوقف المعركة كي نعلن انتهاء الأزمة؟

 

إذا لم تُحل الأسباب السياسية والإنسانية التي أدت إلى الانفجار أصلاً، فإن إعلان النصر أو الاستقرار قد يكون أقرب إلى إدارة الأزمة لا إنهاءها.

 

ومع الأسف، الجميع واقعي، والجميع يعيش وهماً؛ الدولة الجديدة بعد إسقاط رأس النظام (وهي لحظات أثلجت صدور الأمة كاملة) قالت إنها انتصرت لأنها بقيت وزال الرئيس السابق. والنظام السابق دون رأسه رأوا أنهم انتصروا لأنهم لم يختفوا ولم يُحاسبوا على جرائمهم؛ أقلها أنهم كانوا أدوات الرئيس المخلوع، وأعلاها المجازر التي مورست على أهل السنة. والقوى الخارجية اعتبرت نفسها رابحة لأنها ثبتت نفوذها، وأصبح رئيس أمريكا، زعيم المجازر كلها، يفتخر بوصول الحكومة الانتقالية إلى السلطة.

 

لذلك في سوريا لم تعد السياسة مجرد صراع على السلطة، بل أصبح الواقع نفسه موضوعاً للصراع. قيل إن الواقعية تقتضي الصمود مهما كانت الكلفة! وقيل إن البدائل أكثر خطراً من الحاضر! ... وقيل ... وقيل.

 

حينما لا يعود الوهم كذبة صريحة، بل يصبح طريقة جماعية للتعايش مع واقع لم يُحسم بعد، يعود السؤال الأهم: متى يكون النصر نصراً حقيقياً؟

 

فالنصر الحقيقي لا يُقاس بعلو الهتافات، ولا بكثرة البيانات، ولا بسرعة الاحتفال، بل بما يتركه بعد أن تهدأ الأصوات ويعود الناس إلى حياتهم اليومية.

 

هناك فرق بين نصر يُصنع في الخطاب، ونصر يُبنى في الواقع، ملبياً مفهوم الأمة وراعياً لشؤون الرعية.

 

حين يغيّر الواقع العناوين: النصر حقيقي عندما يغيّر حياة الناس إلى الأفضل؛ عندما يصبح الأمن شعوراً دائماً لا حالة طارئة، والعمل فرصة متاحة لا امتيازاً نادراً، والكرامة حقاً لا شعارات، ويُستعاد استقلال القرار السياسي، وتكف الأيادي الخارجية عن الدولة وقرارها.

 

حين لا يحتاج إلى تفسير طويل: فيكون النصر واضحاً بذاته، لا يحتاج إلى حملات تفسير أو تبرير أو إعادة صياغة. الناس تتعرف عليه من أثره المباشر منذ اليوم الأول. أما النصر الذي يحتاج إلى خطاب طويل لإقناع الناس بوجوده، فهو غالباً محاولة لتجميل واقع لم يتغير.

 

حين ينهي دورة الخسارة: النصر ليس مجرد كسب جولة؛ فالكسر دائرة تتكرر. نحن لسنا أمام تأجيل للهزيمة بل تجاوز لها. النصر الحقيقي يفتح أبواب الاستقرار، لا مرحلة الانتظار لصراع آخر.

 

حين يسمح بالنقد لا يخشاه. حين يربح الإنسان، لا السلطة فقط. حين يصنع المستقبل، لا اجترار الماضي.

 

وفي النهاية لا تُقاس الأمم بعدد المعارك التي أعلنت فيها النصر، بل بعدد اللحظات التي امتلكت فيها شجاعة الاعتراف بالحقيقة.

 

فالنصر الوهمي يشبه ضوءاً سريعاً يلمع في السماء ثم يترك خلفه ظلاماً أعمق. يمنح شعوراً بالطمأنينة مؤقتاً، لكنه يسلب القدرة على التعلم والمراجعة.

 

أما النصر الحقيقي فلا يحتاج إلى ضجيج كبير، لأنه يظهر في حياة الناس قبل أن يظهر في الخطب، وفي المستقبل الذي يُبنى بهدوء قبل كتب التاريخ.

 

قد تستطيع السياسة أن تعيد تسمية الخسارة، وأن تزين الألم بشعارات الصمود، وأن تؤجل الأسئلة الثقيلة سنوات طوالاً، لكنها لا تستطيع إلغاء الزمن؛ فالزمن وحده يفضح الانتصارات المستعارة، ويكشف الفرق بين من أسقط رأس النظام وبين من هدم نظام كفر. وبين نصر يُقال ونصر يُعاش تقف الحقيقة صامتة تنتظر رخصة الصدق؛ تلك اللحظة التي نعي فيها أن أعظم الانتصارات ليست أن نخرج من الحرب واقفين فقط، بل أن نخرج منها أكثر عدلاً وأكثر وعياً، حاملين قضايا أمتنا على ظهورنا، ونحن أكثر ثقة بالله ونصره.

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نبيل عبد الكريم

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

فرصةٌ ذهبية لجيوش المسلمين

لهزيمة الولايات المتحدة المعزولة

 

في خضم معارضة داخلية ودولية شديدة لحرب ترامب على إيران، عقد وزير الحرب الأمريكي، بيت هيغسيث، مؤتمرا صحفيا في 2 آذار/مارس 2026. وقد كشف خطابه عن عمق الأزمة التي يواجهها ترامب، بعد مرور 48 ساعة فقط على رد الجيش الإيراني واسع النطاق. هذا مع أن جيش إيران ليس سوى واحد من جيوش البلاد الإسلامية القوية، مع أنه منهك بطبيعة قيادته القومية والطائفية، التي تقيد قاعدة التأييد الشعبي له داخل إيران وخارجها. فكيف سيكون حال ترامب لو أتيح أن تعبأ كل جيوش المسلمين تحت قيادة إمام راشد، يوحد المسلمين جميعا، على اختلاف أعراقهم ومذاهبهم، كما كانوا في زمن الخلافة؟

 

لذلك، وردا على العاصفة السياسية المتصاعدة، استهل هيغسيث خطابه باستثارة القاعدة الإنجيلية البيضاء المتطرفة التي يستند إليها ترامب. فأجج الأحقاد الصليبية المتراكمة ضد الإسلام، عبر الطعن في بشارات النبي ﷺ بالنصر على الأعداء. فقال: "إن الأنظمة المجنونة مثل إيران، المتشبثة بأوهام نبوية إسلامية، لا يمكن أن نسمح لها بامتلاك السلاح النووي".

 

قطع الله ﷻ لسانه الخبيث! فبشارات النبي ﷺ ليست أوهاما. لقد ألهمت هذه البشارات قرونا طويلة جيوش المسلمين لهزيمة أعدائهم، سواء في فتح فارس أو فتح القسطنطينية، مدينة جد هيغسيث، هرقل. ولْيولِ أهل القوة في جيوش المسلمين الأخرى، في باكستان وتركيا ومصر وبنغلادش وإندونيسيا، عناية خاصة لهذا التصريح الخبيث من وزير الحرب الأمريكي. إن أمريكا الصليبية لا تقبل أن يمتلك المحبون الصادقون للنبي ﷺ قدرات عسكرية قوية، نووية كانت أو تقليدية. فيا ضباط جيوش المسلمين، أما تبصرون أن رؤية ترامب للبلاد الإسلامية هي جيوش قوية للصليبيين واليهود والهندوس، وجيوش ضعيفة للمسلمين؟ أفلستم من محبي النبي ﷺ حتى لا تلتفتوا لهذه الوقاحة وتكسروا أنياب الكافرين؟

 

بعد استثارته لما تبقى من قاعدة الدعم لترامب، حاول هيغسيث طمأنة الرأي العام الأمريكي المنهك أخلاقيا وعسكريا واقتصاديا بفعل حماقات فئة حاكمة جشعة في حروبها على أفغانستان والعراق. فقال: "إلى وسائل الإعلام واليسار السياسي الذين يصرخون: حروب لا تنتهي، كفوا. هذه ليست العراق، وهذه ليست بلا نهاية. لقد كنت هناك في الحربين. جيلنا أدرى، وكذلك هذا الرئيس. لقد وصف حروب بناء الأمم في العشرين عاما الماضية بالحمقاء، وهو محق. هذه الحرب عكس ذلك".

 

لكن هيغسيث نسي، أو تناسى، أن أسباب فشل الجيش الأمريكي سابقا ما زالت قائمة اليوم. فعلى الرغم من امتلاكه أسلحة متطورة، إلا أن هذه القوة المادية يهدرها جبن جنودها. فجنود أمريكا يعانون من أمراض نفسية، ويفضل كثير منهم الانتحار عندما يواجهون أعدادا قليلة من المسلمين بأسلحة متواضعة، لكنهم يحملون رغبة متقدة في أن يكونوا إما منتصرين أو شهداء. بل إنه في السنوات العشرين الأخيرة لم يحقق الجيش الأمريكي نصرا واحدا يذكر على المسلمين، واضطر بدلا من ذلك للاعتماد على تحقيق الأهداف السياسية عن طريق خيانات حكام المسلمين.

 

ثم ارتكب هيغسيث خطأ سياسيا حين عجز عن إخفاء ضيقه من ضعف التأييد من القوى الأوروبية الكبرى وقوى الإقليم. فقال: "إن لإسرائيل مهام واضحة نحن ممتنون لها فيها، فهي شريك كفؤ. كما قلنا منذ البداية، الشركاء الأكفاء شركاء جيدون، على عكس الكثير من حلفائنا التقليديين الذين لا يكفون عن التذمر والتخوف من استخدام القوة". والحقيقة أن أمريكا ما زالت معزولة على نحو خطير في تحركاتها، رغم الاستجداء الذي صدر عن وزير خارجيتها في 14 شباط/فبراير 2026، في مؤتمر ميونيخ للأمن، بحضور جميع حلفاء أمريكا التقليديين، عندما قال: "إن الولايات المتحدة وأوروبا متلازمتان".

 

وعليه، لم تعد أمريكا اليوم هي أمريكا بوش الأب الذي استطاع حشد تحالف من الدول الغربية في حربه على العراق، ولا حتى أمريكا بوش الابن الذي جمع تحالفات هشة انهارت وتخلت عن أمريكا في العراق وأفغانستان. بل هي أمريكا ترامب؛ آيلة للأفول، مريضة ومحاصرة من الداخل والخارج، وهي في الوقت نفسه تنسحب بعنجهية من مؤسسات القوى الكبرى الأخرى! فكيف يبقى في المسلمين ضابط يقول: "إن لم نكن حلفاء لأمريكا كنا خاسرين معزولين في هذا العالم"؟ كيف نضيق العالم على أنفسنا وقد وسعه الله ﷻ لنا؟ كيف يا عباد الله، كيف؟!

 

يا أمة الإسلام وجيوشها: لا نتخذ حكام إيران ذريعة لشل جيوشنا عن القيام بما يجب. فحكام إيران كسائر حكام المسلمين، موالون للغرب إلى أن يستنفد أدوارهم. هذا هو واقع الحال منذ هدم الخلافة في 3 آذار/مارس 1924م، الموافق 28 رجب 1342ه. أما اليوم، فقد آن أوان التمكين للدين، والاستخلاف للأمة، واستعادة جُنتها. لقد حان الوقت لإمام راشد يحشد جيوش المسلمين كلها لضرب القواعد العسكرية الأمريكية المزعزعة للاستقرار في البلاد الإسلامية، وفي مقدمتها أكبر قواعدها في المنطقة، كيان يهود. لقد حان الوقت لعودة الجيوش إلى عقيدتها القتالية الحقة، عقيدة الإيمان والتوكل والجهاد في سبيل الله ﷻ.

 

يا ضباط جيوش المسلمين: لقد حان الوقت لجيل جديد من القادة العسكريين يسعى لتحقيق بشارات النبي ﷺ، وإن كره الصليبيون ذلك. قال رسول الله ﷺ: «ثُمَّ تَكُونُ مُلْكاً جَبْرِيَّةً فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». فمن منكم يعطي النصرة لإقامة الخلافة؟ وقال ﷺ: «لَتُقَاتِلُنَّ الْيَهُودَ فَلَتَقْتُلُنَّهُمْ». فمن منكم يتقدم لقيادة جيوش الأمة في تحرير المسجد الأقصى؟ وروي: «بَيْنَمَا نَحْنُ حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَكْتُبُ، إِذْ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَيُّ الْمَدِينَتَيْنِ تُفْتَحُ أَوَّلاً، قُسْطَنْطِينِيَّةُ أَوْ رُومِيَّةُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَدِينَةُ هِرَقْلَ تُفْتَحُ أَوَّلاً، يَعْنِي القُسْطَنْطِينِيَّةَ». فمن منكم يقود الفتوح في أوروبا حتى تدخل روما في سلطان الإسلام؟ وقال رسول الله ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِيَ الْأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا». فمن منكم يبني جيشا تمتد به سيادة الأمة على سائر أرجاء الأرض؟

 

إن حزب التحرير بينكم، وفيكم، ومعكم، فاستجيبوا لطلبه للنصرة في هذا الشهر المبارك، شهر رمضان، شهر الانتصارات العظيمة للمؤمنين، والهزائم المدوية للكافرين.

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مصعب عمير – ولاية باكستان

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

رجل الدولة صاحب الرؤية الحقيقية

الذي تتطلع إليه الأمة والإنسانية

(مترجم)

 

 

 

على الرغم من أن عدد المسلمين يقارب المليارين، وهو عدد يتزايد بسرعة كبيرة، ورغم امتلاكهم لأقوى الجيوش وأفضلها تجهيزاً وأشجعها، ولأخصب الأراضي وأغنى الثروات، فإن الأمة الإسلامية لا تمتلك الإرادة السياسية والقوة اللازمة لوقف الاستعمار أو حتى أبسط أشكال الظلم.

