اذهب الي المحتوي
منتدى العقاب

مقالات من المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير - متجدد


Recommended Posts

بسم الله الرحمن الرحيم

 

موت الفجأة وطول الأمل!

 

كثر موت الفجأة في هذه الأيام، فشباب وشابات بعمر الورد تسقط فجأة دون أعراض أو إنذار تاركة وراءها صدمة وآهات وحسرات. موت الفجأة زائر لا يستأذن أحدا، لا يطرق الأبواب، ولا ينتظر اكتمال الخطط، بل يأتي بغتة فيقطع حديثاً أو يطفئ ضحكة أو يُسكت قلباً كان ينبض بالأحلام. فكم من إنسان خرج من بيته ولم يعد؟! وكم من قلب نام على نية واستيقظ على حساب أمام الله؟

 

إن موت الفجأة راحة للمؤمن المستعد دائماً للقاء الله بالأعمال الصالحة، فيكون موته فجأة رحمة وتخفيفاً له من معاناة الأمراض وسكرات الموت وكربته. قال رسول الله ﷺ: «مَوْتِ الْفَجْأَةِ رَاحَةٌ لِلْمُؤْمِنِ وَأَخْذَةُ أَسَفٍ لِلْكَافِرِ» أي حسرة وغضب على الكافر أو العاصي الذي يُؤخذ بغتة دون توبة أو إصلاح والعياذ بالله.

 

وأما طول الأمل فقد عرّفه العلماء بأنه الحرص الشديد على الدنيا والانكباب عليها، مع طول الغفلة عن الآخرة وتأجيل التوبة.

 

إن الإنسان في حياته يمضي وهو يخطّط ويؤجّل، يرسم في خياله غداً بعد غد، وسنة بعد سنة، وكأنّ العمر عقد مضمون لا ينقطع. يطيل الأمل ويقول: لاحقاً أتوب، لاحقاً أعبد الله حق عبادته، لاحقاً أعمل الخير... ولا يدري أن الموت لا يعرف كلمة لاحقاً، فهو الداء الخفيّ الذي لا يُشعِر صاحبه بالخطر؛ يُنسيه الآخرة، ويُثقِل القلب بالدنيا، ويجعل الذنب يبدو صغيراً لأن التوبة مؤجَّلة، والعمر طويل، فيجعل الطاعة قابلة للتسويف والانتظار.

 

وطول الأمل لا يعني كثرة الطموح، بل الغفلة عن الآخرة. فليس العاقل من لا يخطّط للمستقبل، بل العاقل من يُوازن بين دنياه وآخرته، من يعمل وكأنه سيعيش طويلاً في عبادة الله وطاعته، فتكون حياته كلها وفق أحكامه وشرعه، ويستعدّ وكأنه سيموت اليوم. فالقضية ليست في قِصر العمر أو طوله، بل في بركته وحُسن استغلاله وحسن ختامه. وهذا ما قصده علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله: "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً".

 

ألا تعجبون من هذا الإنسان حيث لا تزال الآمال تصعد به وتنزل، ويهرم، وتأكل الأيام شبابه ولكن يبقى أمله غضا قويا، متشبثا بالدنيا؟! يقول ﷺ: «لَا يَزَالُ قَلْبُ الْكَبِيرِ شَابًّا فِي اثْنَتَيْنِ حُبِّ الدُّنْيَا وَطُولِ الْأَمَلِ».

 

فسبحان الله! فها هي السنين تمر، والأعمار تنقضي ومصائب الزمان لا تنقضي، فما من يوم يمر إلا وهو يحمل بين ثناياه عبراً عِظاما، ولكن يا ترى إلى من يحملها، ويا ترى من يفهمها؟ فمن يتعظ يعلم بأن كل يوم يمر هو نقصان من العمر وقرب من الموت.

 

فكم هو والله مسكين هذا الإنسان؛ يفتح عينيه في كل صباح على آمال عِراض، أحلام ذهبية، وآمال وردية، ثم لا يكون إلا القدر، ولا ينزل إلا قضاء رب البشر. فيريد أن يبني البيوت والقصور ويريد أن يتمتع بكل زينة في الأرض، ويهدر كل وقته وراء السعي لتحقيق مآربه وغاياته. وقد يفرط بالصلاة والعبادات، ويفرط في رعاية أبنائه والوقوف على حسن تربيتهم، يفكر ماذا سيورثهم في الدنيا من بيوت وقصور، ونسي أن يبني لهم قصورا وبيوتا في الجنة، وهذا والله لهو الخسران المبين. نسي أن يحسن تربيتهم ورعايتهم التي هي أولى مسؤوليات الأب والأم. «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ».

 

فكم من أم تتفقد لباس ابنتها قبل أن تخرج من البيت؛ هل يوافق مواصفات اللباس الشرعي وأحكامه الشرعية؟ هل علمت بناتها الحياء والأدب في الطرقات وغض البصر وأمرت أبناءها بأوامر الله ونهتهم عن معصيته؟ مع الأسف نرى كثيرا من الأمهات تشجع ابنتها على عدم لباس الجلباب الشرعي بحجة أنها صغيرة وصغير على الصلاة، وصغير على الصوم! يزرعون طول الأمل فيهم منذ صغرهم، ويهونون المعصية بقلوبهم بدل تعويدهم على تعظيم أحكام الله وشرعه في القلوب، فمن شب على شيء شاب عليه!

 

وكم من أب أخذته الدنيا ونسي أن يجعل من وقته ساعة يجلس مع أبنائه يعلمهم أحكام الدين وسيَر الأولين، ويعلمهم الحلال والحرام؛ فقد ينسى الإنسان مع سعيه لتحصيل رزقه وتحصيل متع الدنيا المهمة العظيمة التي خلق من أجلها الإنسان واستخلف بسببها في الأرض ألا وهي عبادة الله حق عبادته وتنشئة أسرة مسلمة على طاعة الله فتكون وجاءً له وستراً من النار.

 

وإن طول الأمل حِبال من حِبال إبليس اللعين، يقذفها في طريق ابن آدم فيأسره بها ليتحكم بعدها في أمره كما يشاء. قال بعض الحكماء: "الأمل سلطان الشيطان على قلوب الغافلين"، ويقول رب العزة متوعدا العاصين: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾. يقول الفضيل بن عياض: "إن من الشقاء طول الأمل، وإن من النعيم قصر الأمل". وهذه نصيحة أحد الحكماء: "احذروا أربعة: طول الأمل، وقسوة القلب، وجمود العين، والبخل". جمود العين أي شحّها عن البكاء خشية لله.

 

فكم منينا هذه الأنفس؟ وكم علقناها بالآمال العراض؟ ولكن هل حاسبناها؟ هل سألناها ماذا تريدين من هذه الآمال؟ أتريدين بها وجه الله والدار الآخرة، أم تريدين بها الركون إلى الدنيا دار الغرور؟ بل هل ذكرناها وسألناها: أما تدرين يا نفس أن الأجل بالمرصاد فقد يأخذكِ قبل تحقيق آمالك؟ فكم من بانٍ لبيت ما سكنه، وكم من جامع للمال وما تهنأ به! يقول ابن عبد الله: "وكم من مستقبِل يوماً لا يستكمله، ومنتظرِ غدٍ لا يبلغه، لو تنظرون إلى الأجل ومسيره لأبغضتم الأمل وغروره".

 

وإن من مخاطر طول الأمل قسوة القلوب وغفلتها، فلا الوعيد يخوفها، ولا آيات الله تصلحها؛ كسولة إذا دعيت إلى الطاعات، نشيطة خفيفة إذا دعيت إلى الشهوات.

 

هكذا تمر أيامهم تسويفاً للطاعات وتسويفاً للتوبة ورغبة شديدة في الدنيا وخوفاً من الموت واستبعاداً له، ونسياناً للآخرة وأنه سيقف يوما أمام الله مسؤولاً عن عمره فيما أفناه. وهذا كله بسبب قسوة في القلب لأن رقة القلب وصفاءه إنما تقع بتذكر الموت وتذكر القبر والثواب والعقاب والجنة والنار وأهوال القيامة والصراط. يقول تعالى: ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِير مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾. فكم أفسد طول الأمل من قلوب، وكم دنس أقواما في أوحال الذنوب!

 

فهذا شاب قيل له تُبْ إلى الله عز وجل وأقلع عما أنت فيه فإنك لا تدري متى سيكون أجلك، فسوّف في التوبة وأطال أمله وقسى قلبه فقال: إن جدي توفي وعمره تسعون سنة، وإن أبي توفي وعمره سبعون، وأنا إذا بلغت الأربعين سنة فسوف أتوب وأُكثر من الطاعات، وما هي إلا ساعات إلا وملك الموت قد نزع روحه، فانقطع عمله وقامت قيامته!

 

فيا من أطلت الأمل وسوّفت التوبة: الموت لا يعرف الصغير ولا الكبير ولا الغني ولا الفقير ولا المريض ولا الصحيح... الموت يأتي بغته؛ يأتي دون استئذان أو موعد، فمن يستطيع تأجيل أو رد الموت إذا جاءه؟ ومن يستطيع معرفة ساعة موته؟ كلا والله لن يستطيع مخلوق على ذلك.

 

أليس إذن من العجب أن تفنى الأعمار ولا تنقضي الآمال، فكل يوم له أمل، وكل شهر له أمل، وكل سنة لها آمال، وهكذا يحيا صاحب الآمال في رحلة لا نهاية لها! قال بعض الحكماء: "كيف يفرح بالدنيا من يومه يهدم شهره، وشهره يهدم سنته، وسنته تهدم عمره؟ كيف يفرح من يقوده عمره إلى أجله، وتقوده حياته إلى موته؟".

 

وإليكم قصة العالم الجليل ميمون بن مهران؛ قد حفر قبرا له أمام بيته وكان يرقد فيه كل ليلة ويشتد به البكاء، يستذكر الموت ثم يصيح: ربّ ارجعون، ربّ ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت. فيخرج من القبر قائلا: ها قد عدت يا ميمون فاليوم عمل بلا حساب، وغدا حساب بلا عمل!

 

نعم هكذا كان حال التابعين والصالحين!

 

يقول أحد الصالحين: فإذا أمنتك نفسك وداعبت الآمال خيالك فلتردعها بسوط قصر الأمل فإنه نعم الدواء، وإذا طالبتك نفسك بالمُنى والآمال فقل لها يا نفس هلا تمنيتِ التوفيق إلى الصالحات والاستزادة من الطاعات، يا نفس هلا أملتِ أن تكوني من تلك النفوس التي إذا فارقت الدنيا قيل لها ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّة * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَة مَرْضِيَّة * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾.

 

نعم، إن الدنيا أهون من أن يتعلق بها قلب العبد ليفنى عمره في اللهث خلفها فإذا فاته شيء منها اغتم وحزن. قال الإمام ابن القيم رحمه الله: "الدنيا من أولها إلى آخرها لا تساوي غم ساعة فكيف بغم العمر كله"! يعني طوال عمره يفكر كيف يصير مثل فلان، وكيف يجمع كل الأموال ويبقى مهموما بتفكيره وعدم حسن توكله على الرازق الكريم. وأن ليس له إلا ما سعى فلا يهتم ولا يغتم. فكم جامع للدنيا أتته المنية بغتة فرحل عن الدنيا ولم يتبعه منها إلا عمله؟ وكم من تاجر أخذه متاع الدنيا فجمع ماله وقصّر في صدقاته وأجّل صلاته ثم خطفه الموت فبقي ماله ولقي الله صفر اليدين؟! وكم من بنى وأعلى ومات وترك ولم يسكن؟!

 

كان رجل صالح يبكي كثيراً، فقيل له: ما يُبكيك؟ قال: أخاف أن يكون طول أملي قد أنساني الاستعداد للقاء الله. ويقول العالم نصر بن محمد رحمه الله: "من قصر أمله أكرمه الله تعالى بأربع كرامات: إحداها أن يقويه على الطاعات، والثانية تقل همومه لأنه إذا علم أنه يموت عن قريب لا يهتم بما يستقبله من المكروه. والثالثة: يجعله راضيا بالقليل لأنه إذا علم أنه يموت عن قريب فإنه لا يطلب الكثير وإنما يكون همه هم آخرته. والرابعة: أن ينور قلبه. أما من أطال أمله عاقبه الله بأربعة أشياء: أن يتكاسل عن الطاعات، وأن تكثر همومه في الدنيا، وأن يصبح حريصا عليها وجمع المال فيها، وأن يقسو قلبه".

 

وأخيرا، إن ذكر موت الفجأة ليس لبثّ الخوف، بل لإيقاظ القلوب. هي دعوة صادقة لأن نُسرع إلى الخير، ونُبادر إلى التوبة، ونُصلح ما بيننا وبين الله وما بيننا وبين الناس.

 

وما أروع كلمة مالك بن دينار في تزكية النفس فيقول: "رحم الله عبداً قال لنفسه: ألست صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ثم ذمها، ثم ألزمها كتاب الله عز وجل، فكان لها قائداً".

 

فالكلمة الطيبة لا تنتظر، والصدقة لا تؤجَّل، والطاعة والعمل مع الله وحمل دعوته لا يؤخَّر.

 

وفي زمن كثر فيه الرحيل المفاجئ، يبقى السؤال الصادق الذي ينبغي أن نسأله لأنفسنا: لو جاءنا الموت الآن، هل نحن له مستعدّون؟

 

إن المؤمن الصادق لا يشغله إلا الجد، وإن المؤمن الصادق لفي شغل عن الآمال والأماني، إن المؤمن الصادق لفي مجاهدة دائمة مع نفسه، إذا أصبح قال لهواه تأخر، وقال لطاعة ربه ومولاه تقدمي.

 

فسيروا إلى الله ربكم سيراً جميلا، فطوبى لمن قصر أمله، وطهُر قلبه، وجعل لقاء الله أحبّ إليه من طول البقاء في الدنيا.

 

نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن لا ينقضي هذا الشهر الكريم إلا وقد لاحت بشائر النصر والخلافة والتمكين وشفى الله بها صدور قوم مؤمنين.

 

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

منال حسين – الأرض المباركة (فلسطين)

رابط هذا التعليق
شارك

  • الردود 540
  • Created
  • اخر رد

Top Posters In This Topic

  • صوت الخلافة

    541

بسم الله الرحمن الرحيم

الصراع الحضاري بين الرأسمالية والإسلام

معركة السيادة على الإنسان والدولة

 

ما يشهده العالم اليوم ليس تنافساً عابراً على النفوذ، ولا صراعاً محدوداً على الموارد فقط، بل هو صراع حضاري بين مبدئين متناقضين في أساسيهما: مبدأ رأسمالي يفصل الدين عن الحياة ويجعل السيادة للبشر، ومبدأ إسلامي يجعل السيادة للشرع، ويقيم الحياة كلها على أساس العقيدة. وحين تتصادم المبادئ، فإن الصدام لا يكون عسكرياً فحسب، بل فكرياً وسياسياً واقتصادياً، لأنه صدام على من يملك حق التشريع، ومن يحدد معنى العدل، ومن يرسم وظيفة الدولة.

 

الرأسمالية انبثقت عن عقيدة فصل الدين عن الدولة، فجعلت الإنسان مصدر التشريع، والمصلحة معياراً للخير والشر، والمنفعة أساس العلاقات. ومن هذه القاعدة نشأت الديمقراطية كنظام حكم يعطي حق التشريع للأكثرية البرلمانية، ونشأ الاقتصاد الحر القائم على إطلاق حرية التملك ولو أدى إلى تركّز الثروة في أيدي فئة قليلة، ونشأت العلاقات الدولية المبنية على المصالح ولو على حساب الشعوب الضعيفة.

 

في المقابل، الإسلام مبدأ كامل؛ عقيدة عقلية ينبثق عنها نظام شامل للحياة. فهو لا يقتصر على العبادات، بل ينظم الحكم والاقتصاد والاجتماع والعقوبات والسياسة الخارجية. السيادة فيه للشرع، أي أن الحكم لله وحده، لا يملك أحد أن يشرّع من عنده. والسلطان للأمة، تختار من ينوب عنها في تطبيق أحكام الإسلام عليها ببيعة شرعية. والحاكم ليس مشرّعاً، بل منفذ لأحكام الشرع، يُحاسَب إن خالف.

 

هذا التباين الجذري هو الذي يجعل الصراع بين الرأسمالية والإسلام صراعاً على أساس النظام العالمي. فالرأسمالية لا تقبل بوجود كيان سياسي يقوم على عقيدة وأفكار مغايرة، لأن وجوده يعني تحدياً لفكرة السيادة الشعبية المزعومة التي يخدعون الشعوب بها، ولمركزية النظام الدولي القائم. لذلك، حين قامت دولة الإسلام، لم تكن مجرد دولة إقليمية، بل كانت مشروعاً عالمياً ينافس الإمبراطوريات الكبرى.

 

في معارك الفتح الإسلامي، لم يكن الصراع حدودياً بين كيانين متجاورين، بل كان مواجهة بين دولة تحمل عقيدة تنظم الحياة، وإمبراطوريات تقوم على فلسفة مختلفة. المسلمون لم يقاتلوا لإخضاع الشعوب، بل لإزالة سلطان الأنظمة التي تحول بين الناس وبين سماع دعوة الإسلام. ومن هنا كان الجهاد طريقة سياسية لحمل الرسالة إلى العالم.

 

وحين ضعفت الدولة الإسلامية في بعض مراحلها، لم يكن السبب قلة الموارد، بل تراجع الوعي السياسي بالمبدأ، وتحوّل الحكم في بعض العصور إلى ملك عضوض، وضعفت المحاسبة، وتقدمت العصبيات. ومع ذلك، بقي الكيان السياسي للأمة قائماً حتى جاءت الضربة القاصمة في العصر الحديث بإسقاط الخلافة العثمانية، ففُككت وحدة الأمة، واستُبدل بدولة الخلافة كيانات قُطرية قومية هزيلة يحكمها عملاء للغرب ليسوا من جنس الأمة بل أعداء لها.

 

منذ ذلك الحين، دخلت بلاد المسلمين في النظم الرأسمالية العالمية، ليس باعتبارها قوة نِدّية، بل باعتبارها تابعة. فُرضت عليها حدود مصطنعة، وربطت اقتصاداتها بالمؤسسات المالية الاستعمارية، وأُخضعت سياساتها لمعادلات التوازن الدولي. أصبحت السيادة عملياً للغرب، لا للشرع، وصار التشريع منبثقاً من برلمانات تستمد عقيدتها وقوانينها من الإرادة البشرية، لا من الوحي.

 

هذا الواقع أنتج أزمات متكررة؛ فقر رغم وفرة الموارد، تبعية رغم كثرة السكان، ضعف سياسي رغم الثقل الجغرافي. لكن معالجة هذه الأزمات ضمن الإطار الرأسمالي تبقى ترقيعاً؛ لأن أصل الخلل في المبدأ الذي يقوم عليه النظام. فلا يمكن لنظام يجعل الربا أساساً للتمويل أن يحقق عدلاً اقتصادياً، ولا لنظام يجعل التشريع بيد البشر أن يضمن ثبات القيم، ولا لدول مجزأة أن تستعيد وزنها الحضاري.

 

الرؤية السياسية المبدئية تنطلق من أن الصراع مع الرأسمالية ليس صراع مصالح فقط، بل صراع سيادة؛ أهي للشرع أم للبشر؟ ولذلك فإن الحل لا يكون بالاندماج في النظام الدولي مع محاولة تحسين شروط التبعية، بل بإقامة كيان سياسي مبدئي (الخلافة الراشدة على منهاج النبوة) يعيد تطبيق الإسلام كاملاً، ويوحّد الأمة تحت إمام واحد، ويجعل علاقاتها الدولية قائمة على حمل الإسلام للعالم لا على الارتهان.

 

الخلافة ليست رمزاً تاريخياً، بل نظام حكم محدد المعالم؛ خليفة يُبايَع على السمع والطاعة في المعروف، أجهزة دولة منضبطة بأحكام الشرع، قضاء عدل، محاسبة سياسية، بيت مال تُدار موارده وفق أحكام الملكيات الثلاث (فردية، وعامة، ودولة)، رعاية حقيقية لشؤون الناس وفق أحكام الشرع، وسياسة خارجية تقوم على حمل الإسلام للعالم بالدعوة والجهاد. هذا النظام، حين يقوم، لا يكون انعزالاً عن العالم، بل تحدياً حضارياً له، لأنه يقدم بديلاً جذرياً للرأسمالية.

