اذهب الي المحتوي
منتدى العقاب

ليبيا على مفترق الطرق


Recommended Posts

بسم الله الرحمن الرحيم

 

ليبيا على مفترق الطرق

 

لم تعد الأزمة الليبية مجرد صراع على السلطة بين حكومتين متنافستين، بل تحولت إلى معركة أوسع على شكل الدولة، ومن يملك قرارها السياسي والعسكري، ومن يتحكم في ثروتها النفطية، وأي موقع ستحتله في الخريطة الإقليمية والدولية.

 

وبعد أكثر من عقد على سقوط معمر القذافي، لا تزال ليبيا تعيش مفارقة قاسية: ثروة نفطية ضخمة وموقع استراتيجي في قلب المتوسط، في مقابل انقسام سياسي وأمني حال دون بناء دولة موحدة قادرة على احتكار القوة وإدارة مواردها.

 

جاءت التطورات الأخيرة في الزاوية وبنغازي لتكشف هشاشة الاستقرار الليبي. ففي الغرب، تعرضت منشآت حيوية في الزاوية لهجمات بطائرات مسيّرة، بينها منشآت مرتبطة بالطاقة والوقود، فيما شهد الشرق مقتل مسؤول أمني بارز تابع لقوات خليفة حفتر في بنغازي.

 

ولا توجد حتى الآن أدلة تثبت أن الحادثتين جزء من عملية واحدة، لكن تزامنهما في هذه المرحلة يحمل دلالة سياسية مهمة: مراكز القوة في ليبيا لا تزال تمتلك القدرة على التأثير في المشهد خارج إطار مؤسسات الدولة الموحدة.

 

والأخطر أن استهداف منشآت النفط والطاقة يضرب أحد أهم شرايين الاقتصاد الليبي، في حين إن استهداف قيادات أمنية في الشرق يكشف استمرار هشاشة الوضع الأمني.

 

النفط جوهر الصراع الليبي

 

النفط ليس مجرد مصدر للدخل، بل يمثل أحد أهم أدوات القوة السياسية. والسيطرة على الحقول والموانئ والمنشآت النفطية، أو القدرة على تعطيلها، تمنح الأطراف المتنافسة ورقة ضغط تتجاوز الاقتصاد إلى السياسة. ولهذا، فإن أي تهديد لمنشآت النفط لا يمثل اعتداءً على قطاع اقتصادي فحسب، بل يهدد قدرة الدولة على تمويل مؤسساتها، وتوفير الخدمات، والحفاظ على الاستقرار.

 

وهنا تكمن إحدى مفارقات ليبيا: الثروة التي كان يفترض أن تكون أساساً لبناء الدولة، أصبحت جزءاً من الصراع على الدولة.

 

فليبيا لم تحسم بعد مسألة توحيد الجيش والمؤسسات الأمنية، كما لم تنجح في إنهاء الانقسام السياسي والمؤسسي. ولذلك، فإن أي اتفاق لتشكيل حكومة جديدة سيظل هشاً ما لم يترافق مع مشروع حقيقي لتوحيد مؤسسات الدولة وإخضاع جميع القوى المسلحة لسلطة وطنية واحدة.

 

فالانتخابات وحدها لن تكون كافية إذا بقيت القوة العسكرية موزعة، كما أن توحيد الحكومات لن يؤدي إلى الاستقرار إذا بقيت المؤسسات السيادية خاضعة لتوازنات مراكز النفوذ.

 

في المقابل، تتحرك القوى الإقليمية والدولية بصورة متزايدة لمنع انهيار المسار السياسي.

 

تركيا، التي بنت خلال السنوات الماضية نفوذاً واسعاً في غرب ليبيا، بدأت توسع اتصالاتها لتشمل الشرق أيضاً. وهذه خطوة تعكس إدراكاً تركياً بأن حماية المصالح الاقتصادية والأمنية والاستراتيجية تتطلب التعامل مع ليبيا كدولة واحدة، لا كمساحة نفوذ في جزء منها.

 

أما مصر، فلعها تنظر إلى ليبيا من زاوية أمنها القومي المباشر، ولذلك تدفع باتجاه استقرار البلاد والحفاظ على وحدة مؤسساتها، مع انخراط متزايد في المسار السياسي.

 

وفي واشنطن، تتداخل الرغبة في استقرار ليبيا مع مصالح أوسع تتعلق بالطاقة وأمن المتوسط.

 

وهكذا تتقاطع مصالح مختلفة حول هدف واحد على الأقل: منع عودة ليبيا إلى حرب شاملة.

 

لكن الاتفاق على منع الحرب لا يعني بالضرورة الاتفاق على شكل الدولة المقبلة.

 

تظل روسيا لاعباً مهماً في المعادلة الليبية، خصوصاً من خلال علاقاتها مع معسكر الشرق وموقع ليبيا الجغرافي الذي يمنح موسكو أهمية استراتيجية في المتوسط وأفريقيا.

 

أما أوروبا، فتواجه ليبيا باعتبارها ملفاً يرتبط بالطاقة والهجرة والأمن. ولهذا، فإن استمرار الانقسام الليبي لا يمثل مشكلة داخلية فقط، بل يهدد مصالح أوروبية مباشرة.