 

والسبب أن القوة الحقيقية لا تنبع من الثروة، بل من القيادة. في الواقع، إن الأمة الإسلامية محكوم عليها بهذه الحال، وقد سُلبت منها مزاياها وطاقاتها وآمالها، ومُنعت من تحقيق نجاحها المضمون في الدنيا والآخرة، عبر شعارات فارغة ومغالطات سياسية يروج لها قادة سياسيون فاسدون، طغاة، مجرمون، مصابون بجنون العظمة، حراس للغرب الكافر، يتزينون بصور زائفة ومضخّمة، بل ويتباهون بقربهم ومودتهم وخدماتهم لأعداء الإسلام والمسلمين.

 

لنوضح أمراً من البداية: القيادة ليست مجرد منصب، بل هي رؤية، أما القائد فهو من يحتضن هذه الرؤية ويجسدها في شخصيته ليهتدي بها ويهدي غيره. وهذا يعني أن من لا يمتلك رؤية حقيقية لا يستحق بأي حال أن يكون قائداً. فهذه الأمة لا تحتاج إلى قادة بالاسم، بل إلى رجال دولة صالحين يحملون رؤية قيادية حقيقية ويجسدونها.

 

إن الرؤية الحقيقية الثابتة لم يضعها إلا الله سبحانه وتعالى وحده. ولذلك فإن أي "رؤية" خارج إطار الإسلام ليست سوى خيال لتحقيق الأهواء والرغبات الشخصية، ومآلها الفشل. لقد شهد العالم أمماً ودولاً ومبادئ قوية كثيرة، ومع ذلك هلكت جميعها في نهاية المطاف. واليوم النظام العالمي الرأسمالي، الذي يطيح بالأنظمة القانونية التي كان يصنفها ذات يوم على أنها صالحة، والذي يعتبر فئة صغيرة فقط من البشرية جديرة بالعدالة، ويحكم على الجماهير بالفقر بينما يمنح الثروة لقلة قليلة، ويتمسك بالأخلاق بقدر ما لا تمس الانحرافات أو المصالح المادية (وأحدث مثال على ذلك قضية إبستين)، والذي يرى نفسه المالك الأعلى والأبدي للنجاح عبر احتكار الحكم على العالم؛ هذا النظام يحتضر. إن نظام الكفر الاستعماري، الذي استمر حتى اليوم باستهلاك شعاراته البراقة منذ نشأته (كالحرية، والمساواة، وحقوق الإنسان، وحقوق المرأة، وحقوق الطفل، والقانون الدولي، وغيرها)، لم يعد يملك أي رأس مال يخدع به البشرية. وأولئك الذين تمسكوا بدفّة السفينة في مياه اللاعودة، عاجزون عن مغادرتها بعد أن جنحت، فلا يملكون ما ينقذهم، فينقضّون على كل من يواجههم بضراوة لم يشهد لها مثيل، كالحيوانات المسعورة.

إن تاريخ البشرية شاهد على أن الأوهام لم تتحول يوماً إلى رؤى حقيقية. فالقيادات التي بُنيت على تلك الأوهام دمّرت نفسها، وسحقت البشرية بين تروس حلقات فارغة. وأقصى ما بلغه من تولّوا شؤون الناس بمثل هذه القيادات أنهم أصبحوا فراعنة، أو نماريد، أو طغاة، أو دكتاتوريين؛ ثم هلكوا جميعاً، ونالوا غضب الله، وهلكت أنظمتهم معهم لافتقارها إلى رؤية حقيقية.

 

أما الرؤية الحقيقية الثابتة الناجحة فهي الإسلام ذاته. فنجاح هذه الرؤية مكفول من الله عز وجل، وهي لا تقود جزءاً من البشرية إلى السلام والطمأنينة كما تفعل الرأسمالية، بل تقود البشرية كلها. وهي لا ترفع الأمة التي تحتضنها إلى التقدم المادي فحسب، بل إلى التقدم الأخلاقي والإنساني والثقافي والعلمي. كما أنها لا تترك الإنسان يتخبط في البحث عن بدائل تتغير كل يومين، فتقوده إلى حياة قلقة لا تشبع ولا تستقر؛ لأن هذه الرؤية الإلهية منسجمة مع فطرته.

 

وبما أن نجاح هذه الرؤية لا يقتصر على الدنيا، بل يمتد إلى الأبد في الآخرة، فإن الذين يحملونها هم أصحاب الرؤية الحقيقيون. وأصحاب الرؤية الحقيقيون لا يخافون ولا تحدّهم حدود؛ لا يستسلمون للخوف، ولا يعرفون حداً للتفاني والصبر والمثابرة. ولأنهم لا يعتبرون أنفسهم أصحاب السلطة، فإنهم لا يتكبرون، بل يصبحون قدوة حسنة ورواداً في خدمة صاحب السلطة الحقيقي. وهذا ما يجعل إرادتهم راسخة لا تلين، وطريقهم نحو هدفهم غير قابل للتفاوض.

 

الذين يتبنون الرؤية الحقيقية هم أصحاب الرؤية الحقيقيون. فهم لا يصبحون قادة بسبب كاريزما شخصية، أو مال، أو شبكة علاقات مجتمعية؛ بل يصبحون قادة نتيجة لقيادة الفكرة ذات الرؤية التي احتضنوها. وهم لا يتنافسون فيما بينهم، بل يشجع بعضهم بعضاً، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويستمدون قوتهم من وحدتهم، ويتمسكون بحبل الله ويدعون الآخرين إلى التمسك به، فيصبحون بذلك رجال دولة شهوداً أمناء.

 

يمكننا تلخيص الصفات التي تميّز القيادة ذات الرؤية عن القيادة الزائفة، وبالتالي القائد الأمين عن المتكبر المخادع المتنكر في هيئة قائد، فيما يلي:

 

الإبداع والابتكار: فهم ليسوا مقلّدين لغيرهم، بل شخصيات متميزة قادرة على ابتكار حلول ومفاهيم جديدة نافعة للإنسانية وللأرض، تضمن تنمية مستدامة وتقدماً حقيقياً، مع امتلاك القدرة على تحويل هذه الحلول إلى واقع عملي. القيادة ذات الرؤية لا تتأثر بزمان أو بشخص أو بظرف، بل هي التي تؤثر في المكان وفي كل شيء وفي كل زمان. لذلك فإن من يحملون هذه القيادة قد تصوروا غاياتهم وأهدافهم تصوراً واضحاً كأنهم يمسكون بها بأيديهم؛ فيرفضون العقليات السطحية والمفروضة ويتحدّونها ويتجاوزونها. وعلى عكس من يسعون وراء مكاسب دنيوية، فإن أصحاب القيادة ذات الرؤية يؤدون أعمالهم جميعاً على أساس تقوى الله والإخلاص التام والإحسان؛ فلا يضعون خطة، ولا يميلون إلى استراتيجية أو طريق، إلا وهم يستحضرون كامل مسؤوليتهم أمام الله، وأمام المسلمين، وأمام البشرية جمعاء.

 

الفراسة: هذا النوع من الذكاء النافذ، الذي يُرى عند أصحاب التفكير التحليلي القادرين على فهم العلاقات المعقدة ومتعددة المستويات، يرتقي عند المسلم إلى مستوى مختلف تماماً. فالفراسة لا تنمو إلا لدى من ينظر إلى العالم بنور الله، وهي أعمق بكثير من مجرد بُعد النظر المعتاد. ومن يرى بنور الله لا يرضى بالمعلومات السطحية أو الإجابات المختصرة، بل يسعى دائماً إلى التعمق في القضايا وتحليلها برؤية مستنيرة. وهو يقيّم ما يحصل عليه من معلومات وفق الموازين التي وضعها ربه، ثم يتخذ قراراته وينفذها فوراً. وخلاصة القول: إن إطار العمل لرجل الدولة صاحب الرؤية والمزوّد بالفراسة تحدده الأحكام الشرعية وحدها.

 

البصيرة: كونهم أصحاب أهداف واضحة لا يعني أنهم يقتصرون على حلول يومية مؤقتة، بل هم أشخاص راسخون يمتلكون استراتيجيات متينة تقودهم إلى أهدافهم البعيدة المدى. والحدود الوحيدة لرجل الدولة صاحب البصيرة هي رضا الله، وهدفه الأسمى أن يكون من المفلحين في الآخرة. فلا يسعى إلى هدف أو يقيّم نجاحاً إلا وفق معايير النجاح في الدنيا والآخرة التي حددها القرآن والسنة وإجماع الصحابة والقياس. وانطلاقاً من هذه الرؤية، فإن فشل رجل الدولة في تحقيق مقصده وهدفه يُعد عنده أعظم خسارة، بل هلاكاً. وهم يقودون بالقدوة من خلال جديتهم وعزمهم ونزاهتهم، فيحفزون من حولهم ويدفعونهم نحو الهدف الأسمى، وينبهونهم بشجاعة إلى المخاطر التي قد تُبعدهم عن المسار. ومع ذلك، فإن البشرية جمعاء قد أرهقها الضرر والدمار اللذان ألحقتهما العقليات الانتهازية التي تُسوّق نفسها بوصفها "تقدمية" ضمن الأنظمة الرأسمالية وغيرها من أنظمة الكفر.

 

ومن الضروري توضيح الفرق بين القيادة والقائد مرة أخرى: فالمفهوم الشائع للقيادة يربطها بشخصية كاريزمية ذات نفوذ مجتمعي ومالي. غير أن ربنا سبحانه وتعالى لم ينسب صفة القيادة حتى إلى رسوله ﷺ، الذي هو الأسوة الحسنة. نعم، وصفه بأنه الأسوة الحسنة ورحمة للعالمين، لكنه سبحانه لم يصف حبيبه ﷺ بصفة القيادة، بل عرّفه بأنه الأبرز والأجدر بالاقتداء في حمل القيادة ذات الرؤية التي أنزلها سبحانه. ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَئِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾.

 

وهذا يعني أن الله سبحانه وتعالى، ربّ العالمين، عندما أمرنا بالاقتداء بنبيّه ﷺ، فقد أمرنا أن نقتدي به في الطريقة التي حمل بها رسالته؛ أي في قيادته ذات الرؤية الفريدة. فالمعنى الحرفي لكلمة رسول هو: الشخص الذي ينقل كلام غيره إلى الآخرين كما هو تماماً، دون أن يكون له حق التصرّف أو التغيير أو التأويل. وعليه، فإن لقب رسول هو اللقب الذي يمنحه الله سبحانه وتعالى لمن يكلّفه برؤية "تبشير الناس وإنذارهم". وبناءً على ذلك، فإن الرسل قد يموتون أو يُقتلون، لكن رسالتهم تبقى حيّة إلى يوم القيامة. والذين آمنوا بالإسلام قد ورثوا هذه المهمة العظيمة من محمد الرسول ﷺ، وهي المهمة التي أمرهم الله سبحانه وتعالى بحملها وتبنّيها. ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾.

 

باختصار؛ إن الأمة الإسلامية في حاجة إلى قيادة سليمة راشدة. وهذه القيادة ليست لغزاً ولا وهماً ولا خيالاً ينتظر من يبتكره. بل على العكس، فإن الله سبحانه وتعالى، ربّ العالمين، قد أرسل هذه القيادة بوحيه إلى نبيّه الخاتم، ورسوله الأخير، محمد ﷺ. وهذه القيادة ليست قيادة روحية مجردة، ولا فلسفية، ولا علمية، ولا بشرية الصنع، وإنما هي الإدارة السياسية لشؤون الناس بالإسلام نفسه (القرآن والسنة). ولذلك فإن كل مسلم، بحكم إيمانه، هو سياسيّ ورجل دولة.

 

وقد وصف مؤسس حزب التحرير، العالم والفقيه والسياسي تقي الدين النبهاني رحمه الله، في كتابه "أفكار سياسية"، رجلَ الدولة بقوله: "إن رجل الدولة هو القائد السياسي المبدع، وهو كل رجل يتمتع بعقلية الحكم، وهو يستطيع إدارة شؤون الدولة ومعالجة المشاكل، والتحكم في العلاقات الخاصة والعامة. هذا هو رجل الدولة وهو قد يوجد بين الناس ولا يكون حاكماً ولا يمارس شيئاً من أعمال الحكم".

 

وهذا يعني أن رجل الدولة (السياسي، المسلم الذي يحمل قيادة الرؤية الإسلامية) قد يكون فاعلاً سياسياً نشطاً، لكنه كذلك مطالب بأن يكون محاسباً للحكام، عاملاً لإقامة القيادة التي تضمن وحدة الأمة الإسلامية، ومحذراً للأمة وللبشرية جمعاء من أخطار ومكر أنظمة الكفر، وحاملاً للرسالة ذات الرؤية التي تُخرج الناس من الظلمات إلى النور، ومن المستنقعات إلى قمم الازدهار. بل إنه يصبح تجسيداً عملياً لهذه الرسالة.

فالأمة والبشرية قد سئمت من القادة المزيّفين المدمّرين، وهي تستحق حكماً وإدارة تحت نور القيادة الحقيقية، وتستحق إنقاذاً ناجحاً، وسلاماً وطمأنينة في ظل نجاح مستدام.

 

ولكي يتحقق ذلك، لا بد أولاً من التخلّص من الحكام المقلّدين العاجزين الذين يتمسكون بالأفكار والحلول الرأسمالية بدلاً من الحلول المنبثقة من العقيدة الإسلامية، وأن نسعى لنكون سياسيين مبدعين أصحاب رؤية، متكاتفين فيما بيننا.