 

إن معركة الوعي اليوم هي الأساس. فقبل أن تقوم الدولة في الواقع، تحتاج إلى عمل جاد وبذل وسع في إطار الطريقة النبوية. لا بد من كشف زيف فكرة "حياد الدولة" عن الدين، وبيان أن كل دولة تنبثق عن عقيدة ما، وأن الرأسمالية نفسها ليست حيادية، بل مبدأ يحمل تصوراً معيناً عن الإنسان والحياة. كما يجب فضح التبعية الفكرية التي جعلت بعض أبناء الأمة يظنون أن التقدم لا يكون إلا بتقليد الغرب في نظامه السياسي والاقتصادي.

 

الأمة الإسلامية تملك مقومات النهوض؛ عقيدة راسخة، ثروات هائلة، موقع جغرافي استراتيجي، وطاقات بشرية ضخمة. ما ينقصها ليس الموارد، بل الكيان السياسي المبدئي الذي يوحّد هذه الطاقات ضمن مشروع حضاري واضح. وحين تستعيد الأمة وعيها بأن الإسلام مبدأ كامل صالح للتطبيق، وأن الخلافة فرض شرعي لا خيارا سياسيا، فإنها تضع قدمها على طريق استعادة دورها.

 

الصراع الحضاري إذن هو نتيجة طبيعية لاختلاف الأسس. والرأسمالية، مهما بدت قوية، فإنها تعاني من أزمات بنيوية في قيمها ونظامها الاقتصادي والاجتماعي. أما الإسلام، فإنه يقدّم رؤية متماسكة متوازنة، تجعل الإنسان عبداً لله لا عبداً للسوق، وتجعل الدولة راعية لا جابيَ ضرائب، وتجعل العلاقات الدولية دعوةً للخير لا صراعاً على الهيمنة.

 

﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

محمود الليثي

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

التغيير الجذري، رؤية من قبس الوحي

﴿إنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾

 

في المقالة السابقة قلنا إن التغيير الجذري هو منظومة من العمل الجماعي المنضبط بالوحي، وأن العاملين على بصيرة لديهم بوصلة قرآنية للفكرة والطريقة، ولا يضيعون في زخم الدنيا وزخرفها، فإذا ما تمَّ لهم التمكين والاستخلاف عبدوا الله بلا خوف ولا تبديل.

 

ولكن دائماً ما تدور الأحاديث عن التغيير والعمل الجماعي الجاد للتغيير، حول الأمة التي تحصل فيها أعمال الصراع الفكري والكفاح السياسي. فالتغيير ليس مجرد عرض يتم في يوم وليلة ولا هو فيلم نشاهده في دار العرض ثم تُغلق الستارة وينتهي الأمر. إنه جهاد وكفاح وبذل للدماء، وتضحية بالأوقات والأموال والأنفس لأجل رفعة الدين وسؤدد الأمة.

 

وهذه الأمة التي تقع عليها الابتلاءات وفي أبنائها يحصل التمحيص ليتبين الله صدق الصادقين، هي الأمة التي يجب عليها أن تخوض هذه المعركة بجَلَد وثبات فتدفع ضريبة التغيير صابرة محتسبة، حتى تتجنب دفع ثمن الذل الذي ستدفع ضريبته لو أنِفت عن البذل في سبيل الله. فقد اقتضت سنة الله في خلقه، أن لا تمكين بلا ابتلاء، وأن الابتلاءات تتفاوت بين الحسنات والسيئات.

 

سورة الأعراف تعرض تاريخ الصراع بين الحق والباطل، وتؤصل لقاعدة ذهبية في موضوع التغيير: إنَّ العزة والتمكين هما نتيجة التقوى والاتِّباع. فلا نصر دون تقوى ولا تمكين مع المداهنة.

 

فالله سبحانه يخبر بكل وضوح أن التقوى شرط للفتح، وأنَّ وعود الشيطان برخاء اقتصادي مرتبط بالتنازل عن الشريعة، هو مجرد وهم: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. فاليقين الذي تحمله الأمة بأن الله هو الرزاق ذو القوة المتين، حتماً يحميها من الانجرار وراء سراب التمكين الاقتصادي، فأمة ترسخ لديها قول الله سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ سيكون المحرِّك لها في مظاهراتها وثوراتها هو تحكيم شرع الله والالتزام بنهجه، لا مجرد التمكين الاقتصادي أو رخاء عيش يعدها به أعداؤها.

 

وفي معركة التغيير، وفي استعراض الله لقصة إبليس وآدم، الأمم السابقة مع أنبيائهم، خاصة بني إسرائيل وكيف تحوَّل سياق الحديث عنهم من: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ إلى أن قال عنهم: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا الْأَدْنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لَّا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ نجد أن القرآن الكريم ينبِّه المسلمين إلى أنَّ الاستخلاف هو نتيجة لعمل دؤوب لا مجرد وعد ربَّاني ينزل على الأقوام الذين يحملون أماني لا يعملون بها. وأنَّ الله هو الغني الحميد، فأمة أورثها الله الكتاب والحكم والنبوة، صاروا المغضوب عليهم لأنهم نكثوا عهودهم مع ربِّهم.

 

باختصار: الأمة المختارة، أحباء الله.. هي مفاهيم يبغضها الله، فلا امتيازات تُمنح لمن ينقلب على عقبيه. والأمة لن تنال سلطانها وتعود لمكانتها كخير أمة إلا إذا تحرَّكت في سبيل هذه الغاية العظيمة وفق مراد الله بإنكار الظلم ونصرة المستضعفين والعمل السياسي المفضي إلى تغيير جذري حقيقي وفق طريقة رسول الله ﷺ التي أوحاها رب العالمين. فالتمكين هو استخلاف قائم على الصلاح، فإذا فُقِدت التقوى من الأمة، تحول النعيم إلى استدراج ثم عقاب كما حصل مع بني إسرائيل من قبل.

 

لهذا نجد أن الله حين عاب عليهم بقوله: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾.. قال في الآية التالية مباشرة: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾.

 

الأمة الواعية تعي أن الوزن هو الحق، وأن علوَّ الظالمين وزخرف الدنيا الذي يعلون بها، وكل ما يملكون هو كما قال الحق سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.

 

فالأمة اليوم على مفترق طرق: بينما هي تحمل الحق الذي لا شبهة فيه، وهو العلاج الناجع لكافة مآسي البشرية، يمكنها إمَّا أن تحمله وهي تثق بربِّها وبقدرته وما لديها من الحق، وترى ضلال المبادئ الأخرى وما فيها من هلاك للحرث والنسل، فتقدم نفسها كأصيل حضاري ينقذ البشرية من الظلمات إلى النور، أو أن تظل متأخرة وتظل بلادها مسرحاً يخوض فيه الفاسدون بإفسادهم للبشر وإضلالهم عن سبيل الله. ولتعلم الأمة أنها في الحالتين ستدفع ضريبة كبيرة من دماء أبنائها وثرواتها.. فإما أن تدفعها في مرضاة الله وفي سبيل عزتها فيورثها الله عز الدارين وتكون الضريبة في موازين العاملين يوم القيامة، أو تُدفع الضريبة ويظل الذل يطوقنا وتبقى أمتنا مستباحة كالأيتام على موائد اللئام!

 

﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ ۖ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ

 

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

بيان جمال

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

نظام الخلافة الإسلامية نظام سياسي ناجح بامتياز

 

 

إنّ الخلافة نظام الحكم في الإسلام نظام متميز عن كل أشكال الحكم المعروفة في العالم اليوم، سواء من حيث الأساس الذي يقوم عليه، أم من حيث الأفكار والمفاهيم والمقاييس والأحكام التي تُرعى بمقتضاها الشؤون، أم من حيث الدستور والقوانين التي يضعها موضع التطبيق، أم من حيث الشكل الذي تتمثّل به الدولة الإسلامية، والذي تتميّز به عن جميع أشكال الحكم في العالم أجمع، إذ ليس هو نظاماً ملكياً ولا يقرّ النظام الملكي ولا يشبهه، وكذلك ليس نظاماً إمبراطورياً يجعل ميزة لمركز الإمبراطورية على الأقاليم، وهو ليس نظاماً اتحادّياً تنفصل أقاليمه بالاستقلال الذاتي وتتحد في الحكم العام، وهو ليس نظاماً جمهورياً رئاسياً ولا برلمانياً، وهو ليس نظاماً ديمقراطياً بالمعنى الحقيقي للديمقراطية، من حيث إن التشريع للشعب يحلل ويحرّم كما يشاء ويسنّ القوانين... بل إنّ نظام الحكم في الإسلام هو الخلافة، وأجهزتها تختلف عن أجهزة النظم المعروفة الآن وإن تشابهت معها.

 

إنّ نظام الخلافة نظام فريد متميّز يتسم بالنجاعة والنجاح فهو قائم على مفهوم رعاية شؤون النّاس أساسا والخليفة يقوم بكل ما في وسعه لضمان حسن الرعاية إذ يعتقد جازما أنّه سيسأل أمام الله عمّا استرعاه. وهذه النظرة للسياسة ومفهومها تنفرد بها الدولة الإسلامية وتتميّز بها، إذ العالم اليوم يعتبر السياسة فنّ الواقع مكرا وخداعا وكذبا وميكافيلية، ولذا نرى أفعال كثير من الحكام لا تراعي في المقام الأوّل مصلحة الناس وما يقوّم أمور عيشهم بل نراهم أكثر من ذلك يسنّون القرارات والقوانين التي تتسم بالعبث!

 

إنّ من سمات النظام السياسي الناجح أن يعمل بجدّ لإدارة شؤون النّاس بنزاهة ويكون مدركا للأولويات التي في أعلى سلم الرعاية فيعطي كل مسألة حقّها ويحسن التدبير والتسيير ولا يغفل جانباً من الجوانب المهمّة في الحياة.

 

في الدول الكبرى اليوم مثل أمريكا يدهش الإنسان حين يطّلع على أرقام الفقراء والمشردّين التي تزداد يوما بعد يوم ومشاكل القطاع الصحي وغيرها من مشاكل تمّس قطاعات حيوية، في حين تصرف الأموال الطائلة على أمور جانبيّة!

في المقابل نجد فلسفة الإسلام تحدد الحاجات الأساسية والحاجات الكمالية وترشد الدولة إلى كيفية رعاية شؤون النّاس بالبدء بالأساسيات حتى إذا ما ضمنت للجميع انتقلت لتحقيق الرفاهية والكماليات، ففي ظل نظام الإسلام أبداً لن تنفق الأموال الطائلة على إنشاء ملاعب كرة القدم والنّاس تفتقر الطرقات المعبّدة مثلا! ولن تصرف الدولة على مهرجانات ضخمة والنّاس تتضور جوعا!!

 

كذلك الأمر يتعلق بصحة المعالجات ومدى نجاعتها في حلّ المشاكل وتصريف شؤون النّاس فإنّ قوانين الإسلام ومعالجاته هي من لدن حكيم خبير، هي أحكام شرعية يتبناها الخليفة ويسهر على تطبيقها باعتبارها الحلول الصحيحة لمشاكل الإنسان، أنزلها ربّ النّاس ليحيوا في ظلّها حياة طيبة ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً

 

إنّ الواحد فينا ليلمس في جوانب عديدة من حياتنا مدى فظاعة الأحكام الوضعية ومدى فشلها في حلّ المشاكل، فمثال بسيط من قوانين دولة يسمونها متقدمة اليوم "فرنسا" ترينا ذلك بجلاء؛ فغالبية النّاس غير راضين بكثير من القوانين والمعالجات ولا يعتبرونها حلولا لمشاكلهم! على سبيل العدّ لا الحصر فإن صاحب البيت في فرنسا قد يجد نفسه في الشارع إذا ما اغتصب أحد منزله في فصل الشتاء، فالقانون يمنع إخراج مغتصبي الدور عند برودة الطقس بل إنّ صاحب البيت قد يحاكم إذا ما دخل عنوة إلى دار ملكه بوجود من يقطنها عنوة ولو لم يكن عند صاحب الحق أين يكنّ رأسه حتّى، تخيّل ذلك!! أيضا فيما يتعلق بالميراث فإنّ الدولة في فرنسا ترث مع الأفراد إذا ما ترك لهم الأبوان مثلا عقارا قيمته 200000 يورو فهي ترث الثلث تقريبا ما يضطر كثيرا من الورثة لبيع إرثهم والتفريط في منزل العائلة لدفع نصيب الدولة!

 

إنّ المعالجات المنبثقة من دستور الإسلام هي المعالجات الصحيحة الوحيدة التي تراعي في الإنسان إنسانيته والتي تتسمّ بالنجاعة وتتوافق مع ما هو مستقر في صدور النّاس، ولذلك كان في نظام الخلافة شيء متميز لا يوجد في غيره من الأنظمة وهو أنّ الأمّة تخضع لأحكام الله مؤمنة مطمئنة بعدالتها ونجاعتها، تسند النظام حين يطبّق تلك الأحكام وتحاسبه إذا أخلّ ولو بحكم شرعي واحد. وبسبب ذلك يعتبر النظام السياسي الإسلامي من أشدّ الأنظمة استقراراً وتوافقا مع إرادة النّاس؛ فالسيادة فيه للشرع والسلطان للأمّة تختار منها من ينوب عنها لتطبيق الإسلام برمّته بل وتنزع منه الحكم إذا أخلّ بالاتفاق!

 

إنّ من يسلّط الضوء على نظام الخلافة يصل إلى حقيقة أنّ ذلك الشكل من النظم هو التطبيق العملي لإرادة غالبية النّاس واختيارهم، فليس فيه قوانين تلتفّ على إرادتهم وتوصل لسدة الحكم من لا يتمتّع برضا أغلب الأمة مثلما يحدث في النظم الديمقراطية وقوانينها الانتخابية الالتفافية!

 

كما أنّ توزيع السلطات والمهام فيها يتسم بالتناسق فكل جهاز من أجهزة الدولة الثلاثة عشر كل منها عنده دوره الواضح الذي عليه القيام به، وهناك آليات تضمن متابعة حسن القيام بذلك، والخليفة يسهر على حسن التطبيق وله الصلاحية ليتدخل لتقويم كل اعوجاج وإساءة تطبيق، فهو ليس كالرؤساء الدمى الذين نراهم يحكموننا لا حول لهم ولا قوّة!

 

إنّ من لا ينظر إلى نظام الخلافة بعين بصيرة ويرى تفرّد ذلك النظام ومدى نجاعته قد يرى مبالغة في توصيفنا ولا يعي حقيقة الأمر فعليه أن يسعى ليجيب بنفسه عن مجموعة من الأسئلة ليرى الحق أين هو؛ فهل نظام من لدن الله خير أم نظام وضعه البشر؟! ألم يحي النّاس في ظل الخلافة قروناً طويلة آمنين مطمئنين راضين يحكمون بما يرضي ربهم؟! هل ضعف الدولة الإسلامية في عصور معيّنة وإساءات التطبيق التي حدثت نابعة من مشكلة في النظام أم من عدم إحسان التطبيق؟!

 

كثير من الأسئلة والشبهات حريّ بالنّاس بحثها بجديّة وعمق لتتضح الصورة عندهم. فما يجعل النظام السياسي الإسلامي نظاما فريدا من نوعه كما قلنا أنّه النظام الذي ارتضاه ربّ النّاس ليعيش النّاس الحياة في ظلّه، ودولة الخلافة ليست دولة ملائكية أو حكماً بحق إلهي كما حكمت الكنيسة بل هي دولة بشرية المقدّس فيها هي المفاهيم والقوانين التي جاء بها دين الإسلام والتي يجب أن يسهر الجميع دولة وأمة على أن تعالج بها كلّ مناحي الحياة!

 

وتسليط الضوء على الدولة التي أقامها الرسول ﷺ وخلافة الراشدين تكشف التطبيق العملي لمعنى رعاية شؤون النّاس وكيفية تجسد الإرادة السياسية على أرض الواقع ومدى فعالية أحكام الحكم والإدارة في الإسلام، فالدولة ظلت ترتقي من حسن إلى أحسن حتّى ازدهرت وقويت وتوسعت وكان المسلمون يحبّون حاكمهم وحاكمهم يحبّهم، وكان يُختار من أتقى النّاس وأكثرهم دينا وخلقا، وتواصل ذلك على مرّ عصور الدولة؛ حيثما أحسن التطبيق وجد التطوّر على جميع المستويات وإذا ما أسيء وجد التقصير والإخلالات في مجالات دون أخرى، فقضت الدولة في وقت ازدهارها على الفقر ونثرت القمح على رؤوس الجبال حتّى لا تجوع الطيور وتطور العلم وأبدع علماء المسلمين، وإلى يومنا هذا ما زالت كثير من المعدّات الطبيّة التي ابتكرها أطبّاء مسلمون تستعمل في الجراحة، ولا تزال أساسيات كثير من العلوم يرجع الفضل فيها لتلك الحقبة وتفوّق نظام الإسلام على ما عاصره من أنظمة، وكانت الجامعات المتطورة والمستشفيات والصناعة المتقدّمة والاكتفاء الذاتي، وكانت الخلافة بصفة عامة نموذجاً مضيئاً تتأثر به الشعوب الأخرى وتستلهم منه، نموذجاً كان يسبق الغرب المتبّجح اليوم سنوات ضوئية إلى الأمام!

 

فهل يعقل أن يغفل عن حقيقة ذلك النظام وما حققه من نجاح في وقت ازدهاره ويرمى بالسهام ولا يُحكم عليه بموضوعية وبعين بصيرة وقد أثبت التاريخ ردحا طويلا أنّه نظام ارتقى بالبشرية حين ساد وقاد؟!

 

أهو خير في الميزان أم نظام ارتكس بالبشريّة وأنتج الشذوذ والإبستينيّة والحروب والويلات على العالم؟!

 

ما لكم كيف تحكمون!!

 

 

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

منّة الله طاهر

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

رؤية نظام سياسي ناجح

 

(مترجم)

 

يقول سبحانه وتعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللّٰهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللّٰهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ

 

الحمد لله على نعمة القرآن، الحمد لله على نعمة الإيمان، الحمد لله على نعمة الإسلام!

 

إنّ رحمة ربنا واسعةٌ عظيمة، فهو يُنعمُ علينا برمضان مراراً وتكراراً. ورغم أنّ معظم الناس قد لا يدركون هذه الرحمة، فإنّ الله رب العالمين، يُرسل بركة رمضان مراراً وتكراراً إلى البشرية جمعاء. ولا شكّ أن بقية البشر لن يفهموا هذه البركة ما لم يفهمها المسلمون أنفسهم. إنها بركةٌ تُبدّدُ ظلام الجهل، وتُبشّر بنور الإسلام، وهو منهجٌ يُرشدُ البشرية جمعاء إلى النجاح. إنها رسالةٌ لنيل أعلى مراتب النجاح في الدنيا والآخرة.

 

لا يمكن لأي أمة أن تنجح دون دولة. ومع ذلك، فإنّ نجاح الدولة يعتمد على ذلك، سواءٌ أكانت لديها رؤية سياسية ناجحة أم لا. فما هو نجاح الدولة؟

 

منذ فجر التاريخ، لم يكن بإمكان البشرية البقاء إلا بوجود نظامٍ وحكمٍ لها. ولا تزال آثار تلك الأمم التي امتلكت نظاماً ماثلةً حتى اليوم. على سبيل المثال؛ هل تتذكر قانون أور نامو للسّومريين، الذين عاشوا حوالي عام 2100 قبل الميلاد؟ أو نجد قانون حمورابي، الذي كان موجوداً حوالي عام 1760 قبل الميلاد؟ أو نعرف عن الإمبراطورية المغولية، التي بلغت ذروتها تحت قيادة قوانين ياسا لجنكيز خان في القرن الثاني عشر؟ وغيرها الكثير.

 

 كل هذه الأدلة تُثبت أنّ كل أمة بحاجة إلى قوانين وأنظمة، أي نظام حكم؛ وأنها بحاجة إلى عقوبات في حال انتهاك هذه القوانين؛ وأنها بحاجة إلى سلطة تحكم وفقاً لهذه القوانين والأنظمة؛ والأهم من ذلك، أن كل أمة تخضع لسلطة ما... باختصار، كل أمة طلبت، ولا تزال تطلب، قائداً يرشدها. على مرّ العصور، اتبعت كل أمة قائداً. كل أمة بحاجة إلى إرادة سياسية تقودها، وتنظمُ شؤونها، وتتحملُ مسؤوليتها، وتصدُّ الأخطار والأضرار، وترفعها من نمط حياة بدائي، وتقودها إلى الهيمنة على العالم بطريقة مستنيرة وتقدمية. هذا هو في الواقع تعريف السياسة!

