Jump to content
منتدى العقاب

بين يدي سورة البقرة


Recommended Posts

المثل المائي والمثل الناري 3

 

وان شئت التفصيل فاستمع معي لما يترنم به صاحب دلائل الاعجاز في أسرار بلاغته ؛ حيث قال: فصل في مواقع التمثيل وتأثيره: اعلم! ان مما اتفق العقلاء عليه: ان التمثيل اذا جاء في أعقاب المعاني أو برزت هي باختصار في معرضه، ونقلت عن صورها الأصلية الى صورته،كساها ابهةً، وكسبها منقبةً، ورفع من أقدارها، وشب من نارها، وضاعف قواها في تحريك النفوس لها، ودعا القلوب اليها، واستثار لها من أقاصي الأفئدة صبابة وكلفاً، وقسر الطباع على أن تعطيها محبة وشغفاً.

فان كان مدحاً كان أبهى وأفخمَ، وأنبلَ في النفوس وأعظمَ، وأهزَّ للعِطْف، وأسرعَ للإلف، وأجلبَ للفرح، وأغلبَ على الممتدح، وأوجَبَ شفاعة للمادح، واقضى له بغرّ المواهب والمنائح، وأسيرَ على الألسن واذكرَ، وأولى بان تعلقه القلوب وأجدرَ.

وإن كان ذَماً كان مَسُّه أوجعَ، ومِيسمه ألذَع، ووقعه أشدَّ، وحدُّه احدَّ.

وإن كان حجاجاً كان برهانه انورَ، وسلطانه اقهرَ، وبيانه ابهَر.

وإن كان افتخاراً كان شأوه ابعدَ، وشرفه اجدَّ، ولسانه ألدَّ .

بعد هذه المقدمة القصيرة نقول: لقد أعقبت الآيات الخاصة بالمنافقين تفاصيل صفاتهم بتصوير مجموعها في صورة واحدة، بتشبيه حالهم بهيئة محسوسة وهذه طريقة تشبيه التمثيل، إلحاقا لتلك الأحوال المعقولة بالأشياء المحسوسة، لأن النفس إلى المحسوس أميل.

وإتماما للبيان بجمع المتفرقات في السمع، المطالة في اللفظ، في صورة واحدة لأن للإجمال بعد التفصيل وقعا من نفوس السامعين.

والتمثيل منزع جليل بديع من منازع البلغاء لا يبلغ إلى محاسنه غير خاصتهم.

وهو هنا من قبيل التشبيه لا من الاستعارة لأن فيه ذكر المشبه والمشبه به وأداة التشبيه وهي لفظ مثل.

وأصل المثل بفتحتين هو النظير والمشابه، ويقال أيضا مثل بكسر الميم وسكون الثاء، ويقال مثيل كما يقال شبه وشبه وشبيه، وبدل وبدل، وبديل، ولا رابع لهذه الكلمات في مجيء فعل وفعل وفعيل بمعنى واحد.

وقد اختص لفظ المثل "بفتحتين" بإطلاقه على الحال الغريبة الشأن لأنها بحيث تمثل للناس وتوضح وتشبه سواء شبهت كما هنا، أم لم تشبه كما في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾ [الرعد: من الآية35]

وبإطلاقه على قولٍ يصدر في حالٍ غريبةٍ فيُحفَظ ويَشيعُ بين الناس لبلاغةٍ وإبداعٍ فيه، فلا يزال الناس يذكرون الحال التي قيل فيها ذلك القول تبعا لذكره وكم من حالة عجيبة حدثت ونسيت لأنها لم يصدر فيها من قول بليغ ما يجعلها مذكورة تبعا لذكره فيسمى مَثَلا، وأمثالُ العرب بابٌ من أبواب بلاغتهم.

ولما شاع إطلاق لفظ المثل بالتحريك على الحالة العجيبة الشأن جعل البلغاء إذا أرادوا تشبيه حالة مركبة بحالة مركبة أعني وصفين منتزعين من متعدد أتوا في جانب المشبه والمشبه به معا أو في جانب أحدهما بلفظ المثل وأدخلوا الكاف ونحوها من حروف التشبيه على المشبه به منهما، ولا يطلقون ذلك على التشبيه البسيط فلا يقولون مثل فلان كمثل الأسد وقلما شبهوا حالا مركبة بحال مركبة مقتصرين على الكاف كقوله تعالى: ﴿إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ﴾ [الرعد: 14] بل يذكرون لفظ المثل في الجانبين غالبا نحو الآية هنا، وربما ذكروا لفظ المثل في أحد الجانبين كقوله: ﴿ِإنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [يونس: 24] الآية وذلك ليتبادر للسامع أن المقصود تشبيه حالة بحالة، لا ذات بذات، ولا حالة بذات، فصار لفظ المثل في تشبيه الهيئة منسيا من أصل وضعه ومستعملا في معنى الحالة فلذلك لا يستغنون عن الإتيان بحرف التشبيه حتى مع وجود لفظ المثل فصارت الكاف في قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ﴾ دالة على التشبيه وليست زائدة كما زعمه الرضي في شرح الحاجبية، وتبعه عبد الحكيم عند قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ وقوفا مع أصل الوضع وإغضاء عن الاستعمال ألا ترى كيف استغنى عن إعادة لفظ المثل عند العطف في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ ولم يستغن عن الكاف.