 

كما يجب التخلص من العقول المقيّدة التي لا تستطيع إدارة الشؤون الداخلية والخارجية باستقلال عن منتجات الهيمنة الاستعمارية للولايات المتحدة، وحلف الناتو، والاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة، مع دعم وتقوية رجال دولة أحرار حقاً، يقيمون دولة تحكم بحرية الرؤية الإسلامية الحقيقية كما تحددها أحكام الشريعة.

 

وعلينا أن نعمل على تنشئة رجال دولة يمتلكون "حسّ المسؤولية" و"الرؤية القيادية" المنبثقة من العقيدة الإسلامية في حلّ مشاكل الأمة والإنسانية. وهذا العمل لا يقع إلا ضمن قدرة هيكل، حزب سياسي مؤسّس على ضوابط وأوامر الله سبحانه وتعالى. ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ اِلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.

 

لن يتغير الوضع الراهن للعالم والأمة الإسلامية بحلول جزئية، بل بتغيير جذري. ويتحقّق هذا التغيير الجذري من خلال الأحزاب السياسية الإسلامية القائمة على الفكر الإسلامي، والتي تتبنى الرؤى والأفكار الإسلامية، وتعمل بأحكام الشريعة الإسلامية. ذلك لأن القيادة يجب أن تقوم على فكرة لا على أفراد، فمع تغير الأفراد، تبقى الفكرة ثابتة. إنّ منهج السياسيين ذوي الرؤية في حزب ذي رؤية هو منهج رسول الله ﷺ، أي العمل بمنهج النبوّة. ولأنّ هذا الحزب وهؤلاء السياسيين/رجال الدولة يستمدون مبادئهم من القرآن الكريم، فإنّ ذلك يُمكّن من متابعة أعمالهم عن كثب، ومحاسبتهم، وتصحيحها بسهولة وفقاً للقرآن والسّنة عند الضرورة. فإنهم لا يقولون إلا: ﴿قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ عَلى بِصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَان اللَّهِ وَمَا أَنَا منها الْمُشْرِكِينَ﴾.

 

النجاح حقيقة متأصّلة في الحمض النووي للإيمان. ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾.

 

تصف كلمة "شهداء" هنا الواجب الأكثر أهميةً للسياسي صاحب الرؤية. ومعنى آخر لكلمة شاهد هو "المراقبة على شخص ما". وبناءً على ذلك، أوكل الله سبحانه وتعالى مهمة مراقبة البشرية جمعاء إلى الأمة الإسلامية. وهكذا، يريدُ الله سبحانه وتعالى أن تكون للأمة القدرة على حكم البشرية جمعاء. وما يمنع الأمة الإسلامية من الانحراف والتجاوز هو شهادة رسول الله ﷺ للأمة الإسلامية، أي رعايته ومتابعته لها. وقد قام رسول الله ﷺ بهذه المهمة على الأمة الإسلامية بإعلان الوحي وتطبيقه، وتركه للأمة إرثاً يُصان ويُرعى إلى يوم القيامة. وخلاصة القول، إنّ البشرية جمعاء في أمسّ الحاجة إلى قيادة الأمة الإسلامية الرشيدة، وتتوق إليها. إنّ إقامة هذه القيادة وعد من الله سبحانه وتعالى، وبشارةٌ من رسول الله ﷺ.

 

وخلاصة القول، لا داعي للتشاؤم بالنسبة للمؤمن، بل على العكس، بالنسبة لنا كمؤمنين ذوي رؤية، هذا هو الوقت المناسب للعمل بأقصى درجات العزم والاجتهاد، أكثر من أي وقت مضى. فجرٌ جديد يلوح في الأفق لهذا العالم. حان الوقت الآن لأبطال "الأمة الوسط" الشهود أن يرفعوا الستائر ويفتحوا النوافذ على مصاريعها ليدخل نسيم الصباح. إنهم أصحاب الرؤى الحقيقيون الذين سيحققون التغيير الحقيقي الناجح.

 

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

زهرة مالك

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم 

التغيير الجذري رؤية من قبس الوحي

على خطا إبراهيم عليه السلام

 

 

إن الحكاية تبدأ من البداية؛ منذ أن قال الله سبحانه في علاه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. من هنا يوم أخبر الله سبحانه ملائكته عن هذا المخلوق الجديد، بدأت حكاية الإنسان في الأرض. يوم خاطب الله سبحانه الملائكة، لم يقل لهم إني جاعل بشراً، ولا سمَّاه لهم، بل قدّم وظيفته، وهنا ملخص الأمر: في سورة البقرة التي كان الصحابة يسمونها فسطاط القرآن، كان الله يربِّي الأمة الإسلامية على مهمّتها التي أوجدها لها: الاستخلاف. وهذه الوظيفة الجليلة، أمانة حملها الإنسان وعجزت عن حملها السماوات والأرض والجبال. لذلك نجد أن الحق في بداية السورة حين قال عن كتابه: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾، ذكر أوَّل صفة لهم، تناسب سياق السورة وموضوعها وهو الاستخلاف، فقال: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيْمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾. يُقدّم الله الإيمان بالغيب على أداء الصلاة وإنفاق المال، لأن الإيمان بالغيب هو مفتاح المؤمن في مواجهة الشكوك، الفتور، العجز، الشهوات، وكل ما يؤخره عن أداء مهمته كحامل أمانة لتحقيق معنى الاستخلاف في الأرض. ينير له إيمانه الطريق ويزوده بالشجاعة والعزيمة، حاله يشبه حال نبي الله إبراهيم.

 

قال الله سبحانه عن سيدنا إبراهيم: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِّلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، وأمر الله المؤمنين فقال: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.

 

لكن ما العلاقة بين موضوع الاستخلاف، الإيمان بالغيب، وسيدنا إبراهيم الذي اتَّخذه الله خليلاً؟

 

إن ذكر الله سبحانه لأنبيائه في القرآن، هو للعبرة: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. والله سبحانه في سرده للقَصص في كتابه الكريم، لم يكن يسرد علينا تاريخاً ولا كان يؤرخ لمجريات الأحداث في العصور السالفة.. فالناظر لطريقة تناول القرآن للقصص يجد أن الموضوع الواحد يختلف في طريقة السرد باختلاف السورة القرآنية، ويكون التركيز في كل مرة يناسب سياق السورة التي وردت فيها القصة. كما أن هذا السرد هو سردُ تربية وتثقيف للمسلم لا سرد إخبار لمجرد الإخبار أو الحشو، تعالى الله.

 

فالله يوم يخبرنا بحال إبراهيم ويكرر ذكره 63 مرة في كتابه، فهو يريد للمؤمن أن يدرس شخص إبراهيم عليه السلام وعقليته التي أهَّلته ليقول الله عنه: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾.

نبي الله إبراهيم عليه السلام، كان دائماً محل جدال عند اليهود والنصارى، وكانوا دائماً ما يحاجون فيه، فردَّ عليهم القرآن: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. وسيدُّنا إبراهيم، الباحث عن الحقيقة؛ كان يحمل قلباً سليماً؛ مخلصاً لله اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم.

 

سيدنا إبراهيم يعد نموذجاً قرآنياً للعقل الباحث عن الحق، واليقين الذي لا يتزعزع، والثبات الذي يُستمَّد من اليقين، والولاء الذي لا يحيد، والحرص على إنقاذ الناس من الظلمات إلى النور.

 

تربَّى إبراهيم عليه السلام في بيت آزر، وهو من كان يصنع الأصنام ليعبدها قومه، نبي يُبعث من بيت صانع الأصنام، ليعلمنا الله أن الحق أحقُّ أن يُتَّبع، وأن حجج المشركين التي كانوا يواجهون بها رسول الله للتهرب من مسؤولية التفكير والإيمان: ﴿وَجَدْنَا آبَاءَنَا﴾ هي حجة باطلة لا وزن لها حين يبصر القلب طريقه. فالباحث الصادق عن الحق لا بدَّ أن يصل. وإبراهيم الذي بحث عن ربِّه فكفر بالشمس والقمر وأصناماً يصنعها أبوه آتاه الله رشده ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾.

 

وحين عرف إبراهيم ربَّه، وآمن، كان أول ما صنعه هو أن كسر الأصنام... فلم يطق أن يبقى الحق حبيساً في قلبه، بل انطلق يحاجج قومه فقال لهم: ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلَا يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.

 

سيدنا إبراهيم يمثل عقلية المسلم لله المستسلم لأمره، عرف الحق فلزمه، وثبت عليه وضحَّى في سبيله. عقلية تتحرر من قيود التفكير الجامد والاتباع الأعمى واتباع الأهواء.. شخصية عرفت قدرها رغم صغر سنه، ولكنَّه كان كوصف القرآن: أمة وحده. وحين حاجج النمرود في رب العالمين كانت الحجة الدامغة رفيقته، فيقينه بالله لم يكن مجرد شعار، بل رؤية مستنيرة وفراسة تعرف كيف تدافع عمَّا آمنت به.

 

ويوم صار نبيَّاً كان حرصه على أن يهدي غيره حاضراً في كل مواقفه، يقول سبحانه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ ويقول: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ويقول: ﴿وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾.

 

ولكنَّ هذا الحرص هو حرص المؤمن بربِّه، العامل لنصرة دينه، يوالي في الله ويعادي في الله. قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ وقال: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾.

 

فنموذج إبراهيم عليه السلام، هو نموذج يربي المؤمن على جعل الإيمان هو محور الحياة، الإيمان المنضبط بالوحي، الإيمان المنبثق عن معرفة ووعي وبصيرة، الذي يدفع صاحبه ليكون "أمة" في مواجهة دعاوى الباطل وأهل الباطل وأي نمرود يريد أن يغير في دين الله ويفتن الناس عن عبادة ربهم.

 

هذا الإيمان لا يتولَّد إلا بالرجوع الدائم لأصل الحكاية: الإيمان بالغيب، الغيب الذي أخبر الله فيه ملائكته أنه جاعل في الأرض خليفة.. ويحضرني هنا ردُّ إبراهيم عليه السلام على قومه يوم عابوا عليه عبادة الله وحده فقال: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.

 

وهذان الفريقان لا يستويان مثلاً. فشتَّان بين عقل يؤمن عن وعي ويستمسك عن بصيرة ويعمل بثبات ويضحِّي لأجل حسن المآب، وبين عقل كل حجته ﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ﴾! ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَىٰ وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾.

 

وأخيراً نسأل الله أن يثبتنا ويلهمنا رشدنا ويجعل لنا سهماً في نصرة دينه.

 

 

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

بيان جمال

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

بعد اغتيال خامنئي.. إيران على مفترق طرق

 

 

ليست كل الاغتيالات مجرد نهاية حياة رجل. بعضها يفتح أبواب التاريخ على مصاريعها، ويحوّل دولاً كاملة إلى سؤال مفتوح الاحتمالات.

 

في إيران، حيث تتقاطع السلطة الدينية مع السلطة المنتخبة، ويصطدم الاقتصاد المغلق بعالم متقلب من حوله، فإن اغتيال المرشد الأعلى لا يُعد مجرد شغور منصب إداري، بل هو اهتزاز عميق لمركز الجاذبية الذي دارت حوله إيران منذ أكثر من أربعة عقود.

 

المرشد الأعلى الإيراني لم يكن قائداً فحسب، بل كان العقدة التي تربط بين الدولة ومفاصل القرار، بين الداخل القلق والخارج المتوتر، وبين مشروع ثوري وواقع اجتماعي تغيّر كثيراً منذ ولادته. ومع سقوط هذه العقدة فجأة، تتكاثر الأسئلة قبل ظهور الإجابات: من يملك الشرعية؟ من يملك السلاح؟ ومن يستطيع تهدئة شارع أنهكته العقوبات والأزمات؟

 

هل ستشهد إيران صراعاً خفياً داخل أروقة السلطة بين رجال الدين وقادة الأمن؟ أم انتقالاً منظماً مدعوماً خارجياً لتغيير النظام بالكامل؟ وهل ستكون لحظة الاغتيال فرصة لانفتاح سياسي واقتصادي طال انتظاره، أم بداية مرحلة أكثر تشدداً وانغلاقاً؟

 

السلطة في إيران بين الخوف والأمل

 

بين الخوف من الفوضى والأمل بالتغيير، تقف إيران على حافة مفترق تاريخي نادر، حيث يمكن لحدث واحد أن يعيد تعريف الدولة نفسها.

 

نظام الحكم في إيران غير ثابت؛ فهو مرتبط بمن يستلمه. نظرياً، تنتقل السلطة إلى مجلس خبراء القيادة، هيئة دينية شكلية لكنها تملك فلاتر سياسية وأمنية صارمة. المجلس يعيّن مرشداً جديداً أو يشكّل قيادة جماعية مؤقتة، لكن الواقع أكثر تعقيداً داخلياً وخارجياً.

 

الصراع الحقيقي تمثله المؤسسة الأمنية، وأقوى فاعل فيها هو الحرس الثوري الإيراني. اليوم، الحرس ليس مجرد قوة عسكرية، بل إمبراطورية اقتصادية ولاعب سياسي مباشر، ما قد يجعل من اغتيال المرشد فرصة لإعادة تشكيل النظام إلى أوليغارشية أمنية، حيث تُحصر السلطة بيد فئة صغيرة ذات نفوذ اقتصادي وعسكري.