 

مع ذلك، لطالما كانت المشكلة الأكبر هي السؤال والتحدي حول مكان وجود هذه الأنظمة، ومن الذي يجب أن يضعها. كما أثبت التاريخ أنّ الأنظمة السيئة أدت إلى انحدار الأمم، وقادتها عاجلاً أم آجلاً إلى تراجعها، بل وحتى إلى خرابها. بينما النظام السليم الذي يقدمه عقل سليم لا يقود أمته إلى السلام فحسب، بل يقود جميع الأمم التي تتواصل معها، والبشرية جمعاء.

 

يقود الأمة وكل فرد فيها إلى تنمية سليمة؛ أي أنه لا يضمن التنمية المادية فحسب، بل تنمية تجعل تلك الأمة نموذجاً يُحتذى، ملهماً، وجديراً بالاقتداء به في المجالات الأخلاقية والثقافية والعلمية وغيرها.

 

يتناغم مع الطبيعة البشرية؛ لأنه، كخطوة أولى، يُعرّف الإنسان واحتياجاته تعريفاً صحيحاً. ولذلك، فهو يتجاوز كل الاختلافات المتعلقة بالعرق أو اللون أو اللغة أو الدين أو الجنس أو غيرها، ويلبي احتياجات كل إنسان على قدم المساواة، وبنفس المعايير، وبنفس القدر من الأهمية، وهو عادل، يحمي ويدعم كل إنسان.

 

اليوم، يعاني الناس في جميع أنحاء العالم، بمن فيهم سكان الدول الأوروبية والأمريكية التي يُفترض أنها متقدمة، معاناةً تشبه تلك التي يعانيها سكان الدول التي تُمنع قسراً من التنمية عبر الاستعمار والغزو والحروب التي تشنها الدول الغربية. فهم أيضاً عاجزون عن حماية أطفالهم من أي خطر، بل إنهم فقدوا الأمل في مستقبلهم، لدرجة أنهم لا ينجبون. والسبب في ذلك هو أنّ أنظمتهم الحاكمة قد خدرتهم بمادة تُسمى "الحرية" لتسلبهم ليس فقط ثرواتهم المادية، بل جميع قيمهم الإنسانية والأخلاقية والدينية. حتى إنّ أجساد الأطفال الأبرياء أصبحت أداةً لإشباع رغبات شيطانية منحرفة لقلة من ذوي النفوذ. نرى أنه حتى أولئك الذين يعانون من ويلات الحروب والغزوات يبذلون جهداً أكبر بكثير، ويبذلون طاقة حيوية أكبر للبقاء على قيد الحياة والحفاظ على وجودهم رغم كل أشكال القمع، مقارنةً بغيرهم. على وجه الخصوص، يعاني عدد لا يحصى من المسلمين المضّطهدين في المناطق الإسلامية، كغزة والسودان وتركستان الشرقية وميانمار وكشمير، رغم ما يتعرّضون له من اضّطهاد مروّع، يعانون من خوف أو اكتئاب أقل من أولئك الذين يعيشون في ظلّ ما يُسمى بالحرية والسلام. في الواقع، يعود تزايد عدد الأشخاص الذين يفضلون الموت على الحياة (الانتحار) في الدول الحرّة والمتقدمة، والذين يتمتعون بكافة الفرص الاقتصادية، يعود ذلك إلى الأنظمة العالمية المهيمنة العاجزة عن حلّ مشاكل الإنسان، بل والرّافضة لذلك.

 

وقد أثبت التاريخ أنّ النظام الوحيد الذي ضمن التنمية والازدهار للبشر والمجتمعات، والذي نجح في غرس الأخلاق والثّقة والسّلام في العلاقات المجتمعية، وفي العلاقة بين الحاكم والمحكوم، والذي نجح في إرساء عدالة شاملة لا تميّز بين أحد في تطبيق القوانين، والذي نجح في حماية من هم تحت حمايته رغم كل الظروف المعاكسة من جميع أنواع التهديدات، هو نظام الإسلام. هكذا استطاع المجتمع الإسلامي أن يخلق للبشرية، في التاريخ، بيئة فريدة ونقية ومنعشة. لقد تحقّق ذلك من خلال الرؤية الناجحة الحقيقية التي تُعدّ مفتاحاً لنظام سياسي سليم.

 

لم يتقدم أولئك الذين تبنّوا هذه الرؤية السّياسية بالمال، أو باستغلال موارد الأرض، أو بالاختراعات والاكتشافات الصناعية. بل على العكس، فقد نجحوا رغم معاناتهم من فقر مدقع، حتى إنهم اضّطروا إلى ربط الحجارة على بطونهم من الجوع. لأن التنمية والتقدم الحقيقي لا يتحقق إلا بالأفكار لا بالثروة المادية. وفي نهاية المطاف، أكسبتهم أفكارهم المنبثقة من الرؤية السليمة للنجاح ثروة مادية، وإنجازات علمية وصناعية، واكتشافات فتحت آفاقاً جديدة للبشرية، وقوة عسكرية.

 

لكن عندما بدأوا ينأون بأنفسهم عن هذه الأفكار، دخلوا في انحدار لا هوادة فيه، حتى أصبحوا عاجزين عن حماية ثروتهم الفكرية في نهاية المطاف. لذلك - كما أنّ اثنين في اثنين يساوي أربعة - ستستعيد الأمة الإسلامية نجاحها السياسي حالما تستعيد هذه الثروة الفكرية.

 

فكيف ستستعيد الأمة الإسلامية هذه الثروة الفكرية؟

 

أولاً؛ يجب على الأمة الإسلامية أن تتخلص من التفسير الاستشراقي للإسلام الذي فرضه الكفار المستعمرون، وأن تُقرّ بالإسلام باعتباره رسالة الخلاص والنجاح التي أرسلها الله سبحانه وتعالى. ذلك لأنّ عقيدة "لا إله إلاّ الله محمد رسول الله" تنصُّ على رفض أي فكرة أو شكل من أشكال التفكير من خارج الإسلام رفضاً قاطعاً لا لبس فيه، وخلافاً للنصرانية، لا ينبغي اختزال هذا العهد إلى مجرد تعريف محدود لله بأنه خالق، بل الإقرار بأنه المالك والملك والحاكم الحقيقي لكل شيء.

 

فاللهُ سبحانه وتعالى، بصفته مالكاً وملكاً وحاكماً لكل شيء، أنزل الإسلام منهجاً كاملاً وشاملاً للحياة. في الواقع، هذا هو الشّرط الأساسي. لأنّ الاعتقاد بأنّ الله قد وضع بعض الشعائر والطقوس فقط، تاركاً الدّنيا لإرادة البشر ورغباتهم، هو اتّهام لله بالظلم - حاشاه، وبالتالي تشويه صارخ لسمعته. بل على العكس؛ لقد أوضح ربنا جلياً أنه سبحانه وتعالى قد أرسل نظام حياة كاملاً للبشرية جمعاء: ﴿اَلْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيْتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً﴾.

 

لذلك، فإن الإسلام هو الفكر السليم الوحيد الذي يُنقذ المسلمين من الظّلم، ويمنحهم جوهر التقدم ومفتاحه. فعندما يتحرّر المسلمون ويتقدمون، سيُنقذ كل إنسان ويُهدى إلى التقدم. تُوفّر هذه العقيدة القوة الروحية التي تغرس في المسلم الذي يعتنقها أسمى الفضائل الأخلاقية (كالاستقامة والصدق والأمانة) وأرقى الصفات الإنسانية (كالشجاعة والبطولة والكرم) التي يفخر بها المرء ويُثنى عليها؛ والقوة المادية، من خلال نظامها الاقتصادي، لتلبية الاحتياجات الجسدية والمادية للفرد وأسرته وجاره والمجتمع بأسره والبشرية جمعاء بعدل وإنصاف؛ والقوة الروحية الداخلية التي تُكوّن ضميراً واعياً بعلاقة المرء بالله. أليست القوة المادية والأخلاقية والروحية هي المعيار الذي تبحث عنه البشرية اليوم في رؤية سياسية ناجحة؟! إذن، هذه هي الرؤية السياسية الناجحة التي تُحقق كل هذه المعايير مئة بالمئة: الإسلام!

 

يعرف كل مسلم هذه الآية الكريمة من الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَومٍ حَتَّٰى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِم﴾، هناك جانبان يجب فهمهما في هذه الآية: أولهما، أنه ما دامت أمةٌ ما لم تتخلَّ عن مصدر أخلاقها الحميدة، فلن يسلب الله بركاته عنها - بل كان هذا هو سبب غضب الله على جميع الشعوب والأمم التي سبقتنا. ففي اللحظة التي تخلوا فيها عن أحكام الله وشرائعه، واتخذوا قوانين وأنظمة وقيماً من أهوائهم، قادهم الله إلى الهلاك والدمار، كما هو موضح في بقية الآية ١١ من سورة الرعد، ، ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾. ويؤيد هذا المعنى آية أخرى من القرآن الكريم: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَة ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمٰى﴾.

 

الطريقة الثانية لكيفية فهم هذه الآية هي استئناف النظام الإلزامي الذي فرضه الله - وهو نظام الله السياسي الذي يجعل النفس جوهر الأمة المسلمة - واستعادة النجاح في الدنيا والآخرة. إن الله سبحانه وتعالى هو الرحمن الرحيم، فهو لا يتخلى عمن رجع إليه، ولا يجعله من الخاسرين. ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْـئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾

 

وفي ضوء كل هذا نرى أنّ الأمة الإسلامية في حاجة إلى توجيه عمل سياسي عقائدي، يقوم على عقيدة الإسلام، ولا يقوم بأدنى عمل خارج ما أوجبه الكتاب والسنة، وليس له أي أهداف أخرى غير ما حدّده الإسلام - وذلك المرشد ما هو إلا حزب سياسي إسلامي. وهذا في الوقت نفسه هو أمر الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. ولذلك يجبُ على المسلمين ألا يفهموا رسالة الإسلام على أنها مجرد رسالة روحية، بل هي رسالة سياسية تهدف إلى إنقاذ البشرية وتقدمها، وفي الوقت نفسه دعوة البشرية إلى هذه الرسالة الناجحة. ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.

 

لعلنا نستطيعُ تلخيص كل ما سبق على النحو التالي: لقد أثبتت جميع الأنظمة السياسية المطبقة اليوم فشلها. فقد تبين أنها جرّت البشرية إلى سراب في قلب صحراء قاحلة. النظام الوحيد القادر بلا شك، والذي يمتلك رؤية صحيحة وسليمة ومستدامة للنجاح، هو الإسلام، وبالتالي المسلمون المتقون، المخلصون، المحسنون. كل ما عليهم فعله هو توحيد الجهود لإعادة بناء الحياة والنظام المنبثقين من العقيدة الإسلامية كما أمر الله سبحانه وتعالى وبيّن رسوله ﷺ. إنّ الشكل المادي لهذا النظام هو الشكل الذي وعد به الله سبحانه وتعالى، وبشّر به رسوله ﷺ؛ الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة.

 

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

زهرة مالك

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

باكستان النووية

قادرة على تحرير المسجد الأقصى الآن!

 

يا ضباط القوات المسلحة الباكستانية: أنتم الأقوى تدريباً والأكثر تمويلاً في المنطقة بلا منازع.

 

يا أبناء أورنغزيب: لقد أكدت الحملة العسكرية في 7 أيار/مايو 2025 إتقانكم للحرب الحديثة متعددة المجالات، مع ضمان التفوق الجوي على المنطقة.

 

الظروف الدولية مواتية: ارتفاع الأسعار المحلية، والصراعات التجارية العالمية، وسيطرة إيران على مضيق هرمز، تجعل العقوبات الدولية معطلة.

 

قوات الصواريخ والطائرات بدون طيار الإيرانية قد جعلت جميع الأصول العسكرية الاستعمارية - سواء وحدات الجيش، أو السفن البحرية، أو القواعد الجوية، أو مراكز الرادار - غير فعالة.

 

يا أبناء صلاح الدين: انكشفت أسطورة القوة العسكرية لكيان يهود، في فشلهم أمام أعداد قليلة من المقاتلين قليلي السلاح في غزة. والآن اليهود مختبئون مذعورين في الملاجئ، ينتظرون صيحات تكبيركم.

 

يا أبناء خالد بن الوليد رضي الله عنه: يجب عليكم فرض مظلة ردع نووية فورية فوق إيران والمنطقة، لتأمين خط اتصال أرضي لتحرير المسجد الأقصى والأرض المباركة فلسطين.

 

يا أبناء سعد بن معاذ رضي الله عنه: أعطوا النصرة لإقامة الخلافة الراشدة. قودوا جيوش الأمة ومجاهديها إلى نصر حاسم، يُجبر الكفار على الهزيمة.

 

قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾.

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عُمر نصر الدين – ولاية باكستان

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

إلى جُند الخليج:

رسالة تُخالف رسائل مشايخ الجاهلية. فاسمعوا!

 

في وقت الأمة فيه أشدّ ما تكون تخبطاً وتيهاً وبحاجة إلى من يرشدها إلى طريق الصواب الذي يرضاه ربنا، ما زلنا نرى مشايخ متصدرين لا يقفون مواقف الحقّ يُفاصِلون فيها الجاهلية ويجاهدونها، بل يُصرّون على الوقوف مع الأنظمة، ولا يتعدّون حدود مُحرّماتها، بل ومنهم مَن استمرأ الركون إليها والتقلُّب في المساحات الآمنة لتلك الأنظمة.

 

فمن علماء الأمة من عاصروا حروباً كباراً شنّها الغرب وكيان يهود على الأمة في العقود الأخيرة، وثبت لهم كما ثبت للجميع أن الأنظمة القائمة في بلاد المسلمين هي وكيل للكفار على بلاد المسلمين، فهي التي جعلت بلاد المسلمين مراتع للقواعد العسكرية الأجنبية، وفرّغت النطاق الجوّي في بلاد المسلمين للكفار، وناصرت يهود ونفخت فقاعتهم، وقتلت من شعوب المسلمين الآلاف، وشرّدتهم في الأرض وأسلمتهم لأعدائهم، ثم مع كل هذه الوقائع الصارخة بعداء وخيانة هذه الأنظمة لله ولرسوله وللمؤمنين لا يزال عدد من المشايخ المتصدرين لا يقفون لله موقفاً أمام طغيانها، بل يُسقطون عليها أحكام الإسلام السياسية في الطاعة والولاء بشكل أقبح ممّن يُسقِط أحكام الزواج على علاقة سِفاح!

 

أطلّ الشيخ عثمان الخميس في مقطع موجه إلى الجنود المقاتلين في الخليج، يدعو لهم ويُثني عليهم ويصف جهادهم بأنه "جهاد في سبيل الله"! لكنّ الحقيقة الصارخة أن القتال الذي توظّف دول الخليج أبناء الأمة من الجيوش فيه هو قتال لمصالح أمريكا الاستراتيجية في المنطقة، وهو قتال تَبَعيٌّ تحت مظلة الباتريوت لا يجلب إلا العار، وما له بالجهاد في سبيل الله من صِلة.

 

القتال في سبيل الله والرباط في سبيل الله معانٍ شريفة نبيلة لا يجوز أن يمتهنها المشايخ أو غيرهم من أذناب الأنظمة، فهذه المعاني الجهادية لا تتحقق على خُطا الغرب الكافر الحاقد وما تُمليه الأنظمة من واقع تبعيّة وارتباط بالغرب، بل تتحقق بمعنى واحد حصراً كما أخبر نبيُّنا ﷺ: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»، فلا يمكن لجُند الخليج أن يكون جهادهم في سبيل الله إلا إذا كانت غايته إعلاء كلمة الله فوق كلمة الكُفر.

 

الجهاد المطالَب به جنود المسلمين ومن ضمنهم جنود الخليج هو القتال في سبيل نُصرة الإسلام، ولا يُخدعنّ أحدٌ بأن قتال إيران هو نصرة للإسلام، بل هو في حقيقته تكريسٌ لمخططات الغرب في بسط نفوذه وتجريد المنطقة من القوّة سواء في إيران أو غيرها لإضعاف بلاد المسلمين، وهو تكريسٌ للحروب الطائفية المفتعلة التي جرّت أمريكا بعض أنظمة المنطقة لها، ولا يخرج من هذه الحرب الطائفية بمكتسبات إلا الغرب المتربِّص.

 

هذا الكلام على فرض - جدلاً - أن تحريك جند الخليج هو في سبيل قتال إيران، لا الاكتفاء بحماية القواعد العسكرية الأمريكية!

 

لا بُدّ أن يعي جند المسلمين في الخليج أن القواعد العسكرية الأجنبية، والاتفاقيات والمعاهدات الأمنية المشتركة مع الغرب هي شكل من أشكال الاستعمار ونقاط ارتكاز لليد الكافرة الممدودة نحو بلاد الإسلام، فكم خرجت عملياتٌ عسكرية من هذه القواعد وبموجب تلك الاتفاقيات المشتركة لتحقيق أهداف سياسية وتدمير بلاد المسلمين وقتلهم في العراق واليمن وسوريا؟!

 

أما القتال في سبيل الله في سياق الواقع الحالي، فهو القتال الذي يُجلي النفوذ الغربي وكيان يهود من بلاد المسلمين. لمّا يسرح يهود والأمريكان بطائراتهم في أجواء المسلمين مع غطاء ودعم أمني ولوجستي نَجِس من حُكام المسلمين، فلا بدّ لمن في قلبه توحيد لله وفي يده سلاح أو تحت إمرته كتيبة أن يتحرك نحو تحرير البلاد وتطهيرها من كل هذا الدنس، ولا بُد من الالتحام في قتال القواعد العسكرية الغربية وقتال كيان يهود، خاصة أولئك الذين يجاورونها من جند الخليج، وجند مصر والأردن وسوريا بالنسبة لكيان يهود، وأن يُهدف من هذا القتال نُصرة الإسلام وكلمة الله وإذلال كلمة الكُفر التي طمست على آذان الكثير حتى عدد لا بأس به من المشايخ.

 

فإننا هُنا نخاطبكم يا جُند الخليج متجاوزين حدود سايكس بيكو والخرائط الوطنية وقوانين الأنظمة، إننا نخاطبكم بالعقيدة وحدها، ونكسر أصنام الواقع - أنظمة وحدوداً واتفاقيات... - نكسرها أمامكم ونخرجها من أذهانكم لتجعلوا غايتكم الله وفردوسه الأعلى.

 

هذا هو الجهاد في سبيل الله، وهذا هو الرباط في سبيل الله، أما ما لا يصبُّ في اتجاه جعل كلمة الله هي العليا فليس قتالاً في سبيل الله، بل في سبيل الطاغوت، وفيه تعقيد لمشكلات المسلمين وتثبيت لها. ولأجل ذلك نقول لجُند الخليج اسمعوا قول الله تعالى يأمركم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.

 

ولا تسمعوا لمَن يقول لكم "وأن تسمعوا لأمرائكم ورؤسائكم"، فاعلموا يا جند الخليج أنكم أغنياء عن أمرائكم ورؤسائكم، وما هُم بأغنياء عنكم، وما أقواكم أمام من يحتاج إليكم وأنتم لا تحتاجونه! واعلموا قبل ذلك كله أنّ الله غنيٌّ عنكم: ﴿وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾، وأنتم الفقراء إلى الله الذي يُجري الدمَ في عروقكم، وأرواحُكم بيده وحده، فتدبّروا موازين القوى بين صفّ الله وصفّ الطغاة، ثم اختاروا لأنفسكم ما تلقَون الله به. والسلام عليكم.