 

وبذلك أصبحت ليبيا ساحة تتقاطع فيها مصالح تركيا ومصر وروسيا والولايات المتحدة وأوروبا، إلى جانب القوى الليبية نفسها.

 

السؤال الأهم الآن هو ما إذا كانت التحركات الإقليمية والدولية ستقود إلى صفقة لإعادة توزيع السلطة والنفوذ بين مراكز القوة القائمة، أم إلى مشروع حقيقي لإعادة بناء الدولة؟ والفرق بين الخيارين جوهري؛ فإذا كانت التسوية مجرد تقاسم للمناصب والموارد بين النخب، فإنها ستؤجل الصراع ولن تنهيه. أما إذا قامت على توحيد المؤسسات السيادية، وإعادة بناء الجيش والأجهزة الأمنية، وتنظيم إدارة عائدات النفط، ثم إجراء انتخابات ذات شرعية حقيقية، فقد تكون ليبيا أمام فرصة تاريخية للخروج من المرحلة الانتقالية.

 

يمكن اختصار مستقبل ليبيا في ثلاثة مسارات:

 

الأول: تسوية حقيقية تقود إلى توحيد المؤسسات والجيش وإجراء انتخابات، وهو السيناريو الأبعد عما تخططه أمريكا للمنطقة.

 

الثاني: استمرار الانقسام، بحيث تبقى ليبيا دولة واحدة قانونياً، لكنها موزعة عملياً بين مراكز نفوذ متعددة، وهو السيناريو الأكثر قابلية للاستمرار إذا فشلت التسوية.

 

الثالث: عودة التصعيد العسكري، وهو السيناريو الأخطر، خصوصاً إذا تحولت الهجمات الأمنية إلى موجة واسعة تستهدف منشآت النفط أو القيادات العسكرية والسياسية.

 

ما يجري اليوم في ليبيا يتجاوز الخلاف على حكومة أو منصب. ولهذا، فإن التطورات الأمنية الأخيرة يجب أن تُقرأ إلى جانب التحركات الدبلوماسية، لا بمعزل عنها. ففي الوقت الذي تتحرك فيه تركيا ومصر وأمريكا والأمم المتحدة لدفع الأطراف نحو تسوية، ما زالت أدوات القوة موزعة، وما زالت مصالح النخب المحلية والقوى الخارجية تتقاطع وتتصادم.

 

تقف ليبيا اليوم أمام لحظة لا تحتمل المزيد من التأجيل. فسنوات الانقسام لم تُنتج دولة مستقرة، بل أوجدت توازناً هشاً بين قوى سياسية وعسكرية واقتصادية، أصبح بقاؤه مرهوناً باستمرار التوافقات المؤقتة وتدخلات الخارج. لكن الفرصة ما زالت قائمة. فالتقارب الإقليمي والدولي حول ضرورة استقرار ليبيا يمكن أن يتحول إلى نقطة انطلاق حقيقية، إذا جرى توظيفه لبناء مؤسسات الدولة، لا لإعادة توزيع النفوذ بين مراكز القوة.

 

إن الحل الحقيقي لاستقرار البلاد وعودتها إلى عزها السابق، حينما كانت أمريكا تدفع لها الجزية، والتاريخ يشهد على ذلك، هو بعودة البلاد لتحكم بشرع الله، كما كانت سابقاً، ويعود عز الإسلام ويرعى شؤونه تحت ظل دولة الخلافة الراشدة التي بشرنا بها رسول الله ﷺ.

 

فيا أهل ليبيا الكرام، إن ما يُبذل اليوم في صراعات تخدم أجندات غربية لنهب ثروات البلاد وتقسيمها وإذلال أهلها وقتلهم، فدفاترها تدمي القلوب وتؤجج صراعات نحن في غنى عنها، ولو تمسكنا بقضايانا الأساسية، ألا وهي إقامة الدين وتطبيق شرع الله كما أمرنا فإن الفاتورة تكون مما يحبه القلب: الشهادة أو النصر في سبيل الله، تحت ظل خليفة يرعى شؤونها، ويحمي أهلها، ويصون ثرواتها، ويعيد للبلاد عزها. فكونوا مع العاملين لاستئناف الحياة الإسلامية في ربوع بلادنا، فإن الارتماء في أحضان الغرب لن يجدي نفعاً، ولن يجلب للأمة سوى الدمار والدم.

 

قال تعالى: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلّاً وَلَا ذِمَّةً وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾.

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نبيل عبد الكريم

رابط هذا التعليق
شارك

Join the conversation

You can post now and register later. If you have an account, sign in now to post with your account.

زوار
اضف رد علي هذا الموضوع....

×   Pasted as rich text.   Paste as plain text instead

  Only 75 emoji are allowed.

×   Your link has been automatically embedded.   Display as a link instead

×   Your previous content has been restored.   Clear editor

×   You cannot paste images directly. Upload or insert images from URL.

جاري التحميل
×
×
  • اضف...