 

السيناريوهات المحتملة للقيادة بعد الاغتيال

 

المرشحون المحتملون يندرجون تحت ثلاثة نماذج:

 

الوراثة القديمة: ترشيح مجتبى خامنئي، نجل  المرشد السابق، المعروف برجل الظل داخل المؤسسات الأمنية والدينية.

 

شخصية توافقية: مثل علي لاريجاني أو شخصيات من المؤسسة القضائية أو الحوزة.

 

القيادة الجماعية: توزيع السلطة بين رجال الدين وقادة الأمن لضمان استقرار الدولة، خاصة في حالة الحرب حتى لا تغتال الشخصية الجديدة.

 

تطور الحرب وأثرها على الداخل الإيراني

 

الحرب لم تنته بعد:

 

إذا استمرت حوالي 12 يوماً، يركّز النظام على منع الفوضى الداخلية، وإعلان حالة الطوارئ، مع سيطرة شبه كاملة للأجهزة الأمنية، مع تقليص ظهور الحكومة المنتخبة إعلامياً.

 

إذا امتدت أكثر من شهر، يبدأ دور الحرس الثوري بالظهور بشكل أوضح، مع ضغط اقتصادي عال، واضطرابات مجتمعية قد تؤدي إلى نزوح أو انفصال أقاليم، خصوصاً إذا حصلت على دعم خارجي.

 

إذا استمرت أكثر من سنة، فقد تتفاقم الانقسامات الداخلية أو الصراع الدموي على السلطة، حتى بعد انتهاء أي حرب خارجية.

 

احتمالات نهاية الحرب وتأثيرها على النظام

 

ملف التخصيب النووي والصواريخ البعيدة المدى سيُسوّى سياسياً وأمنياً، وليس عسكرياً فقط، لأنه يمثل جوهر ميزان الردع في المنطقة، وأحد أهم أسباب الحرب. احتمالات نهاية الحرب ثلاثة:

 

صفقة شاملة: توقف العمليات العسكرية، تجميد تخصيب اليورانيوم، التخلص من الصواريخ الباليستية، مع رقابة دولية، ورفع تدريجي للعقوبات، وإطلاق الأموال المجمدة، وضمانات أمنية.

 

تغيير قيادي تدريجي: تعيين رئيس غير ديني، التخلص التدريجي من الملفات الحساسة، وإيقاف القتال بعد ضربات متبادلة، مع إدارة الإعلام بحذر لتجنب الحديث عن التخصيب والصواريخ.

 

ضربة حاسمة: تدمير البنية التحتية للصواريخ ومخازن اليورانيوم، حتى لو أدى ذلك لكارثة بيئية أو مجتمعية، مع صعود تيار براغماتي داخل النظام.

 

احتمالات دخول دول الخليج الحرب

 

يبقى احتمال دخول دول الخليج في الحرب قائماً كلما اتسعت دائرة المواجهة، خصوصاً إذا تعرّضت منشآت الطاقة أو القواعد العسكرية لضربات مباشرة تدفع دول المنطقة إلى الرد دفاعاً عن أمنها ومصالحها الحيوية. فاستهداف الممرات النفطية أو البنية الاقتصادية في السعودية أو الإمارات قد يحوّل الصراع سريعاً من مواجهة محدودة إلى أزمة إقليمية تعيد رسم توازنات الشرق الأوسط، خاصة إذا ردّت إيران بتوسيع نطاق العمليات البحرية أو الصاروخية. ورغم انتشار تحليلات ترى أن أمريكا قد تستفيد اقتصادياً من استهلاك السلاح أو تعزيز مبيعاته، فإن حرباً واسعة في الخليج تحمل مخاطر هائلة على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة، ما يجعل السيناريو الأقرب هو محاولة جميع الأطراف إبقاء الصراع تحت سقف الردع لا الانفجار الشامل، لأن شرارة واحدة غير محسوبة قد تكون كفيلة بتغيير خريطة المنطقة بأكملها.

 

احتمالات تضرر دول أخرى لمصلحة أمريكا

 

يُنظر في بعض القراءات الجيوسياسية إلى أي مواجهة كبرى مع إيران على أنها قد تخدم أكثر من هدفٍ استراتيجي في وقت واحد بالنسبة لأمريكا، ليس فقط في الشرق الأوسط بل في توازناتها العالمية مع القوى الكبرى.

 

فمن جهة الصين، تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد الطاقة القادمة من الخليج، وأي اضطراب في الممرات النفطية أو ارتفاع حاد في الأسعار يضغط على اقتصادها الصناعي وسلاسل الإمداد لديها. لذلك يرى بعض المحللين أن توتر المنطقة قد يبطئ النمو الصيني أو يجبرها على الانشغال بأمن الطاقة بدلاً من التوسع الاقتصادي والجيوسياسي.

 

أما تجاه أوروبا، وخاصة عبر مؤسسات مثل الاتحاد الأوروبي، فإن استمرار الأزمات الأمنية يدفع الدول الأوروبية للاعتماد أكثر على المظلة العسكرية الأمريكية، سواء في حماية طرق التجارة أو شراء منظومات دفاعية متقدمة. كما أن أي اضطراب جديد في الطاقة قد يعيد توجيه أوروبا نحو مصادر بديلة مرتبطة بالسياسات الأمريكية، بعد أن أصبحت قضية الأمن الطاقي مركزية منذ الأزمات الدولية الأخيرة.

 

وفي كل الأحوال، لن يكون انتهاء الحرب نتيجة انتصار عسكري واضح، بل نتيجة إنهاك اقتصادي شامل، وخوف القوى الكبرى من توسع الصراع، واتفاق يوازن بين التخصيب والضمانات الأمنية.

 

مستقبل إيران بعد الحرب

 

مستقبل إيران لن يُحسم في ساحات القتال وحدها، بل على طاولات التفاوض وحسابات الاقتصاد والشرعية الداخلية. إما أن تخرج الدولة أكثر انغلاقاً وصلابة تحت منطق الحصار، أو تتجه نحو براغماتية جديدة تعيد تعريف علاقتها بالعالم. وإلا، قد تنتظرها سنوات من الحرب الأهلية، حيث الصراع على السلطة بين المتشددين والبراغماتيين.

 

الشرق الأوسط لا يعرف النهايات السهلة. وقد تتورط القوى الخارجية، مثل أمريكا، بأحداث لم تكن في الحسبان، إذا بقيت الشعوب نائمة في أحضان حكامها الخونة.

 

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نبيل عبد الكريم

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

صراع المصالح الدولية وأرض المسلمين

بين الهيمنة والتمزيق

 

 

تشهد البلاد الإسلامية في هذه المرحلة تصاعداً خطيراً في الصراع الدولي، حيث أصبحت ميداناً مفتوحاً لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى، فحرب أمريكا على إيران، وتحويل بلاد المسلمين إلى ساحات مواجهة، ليس إلا حلقة جديدة في سلسلة طويلة من التدخلات الأجنبية التي جعلت الأمة تعيش حالة من الضعف والتبعية.

 

وهذا الواقع ليس وليد اللحظة، بل هو نتيجة مسار طويل من الهيمنة السياسية والاستراتيجية، حيث تتصارع القوى الكبرى على النفط والممرات البحرية والمواقع الاستراتيجية، بينما تبقى شعوب المنطقة هي الضحية الأولى، قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾، غير أن واقع المسلمين اليوم يشهد عكس ذلك بسبب تفرقهم وابتعادهم عن تحكيم شرع الله فقد جعلوا للكفار عليهم سبيلا.

 

ليست إيران في نظر القوى الكبرى مجرد دولة إقليمية، بل تمثل عقدة جيوسياسية خطيرة بسبب موقعها بين آسيا والشرق الأوسط، وإشرافها على مضيق هرمز، وامتلاكها ثروات نفطية ضخمة، وقربها من روسيا والصين، وامتلاكها قوة عسكرية تهدد مصالحها، فمضيق هرمز يعد من أهم شرايين الطاقة العالمية، وتمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط المتجهة إلى آسيا، وخاصة الصين والهند واليابان.

 

ولهذا فإن الصراع حول إيران يتجاوز مسألة البرنامج النووي، ليصل إلى الصراع على النفوذ العالمي، خاصة في ظل التنافس الأمريكي الصيني.

 

وهذه طبيعة الصراع الدولي منذ قرون، حيث تتنافس الدول الكبرى على السيطرة والنفوذ، وهم يصبون حروبهم في بلاد المسلمين، قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾، فالصراع مع القوى الكبرى ليس صراعاً عسكرياً فقط، بل صراع حضاري وسياسي واقتصادي.

 

إن السياسة الدولية لا تقوم على المبادئ بل على المصالح، فالدول الكبرى تستعمل الحلفاء والأدوات لتحقيق أهدافها، فإذا انتهى دور الأداة استبدلت بها غيرها، وهذا ما حدث مراراً في تاريخ المنطقة:

 

-     دعم أنظمة ثم إسقاطها.

-     تحالفات مؤقتة ثم صراعات.

-     استخدام قوى إقليمية ثم التخلي عنها.

 

فالاعتماد على القوى الكبرى كان دائماً سبباً في ضياع استقلال الأمة، وهذا ما حذر منه الخالق عز وجل بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ﴾.

 

لم يكن تقسيم بلاد المسلمين أمراً عشوائياً، بل كان نتيجة سياسات استعمارية منظمة منذ هدم الخلافة العثمانية، فبعد الحرب العالمية الأولى قسمت إلى دول صغيرة متفرقة، ورسمت الحدود السياسية الحديثة، فتمزقت الأمة الواحدة إلى عشرات الدول، بدل أن تتوحد امتثالا لقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا﴾.

 

فالتفرق السياسي كان من أعظم أسباب الضعف الذي تعيشه الأمة اليوم، وأصبحت بلاد المسلمين ميادين صراع بين القوى الكبرى، فالعراق كان ساحة حرب، وأفغانستان، والشام، واليوم تمتد التوترات إلى مناطق جديدة... والسبب في ذلك غياب القوة السياسية الموحدة التي تحمي الأمة.

 

وقد أخبر النبي ﷺ عن مثل هذا الحال فقال: «يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا» فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: «بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ» فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: «حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ»، فالأمة كثيرة العدد لكنها ضعيفة بسبب التفرق.

 

إن وجود القواعد العسكرية الأجنبية في بلاد المسلمين، وتحول أراضيهم إلى منصات انطلاق للحروب، دليل واضح على فقدان السيادة الحقيقية، فبلاد المسلمين أصبحت قواعد عسكرية، وساحات صراع، ومناطق نفوذ، بينما تقف الجيوش عاجزة عن حماية الأمة، مع أن الله تعالى أمرنا بإعداد القوة بقوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾، لكن إعداد القوة لا يكون بوجود التبعية، بل بالاستقلال الحقيقي.

 

ومن أخطر ما أصاب الأمة اختزال الإسلام في العبادات الفردية، وإبعاده عن شؤون الحياة والسياسة والحكم، بينما الإسلام نظام شامل للحياة، قال رسول الله ﷺ: «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الْأَنْبِيَاءُ، كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَ نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي وَسَتَكُونُ خُلَفَاءُ تَكْثُرُ». قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: «فُوا بِبَيْعَةِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ وَأَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ».

 

فالإسلام لم يكن مجرد عبادات، بل كان نظام حكم يقود الأمة، لذلك فإن وحدة الأمة ضرورة، وهي ليست فكرة سياسية فقط، بل هي حكم شرعي، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾.

 

إن ما يجري اليوم من صراعات دولية في بلاد المسلمين ليس إلا نتيجة مباشرة لغياب الكيان السياسي الجامع الذي يحمي الأمة ويصون مقدساتها ويمنع استباحة أراضيها، فما دامت الأمة متفرقة، ستظل بلادها ساحات صراع، وستظل القوى الكبرى تتحكم بمصيرها، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.

 

والحل الشرعي الإسلامي لمشاكل الأمة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والعقدية هو بعودتها إلى تحكيم شرع الله، وإقامة الكيان السياسي الجامع الذي يوحدها على أساس الإسلام، فتطبق أحكامه وتستأنف به الحياة الإسلامية، وبذلك تتحقق العزة والاستقلال وتنتهي التبعية والصراعات المفروضة على بلادها.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

بهاء الحسيني – ولاية العراق

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

يجب على باكستان مهاجمة القواعد الأمريكية وكيان يهود، وليس تهديد إيران

 

(مترجم)

 

في إطار خدمة أمريكا، يبذل حكام باكستان جهوداً للحد من هجمات إيران على القواعد الأمريكية في البلاد الإسلامية. ففي 3 آذار/مارس 2026، صرّح وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار بأنه أبلغ الجانب الإيراني بأن باكستان تربطها معاهدة دفاعية مع السعودية. وقال: "لدينا معاهدة دفاعية مع السعودية. وقد أبلغت الجانب الإيراني بهذه المعاهدة، فطلب مني ضمان عدم استخدام أراضي السعودية". وأضاف بدون حياء: "ثم أجريت اتصالات متواصلة، ونتيجة لذلك، وكما ترون، فإن أقل الهجمات الإيرانية تستهدف السعودية وسلطنة عُمان".

 

وأما دار، عميل أمريكا وعمود سيطرتها الاستعمارية على باكستان، فنقول له ما قاله النبي ﷺ قال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أَوْ لْيَصْمُتْ» رواه البخاري ومسلم. وفي الواقع، فإنه في أي أزمة تمر بها الأمة، يهتم حكام باكستان بمصالح أمريكا، وليس بمصالح الإسلام والمسلمين.