 

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

صبا علي – الأرض المباركة (فلسطين)

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

النظام الاقتصادي الإسلامي في دولة الخلافة

هو الذي سيوفر للإنسان حياة اقتصادية آمنة خالية من الأزمات

 

فقر، بطالة، غنى فاحش لفئة قليلة العدد، هبوط في قيمة العملات المحلية، رفع الدعم عن السلع الأساسية، انحدار في مستوى المعيشة، زيادة غير مسبوقة في الأسعار،... هذا هو الواقع المزري للاقتصاد في بلادنا الإسلامية. أما الحلول التي يتم طرحها دائما للخروج من الأزمات فهي قروض من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، لندخل في مشكلات أكثر تعقيدا، ديون متراكمة وربا مضاعف، زيادة في الضرائب وتتابع في الأزمات ما يؤدي إلى رهن مقدرات وثروات البلاد بإرادة الدول الاستعمارية وأطماعها وذلك لأن كل الحلول تمكن فقط الأغنياء من حيازة السلع بينما يجوع الضعيف والفقير الذي لا يملك الثمن. حلول عقيمة لا تخرج من داخل الدائرة الاقتصادية الرأسمالية التي نحن ندور فيها، وهي مأخوذة من النظام نفسه الذي أوجد هذه الأزمات وتسبب فيها، ألا وهو النظام الرأسمالي الذي هو أس البلاء، نظام فاسد بآلياته وقوانينه وعالم يعاني من ويلاته ويتطلع للخلاص من كوارثه. حتى مفكرو الغرب أنفسهم وكبار رأسمالييهم يشككون في نجاعة الحلول المطروحة، ويقولون إن هذه الحلول إن نجحت، فستساهم في تأجيل الانهيار فحسب، أما أن تحل المشاكل حلاً جذرياً فهذا ما لن تنجح فيه.

 

إن الاقتصاد في العالم بحاجة إلى هيكلة جديدة والخروج من تحت وطأة الرأسمالية، فليس للعالم خلاص من ويلات النظام المالي الرأسمالي العقيم إلا من خلال نظام اقتصادي ومالي مبني على عقيدة الإسلام، ولقد تم تطبيق الإسلام لأكثر من ألف عام، وطوال هذه الفترة بنى اقتصاداً مرناً وديناميكياً مدعوماً حقاً بالنشاط الاقتصادي المحلي القوي. كما قاد الاقتصاد الإسلامي العالم وهو سبب أساسي للازدهار المتزايد للغرب قبل أن يتحولوا إلى الاستعمار، حيث اعتمدت الدول الغربية على التجارة مع البلاد الإسلامية. إن طريق الخلاص هو من خلال تطبيق النظام الاقتصادي الإسلامي فهو النظام الوحيد الذي يمكنه حل الأزمات الحالية والأزمات القادمة، بما يتوافق مع الفطرة البشرية والعدالة، ومع ذلك، لا يمكن أن يوجد هذا النظام الاقتصادي داخل أنظمة بشرية باطلة لأن قوانينها العامة ستؤثر عليه بشكل أو بآخر. فلو أن حاكماً أراد تطبيق النظام الاقتصادي الإسلامي وحده، فلن تتحقق النتائج المرجوّة من ذلك، والسبب أنه جزء لا يتجزأ من الإسلام، ولا بد أن ينبثق عن الأساس الذي تنبثق عنه جميع أنظمة الحياة، فالإسلام عقيدة ينبثق عنها نظام الحياة، ولا يؤتي أكُلَه إلا بتطبيقه كاملاً كما فعل رسول الله ﷺ وصحابته من بعده وتابعوهم بإحسان.

 

فالإسلام كلٌّ لا يتجزّأ، وأخْذُ بعضِه وتركُ باقيه إنما هو كفر، مهما قلّ قدرُ المتروك منه، وهذا ما نطق به القرآن الكريم، في قول الله تعالى مخاطباً بني إسرائيل: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ فلا يصلح تطبيق بعض الإسلام وترك بعضه. وبما أن النظام الاقتصادي الإسلامي جزء من نظام الخلافة، فإن تطبيقه في الحياة سيكون بعد إقامتها، فالنظام الإسلامي كل والنظام الاقتصادي جزء من كل، ومن الصعب جداً تطبيق النظام الاقتصادي فقط دون تطبيق الإسلام بشكل شامل، كما أنه يصعب تفصيل سياسة الإسلام الاقتصادية في مقالة ذات أسطر معدودة ولكننا سنجمل الخطوط العريضة لهذه السياسة وهي كافية بإذن الله لبيان الحقيقة القائلة إن النظام الاقتصادي الإسلامي هو وحده القادر على أن يوفر للناس حياة اقتصادية سليمة هانئة خالية من الأزمات، وإليكم البيان:

 

أولا: سياسة الاقتصاد في الإسلام:

 

سياسة الاقتصاد هي الهدف الذي ترمى إليه الأحكام التي تعالج تدبير أمور الإنسان. وسياسة الاقتصاد في الإسلام هي ضمان تحقيق الإشباع لجميع الحاجات الأساسية لكل فرد من أفراد رعية الدولة الإسلامية، من مأكل وملبس ومسكن إشباعا كليا، وتمكينه من إشباع الحاجات الكمالية بقدر ما يستطيع، باعتباره يعيش في مجتمع معين، له طراز خاص من العيش، وذلك، بفرض العمل على الرجل القادر، حتى يوفر الحاجات الأساسية له ولمن تجب عليه نفقتهم ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ﴾ وبفرضها على المولود له، وعلى الوارث إن لم يكن قادرا على العمل ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ وبفرضها على بيت المال إن لم يوجد من تجب عليهم نفقته، قال ﷺ: «مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ وَمَنْ تَرَكَ كَلًّا فَإِلَيْنَا».

 

ثانيا: القواعد الاقتصادية العامة:

 

 

ومن استقراء الأحكام الشرعية المتعلقة بالاقتصاد يتبين أن الإسلام إنما يعالج موضوع تمكين الناس من الانتفاع بالثروة. وأن هذه هي المشكلة الاقتصادية للمجتمع في نظره. وهو حين يبحث الاقتصاد إنما يبحث في حيازة الثروة، وفي تصرف الناس بها، وفي توزيعها بينهم. وعلى هذا فإن الأحكام المتعلقة بالاقتصاد مبنية على ثلاث قواعد هي:

 

1. المِلكية

2. التصرف في المِلكية

3. توزيع الثروة بين الناس

 

أما المِلكية من حيث هي مِلكية فهي لله باعتباره مالك الملك من جهة، وباعتباره قد نص على أن المال له، قال تعالى: ﴿وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ﴾. فالمال لله وحده، إلا أن الله سبحانه وتعالى استخلف بني الإنسان على المال، وأمدهم به، فجعل لهم حق ملكيته، قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾. غير أن حق المِلكية هذا الذي جاء بالاستخلاف جاء عاما لبني الإنسان بجميع أفرادهم، فلهم به حق المِلكية، لا المِلكية الفعلية، فهم مستخلفون في حق التملك. وقد بين الشرع أن هناك ثلاثة أنواع من المِلكية:

 

أ- مِلكية فردية: لكل فرد أن يمتلك المال بسبب من أسباب التملك المشروعة

 

ب- مِلكية عامة: وهي للأمة كلها، قال النبي : «المُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلاثٍ: فِي الْمَاءِ وَالْكَلأ وَالنَّارِ»

 

ت‌- مِلكية الدولة: كل من مات من المسلمين ولا وارث له فماله لبيت المال، وما يُجبى من خَراج وجزية وغير ذلك إنما هو لبيت المال.

 

2. أما التصرف في المِلكية فبيانه كالآتي:

 

أ- التصرف بمِلكية الفرد: واضح في أحكام المعاملات من بيع أو رهن أو غير ذلك.

 

ب- التصرف بمِلكية الدولة: واضح في أحكام بيت المال.

 

ت- التصرف بالمِلكية العامة: جُعل للدولة، لأنها نائبة عن الأمة، ولكن الشارع منعها من التصرف بالمِلكية العامة بالمبادلة أو الصلة. وأجاز لها التصرف بها في غير ذلك بحسب الأحكام، التي بينها الشرع.

 

3. وأما توزيع الثروة بين الناس فإنه يجري في أسباب التملك، وفي العقود طبيعيا. غير أن تفاوت الناس في القوى، وفي الحاجة إلى الإشباع، يؤدي إلى تفاوت التوزيع للثروة بين الناس. ويجعل احتمال الإساءة في هذا التوزيع موجودا، فيترتب على هذه الإساءة في التوزيع تجمع المال بين يدي فئة، وانحساره عن فئة أخرى، كما يترتب عليها كنز أداة التبادل الثابتة، وهي الذهب والفضة. ولذلك جاء الشرع يمنع تداول الثروة بين الأغنياء فقط، ويوجب تداولها بين جميع الناس، وجاء يمنع كنز الذهب والفضة، ولو أخرجت زكاتهما.

 

ثالثا: نظرة الإسلام إلى المال

 

إن المال هو عادة لأغراض ثلاثة: الادّخار، والإنفاق، والتداول؛

 

ففي حالة الادخار يمكن للمرء أن يدّخر لأي مسألة يحتاج تنفيذها إلى تجميع بعض المال، وهذا لا شيء فيه إذا أُدّيت زكاته بعد حلول الحول وبلوغ نصاب الزكاة، أما الادّخار لأجل الادّخار وكنز المال وتكديسه، فهو محرّم بنص القرآن الكريم، بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.

 

وأما الإنفاق فقد حدد الإسلام أحكامه، فأجاز وجوهاً كالصدقة...، وأوجب أخرى مثل إخراج الزكاة...، وحرّم وجوها كالإنفاق في الخمر والقمار...

 

وأما التداول فقد نظّمه الإسلام من وجهين:

 

أ- وضع معيارا ثابتا تقدر به الأجور والأثمان وهو ما يسمى "النقد" وحصره بالذهب والفضة لا غير.

 

ب- بيّن المعاملات الشرعية الصحيحة كأحكام الشركات في الإسلام "العنان والأبدان والمضاربة والوجوه والمفاوضة.." وأحكام الإجارة والتجارة والمزارعة والمساقاة والبيع والصرف والوكالة. وحرّم المصانع التي تصنع المادة المحرمة، وحرّم معاملات مثل الشركات الباطلة التي لا تستوفي شروط انعقادها وشروط صحتها مثل الشركات المساهمة، شركات الضمان، التأمين وشركات الرهن الربوية، وكذلك حرّم الغش والاحتكار.

 

رابعا: نظرة الإسلام إلى النقد:

 

لقد عيّن الرسول ﷺ الذهب والفضة نقدا، وجعلهما وحدهما المقياس النقدي الذي يرجع إليه مقياس الأموال والجهود، وعلى أساسهما كانت تجري جميع المعاملات. وقد حدد الرسول ميزان الذهب والفضة بميزان أهل مكة، قال ﷺ: «الْوَزْنُ وَزْنُ أَهْلِ مَكَّةَ» ومن مراجعة الموازين النقدية في الإسلام، ومقارنتها بأوزان اليوم، فإن الدينار يساوي ٤.٢٥ غراماً ذهبا، والدرهم ٢.٩٧٥ غراماً فضة.

 

خامسا: تحريم الربا

 

حرمت النصوص الشرعية الربا تحريما شديدا، وهي قطعية الثبوت قطعية الدلالة، وجعل من يتعامل بالربا محاربا لله ورسوله، قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، وقد بلغ من شدة تحريمه أن الرسول ﷺ قد لعن الربا والمتعاملين به، واللعن هو الطرد من الرحمة. على أن الإسلام قد شجع الإقراض بين المسلمين وحث عليه، فقال الرسول ﷺ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُقْرِضُ مُسْلِمًا قَرْضًا مَرَّتَيْنِ إِلَّا كَانَ كَصَدَقَتِهَا مَرَّةً». وهذا ليس على الصعيد الفردي فإن من وظيفة الدوائر الاقتصادية في دولة الخلافة أن توفر القروض للمزارعين وأصحاب المشاريع في إطار نظرة الدولة للتنمية الاقتصادية وسياستها في القضاء على الفقر بإيجاد أسواق العمل وتوفير السلع، ولكن تلك القروض لا علاقة لها بالربا، وليس من أهدافها الأرباح، فدولة الخلافة دولة رعاية لا دولة جباية.

 

سادسا: رقابة النظام الاقتصادي في الإسلام

 

وهي أجهزة رقابية تضمن عدالة النظام الاقتصادي على الوجه المبين في الشرع، ويمكن تلخيصها بالأدوات الرقابية التالية:

 

1.  ولاية الحِسبة: حيث يقوم المحتسب بالرقابة على الأسواق والموازين والمكاييل والغش في الأسواق والأماكن العامة ويراقب باقي المخالفات أيضا.

 

2.  ولاية القضاء: حيث يقوم القضاة بفض المنازعات جميعها بما في ذلك المالية والاقتصادية التي قد ترافق المعاملات اليومية للناس.

 

3.  الدواوين: وهي أدوات رقابة وضبط لحركة المال في بيت المال، مما يتعلق بمال الزكاة، ومال الدولة، والمال التابع للملكية العامة، وهي تتولى الرقابة على الجباية والإنفاق بحيث تكون كل حركة للمال في مكانها الصحيح.

 

4.  ولاية المظالم: وهي تتولى الشكاوى التي ترفع ضد أولي الأمر إذا ظلموا الرعية في كل التصرفات وكل الجوانب، ومنها التصرفات المالية والاقتصادية.

 

هذه خطوط عريضة للسياسة الاقتصادية في الإسلام ولمن يريد الاستزادة بالتفاصيل نقدم له كتاب "النظام الاقتصادي في الإسلام"، كتاب يُعدّ ثروة فكرية إسلامية نفيسة، قل نظيره. فهو الكتاب الأول الذي بلور واقع نظام الاقتصاد في الإسلام، في هذا العصر، بلورة واضحة جليّة. وقد كان مصدره الوحيد في أخذ الأحكام الشرعية المتعلقة بالاقتصاد هو كتاب الله وسنة رسوله وما أرشدا إليه من قياس وإجماع صحابة، ولم يتخذ مصدراً آخر لأخذ الأحكام الاقتصادية، هذه الأحكام التي تكفل الحياة الكريمة للناس كافة، المسلم وغير المسلم، ما داموا يعيشون في ظل دولة الخلافة، التي تحفظ أمنهم وعيشهم، والتي توفر لهم حياة اقتصادية آمنة خالية من الأزمات.

 

وفي الختام نسأل الله أن يمكّن المسلمين أن يضعوا أحكام الإسلام عامة موضع التطبيق والتنفيذ في دولة تحكم فيهم بما أنزل الل

 

رابط الكتاب على موقع المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير:

 

https://hizb-uttahrir.info/ar/index.php/resources/hizb-resources/48.html

 

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير 

رنا مصطفى

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

بنصر الله ﷻ، الأمة الإسلامية وقواتها

كافية لطرد أمريكا من الشرق الأوسط

 

(مترجم)

 

هدد الرئيس ترامب في 10 آذار/مارس 2026 بتصعيد هجمات أمريكا على إيران قائلاً: "إذا وُضِعَت ألغام لأي سبب ولم تُزَل فوراً، فإن العواقب العسكرية على إيران ستكون في مستوى لم يُرَ من قبل".

 

إن الوقت قد حان للأمة الإسلامية أن تجيب على ترامب المتغطرس بكسر فك جيشه! اليوم، يجب على الأمة الإسلامية وقواتها نصرة مسلمي إيران ضد أعداء الأمة: كيان يهود وأمريكا الصليبية، وفق الضوابط التالية:

 

1-    مبدأ القصاص في الجهاد: قال الله ﷻ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ﴾، يفرح المسلمون بهجمات مسلمي إيران على كيان يهود. والفرح في محله، لأن الجهاد مستمر، وحتى ظلم الحاكم الظالم لا يبطله. لكن ليس على مسلمي إيران وحدهم واجب إزالة كيان يهود وطرد أمريكا، بل هو واجب على الأمة كلها حتى تحقيقه. لذا، يجب على كل البلاد الإسلامية حشد جيوشها بقدر استطاعتها. وبمجرد حشد الأمة كلها، ستواجه أمريكا هجوماً متعدد الجوانب يجبرها على الانسحاب من البلاد الإسلامية.

 

2-  الاستمرار في القتال حتى التحرير الكامل: قال الله ﷻ: ﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾، يجب أن يستمر القتال ضد كيان يهود حتى تحرير جميع الأرض المباركة فلسطين، من النهر إلى البحر، ولا يجوز أن يكون القتال تمهيداً لمفاوضات مع الكفار، بما في ذلك اتفاقيات أبراهام أو مجلس السلام. فالمفاوضات طريق لتسليم معظم فلسطين لكيان يهود. لذا، لتُوفِ جيوش المسلمين بواجبها الشرعي، وتستمر في القتال حتى تحرر المسجد الأقصى.

 

3- عدم الاستعانة بالكفار: قال الرسول ﷺ: «لاَ تَسْـتَضِـيئُوا بـِنَارِ الْمُشْرِكِينَ» رواه أحمد. والنار هنا كناية عن الحرب. وقال ﷺ: «فَإِنَّا لاَ نَسْـتَعِينُ بـِمُـشْـرِكٍ» صحيح ابن حبان. وقد نهى الرسول ﷺ المسلمين عن الاستعانة بالدول الكافرة، حيث يقاتل المسلمون بتجهيزاتهم وقوتهم وسُلطانهم الخاص، لا بقوات الكفار. ويجب على الأمة الإسلامية اعتبار أمريكا وروسيا والصين، دولاً كافرة تحارب الإسلام والمسلمين، وتدعم غيرهم في محاربتهم. لذا، يجب رفض أي عروض منها للمساعدة في الحرب أو المفاوضات عن السلام، يجب على الأمة استعادة استقلالها في اتخاذ القرار، والاعتماد على مواردها المادية الهائلة وأبنائها الشجعان في الجهاد. لذا، يجب على الأمة مقاومة أي محاولات من أي قيادة، بما فيها قيادة إيران، لإعادة كذبة البراغماتية، ومنح الدول الكافرة سبيلاً على المؤمنين. جريمة نكراء أن يُخْسَرَ على طاولة المفاوضات ما يُكْسَبُ على ساحة المعركة لمن لا يخاف إلا الله ﷻ.

 

4- وجوب البيعة والخلافة: قال النبي ﷺ: «وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» رواه مسلم. ورغم جواز الجهاد تحت الحاكم الظالم كحكام المسلمين الحاليين، من غير المحتمل أن يحشد الحكام الحاليون بما يأمر به الإسلام. بل إنهم كبحوا الجيوش لأكثر من عامين، وهم الآن يمهدون لتوسع احتلال كيان يهود. لذا، يجب على الأمة الإسلامية خلع حكامها الحاليين وإقامة الخلافة على منهاج النبوة. وواجب شرعي وجود بيعة لخليفة في كل عصر، والحد الأقصى لغيابها هو ثلاثة أيام ولياليها. لكن مرّ أكثر من 105 سنوات هجرية، وتسبب غياب الخلافة بغياب كثير من الفرائض، بما فيها الجهاد.

 

5- النصر من عند الله: قال الله ﷻ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾، أما النتيجة المحتملة أو غيرها بعد أداء الواجبات الشرعية والتجهيزات المادية، فالأمة الإسلامية تعتمد على الله ﷻ في النصر. ونصر الله ﷻ وحده الذي يدفع مكر الكافرين، بما فيه الدور الماكر للصين وروسيا وأوروبا للاستفادة من الأزمة على حساب أمريكا، ومحاولات أمريكا إثارة عملائها في إيران للانقلاب وسط حرب استنزاف وحشية. لذا، كان الجيش الإسلامي، الذي يقوم جنوده بالليل يدعون للنصر، ثم يهاجمون العدو في الفجر حتى يهزموه.

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مصعب عمير – ولاية باكستان

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

الخصم يدفع المتشددين إلى السلطة!

 

في الصراعات السياسية الكبرى لا تكون المواجهة دائماً عسكرية ومباشرة. كثيراً ما تلجأ القوى المتصارعة إلى أساليب أكثر تعقيداً، أحدها دفع الخصم لأكثر خصومه تشددا إلى السلطة.

 

هذه الاستراتيجية تقوم على فكرة بسيطة: عندما يصل التيار الأكثر تطرفاً إلى قيادة الدولة، فإنه غالباً ما يقودها إلى مسار من الصدمات المتتالية والعزلة السياسية، ما يسرّع إنهاكها من الداخل.

 

في البداية يبدو صعود التيار المتشدد وكأنه انتصار داخل الحركة؛ إذ عادة ما يمتلك خطاباً حاداً وشعبية في أوساط القواعد الأكثر حماسة. لكن المشكلة تظهر عندما يتحول هذا الخطاب إلى سياسة حكم أو إدارة دولة. حينها تتقلص مساحة التوافق السياسي، وتصبح القرارات أكثر اندفاعاً، خاصة عند غياب المشروع والمبدأ الثابت. وعندها تتحول الدولة إلى كيان يعيش في حالة مواجهة دائمة مع محيطه. ومع مرور الوقت، ومع ازدياد الضغوط والتضييق، تتحول هذه المواجهة إلى عبء سياسي واقتصادي وأمني يصعب تحمله. عندها يدخل صانع القرار في دهاليز السياسة دون وعي مسبق، فيصبح مقيد القرار بين خيارين كلاهما مرّ، فينساق ضمن هذه الدهاليز إلى غير ما يصبو إليه، مع إغفال حالات العمالة والخيانة.