ومن أجل إطلاق لفظ المثل اقتبس علماء البيان مصطلحهم في تسمية التشبيه المركب بتشبيه التمثيل وتسمية استعمال المركب الدال على هيئة منتزعة من متعدد في غير ما وضع له مجموعة بعلاقة المشابهه استعارة تمثيلية.

 

عن صفحة:

Link to comment
Share on other sites

المثل المائي والمثل الناري 4

 

المثل الناري:

أما المثل الأول، ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (17) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18)﴾

واستفعل: طلب الفعل، مثل استفهم: طلب الفهم، واستعلم، طلب العلم، فإن الاستفعال أصله الطلب، وفي الأغلب، تكون الزيادة في المبنى منبئة عن زيادة في المعنى، لذا فاستوقد تزيد عن معنى أوقد، فيظهر من هذه الزيادة أثر الصعوبة في الوصول للمبتغى، لذا، فالمتبادر للذهن صورة رجل يحاول جاهدا أن يوقد النار، والاستيقاد: بمعنى الإيقاد واستدعاء ذلك، ووقود النار ارتفاع لهيبها.

واستوقد النار، كأنما يطلب من النار أن تتقد، لا أن يكون هو من يوقدها، ففرق بين قولنا: أوقد نارا، فترى أثر كونه هو الفاعل، المتحكم، بينما في حالتنا: يستوقد النار، كقولنا: يستنهض الهمم، فإذا الهمم لم تنتهض، لم يكن لاستنهاضه الأثر المشابه لقولنا: أنهض الهمم، فترى أثر فعله، ويظهر منه قدرته على الوصول للنتيجة المرجوة.

فبعد هذا الجهد والعناء، يتحصل على ثمرة هذا العمل، بأن تضيء ما حوله، ومعنى ذلك أنه في ظلمة دامسة، يطلب النار لتنير دربه، ولشدة الظلام، تجد أن النار تضيء له فقط ما حوله، أي تضيء حيزا صغيرا، وفور حصول ذلك الأمر يُذهب الله نورهم، ويتركهم في ظلمات لا يبصرون.

ولنا أن نقف على الأفعال التي وردت في هذه الآية، فقد بينا الفرق بين أوقد النار واستوقد النار، ولا بد بعد ذلك من أن نقف على معنى: ﴿ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ﴾، وعلى معنى: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾، ﴿لا يُبْصِرُونَ﴾، ولنبدأ بالتفريق بين النور والضياء لنقف على دقائق هذا المثل، فقد أضاءت لهم النار، ثم أذهب الله نورهم:

النور والضياء:

الإضاءة: الإشراق، وهو فرط الإنارة.

والنور: الضوء من كل نيِّر، ونقيضه الظلمة، ويقال نار ينور إذا نفر، وجارية نوار: أي نفور، ومنه اسم امرأة الفرزدق، وسمي نوراً لأن فيه اضطراباً وحركة.

والظلمة: عدم النور، وقيل: هو عَرَضٌ ينافي النور، وهو الأصح لتعلق الجعل بمعنى الخلق به ، والاعدام لا توصف بالخلق، وقد رده بعضهم لمعنى الظلم، وهو المنع، قال: لأن الظلمة تسد البصر وتمنع الرؤية .

قال الجوهري في الصحاح: النورُ: الضياءُ، والجمع أنْوارٌ. والنورُ أيضاً: النُفَّرُ من الظباء. قال مُضَرِّسٌ الأسديُّ، وذكَرَ الظباء وأنَّها قد كَنَسَتْ في شدة الحر:

تَدَلَّتْ عليها الشمسُ حتَّى كأنهـا من الحَرِّ تُرْمَى بالسكينةِ نورُها

ونسوةٌ نورٌ، أي نُفَّرٌ من الريبة. ونُرْتُ غيري، أي نفّرته. وأنارَ الشيءُ واسْتَنارَ بمعنًى، أي أضاء. والتَنْويرُ: الإنارةُ. والتَنْويرُ: الإسْفارُ. وتَنْويرُ الشجرةِ: إزْهارُها. يقال نَوَّرَتِ الشجرةُ وأنارَتْ أيضاً، أي أخرجت نَوْرَها. والنارُ مؤنّثة، وهي من الواو، لأن تصغيرها نُوَيْرَةٌ، والجمع نورٌ ونيرانٌ.