 

وفيما يتعلق بالأمة وجيوشها، بما في ذلك جنود باكستان، هناك فرصة ذهبية لاقتلاع البنية التحتية الأمنية والعسكرية للاستعمار الأمريكي، والتي يُعد كيان يهود جزءاً منها. وقد حان الوقت المناسب لجيوش باكستان وتركيا ومصر وبنغلادش وإندونيسيا لشن هجوم شامل ومنسَّق على البنية التحتية الأمريكية، بما في ذلك قاعدتها المتقدّمة، كيان يهود. وحان الوقت للسيطرة الكاملة على قناة السويس ومضيق ملقا، ودعم الجيش الإيراني في سيطرته على مضيق هرمز، وسيُجبر هذا جميع القوى الكبرى على إعادة النظر في خضوعها لأمريكا، على حساب الأمة الإسلامية. ويأتي هذا في وقت بدأت فيه أوروبا باتخاذ خطوات عملية للخروج من تحت مظلة الأمن الأمريكي، وفي ظل غضب الصين من غطرسة أمريكا، وابتهاج روسيا بالضرر الذي لحق بأمريكا منذ هجومها على إيران.

 

من الواضح أن مثل هذا الموقف الجريء في سبيل الله لن يتبنَّاه عملاء أمريكا أو أوروبا وأتباعهم، بل سيتَّخِذُهُ فقط خليفة يحكم بالإسلام، يوحد الأمة ويحشد جيوشها لمعركة حاسمة، وبعدها سيتحقَّق توازن استراتيجي جديد بإذن الله. لذا يبقى السؤال: بعد هدم الخلافة عام 1924م، أيُّ جيشٍ من جيوش المسلمين سيكون الأول الذي ينهي الملك الجبري، ويعطي النصرة لإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة؟ قال ﷺ: «ثُمَّ تَكُونُ مُلْكاً جَبْرِيَّةً فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ» رواه أحمد.

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مصعب عمير – ولاية باكستان

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

أيها المسلمون، إلى العمل الجاد المنتج المبرئ للذمة ندعوكم

 

قال الله تعالى في محكم كتابه وهو أصدق القائلين: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. لقد أوجب الله سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة على الأمة الإسلامية، وجوبا كفائياً، وجود جماعة منها موصوف عملها في الآية نفسها بأنه الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذه كلها أعمال سياسية كون السياسة هي رعاية شؤون، والإسلام يرعى شؤون الإنسان تماما منذ أن يكون نطفة في رحم أمه إلى أن يُقبر، بل بعد موته كيف يتم تقسيم ميراثه. فدعوة الإسلام لا بد أن تكون دعوة سياسية تفرد الإسلام بالسيادة في المجتمع وتجعله متحكماً في حياة الناس ويُحمل دعوةً للعالم بالدعوة والجهاد.

 

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المتعلق بالجماعة يتحدد بعد تحديد العمل المطلوب شرعا من الجماعة، فتحديد غاية هذه الجماعة وعملها ومادة ثقافتها مرتبط بالواقع، ونحن هنا لسنا بصدد الكلام عن جماعة تقوم من أجل إقامة أحكام شرعية جزئية، كالجمعيات الخيرية التي تقوم لمساعدة فقراء المسلمين أو جمعيات الوعظ والإرشاد، أو جمعيات تعليم القرآن الكريم وما شاكلها، وإنما يتناول بحثنا وجود جماعة تأخذ على عاتقها إقامة الدين كله وذلك عن طريق إقامة الخلافة التي بدورها تقيم الإسلام في حياة المسلمين، ويكون همها إيجاد كل المعاريف التي أمر الشرع بإيجادها، وإزالة كل المنكرات التي نهى الشرع عنها، وتأخذ دورها في الحياة من حيث تطبيق الإسلام كاملا في الداخل وحمله إلى العالم.

 

فالجماعة التي تريد العمل لإقامة الدولة الإسلامية يأخذ حكمها أهميته من أهمية غايتها، وهي إيجاد هذه الدولة. وبعد معرفة الغاية التي تسعى الجماعة لتحقيقها، لا يقال هنا إن الشرع يبين لنا حكم الشيء ثم يترك لعقلنا وظرفنا وما تقتضيه مصلحتنا سلوك الطريق التي نراها مناسبة لتنفيذ وتطبيق ذلك الحكم الشرعي، لا يقال ذلك لأن فيه مخالفة لطبيعة الأحكام الشرعية، فالله سبحانه وتعالى قد بين في شرعه الحنيف معالجات مشاكل الناس فأنزل لهم الأنظمة التي تتناول جميع شؤون حياتهم.

 

وعليه فلا يوجد فعل أو شيء إلا وأنزل الله له حكما وذلك جرياً على القاعدتين الشرعيتين: (الأصل في الأفعال التقيد بالحكم الشرعي)، و(الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد دليل التحريم)، وما من حكم شرعي يتناول معالجة مشكلة من المشاكل إلا وقد بين الشرع حكما شرعيا عمليا آخر متعلقا به ومكملا له يبين كيفية تنفيذ هذا الحكم وجعله مطبقا في واقع الحياة حتى لا يبقى الإسلام فلسفة خيالية أو مجرد مواعظ وإرشادات. ومن هنا إذا كان حكم إقامة الدولة الإسلامية هو حكم شرعي فإن طريقة إقامته هي كذلك حكم شرعي.

 

لذلك فإن الجماعة التي تريد سلوك الطريق التي من شأنها أن تقيم الحكم بما أنزل الله لا بد وأن تفتش عن الأدلة الشرعية المتعلقة بسلوك هذا الطريق حتى تسير على بصيرة من الله وهدى ونور، فالله تعالى الذي طلب من الناس أن يلتزموا في حياتهم بالإسلام، طلب منهم أيضاً أن يلتزموا بالطريقة التي شرعها لتحقيق هذه الفكرة، وهي استئناف الحياة الإسلامية، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، و(ما) من ألفاظ العموم، فتشمل كل ما جاء به الرسول عن طريق الوحي، من فكرة وطريقة، قال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ وقال مخاطباً رسوله: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾، وزيادة في الإيضاح «خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطّاً بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ: هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ مُسْتَقِيماً، ثُمَّ خَطَّ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ ثُمَّ قَالَ: هَذِهِ السُّبُلُ وَلَيْسَ مِنْهَا سَبِيلٌ إِلَّا عَلَيْهِ شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» وحذر الله رسوله قائلاً: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾، وحذر المسلمين عن مخالفة أمره: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.

 

هذه النصوص وغيرها توجب على الجماعة التقيد بالطريقة التي سار عليها الرسول ﷺ، في حمل الدعوة حتى أقام الدولة، لا تحيد عنها قيد شعرة بحجة اختلاف الظروف، أو اتقاء البطش، ولا بحجة المصلحة العامة أو ملاءمة العصر. والطريق حتى تكون شرعية يجب أن يظهر فيها الالتزام بالنصوص الشرعية والتأسي بالرسول ﷺ. فالحزب المتتبع للنصوص الشرعية في القرآن والسنة تتبلور لديه الطريقة والأساليب والوسائل التي يجب أن يسير عليها حتى يصل إلى تحقيق غايته الشرعية ألا وهي تحكيم شرع الله بإقامة دولة الإسلام.

 

وإذا كان العمل لإقامة دولة الإسلام فرضاً فإن سلوك الطريق التي سلكها الرسول ﷺ تأخذ الحكم نفسه، وبهذا ندرك أن العمل الجماعي ضمن حزب سياسي يعمل لاستئناف الحياة الإسلامية هو فريضة شرعية يتوقف عليها تغيير الأوضاع المتردية وتصحيحها وانتشال الأمة من حياة الضنك التي تعيشها وإعادتها لسابق عزها ومجدها، وذلك بعد فهم النصوص الشرعية وما تتضمنه من عقائد وأفكار وأحكام، وأيضا بعد درس سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام في حمله لدعوة الإسلام وعمله لتغيير المجتمع وإقامة الدولة.

 

ومن أهم الآليات التي يجب أن يعتمدها الحزب السياسي لتحقيق الرؤية الحقيقية للتغيير:

 

أولاً: أن يتبنى ثقافة إسلامية يعتبرها الحد الأدنى لفهم الإسلام كمبدأ للحياة. ويعمل على تدريسها بشكل مركز ومكثف في حلقاته الدراسية لإعداد حملة دعوة إعداداً من شأنه أن يقيم الإسلام على أيديهم كما أعد الرسول ﷺ أصحابه الذين قام على أكتافهم حمل الدعوة في مكة فشاركوه الصبر على تحمل الأذى ثم إقامة الدولة معه في المدينة المنورة ومن ثم قيادة الأمة من بعده فحملوا الإسلام إلى أنحاء المعمورة.

 

وتُعد هذه الآلية أساسية ودقيقة وذلك أن هضم الفكرة وبلورتها، نقية صافية، لدى أفراد الكتلة، إضافة إلى وضوح الطريقة، يمكّنان الحزب من التفاعل مع الأمة وتحميلها المبدأ. كما أن الوعي الكامل والإرادة الصلبة لدى أفراد الحزب يمكّنانه من خوض الصراع الفكري والكفاح السياسي وأخذ قيادة الأمة للسير بها نحو الغاية المنشودة.

 

كما يجب على الحزب عرض ثقافته أيضا بشكل جماهيري من خلال الندوات والمحاضرات والنشرات والكتب ووسائل التواصل وغيرها حتى يوجد رأي عام واع عليها من خلال التركيز على مجموعة محددة من الأفكار والأحكام ونقلها إلى قوة دافعة في المجتمع تدفعه لأن يطبقها في معترك الحياة فتؤمن بها الجماهير وتفهمها وتحملها وتكافح في سبيل تطبيقها.

 

ثانيا: على الحزب أن يأخذ قيادة المجتمع على أساس مبدئي ليتمكن من أخذ الحكم وتطبيق الإسلام تطبيقا كاملاً شاملاً. لذلك يجب أن يقوم الحزب بالصراع الفكري والكفاح السياسي، فالصراع الفكري يشمل التعرض للأفكار السائدة في المجتمع ونقد الأعراف والعقائد والمفاهيم المخالفة للإسلام، وذلك لتحطيم أفكار الكفر وإيجاد رأي عام ضدها، بالإضافة إلى نشر الأفكار الإسلامية وتركيزها لإيجاد رأي عام مؤيد لها، ناتج عن وعي عام من خلال ربط الأفكار بالعقيدة الإسلامية أي بنصوص الشرع.

 

أما الكفاح السياسي فيعني التعرض للنظم والقوانين التي تُرعى بها الشؤون، والتعرض كذلك لتصرفات القائمين على شؤون الحكم والرعاية. ويتضمن العمل السياسي القيام بمحاسبة الحكام وكشف خططهم وتآمرهم على الأمة وقضاياها، كما يتجلى في مكافحة الدول الاستعمارية وكشف خططها وإيجاد رأي عام ضد سياساتها ونفوذها ومشاريعها في البلاد الإسلامية.

 

هذه هي الآلية الدعوية للحزب السياسي القائم على مبدأ الإسلام: حزب يقوم بناؤه على الثقافة الإسلامية من خلال تبني مجموعة محددة من أفكار الإسلام وأحكامه، تشكل هذه الأفكار والأحكام فكرة الحزب، أما طريق الحزب فيجب أن تؤخذ من طريقة المبدأ، كما يجب أن تكون الرابطة التي تربط بين أفراد الحزب رابطة مبدئية، تتمثل بالعقيدة والثقافة الحزبية، وأيضا يجب أن تبرز الناحية السياسية في جميع أعمال الحزب بحيث تُحمل الأفكار والأحكام حملا سياسيا، بهدف إيجادها في واقع الحياة وجعلها متحكمة في علاقات الناس ونظام حياتهم الذي انبثق عن عقيدتهم الإسلامية.

 

فإلى العمل الجاد المنتج المبرئ للذمة، المرضي لربنا، ندعوكم أيها المسلمون، إلى العمل مع حزب التحرير، لاستئناف الحياة الإسلامية بإقامة دولة الخلافة الثانية على منهاج النبوة، تحقيقا لوعد ربنا جل وعلا القائل في محكم كتابه الكريم: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، وتحقيقا لبشرى رسولنا سيد المرسلين ﷺ في الحديث الذي رواه الإمام أحمد رحمه الله تعالى في مسنده عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكاً عَاضّاً فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكاً جَبْرِيَّةً فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ. ثُمَّ سَكَتَ».

 

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

رنا مصطفى

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

هل ينقل الإعلام العربي الواقع أم يعيد تشكيله؟

 

 

تتسارع الأحداث من حولنا، ومع كل تطور جديد تتجه الأنظار إلى الإعلام العربي بوصفه النافذة التي يُعاد من خلالها تشكيل فهم الجمهور للواقع.

 

لكن الإعلام العربي التقليدي لا يتمتع بالاستقلالية في نقل الأخبار ولا حتى بالحيادية، بل هو إعلام تابع للأنظمة الحاكمة؛ فكل وسيلة إعلام تتبع قوانين البلد الذي تبث منه. والأنظمة الحاكمة في بلاد المسلمين هي أنظمة سُلِّطت على رقاب شعوبها، وهي أنظمة استبدادية قمعية، لكونها خادمة ذليلة لمن أوجدها وهو الغرب المستعمر؛ لذا فإن الإعلام العربي يخدم أهداف وأجندات هذه الأنظمة.

 

وعلى رأس أولويات هذه الأنظمة: تضليل الشعوب وتغييب الحقائق، وإخفاء ما يجب إظهاره، وتهويل ما لا يستحق؛ فهي سياسة إعلامية تُعيد تشكيل الواقع حسب ما يُراد تسويقه.