 

ولهذا نجد في كثير من التجارب السياسية أن سقوط المشاريع الكبرى لم يحدث فقط بسبب قوة الخصوم، بل أيضاً بسبب اختياراتها الداخلية عندما صعدت أكثر التيارات تشدداً إلى القيادة. في هذه اللحظة يصبح المتشدد - من حيث يدري أو لا يدري - أداة لتسريع إنهاك المشروع الذي يدافع عنه. فبدلاً من توسيع القاعدة السياسية للحركة يضيّقها، وبدلاً من تخفيف الصراعات يضاعفها.

 

وإذا كانت نظرية دفع الخصم المتشدد نحو السلطة حاضرة في التحليل السياسي، فإن بعض التجارب في المنطقة تُطرح أحياناً كمثال على هذا المسار.

 

وهنا سأعرض ثلاث حالات يمكن أن ينطبق عليها هذا التحليل، بعيداً عن اتهامات العمالة أو الخيانة.

 

حركة حماس

 

تُعد حركة حماس واحدة من أكثر التجارب تعقيداً في تاريخ الجماعات المسلحة في المنطقة. فقد بدأت الحركة كجزء من المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال اليهودي؛ إذ نشأت عام 1987 في سياق شعبي واسع خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى. في تلك المرحلة كان خطابها يقوم على المقاومة المسلحة والهوية الإسلامية، وقد استطاعت أن تكسب قاعدة شعبية واسعة في فلسطين.

 

لكن التحول الكبير حدث بعد مشاركتها في الانتخابات التشريعية الفلسطينية عام 2006، والتي فازت بها بشكل مفاجئ. هذا الفوز أدخلها في صراع سياسي داخلي مع حركة فتح، وانتهى بسيطرتها على قطاع غزة عام 2007. ومنذ تلك اللحظة تغيرت طبيعتها جذرياً؛ إذ تحولت من حركة مقاومة إلى سلطة حاكمة. وبالتالي تغيرت طبيعة التحديات التي تواجهها. فبدل التركيز على العمل العسكري فقط، أصبحت مسؤولة عن إدارة اقتصاد محاصر، وتوفير الخدمات للناس، والحفاظ على الاستقرار الداخلي، والتعامل مع الضغوط الدولية... أي أنها أصبحت تعمل ضمن ظروف شديدة القسوة.

 

وهنا ظهرت معضلة استراتيجية واضحة: هل تبقى حركة مقاومة تقاتل باستمرار؟ أم تتحول إلى سلطة تسعى إلى الاستقرار؟ في هذه الحالة - وبشكل غير مباشر - خدم هذا الواقع خصومها؛ إذ يعتمد الخصم دائماً على وجودها في الحكم لتبرير استمرار الحصار، وإضعاف البنية الاقتصادية لغزة، وتقليص الدعم الدولي للقضية الفلسطينية... وغيرها.

 

فالحركة التي نشأت أساساً لمقاومة الاحتلال أصبحت تدير منطقة محاصرة، وهذا أدى إلى ظهور عدة عوامل، منها: تضخم الأجهزة الأمنية داخل غزة، وتراجع الحيز السياسي الداخلي، وتزايد التوتر بين متطلبات الحكم ومتطلبات المقاومة. وهنا نلاحظ أن الحركة حين تتحول إلى سلطة تبدأ في اتخاذ قرارات قد تتعارض مع طبيعة المشروع الذي أنشأها.

 

والسؤال هنا: هل كانت حماس ضحية استراتيجية دفع نحو السلطة؟

 

والواقع أمامنا اليوم قد يجيب عن هذا السؤال بقوة، مع التأكيد على تقديرنا لتضحياتها.

 

هيئة تحرير الشام

 

انتقلت هيئة تحرير الشام من تنظيم نشأ في بيئة جهادية خلال سنوات الحرب السورية إلى كيان مرّ بعدة مراحل من إعادة تشكيل نفسه سياسياً وتنظيمياً. ومع مرور الوقت أصبحت القوة العسكرية الأبرز في محافظة إدلب، ما دفعها إلى إنشاء مؤسسات مدنية وإدارية لإدارة المنطقة.

 

هذا الانتقال من تنظيم مقاتل إلى سلطة محلية خلق تحديات معقدة، منها إدارة مجتمع متنوع سياسياً وعرقياً، والتعامل مع الضغوط الإقليمية والدولية، وضبط الفصائل المسلحة الأخرى داخل المنطقة.

 

ومع تطور الأحداث، وانتقالها إلى موقع السلطة بعد سقوط النظام السابق، وجدت نفسها مضطرة إلى اتخاذ قرارات براغماتية قد تتعارض مع خطابها الأول.

 

وهنا تظهر الإشكالية الأساسية: حين يتحول التيار الأكثر تشدداً إلى سلطة، فإنه يبدأ تدريجياً في تفكيك البيئة الثورية التي نشأ منها، سواء عبر الصراعات الداخلية، أو عبر محاولات إعادة ضبط المجتمع تحت سلطة جديدة.

 

والحال في سوريا اليوم أمامنا، وهو حال يدمي القلب.

 

حالة إيران

 

أما في حالة إيران، فإن النظام الذي تأسس عام 1979 قام على مزيج معقد من المؤسسات الدينية والسياسية والعسكرية. ولعقود طويلة كان علي خامنئي يمثل مركز التوازن بين هذه القوى، وخاصة في علاقته مع الحرس الثوري.

 

ومع انتقال الحكم إلى مجتبى خامنئي، وهو ما لم يكن ليحدث إلا في ظروف استثنائية، فإننا نكون أمام حالة أخرى يمكن قراءتها ضمن فكرة دفع المتشدد نحو السلطة. فمجتبى خامنئي يُنظر إليه على أنه قريب من الحرس الثوري، الأمر الذي قد يعزز نفوذ هذا التيار داخل بنية النظام.

 

هذا التحول قد يدفع إلى تبني سياسات أكثر صدامية على المستوى الإقليمي والدولي، خاصة في ظل التوترات المستمرة. لكن المشكلة الأعمق لا تتعلق فقط بالسياسة الخارجية، بل أيضاً بالتحديات الداخلية التي تواجهها البلاد، مثل: الضغوط الاقتصادية، العقوبات الدولية، التوترات الشعبية، الصراع بين التيارات المحافظة والإصلاحية والمتشددة.

 

فالنظام الذي يعتمد بشكل متزايد على القوة الأمنية والعسكرية للحفاظ على استقراره قد يجد نفسه، مع مرور الوقت، في مواجهة أزمات أعمق؛ لأن التشدد الذي يهدف إلى حماية النظام قد يتحول تدريجياً إلى أحد عوامل إنهاكه.

 

في كثير من الصراعات لا تكون الهزيمة نتيجة ضربة خارجية واحدة، بل نتيجة مسار طويل تتراكم فيه الأخطاء والاختيارات. وعندما يصل التيار الأكثر تشدداً (وهو لا يحمل مشروعاً مبدئياً واضحاً) إلى القيادة، يظن أنه يحمي المشروع، بينما قد يكون في الحقيقة يدفعه نحو أكثر الطرق صداماً وعزلة.

 

لذلك أحياناً لا يحتاج الخصم إلى إسقاط مشروعك بنفسه؛ يكفيه أن يترك أكثر تياراتك تشدداً يقوده حتى النهاية.

 

ولو أنهم اتبعوا منهج رسول الله ﷺ والتزموا بالحكم الشرعي لكانت الكلفة أقل بكثير مما ندفعه اليوم. والحمد لله أن هناك حزباً كحزب التحرير قد أعد مشروعا مستنبطا من الكتاب والسنة والتزم طريقة رسول الله ﷺ لاستعادة حكم الإسلام وإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة.

 

والنصر قادم بإذن الله رغم كيد الكائدين ومكر الماكرين. قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾.

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نبيل عبد الكريم

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم 

علماء الأمة طليعة الصراع لإعادة السيادة للشرع

وإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة

 

 

لم يكن الصراع في تاريخ المسلمين مجرد مواجهة عسكرية بين جيوش، بل كان في جوهره صراعاً على السيادة: أهي للشرع أم للهوى؟ أهي للوحي أم للأنظمة الوضعية؟ ومن هنا كان دور العلماء في الإسلام دوراً محورياً، ليس بوصفهم وعّاظاً يُذكّرون بالأخلاق الفردية فحسب، بل بوصفهم حملة دعوة، يبيّنون الحكم الشرعي في واقع الحياة، ويحاسبون الحاكم على أساس الإسلام، ويقفون سدّاً منيعاً أمام أي انحراف عن تطبيقه.

 

إن الإسلام عقيدة ونظام، ودين هو أساس الدولة، ومجرد حصره في دائرة الشعائر يُعدّ مسخاً لحقيقته. فالله سبحانه أنزل القرآن ليحكم به بين الناس، وجعل الحكم به فرضاً، كما جعل الصلاة والزكاة فرضاً. ومن هنا فإن وظيفة العالم ليست محصورة في الفتوى الفردية، بل تتعداها إلى بيان الأحكام المتعلقة بالحكم والاقتصاد والسياسة الخارجية، وكشف مخالفة الحكام إن وقعوا في تعطيل الشرع أو استبداله.

 

عندما اجتاح التتار ديار المسلمين، لم تكن المشكلة عسكرية بحتة، بل كانت سياسية وفكرية؛ إذ أعلنوا إسلامهم في بعض المراحل، لكنهم حكموا بقوانينهم المعروفة بالياسق، فجمعوا بين الانتساب الشكلي إلى الإسلام والتحاكم إلى غيره. في هذا السياق برز موقف العز بن عبد السلام الذي جسّد معنى العالم العامل؛ فلم يساير السلطان حين خالف الشرع، ولم يكتفِ بالوعظ العام، بل أعلن بوضوح أن الطاعة إنما تكون في المعروف، وأن الحاكم إذا انحرف عن أحكام الإسلام وجب تقويمه ومحاسبته.

 

وكذلك كان موقف ابن تيمية حين واجه التتار، فقرّر أن دعوى الإسلام لا تغني شيئاً إذا لم تترجم إلى تحكيم كامل للشرع. لقد بيّن أن الحكم بما أنزل الله ليس خياراً سياسياً، بل فريضة شرعية، وأن تعطيله يغيّر طبيعة الكيان السياسي من دولة إسلامية إلى كيان يحكم بغير الإسلام، ولو رفع بعض الشعارات الدينية. كان موقفه منطلقاً من فهم عميق لمفهوم السيادة في الإسلام، حيث السيادة للشرع لا للشعب ولا للحاكم، والسلطان للأمة تنيب عنها خليفة يطبق أحكام الله.

 

إن هؤلاء العلماء لم يكونوا رجال دين بالمعنى الكنسي، ولم ينفصلوا عن الشأن العام، بل كانوا جزءاً من الأمة، يمارسون واجب المحاسبة بوصفه فرضاً كفائياً إذا قام به البعض سقط عن الباقين. فالحاكم في الإسلام ليس مصدر التشريع، ولا يملك حق سنّ القوانين من عنده، بل هو ملتزم بتبني الأحكام الشرعية من الأدلة التفصيلية. فإذا تبنى ما يخالف الشرع، أو عطّل حكماً من أحكامه، وجب على الأمة وفي طليعتها العلماء أن تحاسبه وتطالبه بالرجوع إلى حكم الله.

 

أما الواقع المعاصر فيكشف انحرافاً خطيراً في موقف العلماء. فقد أقامت الأنظمة القائمة في بلاد المسلمين مؤسسات دينية رسمية، أُخضعت لإرادة السلطة السياسية، فصار كثير من المفتين موظفين، وحدود خطابهم مرسومة بسقف النظام. وغُيِّب الحديث عن وجوب تحكيم الإسلام في الحكم، واستُبدل به خطاب أخلاقي عام لا يمسّ أصل المشكلة، وهي غياب تطبيق الإسلام وقيام أنظمة على أسس وضعية من نظام الغرب الرأسمالي.

 

إن أخطر ما في هذا الواقع هو محاولة تكريس فصل الدين عن الحياة، بحيث يُسمح للعلماء بالكلام في العبادات والأخلاق، ويُمنعون من الخوض في قضايا الحكم والسياسة والسيادة والعلاقات الدولية. وهذا في حقيقته إقرار ضمني بعلمانية الحياة السياسية، ولو لم يُصرّح بهذا المصطلح. بينما الإسلام يرفض هذا الفصل من أساسه، ويجعل السياسة هي رعاية الشؤون بالأحكام الشرعية.

 

من هنا، فإن الواجب على العلماء الصادقين أن يستعيدوا دورهم الطبيعي في قيادة الأمة فكرياً، لا بالتبعية للحكام، بل بالارتباط بالأمة وقضاياها المصيرية. عليهم أن يبيّنوا أن الأنظمة التي لا تحكم بما أنزل الله أنظمة مخالفة للإسلام في أصل بنائها، وأن الواجب هو العمل لإقامة دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تجعل السيادة للشرع، وتوحد المسلمين تحت إمام واحد، وتستأنف الحياة الإسلامية في الحكم والاقتصاد والاجتماع.

 

إن إقامة الخلافة ليست شعاراً عاطفياً، بل حكم شرعي ثابت بإجماع الصحابة، حين بادروا بعد وفاة الرسول ﷺ إلى نصب خليفة قبل دفنه، إدراكاً منهم أن وجود الإمام الذي يقيم الدين وينفذ الأحكام ضرورة لا يجوز تعطيلها. وهذا الفهم ينبغي أن يكون حاضراً في خطاب العلماء، بوصفه حكما شرعيا، لا موضوعاً قابلاً للمساومة.

 

كما أن دور العلماء لا يقتصر على البيان النظري، بل يشمل المساهمة في إيجاد الوعي العام على ضرورة التغيير الجذري، وفضح المفاهيم المغلوطة التي تُسوِّق لفكرة الدولة الوطنية القُطرية باعتبارها مسألة حتمية. إن الحدود التي رسمها الاستعمار، وما تبعها من كيانات سياسية مجزأة، ليست من الإسلام في شيء، بل هي واقع فُرض بالقوة، واستمر عبر أنظمة تحمي مصالح الغرب.

 

إن إعادة الوعي بمفهوم الأمة الواحدة، وبأن المسلمين جسد واحد، وبأن الأصل هو وجود إمام واحد تُعقد له البيعة على كتاب الله وسنة رسوله، هو من صميم وظيفة العلماء. فالتغيير في الإسلام يبدأ بالفكرة، ويقوم على الصراع الفكري والكفاح السياسي، لا على المساومات ولا على المشاركة في أنظمة تُشرعن الحكم بغير ما أنزل الله.

 

لقد علّمنا التاريخ أن الأمة إذا فقدت بوصلتها الفكرية ضاعت سياسياً، وأن العلماء إذا غاب صوتهم أو خضعوا للسلطان، تجرأت الأنظمة على الدين، وتمادى الحكام في تعطيل أحكامه. أما إذا صدع العلماء بالحق، وربطوا الناس بأحكام الإسلام في الحكم كما في الصلاة، فإنهم يصنعون وعياً يقود إلى التغيير الحقيقي.

 

إن المرحلة التي تعيشها الأمة اليوم تفرض على العلماء أن يكونوا في طليعة العاملين لاستئناف الحياة الإسلامية، لا أن يكتفوا بتخفيف آثار الانحراف. فالمطلوب ليس إصلاحاً جزئياً داخل منظومة فاسدة، بل تغيير جذري يعيد بناء الكيان السياسي على أساس العقيدة الإسلامية، ويقيم دولة تطبق الإسلام كاملا غير منقوص، وتحمل الدعوة إلى العالم بالدعوة والجهاد.

 

إن علماء الأمة أمام مسؤولية تاريخية؛ فإما أن يكونوا ورثة الأنبياء حقاً، يبلّغون رسالة الإسلام كاملة غير مجتزأة، ويقودون الأمة نحو وحدتها في ظل الخلافة، وإما أن يُكتب عليهم أنهم شهدوا مرحلة من أخطر مراحل التحول ولم يؤدوا فيها واجب البيان والمحاسبة. وإن الأمة التي أنجبت أمثال العز بن عبد السلام وابن تيمية، قادرة بإذن الله أن تنجب علماء ينهضون بواجبهم، فيعيدون للعلم مكانته، وللشرع سيادته، وللأمة وحدتها وكيانها السياسي الجامع.

 

﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

محمود الليثي

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

إلى متى الركون للأمن الوهمي الذي يقضي بتحقيق مصالح الكافر المستعمر في بلادنا ولو على حساب دماء جميع المسلمين؟!

 

صرّح رئيس حكومة يهود نتنياهو في 23 شباط 2026 بأنَّ كيانه يعمل على تشكيل محور إقليمي جديد لمواجهة ما وصفه بـ"المحور الشيعي المنهار" و"المحور السني المتشكل".

 

هذه النظرة العدائيةُ الشاملةُ التي لا تفرق بين مسلم ومسلم، تُرجمت ميدانياً يوم السبت 28 شباط 2026 عبر هجومٍ وحشي مشترك تحت مسمى "زئير الأسد" صهيونياً، وأمريكياً بـ"الغضب الملحمي". وأكدت منظمة الهلال الأحمر الإيراني ارتقاء أكثر من 1230 شهيداً، كان أبشع فصولها المجزرة الصاروخية التي استهدفت مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب، حيث ارتقت 175 من الطالبات والكوادر التعليمية في اليوم الأول للحرب؛ ليسطّروا بدمائهم شاهداً جديداً في ملف فجور هذا العدو الصليبي واستباحته لدماء المسلمين.

 

إن ما يجري اليوم في إيران، ليس مجرد جولة عسكرية عابرة، بل هو كشفٌ ربانيٌّ يُعرّي بشاعة العدوِّ في سُعارِ حقده ووحشيته، وفضحٌ إلهيٌّ يُبدي خيانة الأدوات التي ارتهنت لملفات مخزية وأدمنت السير في ركاب أعدائه. فبينما يتبجح نتنياهو بمحاور وهمية، واصفاً إيانا بـ"شيعة منهارة، وسنة متشكلة"، فإنهم في الحقيقة لا يرون فينا إلا جسداً واحداً - وإن كنّا مُمزَّقين سياسياً - يستهدفونهُ عضواً عضواً؛ تحقيقاً لمصالح الكافر المستعمر كغاية آنية في ضرب ملامح أي قوة تظهر في جسد الأمة تُنبئ بتهديدها مستقبلا، ومحاربة الإسلام كمبدأ سياسيّ عالمي؛ للحيلولة دون مسعى الأمة لإيجاد أهل نصرةٍ ومنعة من إخوانهم، يُؤمنون بالفكرةِ ويتبنونها، لتتوج نُصرتُهم بإقامة نواتها الأولى على منهاج النبوة، وتُجسَّد واقعاً إسلامياً في معترك الحياة؛ فتكسر شوكة الطغيان، وتُخضع جبروت منظومته الوضعية لحكم عدل الإسلام؛ ليشرق فجر الحقِّ مهيباً يحمي الإنسان، ورحيماً يُداوي جراح الأمة، وقاهراً يقتلع عروش الظلم من أركانها؛ ظاهراً يخشاهُ الباطل، ساطعاً نورُ عدله، ليكون للعالمين هُدىً ورحمة.

 

إن هذا التصريح الخبيث هو فخ العصبية الذي نصبته أمريكا، وزرعته وغذته عبر إعلامها وأدواتها الرخيصة بجميع الوسائل والأساليب، لتنشغل الأمة بخلافاتٍ فرعية وتتنازع فيما بينها فتفشل وتذهب ريحها في مهبِّ أهواءِ الأمم، بينما ينقضُّ سُعار إجرامِهم ويعلو زئيرُ غدرِهم على أطفالنا ونسائنا ومقدساتنا، مصداقاً لقول الحق سبحانه في وصف عداوتهم الأبدية للأمة بأنهم ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلّاً وَلَا ذِمَّةً وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾. فمن سمح للكافر أن ينهش لحم أخيه اليوم بدعوى "المصالح الوطنية الكاذبة"، فليستعدّ لدوره، ولينتظر خزياً في الدنيا وعذاباً في الآخرة؛ يَسوقُه إليهِ تحذيرٌ صريحٌ من رسول الله ﷺ: «مَا مِنْ امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرَأً مُسْلِماً فِي مَوْضِعٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ إِلَّا خَذَلَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ...».