 

أمثلة من الواقع:

 

  • عملية طوفان الأقصى: وما تلاها من حرب إبادة قام بها جيش كيان يهود؛ فقد أظهر الإعلام العربي أن المجاهدين قادرون على مواجهة جيش يهود وحدهم، ليوجهوا تفكير المشاهد بعيداً عن السؤال الجوهري أين جيوش المسلمين؟! وبذلك تُرك المجاهدون يواجهون ليس جيش يهود فحسب، بل العالم كله بمفردهم.
  •  
  • حادثة قطر: عندما قام جيش كيان يهود بقصف الفندق الذي كان يقيم فيه قادة حماس في قطر، اكتفى أميرها باعتذار كيان يهود!
  •  
  • الصراع الإقليمي: في حرب أمريكا وكيان يهود على إيران، عندما قامت إيران بضرب قواعد أمريكا العسكرية المنتشرة في بلاد الخليج، صوّر الإعلام العربي ذلك بأنه اعتداء على دول الخليج وليس ردا على أمريكا، وذلك لإبعاد تفكير المتابعين عن سبب وجود هذه القواعد أصلاً في بلاد المسلمين، وحرصت على إظهار إيران كمعتد، وكيان يهود وأمريكا كمعتدى عليهما!
  •  

وبالتالي، يعطي هذا التضليل مبرراً لتلك الأنظمة لتوجه مضاداتها الصاروخية لاعتراض صواريخ إيران، وتفتح أجواء البلاد لطائرات يهود، منفذين بذلك أوامر سيدتهم أمريكا بحماية قواعدها العسكرية.

 

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن النظام الإيراني كان يدور في فلك أمريكا ويعمل معها عندما تتقاطع المصالح، ولا يُنسى دوره القبيح في العراق وسوريا ولبنان وأفغانستان، لكن أرض إيران أرض إسلامية وشعبها مسلم، وإن كان نظام الحكم فيها كباقي الأنظمة في بلاد المسلمين؛ أنظمة مستبدة جبروتية ناهبة للخيرات. وكان يجدر بالإعلام العربي تنبيه المشاهدين لهذه الحقائق، لكنه لن يفعل لأنه إعلام تابع ومسيس.

 

في مقابل هذا المشهد التقليدي، بدأت منصات التواصل تفرض نفسها كمساحة بديلة. ومن أهم هذه المنصات التي تنقل الأخبار بوعي مستنير ومصداقية عالية تبرز منصات حزب التحرير، التي توجه المتابعين إلى حقيقة الأحداث، مثل قناة الواقية على سبيل المثال. حيث تحلل الأحداث بشكل مستفيض متخذة من العقيدة الإسلامية أساساً في تحليلها العميق الذي يعمل على توعية المشاهدين وإرشادهم إلى الطريق الصحيح؛ فلا يكتفون بمعرفة الحقيقة، بل والعمل للتغيير الجذري، فكل ما يقع على المسلمين من ويلات سببه تلك الأنظمة العميلة التي تحمي كيان يهود ومصالح أمريكا.

 

لقد جيء بهؤلاء الحكام بعد هدم دولة الخلافة وتمزيقها ليبقى المسلمون مشتتين. لذا يعمل حزب التحرير لإنهاض الأمة لتستعيد قوتها عبر استئناف الحياة الإسلامية بإقامة دولة الخلافة على منهاج النبوة.

 

وهنا أقتبس بعض ما جاء في كتاب أجهزة دولة الخلافة الذي أصدره حزب التحرير حول الإعلام:

 

"الإعلام من الأمور المهمة للدعوة والدولة، فهو ليس مصلحةً من مصالح الناس تتبع إدارة مصالح الناس، بل إن موقعها مرتبط مباشرةً مع الخليفة كجهاز مستقل، شأنه شأن أي جهاز آخر من أجهزة الدولة.

 

إن وجود سياسة إعلامية متميزة تعرض الإسلام عرضاً قوياً مؤثراً، من شأنه أن يحرِّك عقول الناس للإقبال على الإسلام ودراسته والتفكر فيه، وكذلك يسهِّل ضم البلاد الإسلامية لدولة الخـلافة. هذا فضلاً عن أن كثيراً من أمور الإعلام مرتبط بالدولة ارتباطاً وثيقاً، ولا يجوز نشره دون أمر الخليفة. ويتضح ذلك في كل ما يتعلق بالأمور العسكرية، وما يلحق بها، كتحركات الجيوش، وأخبار النصر أو الهزيمة، والصناعات العسكرية. وهذا الضرب من الأخبار يجب ربطه بالإمام مباشرة ليقرر ما يجب كتمانه، وما يجب بثه وإعلانه.

 

ودليله الكتاب والسنة:

 

أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. وموضوع الآية الأخبار.

 

وأما السنة فحديث ابن عباس في فتح مكة عند الحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي وفيه: «وقد عميت الأخبار على قريش، فلا يأتيهم خبر رسول الله ﷺ، ولا يدرون ما هو صانع». ومرسل أبي سلمة عند ابن أبي شيبة وفيه: «ثم قال النبي ﷺ لعائشة: جهزيني ولا تعلمي بذلك أحداً،... ثم أمر بالطرق فحبست، فعمى على أهل مكة لا يأتيهم خبر».

 

وعليه فإن جهاز الإعلام يجب أن يحوي دائرتين رئيسيتين:

 

  • الأولى: عملها في الأخبار ذات المساس بالدولة، كالأمور العسكرية والصناعة الحربية، والعلاقات الدولية الخ. ويكون عمل هذه الدائرة المراقبة المباشرة لمثل هذه الأخبار، فلا تذاع في وسائل إعلام الدولة أو الخاصة إلا بعد عرضها على جهاز الإعلام.
  •  
  • والثانية: مختصة بالأخبار الأخرى، وتكون مراقبتها لها غير مباشرة، ولا تحتاج وسائل إعلام الدولة، أو وسائل الإعلام الخاصة، أي إذن في عرضها.

 

سياسة الدولة الإعلامية:

 

 يصدر قانون يبين الخطوط العريضة للسياسة الإعلامية للدولة وفق الأحكام الشرعية، تسير بموجبها الدولة لخدمة مصلحة الإسلام والمسلمين، وبناء مجتمع إسلامي قوي متماسك، معتصم بحبل الله، يشع الخير منه وفيه، لا مكان فيه لأفكار فاسدة مفسدة، ولا لثقافات ضالة مضللة، مجتمع إسلامي ينفي خبثه، وينصع طيبه، ويسبح لله رب العالمين" انتهى الاقتباس

 

وأخيراً على المسلمين أن يعملوا مع العاملين لتغيير الواقع المزري الذي يعيشونه، وذلك بالعمل مع حزب التحرير لاستئناف الحياة الإسلامية بإقامة دولة الخلافة على منهاج النبوة. فهي وعد من الله سبحانه وتعالى وبشرى سيد الخلق محمد ﷺ.

 

قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.

 

وقال ﷺ: «تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَاضًّا فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ. ثُمَّ سَكَتَ».

 

 

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أم عاصم الطويل – الأرض المباركة (فلسطين)

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

ما الذي يمنع جيش باكستان

من نصرة المسلمين في إيران على أمريكا وكيان يهود؟

 

(مترجم)

 

يعاني المسلمون في باكستان من ألم شديد بسبب هجمات أمريكا وكيان يهود على إيران، فهذه الهجمات تشبه ما جرى في غزة، فهي لم ترحم الأطفال والنساء والمسنين، ولم تستثن المدارس والملاعب. إن المؤمنين كالجسد الواحد كما قال النبي محمد ﷺ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» رواه مسلم، ومن الطبيعي أن نسأل: لماذا لم تتحرك القوات المسلحة الباكستانية بعدُ لدعم مسلمي إيران؟

 

لا يوجد ما يمنع الجيش الباكستاني من زاوية العقيدة الإسلامية، فإن مسلمي إيران إخوة مسلمي باكستان، ورابطة الإيمان أقوى رابطة على الأرض، والعقيدة الإسلامية جعلت سلمان الفارسي أخاً لبلال الحبشي، وأبي بكر العربي، وصُهيب الرومي رضي الله عنهم أجمعين. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، والعقيدة الإسلامية تلغي رابطة القومية المفرّقة التي تمنع وحدة المسلمين. فلا يوجد ما يمنع الجيش الباكستاني من زاوية الفقه الإسلامي. فمؤسس المذهب الحنفي الذي يتبعه مسلمو باكستان هو الإمام أبو حنيفة، الذي كان تلميذاً لجعفر الصادق، مؤسس المذهب الجعفري الذي يتبعه مسلمو إيران. قال البخاري في تاريخه: (حدث عنه: أبو حنيفة). فليُبطل ذلك الطائفية التي تعيق وحدة المسلمين.

 

ولا يوجد ما يمنع الجيش الباكستاني من زاوية التداخل المجتمعي، فباكستان تمتلك ثاني أكبر تجمع شيعي في العالم بعد إيران، وهناك روابط قوية عمرها قرون بين السنة والشيعة في المنطقة، وجميعهم يصلُّون الصلاة الشرعية، ويصومون صيام رمضان الشرعي، ويقومون لعبادة ربهم في الليل خلال الشهر المبارك!

 

ومن زاوية الجغرافيا، فهما متجاورتان بمسافة طولها 909 كيلومترات، تفصل محافظة سيستان وبلوشستان الإيرانية عن محافظة بلوشستان الباكستانية، ولو أعلن فيلق الجيش الباكستاني الثاني عشر الجهاد من كويتا، فبحلول وصوله إلى تلك المناطق، سيزداد بعشرات الآلاف من الرجال من الجانبين للحدود الاستعمارية الاصطناعية.

 

أما من زاوية النظام الدولي، فهناك انقسام عميق بين القوى الكبرى بشأن عدوان أمريكا على إيران، فالدول الأوروبية تعرب عن رفضها الصارخ للانتهاكات العسكرية الأمريكية. أما روسيا، فقد ذكرت صحيفة واشنطن بوست يوم 6 آذار/مارس 2026 أن روسيا قدمت معلومات استخباراتية حساسة لإيران عن الأصول العسكرية الأمريكية. أما الصين، فهي قلقة بشأن إمدادات النفط وقد فتحت قنوات مع إيران.

 

أما من زاوية الأنظمة الإقليمية، فلا قيمة لأي اتفاق مع عملاء الغرب وأتباعه في الخليج. فهؤلاء الحكام كسائر حكام المسلمين الذين يكبِّلون جيوش المسلمين عن نصرة مسلمي غزة. إنهم يكبِّلون جيوش المسلمين رغم أنها أكبر بكثير من القوات التي نشرتها أمريكا. وفي 5 آذار/مارس 2026، أكد الجنرال الأمريكي كريستوفر سي. لانيف، نائب رئيس أركان الجيش، أن 108 آلاف جندي فقط منتشرون أو في وضعية متقدمة عبر 160 دولة، مع 91 ألفاً منهم في المحيطين الهندي والهادئ، فما هذا العدد الصغير مقارنة بملايين جنود الأمة ومئات الملايين من الرجال الشجعان؟

 

أما القتال الحالي بين المسلمين، فهو لا يمنع الواجب الشرعي لنصرة المسلمين في دينهم. بالإضافة إلى ذلك، بشأن القتال بين جيش باكستان والمجاهدين في أفغانستان، فطبيعة الجهاد تلغي العداوة بين المسلمين من خلال الغضب تجاه أعداء الأمة. والجهاد يلغي أيضاً الرغبة في الانتقام المتبادل، بسبب الرغبة القوية في تحقيق النصر أو الشهادة. وكذلك الحال في القتال بين جيش باكستان والمقاتلين في بلوشستان بباكستان. وعلاوة على ذلك، لهؤلاء المقاتلين روابط قبلية قوية مع مسلمي سيستان وبلوشستان في إيران، والتعبئة للجهاد ضد الصليبيين الأمريكيين وكيان يهود ستُوَحِّد المسلمين بطريقة تُرعب الأعداء قبل أن يبدأ القتال حتى.

 

أما ادعاء القيادة العسكرية الباكستانية بأن علاقتها الشخصية القوية مع ترامب ستمنع الضرر عن باكستان، فهي أوهام، فتحالف مشرَف مع جورج بوش الابن، وعلاقاته الشخصية القوية معه، لم تحمِ باكستان من خسائر هائلة في الثروة والأرواح. بل لم تنقذ مشرف نفسه من أن تستبدل به أمريكا وكيلا آخر لما انتهى دوره ولم تعد بحاجة إليه. فكيف يكون حال عاصم منير، وعلاقاته الشخصية مع ترامب، وتحالفه مع أمريكا مختلفاً؟ قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.

 

أيها المسلمون في أفغانستان وباكستان وإيران: نحن إخوة طال بيننا العداء المتبادل، فرَّقَتْنا القومية والطائفية، انقسامنا لم يُفِدْ إلا أعداءنا: الصليبيون الأمريكيون وكيان يهود والدولة الهندوسية، ونعرف سياسة "فرِّقْ تَسُدْ" لدى المستعمرين البريطانيين سابقاً، فكيف لا نرى سياسة "فرِّقْ تَسُدْ" للمستعمرين الأمريكيين الآن؟ لم نتحرك لنصرة غزة. والآن لا نتحرك لنصرة إيران وغزة معاً، فلنتُبْ إلى الله توبةً نصوحاً في شهر رمضان بعودتنا إلى طاعة الله تعالى، فلنوحد الصفوف، ونقم الحكم بكتاب الله ﷻ، ونتحرك للجهاد في شهر الانتصارات! وإن حزب التحرير معكم، وفيكم وبينكم. فافعلوا معه الخيرات لتعلو كلمة الإسلام على سائر الأنظمة ولو كره الكافرين.

 

أيها المسلمون في القوات المسلحة الباكستانية! أنتم أقوى قوة عسكرية في الأمة، فأنتم تحملون أعظم المسؤوليات أمام الله ﷻ، لا تدخلوا نار جهنم بسبب عملاء أمريكا في قيادتكم. أزيحوهم وأعطوا النصرة لحزب التحرير لإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، فروا إلى الله لتنالوا رضا الله ﷻ وجنَّته الواسعة.

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مصعب عمير – ولاية باكستان

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الأمم القادرة على تحقيق رؤية حقيقية للتّغيير

 

(مترجم)

 

تُعرَّف الأمة بأنها "مجموعة من الناس تربطهم قوانين أو معتقدات أو لغة أو إقليم، من بين أمور أخرى". وبهذا المعنى، يمكننا اعتبار المملكة المتحدة والولايات المتحدة وفرنسا أمماً، إذ يتشارك سكانها القوانين والأنظمة نفسها ويتحدثون اللغة نفسها. لكن وجود القوانين والأنظمة والمعتقدات أو اللّغة المشتركة لا يعني بالضرورة أنّ هذه السّمات ستؤدي إلى تغيير ناجح للأمة. لذا، من الضّروري للأمة الإسلامية تحديد الصفات التي يجب أن تتحلى بها الأمة الناجحة إذا ما أرادت تحقيق رؤية حقيقية للتغيير.

 

المبدأ هو حجر الأساس للأمة الناجحة، فهو مصدر جميع القوانين والمعتقدات والأنظمة داخلها، ويشكل رابطاً بين أفرادها. ومع ذلك، ورغم أهمية المبدأ، لا تؤدي جميع المبادئ إلى أمة ناجحة.

 

ومن هذا المنطلق، نرى أنّ الرأسمالية، التي ظهرت وانتشرت بين عامي 1760 و1840 خلال الثورة الصناعية، قد بلغت نهاية عمرها، وهي الآن في وضع حرج. ويتجلّى هذا التراجع في ازدياد الاضطرابات السياسية في دول مثل الولايات المتحدة، حيث يعارض الناس تقريباً كل قرار تتخذه الدولة، القائمة على الرأسمالية والرغبة في حمايتها.

 

ومن الأدلة الأخرى على فشل الرأسمالية ازدياد قبول الإسلام وعقيدته، اللذين ظلاّ قائمين لأكثر من 1400 عام دون تغيير. ينتمي هؤلاء المهتدون إلى مجتمع نشأ على فكرة أنّ الدين لا ينبغي أن يكون جزءاً من الحياة العامة. فالنساء اللواتي تربين على الاعتقاد بأنّ الإسلام يضّطهد الناس، وأن الحجاب رمزٌ للاضطهاد، يعبّرن اليوم بكل فخر عن حبهن لله وعن اعتزازهن بارتداء الحجاب.

 

لا يمكن لأي أمة أن تنجح إذا كانت أسسها تتداعى بعد 600 عام. ولا يمكن لأمة أن تُقدّم رؤيةً للتغيير الحقيقي وهي قائمة على مبدأ متداعٍ بعد 600 عام.

 

إلى جانب المبدأ، يجب على الأمة الناجحة أن توحّد رعاياها من خلال القوانين والأنظمة المنبثقة عنه. على مدى 1400 عام، كان الإسلام بمثابة الرابط الذي جمع الأمة الإسلامية. عاش المسلمون معاً دون تمييزٍ بين لون البشرة أو الأصل أو العرق. لقد وحّدتهم أنظمة الإسلام التي وجّهت سلوكهم. لم يسرقوا لأن الله تعالى حرّم ذلك. لم يغتصبوا لأن الله تعالى حرّم ذلك. لم يرتكبوا الزنا لأن الله تعالى حرّم ذلك. لم ينظروا إلى مسلمٍ آخر متسائلين عن شرعية دخوله البلاد، لم ينظروا إلى مسلمٍ آخر ظانّين أنه عدوٌّ بسبب لون بشرته، لم يقاتلوا غيرهم لمجرد ممارستهم ديناً آخر.

 

ازدهرت الأمة الإسلامية ونمت وانتشرت في أرجاء المعمورة لأنّ العقيدة الإسلامية وحدت شعوبها لا بالمال أو جواز السفر، ولا بحدود وهمية، ولا بأنظمة متداعية.

 

لقد وحدت الشعوب في أمة واحدة على أساس معرفة أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان والحياة والكون، وأنه كان قبلها، وأنه سيحاسبنا بعدها. وحدت الشعوب في أمة لأنها زودتها بقوانين وأنظمة ومعتقدات نابعة من إدراك أن من خلقنا سيحاسبنا على أعمالنا، ومدى التزامها بأحكامه.

 

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أمة الله هاشمي

عضو المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

التغيير الجذري، رؤية من قبس الوحي

﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ﴾

 

في المقال السابق تحدثنا عن خلق الإنسان كخليفة في الأرض، وذكرنا نموذج سيدنا إبراهيم كنموذج قرآني للمسلم الذي يعمل عن يقين، لا تفت في عضده الشهوات ولا الشبهات. وقلنا إنَّ أهم سمة لهذا المؤمن أنه يؤمن بالغيب.

 

وحين نتحدث عن الإيمان بالغيب، فإن القرآن يوضح بشكل قاطع أن المُنجي هو العمل المبني على بصيرة ووعي ويقين، وأن هذا الإيمان إذا لم يتحول لمفاهيم تتجسد سلوكاً فإنها ستبقى مجرد شعارات جوفاء، وهذا ما يمقته الله سبحانه: ﴿كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾.

 

وفي سورة البقرة التي وضحت في البداية أن القرآن هدى للمتقين، الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة... ذكر الله سبحانه للمسلمين صنفاً آخر من باب التحذير أن يكونوا مثلهم؛ صنفاً لم يكن الوحي هداية له.

 

هؤلاء هم بنو إسرائيل، أورثهم الله الكتاب واصطفاهم وفضلهم على العالمين.. لكنَّهم بكل جحود كفروا بأنعم الله وقالوا قلوبنا غلف، قتلوا أنبياء الله وحرَّفوا الكلم عن مواضعه.

 

في ثنائية القول والعمل، الإيمان والخطأ المنبعث من طبيعة البشر الخطّائين، تبرز جدلية، وهي من فخاخ إبليس: أنا كمسلم يجب عليّ أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأنصح لله ولرسوله، وأعمل صالحاً، لكنِّي في الوقت نفسه معرض كبشر للزلل والخطأ وقد أقع فيما نهيت عنه أو أجتنب ما أمرت به.. فهل هذا يُدخلني في النفاق؟ هنا يبدأ إبليس عمله: فيوسوس للمسلم بالقعود عن العمل، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى لا يصبح المسلم منافقاً.

 

لكن في سورة البقرة والآيات التي تخاطب بني إسرائيل، سيجد المتدبر مخرجاً. فالله سبحانه يخاطب هؤلاء القوم بقوله: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ * وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ * وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ * وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ * أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ * وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.

 

فالله سبحانه بدأ الخطاب بتذكيرهم بنعمته عليهم، وأوجب عليهم الإيمان بالوحي الذي أنزله عليهم، وحذّرهم من أن يشتروا بآياته ثمناً قليلاً.. وهذا كلُّه ذكره الله لنا حتى لا نقع فيما وقعوا به. ثم بكل وضوح يحذِّر الله مستنكراً: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾؟ إذاً فالرد على جدلية ترك الأمر بالمعروف لورود الوقوع فيه، هو في المجاهدة، وأطر النفس على الحق أطراً ودوام محاسبتها، ولأن الله يعلم أن الأمر شاقٌّ فهو يوجهنا مباشرة بقوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾.

 

أجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والعمل للإسلام والتزام الوحي، تكاليف صعبة على النفس، ومجاهدة المسلم لنفسه والاندفاع للعمل صعب، لكنَّ الله يقول: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.

 

وهل بعث في قلب إبراهيم السلام حين ألقي في النار غير إيمانه أنه ملاقٍ ربَّه؟ وهل ثبت موسى في مواجهة فرعون إلا بيقينه بلقاء الله؟ وهل ثبت أصحاب الأخدود وأهل غزة إلا باليقين بلقاء الله الذي تهون أمامه كل التكاليف وتصبح معه كل الابتلاءات برداً وسلاماً؟

 

اليقين يدفع للعمل، ويولِّد العزم والهمَّة، فيندفع المسلم في ميدان الحياة عاملاً لنصرة دين الله لا تهمُّه المعيقات ولا تقعده الابتلاءات. يعمل على بصيرة، عرف الحق وعرف أنه على ثغر سيسأله الله عنه.

 

ومن ذاق حلاوة الإيمان، عرف أنه لا صلاح له ولأمته بغيره، ومن عرف قدر الله وقدر دينه وأنه الحق وما بعده الضلال، اجتهد وبذل الوُسع لأن يصبح لهذه الأمة سلطانه ولأن يعود لدين الله السيادة في الأرض.

 

عن مَعْقِل بن يَسَار رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ»، رواه مسلم، وعند الإمام أحمد بلفظ: «الْعَمَلُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ»، وعند الإمام الطبراني في المُعجم الكبير بلفظ: «الْعِبَادَةُ فِي الْفِتْنَةِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ».

 

في زمن الفتنة، وانتشار الهرج، وعلوِّ الباطل وحالة التخبط والتيه التي تفشو، يصبح ثبات المسلم وعمله للتغيير عبادة عظيمة، الرسول يخبرنا أنه عند الله كهجرة في سبيل الله. هذا الحديث حديث عظيم، يخبرنا فيه رسول الله ﷺ أن الأجور العظيمة تأتي من أعمال عظيمة، وأن الثبات في الفتن، والعمل في حالة ضياع الناس وانشغالهم بالسفاسف أحدها. وهذه لفتة عظيمة توجه المتبصر لأن الإسلام هو دين عمل وبذل وتغيير، دين حركة لا جمود ودين بذل لا كسل، دين يحض على العمل ويكره القعود والعجز والتذرُع. فالله جعل هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس: بأمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر، وإيمانها بالله.

 

وهكذا حال المؤمن: علم وعمل، إيمان تصدقه الجوارح بعمل فاعل في حال المسلم كلِّه وفي أمته حتى يُسلم الروح لبارئها، يستضيء بقبس حديث رسول الله، الحديث الذي رواه الإمام أحمد وغيره عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول ﷺ: «إِنْ قَامَتْ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ».

 

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

بيان جمال

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

20 رمضان، فتح مكة ونهاية الظلم

 

لقد كان في رمضان من السنة الثامنة للهجرة أن رؤوس الظلم من قريش قد هُزموا أخيراً. حيث دخل النبي ﷺ مكةَ منتصراً، وطهَّر الكعبةَ المشرّفة من الأصنام، وهو يتلو قول الله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾.

 

وجاء هذا النصر المبين بعد أن قضى المسلمون سنين طويلةً في كشف الظلم، وصبروا على أداء الأعمال الصالحة. فأصبحت الدعوة إلى الإسلام نهجاً واضحاً لنا اليوم.

 

لقد فضح المسلمون ظلمَ قريش في أموال الناس، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ﴾. واليوم، فلْنكشفْ ظلمَ الاستعمار المالي الغربي الذي أفقَر البشريةَ عبر القروض الربوية، حتى صارت الضرائب في كثير من الدول تُدفَع فقط لسداد الربا، دون أن يُمسَّ أصلُ الديون. إن هذا الظلم يجعل الأمم في دوامة لا فكاك منها، بينما هي تُسحَق تحت وطأة الضرائب المتزايدة.

 

وفي زمن النبي ﷺ، فضح المسلمون ظلمَ الغِش في الأسواق، حيث كان لقريش معيارٌ لأنفسهم وآخرُ لغيرهم، قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾. واليوم، يجب أن نكشفَ ظلمَ الاقتصاد الغربي، الذي فتح الأبواب أمام الشركات الكبرى لتتحكم في ثروات الأمم. فلْنكشفْ ممارساتِ الخصخصة الظالمةَ للثروات الطبيعية والطاقة، وهيمنةَ الدولار الأمريكي على التجارة العالمية، والأنظمةَ الجمركية الجائرة. ولْنكشفْ كيف يعيش الناس في ضيقٍ شديد بينما تُدفن الثروات تحت أقدامهم.

 

وفي عهد النبي ﷺ، فضح المسلمون ظلمَ احتكار الثروة، حين كانت قريش تحجب المالَ عن غيرها. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. واليوم، يجب أن نكشفَ الفجوةَ الشاسعةَ بين الشمال الغني والجنوب الفقير، حيث يعيش أكثر العالم في فقر مدقع بينما تستأثر قلة من الدول بالثروات ظلماً. كما ينبغي أن نفضح ظلمَ النخب الحاكمة في بلاد المسلمين، إذ تتركز معظم الثروة في أيديهم.

 

وفي عهد النبي ﷺ فضح المسلمون ظلمَ قريش للنساء والأطفال، وإجبارهم النساء على البغاء، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. واليوم، فلْنكشفْ ظلمَ النساء وما كشفته فضيحة إبستين والاتجار بالبشر، حيث تُختطف النساء والفتيات ويُغتصبن ويُجبرن على الدعارة. ولنفضحْ نظاماً اجتماعيّاً ظالماً جعل المرأة سلعةً تُباع، سواء في الدعارة أو في صناعة الإباحية. ولنفضحْ نظاماً غير عادلٍ جعل العلاقة بين الرجل والمرأة علاقةً جنسية بدل أن تكون علاقةَ تعاونٍ عفيف.