 

وهنا يا أمة الإسلام تبرز الحقيقة الجلية التي تأبى الأنظمة الوظيفية إدراكها؛ وهي أنَّ الركون إلى "الوهم الأمني" والتخاذل تحت عباءة المصالح المشتركة، وإبقاء القواعد الأمريكية جاثمة على جسد الأمة الممزق بدعاوى الالتزام بأُسس دساتير الاستقلال الوطني الكاذب والخاضع، هي لتحقيق مصالح الكافر المستعمر في بلادنا.

 

وأيُّ خيرٍ يُرتجى من حكام عبارة عن قطع غيار في ماكينة دولية طاغوتية تعبر عن الجور والظلم وسحق القيم، وحقائق الأحداث تبرهن ذلك، فرغم توعد نتنياهو لـ"أخوات الدوحة الناعمة" التي استهدفها في التاسع من أيلول 2025 بأنهم هم الهدف التالي؛ غير مفرقٍ بين خادمٍ أو تابع في سبيل تحقيق أباطيله التوراتية، تجدهم يخرجون في بيانٍ مشتركٍ مع قتلة المسلمين على صفحة سفارة أمريكا في القاهرة في 2 آذار 2026، تدين فيه أمريكا وعدد من الأنظمة العربية الهجمات الصاروخية على أراضٍ ذات سيادة! حيث حذرت خارجية الرياض في بيان آخر من عواقب استمرار انتهاك "القانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة"؛ في محاولة بائسة لالتماس "الأمن" من أروقة الطاغوت الدولي، متناسين أنَّ المنعة والحماية لا تُستجديان ممّن يغرس النصل في خاصرة الأمة، بل ضاع منهم الأمن الحقيقي الذي لا يُنال إلا بإخلاص الولاء لله ورسوله: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً﴾.

 

نعم، في الحقيقة هذا البيان المشترك دعوةٌ مفتوحةٌ للذبح، وانتظارٌ للدور في طابور التصفية. فكيف يستقيم في عقل مسلم أن تُدان صواريخ تؤلم العدو الصليبي وتصمها بـ"انتهاك السيادة" أنظمة تفتح أجواءها وأرضها لطائرات أمريكا وكيان يهود؟! لتنطلق منها لحرق بلاد المسلمين؛ واليوم إيران رغم تخادم نظامها مع أمريكا في ملفات وأماكنَ شتّى. وما كان ردُّ طهران حينها إلا وفق ما صرحت به خارجيتها في 28 شباط 2026، مؤكدةً أنَّ الرد حقٌ مشروعٌ تكفله "المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة"؛ وهي بهذا تُظهر أن الرد - مهما كانت قوته - لا يزال يَنكفِئ خلف سياج التبعية المخزية لقوانين الطاغوت التي وضعها المستعمر الكافر ليحكم بها قبضته على بلادنا.

 

وإن اللوذ بمواثيق الأمم المتحدة والعمل بموجبها هو استظلالٌ بفيء الطغيان، وعملٌ لا يؤيده الله بنصر، بل يورث الخذلان؛ لأن من يطلب العدل من أروقة الطاغوت كمن يطلب الأمان في خيوطٍ نسجتها رياح الأوهام. أما والله، فإنه لا نصر لأمة الإسلام إلا عندما تخلع عنها أسمال التبعية الدولية وتبدأ المعركة بسم الله ولإعلاء كلمته، لا برضا مجلس الأمن ولا بمواثيق المستعمر وشرعته الدولية؛ فكلُّ قوةٍ تُستمدُّ من غير الله هي هباء، وكلُّ حصنٍ يُشادُ على أُسسِ شرائع الكفر هو بيتُ عنكبوتٍ تذروه رياح الحق، كما يصف الله سبحانه حال الراكنين إلى غير حِماه، المُنقادين لِمواثيقِ أعدائه: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.

 

وعليه؛ فإنه لا سبيل لتمزيق هذه الخيوط الواهية وإسقاطِ طواغيتها إلا بزمجرةِ المدافع وهديرِ الصواريخ التي لا تُدوي إلا بسم الله؛ استجابةً لنداء الحقِّ المستنهضِ للهمم، الذي لم يترك لمسلمٍ عُذراً في قعود، ﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً * الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً﴾ فيا أهل القوة والمنعة، إنَّ الكيد الذي ترهبون واهٍ كنسجِ العنكبوت أمام صدقِ اليقين، فليكن زحفكم نُصرةً للدين وطمعاً في جنة رب العالمين، وحذراً من وعيدٍ لا يُردُّ عمن نكص عن نصرة دينه، ﴿إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

 

وإنا نذكركم يا مَن لا تُذعنون إلا لصوت الحق، بأن دماء الـ175 طفلة مسلمة في ميناب بإيران، تلك الأرض الإسلامية التي فتحها المسلمون يوم أن كانوا أمةً واحدة، زاحفين بأمرِ خليفتِهم الذي بايعوه على تطبيق الإسلام وحمله رسالة هدىً ورحمة للعالمين، حينها جُلِب تاجُ كسرى وسواراهُ إلى قلب دولة الإسلام، وأُلبسا لشيخٍ ضعيفٍ تحقيقاً لوعدِ اللهِ وتصديقاً لنبوءةِ رسولِه ﷺ؛ لتغدو منذ ذلك الحين عبرةً خالدةً لكلِ طغاة الأرض، ومقبرةً لكلِّ عصبيةٍ جاهليةٍ وقوميةٍ نتنة، وجزءاً أصيلاً من حِمى دولة الإسلام الراشدة.. تصرخ اليوم بآصرة العقيدة ورابطة الدين في وجه كل متخاذلٍ يبرر صمته بـ"العدو المشترك" أو الاختلاف الطائفي؛ فالمسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يسلمه لعدوه، كما أخبرنا الصادق المصدوق ﷺ: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ». إن دم المسلم عند الله أعز وأغلى من الدنيا وما فيها، ومن العجز أن نرى حرماتنا تُستباح ونحن نعد القتلى ببرود، وقد قال ﷺ في عظمة هذا الدم: «لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ».

 

خطابنا للعقلاء، أُولي البقية من أبناء أمتنا: إن الواجب الشرعي الملحَّ اليوم على أهل القوة والمنعة في جيوش الأمة هو كسر طوق هذه السجون الوطنية النتنة، واقتلاع القواعد الشيطانية من جذورها، والالتحام المباشر مع العدو الصليبي وربيبه كيان يهود في معركة عقائدية لا تعترف بحدود سايكس بيكو، بل تعترف فقط براية رسول الله ﷺ وبوعد الله الذي لا يتخلف: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾.

 

لذا فإنه لا مخرج من هذا التيه ولا أمن حقيقياً يلوح في الأفق إلا بتمكين الإسلام في دولة تجسده في واقع الحياة بدستور على أساس عقيدتنا الإسلامية الجامعة المانعة، ليخضع الحاكم والمحكوم فيها لعدل الإسلام وتنصيب "رأس" بالطريقة الشرعية لهذا الجسد المقطع، فعندما تقيم الأمة خلافتها الراشدة على منهاج النبوة؛ ستصهر القوى، وتوحد الجيوش، ويوجّه السلاح الذي اشتُري من ثروات الأمة نحو قلب العدو الحقيقي، عدو الملة والدين، وتعود أمة الإسلام أمة قائدة رائدة كما يريدها الله لا كما يريدها أعداؤها أمة ضعيفة تابعة مستباحة الأرض والعرض والدين.

 

وإن المعركة التي تلوح في الأفق قريباً بإذن الله على أيدي المؤمنين المتوضئة بنور الإسلام، الغاسلة لتبعية الطغيان، هي معركة الفرقان؛ معركة لتمكين مشروع دستور الإسلام وإقامة القسط والعدل بين الناس. ونحن في شهر الفتوحات شهر البركات، فليكن ردنا بالمستوى اللائق بأمة واحدة مجاهدة، خير أمة أخرجت للناس. فلنكن على قدر المسؤولية التي حمّلها لنا الله جميعاً؛ قبائل وأحزاباً وجماعات وأفراداً، نساءً ورجالاً وكل الشباب، كلٌّ في موقعه الإعلامي والمجتمعي والتربوي، انسلاخاً وابتعاداً عن التفاهات والبرامج المرسخة لها ولثقافة التمزيق في أذهان شباب أمتنا لسلخهم عن حمل همّ قضايا أمتهم، وحملاً لدينهم الحنيف بمسؤولية وتجسيده في كل مجالات الحياة، والعمل المنظم المنتج لعزة الأمة مع العاملين الجادين المخلصين لتمكين الإسلام في دولة راشدة مع الأمة وبها حزب التحرير الطليعة الرائدة الذي لم ولن يكذب أهله يوما رغم تعتيم الإعلام لعمله وتشويهه وطغيان كل حكام العار على شبابه؛ خشية من استجابة الأمة وقيام دولة راشدة تعبر وتمثل عن مبدئها وتستأنف الحياة الإسلامية في جميع مجالات الحياة من جديد، فيُعَزُّ فيها المؤمنون، ويُنصرُ في ظلِّ رايةِ عقيدتِنا المستضعفون، ويُذلُّ بأقدام جيشها كلُّ الظالمين، قال سبحانه: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾.

 

فلا تنتظروا يا شباب الإسلام وحراسه، ولا تركنوا إلى إدارات الأنظمة الجائرة التي يحسب بعضهم أنهم يحسنون صنعاً بإدانتهم وتضامنهم الفارغ الذي لا ينصر مظلوما ولا يرفع ظُلما ولا يحرر مقدساً ولا يعصم دما مسلما، ظناً منهم أن الأمن الوهمي القائم سيعصم نحورهم من كيد الكافرين الراكنين إليه، وهبوا إلى ركب حملة الدعوة المخلصين لننال معاً شرف العمل لاستئناف الحياة الإسلامية ويكرمنا الله بإقامة دينه ملة إبراهيم حنيفاً مسلماً.

 

فالخلافة التي نسعى لإقامتها اليوم لا تُعبر عن طائفةٍ دون أخرى، سنةً كانت أم شيعة، بل تُعبر عن مبدأ أمةٍ إسلاميةٍ واحدة؛ رئاسةٌ عامة لجميع المسلمين في الأرض قاطبة، وهي تلك الخلافة التي ستُنسي أمريكا الجائرة وأعداء الإسلام الطغاة وساوس الشيطان، ولن يُنسيهم إياها إلا هي، تماماً كما أنسى خليفةُ المسلمين الروم وساوس الشيطان بـخالد بن الوليد قائد جيش الإسلام الرشيد ورايته العظمى.

 

وبمثل ذاك البأس وهذا اليقين، تتأهب أمتنا اليوم لتكون على موعدٍ مع فجرٍ يُنسي أمريكا وأذنابها وساوس شياطينهم؛ وليس هذا رجماً بالغيب أو تمنياً على أطلالِ الماضي، بل هو يقينٌ يستندُ إلى مُحكمِ الوحي وبشرى الصادق المصدوق ﷺ الذي صدقَ قولُه وحقَّ فعلُه، إذ قال في حديثِهِ الشريف الواصف لأطوار الحكم في أمتنا، والمبشرِ بعودة عزّها بعدَ عهود الجورِ والطغيان لتكون خاتمةً للآلامِ وفاتحةً لبركات الرحمن وخيره: «تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكاً عَاضّاً فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكاً جَبْرِيَّةً فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ. ثُمَّ سَكَتَ».

 

وذلك المسعى كلهُ الذي ندعوكم إليه يا خير أمة أخرجت للناس هو ابتغاء لمرضاة الله وطمعاً في جنّته، وعيش عزٍّ وخيرٍ وسعادةٍ لا نذوقُها إلا بتمام الامتثال لأمره والانتهاء عما نهى عنه. وهذا يقتضي منّا اليومَ احتضانَ مجاهدينا المخلصين، ودفع أهل القوة والمنعةِ والسير معهم للقيامِ بواجبِهم الدينيِّ الأصيل في نصرةِ الدين وتمكينِه، وخوضِ غمارِ الزحفِ المقدس القائمِ على أساسِ العقيدةِ الإسلامية الذي ينسف دساتير أساسها الوطنية الخاضعة لطاغوت الأمم المتحدة، والتوجه دون سابق إنذار امتثالاً لأمر الله، والزحف الجبار الذي لا يُبقي للقواعد الأمريكية ولا لكيان يهود ونفوذهم باقية على أرضنا الإسلامية كلها ومنها أرض الإسراء والمعراج، إيماناً وتصديقاً وعملاً بقوله عز وجل: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾.

 

هذا بلاغٌ للأمة، وإنذارٌ للحكام، ونداءٌ للجيوش؛ فمن نصر دين الله وعمل لتمكينه اليوم في دولة راشدة تتبنى جميع قضايا الأمة ليَنصرنّهم الله وليثبّتن أقدامهم، ومن تخلف فلا يلومنَّ إلا نفسه حين يحيق به مكر الكافرين. نقول بقول الله سبحانه: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سيف مرزوق – ولاية اليمن

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

النّظام الاجتماعي في الإسلام

بناء محكم للأسرة وركيزة لصلاح المجتمع

 

 

لقد أنعم الله علينا وكفانا بوصفنا مسلمين، مشقّة البحث عن نظام يسيّر حياتنا وينظّمها تنظيما محكما لا خلل فيه. فبعث لنا دستورا سماويّا تركه فينا حبيبه المصطفى صلوات الله وسلامه عليه الذي أكّد لنا أنّنا لن نضلّ ولن نشقى إن عملنا به ولم نتخلّ عنه «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَبَداً: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّتِي».

 

فالتّمسك بالقرآن الكريم واتّباع سنّة النّبي ﷺ هو ما يعصم المرء من الانحراف والضّلال. وهو وحده المنقذ من الظّلمات والهادي إلى الصّراط المستقيم. هو الضّمان لتحقيق السّعادة في الدّنيا والفوز والفلاح في الآخرة. كيف لا وهو نظام الحكيم الخبير؟! كيف لا وهو من لدن العليم القدير؟!

 

لقد خلق الله عباده وأرسل لهم نبيّه ليبيّن لهم طريق الرّشاد ويهديهم إلى ما ينالون به الفردوس الأعلى يوم اللّقاء والميعاد. وضع لهم نظاما متكاملا ينظّم حياتهم ويمدّهم بالحلول والمعالجات حتّى يعيشوا الحياة التي يرضاها لهم وترضيهم... حياة طمأنينة توافق الفطرة وتقنع العقول فيحيون في توازن لا اهتزاز فيه.

 

شمل هذا النّظام المتكامل كلّ جوانب الحياة السّياسيّة منها والاقتصاديّة والاجتماعيّة وكانت أحكامه تعالج كلّ مسألة تطرأ على حياة النّاس إذ يبذل المجتهدون ما في وسعهم للبحث عن حكمها وفق ما جاء في كتاب الله وسنّته.

 

من هذا النّظام الكامل الشّامل النّظام الاجتماعيّ الذي فصّله الله سبحانه وتعالى وجعل له أحكاما واضحة تشجّع على الزّواج وبناء الأسرة المسلمة وتمكّن من الحفاظ على وحدة هذه الأسرة وتناغمها، وتعمل على دعم الحياة الأسريّة وترابطها.

 

فالنّظام الاجتماعيّ هو النّظام الذي ينظّم اجتماع المرأة بالرّجل والرّجل بالمرأة، وينظّم العلاقة التي تنشأ بينهما عن اجتماعهما، ويبيّن كلّ ما يتفرّع عن هذه العلاقة، فهو العلاج للمرأة المسلمة والرّجل المسلم اللّذين يعيشان في طراز معيّن أوجبه الإسلام، ويتقيّدان بأحكامه.

 

إنّ النّظام الاجتماعيّ في الإسلام - ولأنّه من لدن الخبير العليم - هو النّظام الوحيد الذي يضمن العيش الهنيء فأساسه الالتزام بالأحكام الشّرعيّة والسّعي لنيل رضوان الله بالقيام بأوامره واجتناب نواهيه. وهذا النّظام يتعامل مع الإنسان باعتباره إنسانا مهما كان جنسه (ذكرا كان أو أنثى) ويبيّن له طرق التّمتّع بالحياة وملذّاتها دون المساس بالجماعة والمجتمع ويجعل العلاقة بين الجنسين علاقة تعاون وتكامل حتّى يعمّ الخير جميع أفراد المجتمع.

 

حدّد الإسلام علاقة الجنسين بالزّواج حتّى تلفّها الطّهارة والتّقوى وتضمن بناء مجتمع نقيّ من الفساد والعلاقات غير الشّرعيّة التي تهدم الأسر وتقوّض أسس المجتمع كما أمر الشّباب بالعفّة وصون العرض «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ! مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ».

 

فالزّواج يحفظ النّسل ويعمّر الأرض ويصلحها، وبه يحصل التّكاثر في النّوع الإنسانيّ. وقد حثّ الإسلام على الزّواج، فعن أنس رضي الله عنه أنّ رسول الله ﷺ قال: «تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ الأُمَمَ».

 

فأحكامه التي تنظّم علاقة الجنسين هي الأحكام الوحيدة التي تكفل سعادتهما وتضمن لهما الحياة الهنيئة وما دونها من أحكام وضعيّة ناقصة ستؤدّي بهما إلى الهلاك وإلى اتّباع الشّهوات والرّكض وراء الدّنيا وما فيها من مغريات. هي أحكام عديدة أوجبها الله حتّى لا يكون في اجتماع المرأة بالرّجل اجتماع أنثى بذكر فتتحوّل الرؤية رؤية جنسيّة تتحرّك فيها الغرائز ويغيب فيها الخوف من الله ومن عاقبة التّعدّي على حدوده.

 

حدّد الإسلام جملة من الأحكام الشّرعيّة حتّى يصون الفضيلة والأخلاق فأمر كلّا من الرّجل والمرأة بغضّ البصر ومنع خلوتهما وفصل بينهما في الحياة الخاصّة وجعل صلة التّعاون بينهما في المعاملات صلة عامّة... جمع بينهما بميثاق غليظ يجعل كلّ واحد منهما يخشى الله في الآخر فلا يظلمه.

 

ولقد احتاط الإسلام في اجتماع المرأة والرّجل وقدّم أحكاما تعالج كلّ ما ينتج عن اجتماعهما حتّى يبعدهما عن النّظرة المحصورة في الاجتماع الجنسيّ لترقى بهما للعيش من أجل عبادة الله وإرضائه. فالزّواج عماد الحياة الصّحيحة والسّليمة ففي ظلّه تتحقّق المودّة والسّكينة والرّحمة ويتعاون الزّوجان على الحياة حتّى يسعدا فيها ويفوزا برضوان الله. فالزّواج يجلب الرّزق ويدرأ الفقر والعوز ﴿وَانكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ويجمع بين الأفراد ويمتّن الرّوابط الأسريّة بينهم.

 

فقد بنيت الأسرة في الإسلام على المودّة والرّحمة وعلى اضطلاع كلّ من الزّوجين بمهمّته ودوره الذي أنيط به، قال رسول الله ﷺ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» فالمسؤوليّات موزّعة بينهما كلّ واحد يقوم بدوره وواجباته ويراعي حقوق الآخر ويلبّي حاجاته في وفاق وتناغم لتربية الأبناء وتنشئتهم في أسرة يسودها الوفاق والمودّة والتّلاؤم فتنتج أجيالا متوازنة تتشرّب مفاهيم دينها وتعيها مطبّقة في واقع أسرتها.

 

ببناء الأسر على هذه القوانين وهذه الأحكام يضمن الإسلام مجتمعا سليما أفراده أسوياء صالحون يسيرون في الأرض يبتغون نيل رضوان الله والفوز بجنّته فيلتزمون أحكامه ولا يتعدّون حدوده.