 

وفي عهد النبي ﷺ، فضح المسلمون جريمةَ وأد البنات، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾. واليوم، فلْنكشفْ جريمةَ الإجهاضِ الواسعة التي تُزهق بها الأرواح، وما يؤدي إليها من ثقافةٍ تُقابَل فيها البشاراتُ بالحمل بالحزن بدل الفرح. إن أكثرَ الإجهاض في العالم لا يكون بسبب الاغتصاب أو الدواعي الطبية، بل لأسباب اجتماعيةٍ بحتة، حيث تضطر المرأةُ في الغالب إما إلى تربية الطفل وحدها دون سند ماليٍّ من زوج، أو إلى التخلص من الجنين.

 

إن أمة الإسلام هي خير أمةٍ أُخرجت للناس. لقد حمَّلها اللهُ ﷻ رسالةَ الحقّ والعدل، وجعل على عاتقها مسؤوليةَ تبليغها للبشرية جمعاء.

 

فلْيحرِصْ كلٌّ منا على حمل دعوة الإسلام إلى أهله وأصدقائه وجيرانه وزملائه ومجتمعه، سواء في بلاد المسلمين أو خارجها. وليحمل الإخوةُ الدعوةَ إلى محمد وبيتر، ولتحمل الأخواتُ الدعوةَ إلى فاطمة وجين. ولا نستهين بأي عملٍ في سبيل هذه الدعوة، ولو بكلمةٍ واحدة، أو حديثٍ لدقائق معدودة. قال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾.

 

فلْنحملِ الدعوةَ إلى أن يرضى اللهُ ﷻ عنا، ويمنَّ علينا بالنصر، وينهيَ الظلمَ في بلاد المسلمين من خلال التمكين لدينه في دولةٍ وحكمٍ بالإسلام. وعليه، فإن حزب التحرير يدعوكم جميعاً، على اختلاف أعراقكم ومدارسكم الفكرية، وأعماركم، وأجناسكم، إلى دراسة الإسلام معه، وحمل الدعوة إلى الإسلام.

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مصعب عُمير – ولاية باكستان

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

قوة الخطاب أم قوة العقيدة؟

 

يرفع قادة سياسيون في الغرب - في ظل حرب أمريكا على إيران - شعار الصراع الديني؛ ليتوهم الناظر السطحيّ لاحقاً أن الإسلام قد هُزم في حال نجحت خططهم الماكرة بإضعاف الأمة الإسلامية والقضاء على قائمتها، فتُسلّم المنطقة ليد الطائفية، وتشتعل الفتن ضد الإسلام بحجج الإرهاب والتشويه. كما أن هذه الشخصيات التي تتغنى بالشعارات الدينية الكتابية الزائفة، تستخدم الدين ليبارك خططها التي ما رُسمت إلا بالعقل العلماني، فيكون الدين عندهم "ديكوراً" شعورياً لاحقاً بمخططاتهم وممارساتهم.

 

أما الحقيقة، فإن الحرب التي تقودها أمريكا ضد إيران - ومن بعدها الدول التي ستدخل ضمن أجندة التقسيم ونزع السلاح والإضعاف، ثم السيطرة التامة على مقدرات الأمة - ليست صراعاً دينياً بمعنى أن باعثهم دينيّ بحت، حتى لو نطقوا بذلك في خطاباتهم؛ بل هو صراع نفوذ وأطماع وسيطرة، يُلحق به الدين سطحياً وتلفيقاً، وتُستخدم فيه المشاعر الدينية كمحفز وراعٍ نفسي لهم.

 

لكنّ الملاحظ هو أنهم يعلنونها حرباً دينية بالفم الملآن ضد الإسلام، فهلّا أعلن المسلمون حربهم ضد الكفر والباطل؟ هم يسارعون في السيطرة والسيادة، فهل قرر المسلمون الدفاع عن أنفسهم، أو على الأقل تقرير مصيرهم المرتبط بعقيدتهم؟

 

المسلمون اليوم هم الذين استُضعفوا، وذُلوا، وحُرموا، ونُهبت خيراتهم، وسُلبت قيادتهم، وأُجريت عليهم كل أشكال التبعية، وجُرّدوا من حقوقهم المشروعة التي منحهم إياها خالق الأرض والسماوات؛ فأين هم اليوم من الساحة التي يملكونها، بينما يتصارع عليها غيرهم من الغرب والأنظمة الخائنة؟!

 

ما الذي ينتظره المسلمون وفيهم الإيمان وهو أقوى دعائم النصر والهيبة، حتى يُقْدِموا على ساحات الصراع مع القوى المجتمعة عليهم؟! وأين طاقة الحمية للإسلام كي تجري في عروقهم؟!

 

بنظرة لا تحتاج إلى طول تأمل في واقع المسلمين، يمكن إدراك أن الأنظمة الحاكمة وحدودها السياسية المفروضة هي سبب مصائب الأمة؛ فهذه الأنظمة قد جعلت النطاق الجوي لبلاد المسلمين مرتعاً لطائرات وصواريخ أمريكا ويهود يسرحون فيها كيف يشاؤون، بينما تكبّل الجيوش وتمنعها من ردع العدو، وتحارب أهل الإسلام وكلمة الحق والجهاد، وتقدم دماءنا رخيصة لمشاريع الكفر.

 

ليس أمام المسلمين سوى خيار واحد، وهو كسر القيود والعراقيل التي أصبحت واضحة وضوح الشمس؛ والمتمثلة في هذه الحدود والحكام الذين يحرسونها. فمن أولى الواجبات أن يجتمع المسلمون ويتوحدوا، ويتخذوا موقف تقرير المصير باستعادة سلطان الإسلام وإقامة دولتهم، ومن ثم تكون حرباً لإعلاء كلمة الله، ينصر الله بها من ينصره، ويهزم الكفر وأهله بجيوشٍ آخرها في بلاد المسلمين وأولها في عقر دار الكفر.

 

﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ

 

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

زبيدة أم عثمان – الأرض المباركة (فلسطين)

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الأمة الواحدة: حين تتحطم الحدود المصطنعة أمام سيادة الشرع

 

نصلّي جميعاً إلى قبلة واحدة، ونصوم شهراً واحداً، ونقرأ كتاباً واحداً، ونؤمن برسول واحد ﷺ، ومع ذلك حين تُنتهك حرمة من حرمات المسلمين يُسأل: في أي دولة حدث ذلك؟ كأن الانتماء إلى الإسلام لم يعد كافياً ليحرك الجيوش، أو ليُغيّر السياسات، أو ليُرتّب الأولويات. هنا تتجلى المفارقة الكبرى بين حقيقة شرعية ثابتة، وواقع سياسي مفروض؛ أمة واحدة في العقيدة، ممزقة في الكيان.

 

إن وصف الأمة بالوحدة ليس شعاراً عاطفياً، بل توصيف شرعي لحقيقة يجب أن تكون قائمة في الواقع السياسي. قال تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾، فجاء التعبير خبرياً لا طلبياً، أي بياناً لواقع شرعي ينبغي تجسيده. هذه الوحدة لم تكن يوماً إحساساً وجدانياً فقط، بل كانت تتجسد في دولة واحدة تجمع المسلمين تحت إمام واحد، تطبق عليهم أحكام الإسلام، وتحمل الدعوة إلى العالم.

 

في ظل حكم الإسلام، لم يكن المسلم يعرف حدوداً سياسية تفصل بين الشام والعراق ومصر، ولم يكن انتقاله من إقليم إلى آخر انتقالاً بين دول، بل داخل دولة واحدة. كان الانتماء للعقيدة التي تنظّم الحياة وتقيم الحكم، لا للأرض المجردة. ولذلك لم يكن مفهوم "السيادة الوطنية" حاضراً، بل كانت السيادة للشرع، والسلطان للأمة، والخليفة يُبايَع على تطبيق الإسلام لا على حماية حدود مصطنعة.

 

هذا الواقع بدأ يتآكل حين ضعفت الرابطة المبدئية رابطة العقيدة، وتقدمت العصبيات المحلية على المبدأ، حتى جاءت اللحظة المفصلية في التاريخ الحديث بهدم الدولة العثمانية سنة 1924م. هنا لم يُسقط سلطان فحسب، بل أُزيل الكيان السياسي الذي كان يمثل وحدة المسلمين، واستُبدل به مفهوم الدولة الوطنية.

 

الغرب لم يكن يهدف إلى احتلال الأرض فقط، بل إلى تفكيك الفكرة. فَرَض الحدود، وصنع الجنسيات، وربط الشرعية بالاعتراف الدولي، وليس بأحكام الشرع. ومع مرور الزمن، تحولت هذه الحدود إلى "مقدسات سياسية"، تحرسها الجيوش، ويُقمع باسمها كل مشروع يعمل لتوحيد الأمة وتطبيق الإسلام، ويُتهم من يتجاوزها بأنه يهدد السيادة.

 

غير أن السؤال الجوهري هو أي سيادة هذه؟ أهي سيادة للشرع أم سيادة للدستور الوضعي؟ أهي سيادة للأمة أم للنظام الدولي الذي رسم الخرائط وحدد الأدوار؟ الدولة القُطرية، بطبيعتها، كيان محدود، محكوم باتفاقيات دولية، ومرتبط بمصالح القوى الكبرى، وشرعيته قائمة على الاعتراف الخارجي لا من انبثاقه من عقيدة الأمة. ولذلك يصبح الحاكم حارساً للحدود، لا راعياً للأمة، ويغدو الجيش أداة لحماية النظام، لا درعاً للمسلمين كافة.

 

هذا الواقع أنتج وعياً مجزأً. فلسطين تحولت إلى ملف خارجي، وغزة إلى قضية إنسانية، وكشمير إلى نزاع إقليمي، وسوريا إلى أزمة داخلية. وهكذا تآكل الإحساس بالمسؤولية الجماعية، وحلّ محله تضامن موسمي لا يتجاوز البيانات والشعارات. لم يعد الدم المسلم يُفهم بوصفه دماً لأمة واحدة، بل حادثة في دولة أخرى.

 

الرؤية السياسية المبدئية الحقيقية تنطلق من أن هذا التمزق هو نتيجة مباشرة لمخالفة الشرع في أساس الحكم. فالإسلام لم يأتِ ليُنتج عشرات الكيانات المتنافسة، بل دولة واحدة تتولى رعاية شؤون المسلمين كافة. وحدة الأمة ليست خياراً سياسياً قابلاً للتفاوض، بل حكم شرعي دلّت عليه النصوص وإجماع الصحابة حين بادروا إلى نصب خليفة بعد وفاة الرسول ﷺ قبل الانشغال بأي شأن آخر.

 

السيادة في الإسلام للشرع وحده، وليست للشعب ولا للحاكم ولا لمؤسسات الغرب الاستعمارية. والسلطان للأمة تختار من يطبق عليها أحكام الله. أما حين تُستمد القوانين من غير الكتاب والسنة، فتُربط السياسات بإملاءات خارجية، وتُقدّم مصلحة السادة في الغرب على مصلحة الأمة.

 

إن إعادة فكرة الأمة إلى الوعي لا تعني تجاهل الواقع، بل فهمه على حقيقته. الحدود التي رُسمت في حقبة استعمارية ليست أحكاماً شرعية، بل ترتيبات سياسية فُرضت بالقوة. والاعتراف الدولي ليس مصدر شرعية في الإسلام، بل تطبيق الإسلام والبيعة على الحكم بالشرع. ومن هنا فإن العمل لإعادة الكيان السياسي الجامع ليس خروجاً عن النظام العالمي، بل عودة إلى مقتضى العقيدة.

 

الحج ورمضان، اللذان يجمعان المسلمين في زمن واحد على عبادة واحدة، يقدّمان نموذجاً حياً لوحدة الشعور والوجهة. لكن هذه الوحدة تبقى ناقصة إن لم تتحول إلى مشروع سياسي واعٍ. الاكتفاء بوحدة المشاعر دون السعي لإقامة دولة تطبق الإسلام على الأمة كلها يعني حصر الدين في الزاوية الروحية، وترك واقع الحكم لغيره.

 

إن استعادة الأمة الواحدة لا تبدأ بإلغاء الحدود على الخرائط، بل بإسقاط شرعيتها من العقول، وفضح زيف المفاهيم التي قدّستها، وإعادة تعريف الانتماء على أساس الإسلام. تبدأ بصراع فكري يكشف أن الوطنية القُطرية رابطة مصطنعة قياساً إلى رابطة العقيدة، وبكفاح سياسي يعمل لإقامة دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي توحّد المسلمين تحت إمام واحد، وتجعل وحدتهم العقدية وحدة سياسية عملية.

 

الأمة الواحدة ليست حلماً شاعرياً، بل فريضة شرعية وضرورة واقعية.

 

بين واقع التمزق وإمكان النهوض تقف الفكرة حاسمة إما أن تُستعاد السيادة للشرع، ويُقام الكيان الجامع، فتنهض الأمة، وإما أن تبقى الحدود المصطنعة تحكم الجغرافيا وتقيّد القرار، ويبقى الجسد ممزقاً مهما اجتمعت الأرواح في مواسم العبادة.

 

﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

محمود الليثي

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

رابط هذا التعليق
شارك

Join the conversation

You can post now and register later. If you have an account, sign in now to post with your account.

زوار
اضف رد علي هذا الموضوع....

×   Pasted as rich text.   Paste as plain text instead

  Only 75 emoji are allowed.

×   Your link has been automatically embedded.   Display as a link instead

×   Your previous content has been restored.   Clear editor

×   You cannot paste images directly. Upload or insert images from URL.

جاري التحميل

×
×
  • اضف...