 

فإن استحال الوفاق بين الزّوجين وصار عيشهما معا عيش نكد وغمّ أحلّ لهما الطّلاق والتّفرّق وسنّ لكلّ ذلك أحكاما دقيقة تبيّن المعالجات الشّافية لمثل هذه المشاكل ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِّتَعْتَدُوا وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ ووضّح أنّ الانفصال إن كان بسبب استمرار الشّقاق وعدم القدرة على الصّلح، فإنّ الله يضمن للزّوجين رزقاً واسعاً من فضله وتيسيراً لأمورهما، ما يزيل الضّيق النّاجم عن استمرار زواج غير مستقرّ، مؤكّداً سعة علم الله ورحمته وحكمته. ﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلّاً مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللهُ وَاسِعاً حَكِيماً﴾. كما سنّ قوانين تضمن حياة المطلّقات فيعشن في ظلّ من فرض عليه إعالتهنّ من أهلها فإن لم يوجد كانت الدّولة ملزمة بها وبكلّ من ليس له عائل وغير قادر على أن ينفق على نفسه ويلبّي حاجياته.

 

إنّ هذا النّظام الاجتماعيّ الذي ضمن سلامة الأسرة وترابطها وحفظ حقوق الوالدين وحثّ على صلة الرّحم وعلى المعاملة الحسنة للجيران والذي عدّ ابتسامة المسلم في وجه أخيه صدقة هو نظام دقيق يجعل الحياة هنيئة تسعد النّاس وتمتّن الرّوابط والعلاقات الطّيبة القائمة على السعي لرضوان الله... وهو النّظام الوحيد الذي يكفل الحقوق ويبيّن الواجبات ويبني العلاقات ويوطّدها.

 

ولسنا هنا في موضع التّنظير والحديث عن أمر يستحيل حدوثه أو أنّنا نتحدّث فيما هو خياليّ بل إنّنا نتحدّث عن نظام وضعه خالق هذا الكون الذي صوّر هذه الحياة وسيّرها، فالأمر كلّه له وبيده كلّ شيء وهو على كلّ شيء قدير. فما أنزل من أحكام تفصيليّة تبيّن النّظام الاجتماعيّ وقوانين اجتماع الجنسين وما تربطهما من علاقات، وما أكرمنا به من نظام لحياتنا بصفة عامّة في كلّ جوانبها لا يمكن أن يأتيه الباطل ولا يمكن أن يمسّه نقصان. فهو من الخالق القادر الحكيم العليم، والله وحده له أن يضع النّظام الذي يسيّر حياة خلقه وما دون ذلك من قوانين ليس إلّا ضلالات وظلمات وانحراف عن أحكام الله.

 

ولأنّ هذا النّظام هو أفضل ما أنزل الله على عباده وخير ما أنزل على أمّة الإسلام فإنّ الله سبحانه يحبّ أن يعمّ هذا الخير وأن يكون خير خلقه هم سادة كونه يسيرون بأوامره وينشرونها رحمة وهدى للنّاس ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً. ولذلك أمر الأمّة الإسلاميّة أن تحافظ على دينه وأحكامه وتنشرها في العالم لتكون هي النّور الذي يسيرون به في ظلمات حياتهم وما انتشر فيها من فساد، ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾.

 

فليعتبر كلّ ذي بصيرة ويعي أنّه - وفي ظلّ ما تتخبّط فيه البشريّة من حروب ودمار وتيه وضياع وما يعيشه المسلمون من مآسٍ وآلام - لا سبيل إلى النّجاة إلّا في اتّباع أحكام الله التي أنزلها على عباده والسّير على خطا الرّسول عليه الصّلاة والسّلام وهديه وتجنّب كلّ ما هو من غير الإسلام ولو وافقه، فالواجب تطبيق ما أمرنا به الله وتجنّب ما نهانا عنه امتثالا لله ولا نبحث في القوانين الوضعيّة ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾.

 

 

كتبته للمكتب الإعلاميّ المركزيّ لحزب التّحرير

زينة الصّامت

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

خطبة عيد الفطر المبارك 1445هـ

حمد طبيب – بيت المقدس

 

 

الحمد لله رب العالمين...

 

الله أكبر.. الله أكبر... الله أكبر...

 

الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله وبحمده بكرة وأصيلا... لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده... لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه،

مخلصين له الدين ولو كره الكافرون...

 

الله أكبر أيها المسلمون: تقرع آذان الحكام الأذلاء الجبناء الرويبضات، صباح مساء، الله أكبر من خياناتكم، من مؤامراتكم، ومن وقوفكم في صف يهود، وأمريكا ومنشايعها وناصرها...

 

الله أكبر أيها المسلمون: ترتفع فوق الغمام، ترفع بها أصوات المظلومين من غزة هاشم، يقولون: ربنا أفرغ علينا صبرا، وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، المجرمين، الظالمين... ربنا أجرنا من جور الكفار وأعوان الكفار ممن تآمروا علينا، ربنا أجرنا من بطش يهود، وظلم يهود وفساد يهود وشرورهم...

 

الله أكبر يرددها أطفال غزة من تحت الردم والركام: ربنا انتقم ممن قتلنا وقتل آباءنا وأمهاتنا وإخواننا... ربنا احصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تغادر منهم أحدا يا رب المستضعفين...

 

الله أكبر أيها المسلمون: تلهج بها ألسنة المسلمين في الأرض، ربنا اجعل لنا من لدنك سلطانا نصيرا، نقاتل من ورائه، ونتقي به؛ لتحرير المسرى والأسرى، وإنقاذ إخواننا في غزة هاشم وأرض الرباط؛ الأرض المباركة...

 

الله أكبر أيها المسلمون: تنادي بها حرائر المسلمين في قبضة يهود تقول بأعلى صوتها: وامعتصماه، واصلاحاه، واأمتاه، واخليفتاه... نغتصب ونمتهن، وتنتهك أعراضنا، وتسفك دماؤنا فهل من مغيث؟ هل من مجيب؟ هل من ناصر؟

 

الله أكبر أيها المسلمون: ينادي بها الجوعى والمشردون: يا أمة الإسلام، لا نجد سدادا من عيش، ولا قواما ولا كفافا، مات أطفالنا من الجوع، وقتل أبناؤنا من أجل كيس من الطحين، أين خيرات المسلمين؟ ترسل إلى كيان يهود من تركيا والأردن ومصر والإمارات ولا تصل إلينا!!

 

أيها المسلمون: يظللنا العيد بوشاح الصمت والحزن والأسى، يظللنا العيد بوشاح الخذلان من قبل حكامنا، يظللنا العيد بفقد الأحبة من شهداء وأسرى ومفقودين، يظللنا العيد بوشاح المؤامرات على الأقصى، وأرضه المباركة، من وسطاء تارة ومن رعاة السلام تارة، ومن الرباعية والثلاثية وغير ذلك... يظللنا العيد وإخوة لنا ما زالوا تحت الردم والدمار... وأمة الملياري مسلم لا تحرك ساكنا أمام حفنة ذليلة من يهود، ضربت عليها الذلة والمهانة والمسكنة إلى يوم القيامة.. أصبح المسلمون في هؤلاء وهؤلاء أضيع من الأيتام على مائدة اللئام بل أشد من اللئام!! فلا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم.

 

أيها المسلمون: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، فهذه الشدة هي مفتاح الفرج والنصر؛ ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾، «وَلَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ»، «بَشِّرْ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِالسَّنَاءِ وَالرِّفْعَةِ وَالنَّصْرِ وَالتَّمْكِينِ فِي الْأَرْضِ، فَمَنْ عَمِلَ عَمَلَ الْآخِرَةِ لِلدُّنْيَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْآخِرَةِ نَصِيبٌ»، «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ، لَعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إِلَّا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لَأْوَاءَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَذَلِكَ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَيْنَ هُمْ؟ قَالَ: «بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ». فعما قريب ستكون هذه الأرض مقبرة لليهود، تماما كما كانت مقبرة للصليبيين والمغول من قبل.

 

أيها المسلمون: لقد كانت الحرب على غزة وكافة أرض الرباط - رغم ما وقع فيها من شرور - كانت عنوانا للخير ومفتاحا له بإذن الله؛ فقد سقطت كل أفكار الغرب ومبادئه ومؤسساته الدولية، وظهر عوارها وزيفها وكذبها، وسقط الحكام في الطين والأوحال والأوساخ حتى صاروا يحاولون إنقاذ أنفسهم بالتودد والتذلل لحمايتهم من شعوبهم بإنهاء مأساة غزة هاشم ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ، وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾.

 

نسأله تعالى أيها المسلمون أن يجعل من هذه الحرب شعلة نار على رؤوس الكافرين أجمعين ومن ناصرهم من حكام المسلمين، وشعلة نور وتبصّر لأمة الإسلام تنير لها طريقها وترشدها إلى طريق خلاصها، فإن الله عز وجل لن يضيع هذه الدماء، ولن يغفل عن الظلم والظالمين ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾. ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ * فَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ﴾.

 

فإن بعد هذا الظلام الدامس فجر مشرق وضاء، وأن أشد الآلام، وأكثرها نزفا هي ما يسبق خروج المولود من رحم أمه. وهذه الآلام أيها المسلمون، وهذه الدماء هي علامات ميلاد جديد يشرق على وجه الأرض؛ فيضيء مشارقها ومغاربها... اللهم عجل لنا يا ربنا بشمس الإسلام ونور الإسلام.. اللهم آمين.

 

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم

 

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث هداية ورحمة للعالمين...

 

الله أكبر... الله أكبر.. الله أكبر...

 

أيها المسلمون: لقد أكرمكم الله عز وجل بختام صوم رمضان وقيامه، ونسأله تعالى أن تكونوا ممن أعتقت رقابهم من النيران، وممن يدخلون باب الريان بصيامهم.

 

أيها المسلمون: تذكروا وأنتم في هذا العيد الطاعة والقربى وأن تكون الفرحة تتناسب مع الأحداث الجسام التي تعصف بأمة الإسلام.

 

أيها المسلمون: كونوا بعد رمضان كما كنتم في رمضان ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ * وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.

 

وفي الختام: نسأله تعالى أن يجعل هذه الطاعات والقربات مقدمة لرضا الله عز وجل في الدنيا والآخرة، ودخول باب الريان، ونسأله تعالى أن يكرم ذوي الشهداء بشفاعتهم يوم القيامة، وأن يلهمهم الصبر والسلوان، وأن يكرم ذوي الأسرى بفكاكهم، وذوي الجرحى بشفائهم، وأن يكرم أمة الإسلام بالفرج القريب، وتحرير الأسرى والمسرى، وأن يعيد علينا العيد القادم وقد أدينا صلاة العيد في ساحات المسجد الأقصى المبارك؛ وقد تحرر من دنس يهود في ظل خلافة الإسلام، ورايات الإسلام وتكبيرات الإسلام؛ الله أكبر الله أكبر الله أكبر... وكل عام وأنتم بخير، وتقبل الله منا ومنكم الطاعات والقربات...

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

دولة الخلافة دولة مهابة الجانب

حكامها سياسيون ربانيون

 

منذ أن بُعث رسول الله ﷺ وقال له جبريل ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ كان قدر الأمة المحمدية أنها أمة "القراءة" باسم الله. وهنا ليست القراءة مجرد مطالعة الكتب أو زيادة الرصيد المعرفي، بل هي تربية سياسية لأمة اختيرت لتكون الشاهدة على كل الأمم، تربية سياسية: أي تربية على وجوب النظر إلى العالم وما يجري فيه "أي قراءة العالم" من زاوية العقيدة الإسلامية.

 

ومنذ أن بعث رسول الله ﷺ ونزل عليه قول الله سبحانه: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ والمسلمون يمارسون السياسة في الحكم والعلاقات الخارجية والداخلية على حد السواء، ولم تنفك هذه المتلازمة: الدين والحكم أو الدين والسياسة إلا بهدم دولة الإسلام.

 

قال الإمام ابن القيم في "إعلام الموقعين": "إنّ الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلّها، ورحمة كلّها، ومصالح كلّها، وحكمة كلّها، فكلّ مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث؛ فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل، فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظلّه في أرضه، وحكمته الدّالة عليه وعلى صدق رسوله ﷺ أتم دلالة وأصدقها، وهي نوره الذي به أبصر المبصرون، وهداه الذي به اهتدى المهتدون، وشفاؤه التام الذي به دواء كل عليل وطريقه المستقيم الذي من استقام عليه فقد استقام على سواء السبيل".

 

إنَّ استعادة الأمة لسلطانها وممارستها للسياسة التي هي النظر للأمور من زاوية العقيدة الإسلامية، لتسوس العالم بالوحي، ليست خياراً فكريَّاً أو مطلباً ثقافيَّاً، بل هو ضرورة حضارية، وفريضة شرعية، واستجابة وجودية لأمّة تبحث عن ذاتها بعد قرونٍ من التغريب السياسي، والتبعية الفكرية، والانشطار المفاهيمي بين الدين والدولة.

 

ولن يكون للأمة حضور فاعل في العالم يناسب رسالة الاستخلاف التي ابتعثها الله بها، ولا مستقبل كريم يليق بكونها أمة الوحي التي تحمل خاتمة الرسالات ولديها مهمَّة الشهادة على الأمم يوم القيامة، ما لم تحزم أمرها وتقيم دولة تطبق الوحي وتحمله للعالم بالدعوة والجهاد رسالة هدى ونور تخرجه بها من ظلمات "الإبستينيين" إلى نور الإسلام ورحمته.

 

هذه المفاهيم ليست مجرَّد أمانٍ ولا خيالات، بل هي فروض ستظل معلقة على عاتق المسلمين حتى يقرروا أن يكونوا على قدر المسؤولية، ويعتصموا بحبل الله. فإن الله سبحانه قال لهم: ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾.

 

وإن كانت نزلت هذه الآيات في زمن الصحابة تذكرهم بفرقتهم قبل الإسلام ووجوب شكر نعمة الله الذي جمعهم على التوحيد وآخى بينهم بالعقيدة، فإنه أحرى بالمؤمنين اليوم وهم يعيشون في فرقة وتشرذم دون دولة الوحي ودون أن تجمعهم دولة الإسلام، حريُّ بهم أن يحسُّوا بعظيم نعمة الله عليهم بأن جعل العقيدة هي الرابطة التي تجمعهم إذ ذاقوا نار القوميات والوطنيات والعصبيات، فهم أولى أن يعملوا لتعود الوحدة لأمتنا وتعود لنا دولة واحدة تحكمنا بدين الله وتجمع طاقاتنا، فنعود كما كنَّا وكما نحن أهل أن نكون: خير أمة أخرجت للناس. ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.

 

إن هذه الآية وإن كانت بصيغة الخبر، لكنَّ القرآن يفرض على المسلمين أن يتعاملوا معها تعامل تلقي الفرض لا تلقي الخبر. فالأخبار في كتاب الله لم ترد لمجرد القصص وإنما الله يربينا في كتابه تربية سياسية بامتياز، ويلفت النظر دوماً إلى ضرورة التعامل مع الوعود القرآنية كتكاليف شرعية، فحين يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾، في الفترة المكية للدعوة، وقبل تعامل المسلمين أصلاً مع يهود أو بدء الصراع الفكري أو العسكري معهم، فهذا إذاً خطاب سياسيٌّ للمسلم يفرض عليه معرفة عدوِّه والإعداد للقائه، وهذه دعوةٌ للتعامل مع الوعد القرآني بتحويله لمفهوم سياسي ثم جعله تكليفاً ينبني عليه أعمال تترتب على المسلمين ليكونوا مستخلفين. وحين يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ فإن الناظر لهذا النص على أنه خبر سيقع في حيرة حين يجد أن الكافرين قد صار لهم سلطان على المسلمين وسبيل، لكن المسلم الواعي سياسياً والذي يمارس السياسة من زاوية الوحي ومنظاره سيتعامل مع هذا النص كتكليف شرعي، ويراه أمراً ربَّانياً بالعمل الجاد والإعداد ببذل الوسع حتى لا يكون للكافرين على المؤمنين سبيل، فيرى نفسه عاملاً لدين الله ونصرته لا مجرد متأثر بالمكائد السياسية التي تكاد لدين الله ويقف متفرجاً ينتظر نصراً يخرج من مصباح علاء الدين!

 

وهكذا شتان بين السياسي المسلم العامل والممتلئ بنور الوحي، الذي يملك ثباتاً مصدره يقينه بأن العزة لله ولرسوله ﷺ وللمؤمنين، فهو ينطلق في ميدان العمل في العالم مستمسكاً بالوحي، لا يخشى إلا الله، ويعمل على بصيرة لاستعادة سلطان الأمة وإقامة دولتها، وبين الذي يمتلئ بالأماني والعجز، فيتمنى نصراً لكنه نصر الساذجين الراكنين للدعة الممتلئين بالهون، لا كانوا في عداد العاملين ولا سلمت من خنوعهم الأمة.

 

السياسة في الإسلام ليست مغنماً حزبياً، ولا مشروعاً سلطوياً، بل شهادة على الناس. ومن هنا، فإنّ بعث النظرية السياسية الإسلامية ليس فقط استجابةً لتحديات الواقع، بل هو استئنافٌ لموقع الأمة الشاهد، الذي لا يتحقق إلا بقيادة تحمل أمانة العدل، وتُقيم الدين، وتنهض بالعمران، وتكون مرآة للحقّ في هذا العالم المادي البارد.

 

وهذا ما كانت دولة الإسلام تمارسه طوال ثلاثة عشر قرناً وبالمقدور بل ستمارسه قريباً بإذن الله دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة.

 

ومن الضرورة بمكان الإشارة إلى أن السياسة حين يمارسها الحكام الربانيون لا تعني أبداً التنازل للكافرين، بل كما ذكرنا يعمل السياسي المسلم على منع أن يكون للكافرين سبيل على المؤمنين، ولا يهادن في دين الله الذي قال لنبيه ﷺ: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً * إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً﴾.

 

وسأذكر هنا بعض الأمثلة على كيف يكون الحاكم المسلم سياسياً بارعاً دون أن يهادن أو يحيد قيد شعرة عن دين الله.

 

1-  بعد أن انتصر المسلمون في بدر انتصاراً ساحقاً ارتفع شأن دولة الإسلام وقوي سلطانها وأصبح أعداؤها يخشون سطوتها؛ لذلك دب الرعب في قلوبهم وامتلأت حقداً على الإسلام والمسلمين، وكان اليهود أكثر الأعداء حقداً، وكان الجميع يترقبون أي نقطة ضعف تمر بها الدولة الإسلامية ليشفوا غليلهم منها ويتحينوا الفرصة للقضاء عليها، فعندما خالف الرماة أوامر الرسول ﷺ ونزلوا من الجبل في غزوة أحد حلت الهزيمة بالمسلمين بعد النصر المؤزر في بداية المعركة، وكادت تسقط هيبة المسلمين وهيبة دولتهم عند الكفار الذين بدأوا يتنكرون للمسلمين ويناوئونهم، وكانت تظهر على المسلمين آثار الهزيمة حتى بعد مطاردة المشركين حتى حمراء الأسد، إلا أن الرسول ﷺ بحنكته السياسية عمل على استعادة هيبة الدولة الإسلامية في نفوس أعدائها وأخذ يعمل جاهداً لإزالة آثار هذه الهزيمة لكل من تحدثه نفسه باستصغار المسلمين أو النيل منهم، فقد بلغه بعد شهر من أحد أن بني أسد يريدون مهاجمة المدينة ليغنموا من غنم المسلمين التي تُرعى حول المدينة، فأراد ﷺ أن يهاجمهم في عُقر دارهم قبل أن يهجموا، فأرسل سرية تتكون من 150 من خيرة أبطال المسلمين بقيادة أبي سلمة، وأمرهم أن يستخفوا نهاراً وأن يسلكوا الطريق غير المطروق حتى لا يطلع أحد على خبرهم ليفاجئوا العدو على غرة منه، وسار أبو سلمة بالسرية حتى وصل بني أسد وأحاط بهم في الصباح فأوقعوا بهم حتى هزموهم وانتصروا عليهم وأخذوا أموالهم غنائم، ورجعوا إلى المدينة ظافرين وقد أعادوا إلى النفوس هيبة المسلمين وسطوتهم وهيبة دولتهم.

 

2-  عندما انتقل الرسول الأكرم ﷺ إلى جوار ربه وتولى أبو بكر الصديق رضي الله عنه الخلافة، ظنت كثير من القبائل والدول أنه يمكن القضاء على الإسلام بموت صاحب الرسالة؛ فارتدت بعض القبائل عن الإسلام، وامتنعت بعضها عن دفع الزكاة، وبدأت الروم تستعد لمهاجمة المدينة لهدم الدولة الإسلامية (الخلافة الراشدة) فعرض بعض الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم أجمعين على الخليفة أبي بكر الصديق أن يهادن بعض القبائل؛ ولكنه رفض واتخذ قراره السياسي الحازم الذي يدل على وعيه السياسي فقال قولته المشهورة "والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم على منعه"، ثم جهز جيوشاً لمحاربة المرتدين، وبعث جيش أسامة لمحاربة الروم فقضى على الردة وألقى الرعب في قلوب الروم والمنافقين؛ فاستعاد المسلمون هيبتهم وهيبة الخلافة الراشدة، وأصبح الأعداء يحسبون لها ألف حساب.

 

3-    حاولت بريطانيا تحريض الأكراد على الدولة العثمانية أملا في انفصالهم، وزاد اهتمام بريطانيا بالمنطقة بعد إنشاء شركة الهند البريطانية، فأرسلت مندوبين عنها لتوحيد العشائر الكردية ضد العثمانيين، ووصل الأمر للسلطان عبر مخابراته التي أنشأها فقام فورا بإعداد خطة مضادة. حيث قام السلطان بدعم الأكراد عسكريا حماية لهم من هجمات الأرمن، ثم أرسل لهم بعضا من علماء المسلمين للنصح والإرشاد وبيان أهمية التوحيد تحت راية الإسلام، ما غير من توجههم، وزاد من ارتباطهم بالدولة العثمانية.

 

4-  كان اليهود مضطهدين بأوروبا وروسيا، وكانت أوروبا تبحث عن أي طريقة لإلقاء حملهم عنها، فبدأت فكرة إقامة وطن قومي لليهود، وتبناها قائد الحركة الصهيونية تيودور هرتزل الذي وجه أنظار يهود نحو فلسطين، وحاول التوسط عند السلطان عبد الحميد عن طريق عدد من الأفراد المقربين له مثل إمبراطور ألمانيا لكونه الحليف الأوروبي الوحيد للدولة، لكنه لم يفلح، ولم يجد ثغرة تمكنه من إقناع السلطان. قرر يهود بعدها إغراء السلطان بالمال مقابل إسكانهم في فلسطين، ولم تتوقف عروضهم السخية بالمال والوساطة لدى أوروبا، رغم إصرار السلطان على رفضها، علما أن الدولة العثمانية كانت تعاني من مشاكل مالية واقتصادية متعددة، إحداها أنها كانت مدينة لدول أوروبية فرضت وجود بعثة مالية للإشراف على أوضاع الدولة الاقتصادية ضمانا لديونها، لكن السلطان عبد الحميد رد عليهم قائلا "لا أبيع ولو شبرا منها.. فهذا الوطن ليس لي إنما لشعبي".

 

وفي 28 حزيران/يونيو 1890 كان رد السلطان عبد الحميد على محاولات يهود أن أصدر أمرا "بعدم قبول الصهاينة في الممالك الشاهانية (الأراضي العثمانية)، وإعادتهم إلى الأماكن التي جاؤوا منها".

 

وبعد أن باءت جميع محاولات يهود بالفشل، قرروا دعم جماعات الأرمن ماليا لمحاولة التخلص من السلطان عن طريق التخطيط لعملية اغتيال داخل أراضي الخلافة العثمانية وخارجها في سويسرا، لكنها فشلت أيضا.

 

وبعد تضييق السلطان عليهم قرر هيرتزل إعلان النوايا الصهيونية في مؤتمر بازل الأول بسويسرا عام 1897، لكن السلطان عبد الحميد رد بمزيد من التضييق والمنع.

 

يقول السلطان عبد الحميد في رسالته إلى محمود أبو الشامات، شيخه الشاذلي قبل وفاته بفترة "إن هؤلاء الاتحاديين أصروا عليّ أن أصادق على تأسيس وطن قومي لليهود في الأرض المقدسة فلسطين، ورغم إصرارهم فلم أقبل بصورة قطعية هذا التكليف، وقد وعدوا بتقديم 150 مليون ليرة إنجليزية ذهبا، فرفضت بصورة قطعية أيضا وأجبتهم بهذا الجواب القطعي الآتي: إنكم لو دفعتم ملء الدنيا ذهبا، فضلا عن 150 مليون ليرة إنجليزية ذهبا فلن أقبل بتكليفكم هذا بوجه قطعي".

 

وأضاف في رسالته "لقد خدمت الملة الإسلامية والأمة المحمدية ما يزيد على 30 سنة، فلم أسوّد صحائف المسلمين آبائي وأجدادي من السلاطين والخلفاء العثمانيين، لهذا لن أقبل بتكليفكم بوجه قطعي أيضا. وبعد جوابي القطعي اتفقوا على خلعي، وأبلغوني أنهم سيبعدونني إلى سالونيك فقبلت بهذا التكليف الأخير".

 

وهكذا ختم السلطان عبد الحميد حياته ولم يلوِّث سيرته ولم يخن دينه ولا أمته، بل بقي جبلاً صامداً وأمضى فترة حكمه سياسياً واعياً لم يستطع أعداؤه أن يأخذوا منه تنازلاً واحداً.

 

واليوم فإن دولة الخلافة القائمة قريبا بإذن الله قادرة على أن تكون لها السيادة والسطوة في عالم تخلَّى عن كل القيم والأخلاق ويحكم العالم بالجبروت والاحتيال تسيرهم آلتا الربا والفاحشة. أقوام كفروا بالله وأحلُّوا قومهم دار البوار. لا مبدأ لديهم ولا حضارة صالحة لقيادة الإنسان ورعاية شؤونه، أنظمتهم منهارة كحال عجوز ميتة تتكئ على عصا ينخرها السوس وما يلبث أن يقوم المارد الإسلامي من قمقمه قريباً حتى يتبيَّن للعالم هوانها وذلتها. إذ يستطيع خليفة المسلمين الذي يركن لله القوي العزيز، ولديه حاضنة شعبية قوامها مليارا مسلم سيكونون على قلب رجل واحد لحماية دين الله والتضحية في سبيل دولة الإسلام التي طالما انتظروها، ولديه ثروات هائلة يستطيع معها تكوين قوة داخلية وبنى تحتية لا يحتاج معها لرفع عقوبات ولا رضا غربي. بل سيعمل بحنكة سياسية وبصيرة واعية على قطع أذرع الغرب وإفساد تحالفاتهم ضد المسلمين. فحين تقوم الدولة الإسلامية وهي لديها هذه الثروات الهائلة من الجيوش التي تحب الموت كما تحب الحياة، وحباها الله بمواقع جغرافية استراتيجية وثروات في الأرض تقتتل لأجلها دول العالم، ستسارع كل دول الكفر لطلب رضا المسلمين وستعمل دولٌ منهم على التحالف لضمان مصالحها والحصول على امتيازات مع الدولة الإسلامية، يستطيع الخليفة استغلالها لتفكيك تحالفات القوى الغربية ضد المسلمين. وهذا غيض من فيض.

 

إلى ذلك الوقت وحتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً فإننا سنبقى عاملين لاستعادة سلطان أمتنا، ورفع راية رسولنا ﷺ. وسيبقى خيارنا العجز لا الفجور، لا نبيع ولا نهادن، السياسة عندنا فن الممكن، لكنَّه الممكن في مجال المباح الواسع الذي نركن فيه لتدبير الله الواسع الذي لا تعجزه الحيل، لا الممكن الذي يتلون ويهادن.

 

نسأل الله أن يبلغنا طاعته ورضاه في كل حال، وأن يجعل لنا سهماً في نصرة دينه ويقرَّ أعيننا بوعده قريباً إنه مولى ذلك والقادر عليه.

 

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

بيان جمال

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

الرعاية الصحية... ما بين أنظمة الجباية ونظام الرعاية

 

 

يعد القطاع الصحي من أهم القطاعات الحيوية التي يظهر فيها الشقاء وسوء الرعاية لأنها تلامس حياة الناس بشكل مباشر، ونظرة أو زيارة واحدة لأحد مراكز الصحة العامة أو المستشفيات الحكومية في أي بلد من بلاد المسلمين تغني عن كثير من الشرح في وصف واقع الحال، حيث البنية التحتية المتهالكة، وعدم توفر الأدوية والعلاجات، ونقص المستلزمات الطبية، والكلفة الباهظة للعلاج في المستشفيات الخاصة، والتي لا يطيقها كثير من الناس في ظل سوء الرعاية هذا، أضف إلى ذلك الفساد والواسطة والمحسوبيات، والمماطلة وطول الإجراءات وعدم إعطاء الأطباء والكوادر الطبية حقوقهم وغيرها من الأمور...

 

وليس سوء الرعاية والفساد في هذا المجال مقتصرة على بلاد المسلمين والبلاد الفقيرة، وإن كانت فيها أوضح، فليست القضية في غنى البلاد أو فقرها بالدرجة الأولى، بل الأمر متعلق بكون هذه الدول دول جباية وليست دول رعاية، فإذا نظرنا للدول الغربية التي عندها تقدُّم في المجالات العلمية والتكنولوجية والتي انعكست على المجال الطبي، نرى أن فساد المبدأ الرأسمالي والنظرة المادية وتحقيق المكاسب والأرباح قد انعكس على القطاع الصحي أيضاً في هذه الدول، حيث اتُّخذ مصدراً من أكبر مصادر تحقيق الأرباح ليضاهي شركات النفط والسلاح وتكنولوجيا المعلومات، ونرى أن الفساد يظهر في كل نواحي الرعاية الصحية تقريباً في هذه الدول: في نظام التأمين الصحي وشركاته، وفي شركات الأدوية وأبحاثها، وفي الملكية الفكرية وبراءات الاختراع...إلخ.

 

وفي هذه المقالة سنسلط الضوء على سياسة الرعاية الصحية في ظل دولة الخلافة التي يتجلى فيها مفهوم الرعاية وتدبير شؤون الرعية بما يوصل إلى العافية الجسدية والسلامة النفسية.

 

لقد أولى الإسلام الرعاية الصحية والتطبيب اهتماماً كبيراً، فهي من المصالح والحاجات الأساسية التي لا يستغني عنها الناس مثلها مثل الأمن والغذاء والملبس والمسكن حيث يقول ﷺ: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِناً فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا»، وقد جعل الشرع الرعاية الصحية من مسؤولية الدولة والخليفة مباشرة عملاً بقول الرسول ﷺ: «الإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». وقد أولت الدولة الإسلامية الرعاية الصحية اهتماماً بالغاً كأحد أبواب رعاية الشؤون التي جعلها الإسلام من مسؤوليات الإمام الذي على الناس؛ فرسول الله ﷺ أمر ببناء خيمة لعلاج الجنود المصابين وتقديم الرعاية الطبية لهم في غزوة الخندق، داخل المسجد في خيمة على يد رفيدة الأسلمية، وبذلك يكون قد أعد أول مركز أو مشفى لعلاج المرضى والمصابين في الدولة الإسلامية، والنبي ﷺ بوصفه حاكماً قد بعث طبيباً إلى أبيّ بن كعب، أخرج مسلم من طريق جابر قال: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ طَبِيباً فَقَطَعَ مِنْهُ عِرْقاً ثُمَّ كَوَاهُ عَلَيْهِ»، وعمر رضي الله عنه بوصفه حاكماً أيضاً قد دعا بطبيب إلى أسلم ليداويه، أخرج الحاكم في المستدرك عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: "مَرِضْتُ فِي زَمَانِ عُمَرَ بِنَ الْخَطَّابِ مَرَضاً شَدِيداً فَدَعَا لِي عُمَرُ طَبِيباً فَحَمَانِي حَتَّى كُنْتُ أَمُصُّ النَّوَاةَ مِنْ شِدَّةِ الْحِمْيَةِ".

 

وقد سار الخلفاء والولاة على هذا النهج من بعد فأقاموا المستشفيات (البيمارستانات) وكان منها الثابت ومنها المتنقل، فالثابت هو الذي يُنشأ في المدن، أما المستشفى المتنقل فهو الذي يجوب القرى البعيدة والصحارى والجبال، مزودة بالأدوية، والأغذية والمشروبات والألبسة والأطباء والصيادلة، وتمثلت مهمتها في تلبية احتياجات التجمعات النائية البعيدة عن المدن الكبرى والمنشآت الطبية الثابتة، كما أنها وفرت للولاة والخلفاء أنفسهم رعاية متنقلة، وخلال حكم السلطان محمد السلجوقي في بداية القرن الثاني عشر، وُسِّع المستشفى المتنقل بحيث بات يحتاج إلى 40 من الجمال لنقله.

 

ولم يخل أي مستشفى من أدوية أو مستلزمات طبية، وكانت تتخذ تدابير وإجراءات خاصة لمنع انتشار العدوى، حيث يُخصص للمرضى الداخليين ألبسة من المستشفى يجري تصنيعها في منطقة مركزية للتوريد في حين تظل ألبستهم الشخصية مودعة في مستودع المستشفى، وعند أخذهم إلى قسمهم المخصص، كان المرضى يجدون الأسِرة مغطاة بأغطية نظيفة ومفارش محشوة، وكانت حجرات المستشفى أنيقة ومجهزة بنوافير المياه ويصلها نور الشمس، وقد كان للمستشفى جامعة تابعة له لتدريب الأطباء وتوفير حاجاتهم من المسكن والملبس والمأكل والترحال، وقد كانت الدولة تكرم الأطباء والمعلمين لما يقومون به من دور مهم في رعاية شؤون الناس الصحية.

 

وقد كانت المستشفيات تفتح أبوابها للجميع على مدار 24 ساعة، حيث يُخصص للمرضى الذكور أطباء رجال، وتخصص للمرضى الإناث طبيبات نساء، في حين رأى البعض إقامة أجنحة منفصلة بموارد بشرية ومنشآت لكل جنس على حدة. وفي علاج الحالات الأقل خطورة، كانت هناك عيادات خارجية مزودة بالأطباء الذين يصفون للمرضى أدوية تؤخذ في البيوت.

 

لقد منع الإسلام خصخصة الرعاية الصحية وجعل النفقة التي تقتضيها على بيت المال، وفرض على الدولة أن توفر التداوي للرعية مجاناً بغض النظر عن كونهم أغنياء يملكون نفقة التطبيب أو فقراء لا يملكونها، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «مَن تَرَكَ مالاً فلِوَرَثَتِه، ومَن تَرَكَ كَلّاً فإلينا»، وبغض النظر عن كونهم مسلمين أو غير مسلمين، فلا اعتبار في تقديم الرعاية الصحية للدين ولا للجنس ولا للعرق ولا للعمر ولا لمكان السكن، فلفظ "رَعِيَّتِهِ" الوارد في قوله ﷺ: «الإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» عام ولم يخصصه مخصص، والناظر في تاريخ الدولة الإسلامية منذ أقامها ﷺ حتى هدمها الكافر المستعمر يرى أنها كانت ترعى شؤون رعيتها دون تمييز، فلم يكن فيها مواطن درجة أولى وثانية كما هو الحال اليوم.

 

وليس معنى عدم خصخصة الرعاية الصحية أن يُمْنَع الأفراد أو الشركات في الدولة الإسلامية من تقديم الخدمات الصحية الخاصة، أو من فتح العيادات والمستشفيات الخاصة، أو أن يمنع الناس من التداوي في القطاع الخاص. والدليل على ذلك ما رواه البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: «دَعَا النَّبِيُّ ﷺ غُلاماً حَجَّاماً فَحَجَمَهُ، وَأَمَرَ لَهُ بِصَاعٍ أَوْ صَاعَيْنِ، أَوْ مُدٍّ أَوْ مُدَّيْنِ، وَكَلَّمَ فِيهِ فَخُفِّفَ مِنْ ضَرِيبَتِهِ». فالغلام هنا قام بالحجامة وقبض أجره من الرسول ﷺ. ولكن يشترط في مَنْ يُقَدِّم الرعاية الصحية من القطاع الخاص، سواء أكان فرداً أم شركةً، أَن يلتزم بقوانين الدولة ورقابتها، وَيُشترط أيضاً أن يكون مَنْ يُقَدِّم أيّاً مِنَ الخدمات الصحية مؤهلاً لذلك، سواء أعمل في القطاعِ الخاص أو العام، ومنْ يُقَدِّم أيَّ خدمة صحية دون أن يكون مؤهلاً لتقديمها يُمْنَع من قِبَلِ الدولة وَيُعاقَب، وأما إذا أدَّى إلى ضرر بعمله هذا فهو ضامن لِمَا سَبَّب من ضررٍ بإقدامِه على ما ليس من اختصاصه.

 

وتتميز الرعاية الصحية في ظل الدولة الإسلامية بالسرعة والبساطة في تقديم الخدمة الصحية والعلاج وهو أمر يفتقد الناس اليوم، ورد في المادة 97 من دستور دولة الخلافة الذي أعده حزب التحرير: (المادة 97 - سياسة إدارة المصالح والدوائر والإدارات تقوم على البساطة في النظام والإسراع في إنجاز الأعمال، والكفاية فيمن يتولون الإدارة). ومما يُقَلِّل منَ التعقيدات والمعاملات الإدارية في إدارة الرعاية الصحية، توحيد كافة الخدمات والمنشآت الصحية في الدولة الإسلامية في جهاز واحد.

 

هذا غيض من فيض سياسة الرعاية الصحية في دولة الخلافة، التي وفرت للناس الخدمات بمستوى عالي الرعاية والعلم والتقدم، حتى كانت بلاد الغرب ترسل أبناءها لتعلم الطب على أيدي الأطباء في الدولة الإسلامية، وحتى ضرب المثل بالرعاية الصحية في ظل الخلافة من قبل أعدائها قبل أبنائها. ومما يدلل على ذلك هذه الترجمة لرسالة شاب فرنسيّ أُدخِل إلى مستشفى قرطبة في القرن العاشر الميلادي، يقول فيها:

 

"والدي العزيز: لقد ذكرت في رسالتك السابقة بأنك سوف تبعث لي ببعض النقود كي أستعين بها في علاجي، لكني لا أحتاج إلى النقود مطلقا؛ لأن المعالجة في هذا المستشفى الإسلامي مجانية، بل إن المستشفى يدفع إلى كل مريض تماثل للشفاء مبلغ 5 دنانير، وملابس جديدة حين يغادر المستشفى؛ كي لا يضطر إلى العمل في فترة النقاهة. والدي العزيز: لو تفضلت وجئت لزيارتي فسوف تجدني في قسم الجراحة ومعالجة المفاصل، وسوف تشاهد بجانب غرفتي مكتبة، وصالوناً للمطالعة والمحاضرات، حيث يجتمع الأطباء فيه يوميا للاستماع إلى محاضرات الأساتذة. أما قسم الأمراض النسائية فيقع في الجانب الثاني من ساحة المستشفى ولا يسمح للرجال أن يدخلوا إليه، وفي الجهة اليمنى من الساحة تجد صالونا كبيرا مخصصا للمرضى الذين تماثلوا للشفاء؛ حيث يقضون فيه فترة النقاهة، ويحتوي الصالون على مكتبة خاصة وآلات موسيقية. والدي العزيز: إن كل نقطة وكل مكان في هذا المستشفى غاية في النظافة، فالفراشُ والوسادة التي تنام عليها مغلفة بقماش دمشقي أبيض، أما الأغطية فمصنوعةٌ من المخمل الناعم اللطيف. جميع غرف المستشفى مزودة بالماء النقي الذي يصل إليها بواسطة أنابيب خاصة وفي كل غرفة مدفأة لأيام الشتاء. أما الطعام فهو من لحم الدجاج والخضار، حتى إن بعض المرضى لا يريدون مغادرة المستشفى طمعا بالطعام اللذيذ".

 

فما أمس حاجتنا اليوم لدولة ترعى شؤوننا بأحكام الإسلام، وتخلصنا من الضنك والشقاء الذي لحق بنا في الناحية الصحية وسائر نواحي الحياة في ظل النظام الرأسمالي وأنظمة الجباية التي تحكمنا، فيا رب أكرمنا بأن نعيش في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، واجعلنا من جنودها ومن شهودها.

 

 

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

براءة مناصرة

رابط هذا التعليق
شارك

Join the conversation

You can post now and register later. If you have an account, sign in now to post with your account.

زوار
اضف رد علي هذا الموضوع....

×   Pasted as rich text.   Paste as plain text instead

  Only 75 emoji are allowed.

×   Your link has been automatically embedded.   Display as a link instead

×   Your previous content has been restored.   Clear editor

×   You cannot paste images directly. Upload or insert images from URL.

جاري التحميل

×
×
  • اضف...