عَنْ أبي مالِكٍ الأشْعَريِّ - رضي الله عنه - قالَ: قالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: ((الطُّهورُ شَطْرُ الإيمانِ، والحَمْدُ للهِ تَملأُ المِيزانَ، وسُبحَانَ اللهِ، والحَمْدُ للهِ، تَملآنِ أو تَملأُ ما بَيْنَ السَّماواتِ والأرْضِ، والصَّلاةُ نورٌ، والصَّدقَةُ بُرهَانٌ، والصَّبْرُ ضِياءٌ، والقُرآنُ حُجَّةٌ لك أو عَلَيكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو، فَبائعٌ نَفْسَهُ، فمُعْتِقُها أو مُوبِقها)). رواه مسلم.

قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (بتصرف): وقولُه - صلى الله عليه وسلم -: ((والصلاةُ نورٌ، والصدقةُ برهانٌ، والصبرُ ضياءٌ))، وفي بعض نسخ " صحيح مسلم ": ((والصيام ضياءٌ))، فهذه الأنواع الثلاثةُ من الأعمال أنوارٌ كلُّها، لكن منها ما يختصُّ بنوعٍ من أنواع النُّور، فالصَّلاةُ نورٌ مطلق،.. أمَّا الصدقة، فهي برهان، والبرهان: هو الشُّعاعُ الذي يلي وجهَ الشَّمس، ومنه حديثُ أبي موسى: أنَّ روحَ المؤمن تخرُج مِنْ جسده لها برهان كبرهانِ الشَّمس، ومنه سُمِّيَت الحُجَّةُ القاطعةُ برهاناً؛ لوضوح

دلالتها على ما دلَّت عليه، فكذلك الصدقة برهان على صحة الإيمان...

وأمَّا الصبرُ، فإنَّه ضياء، والضياءُ: هو النُّورُ الذي يحصلُ فيه نوعُ حرارةٍ وإحراقٍ كضياء الشمس بخلاف القمر، فإنَّه نورٌ محضٌ، فيه إشراقٌ بغير إحراقٍ، قال الله - عز وجل -: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً﴾ ومِن هُنا وصف الله شريعةَ موسى بأنَّها ضياءٌ، كما قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ﴾ وإنْ كان قد ذكر أنَّ في التوراة نوراً كما قال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ﴾، ولكن الغالب على شريعتهم الضياءُ لما فيها مِنَ الآصار والأغلال والأثقال.

ووصف شريعةَ محمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - بأنَّها نورٌ لما فيها من الحَنيفيَّةِ السمحة، قال تعالى:

﴿قَدْ جَاءكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ وقال: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.

ولما كان الصبر شاقَّاً على النفوس، يحتاجُ إلى مجاهدةِ النفس وحبسِها، وكفِّها عمَّا تهواهُ، كان ضياءً، فإنَّ معنى الصَّبر في اللغة: الحبسُ، ومنه قَتْلُ الصبر: وهو أنْ يُحبَسَ الرَّجلُ حتى يقتل.

ومع أن اللغة لا تسعف كثيرا على الوقوف على وجه الفرق بين الضياء والنور، فإن القرآن الكريم استعملها وفق نظام محكم، دقيق، ولعل الفرق بين النور والضوء أن الضوء والضياء، لا بد معه من سراج يحترق، أو تصاحبه الحرارة، وما شابه، فهو مرتبط بالنار، فالشمس ضياء، والقمر نور، كون الشمس تنتج الضوء، والقمر يعكس الشعاع، فينير دونما ضياء، وهذا لا يعني أن الضياء ليس بنور، ولكن يعني أن الضياء يختص بخاصية، لا تلزم النور دائما، فتنبه لهذا،

والإنسان يمكن أن تأتيه حرارة الضوء فالنار المضيئة إذا خفتت وخمدت يبقى الجمر مخلفات النار وهو بصيص يُرى من مسافات بعيدة.

على أن الله تعالى قرن الظلمات بالنور، أي الهداية بالضلال، وجعل الظلمات دائما جمعا، والنور مفردا، لأن الحق واحد والباطل متعدد، لذلك كان الذهاب بالنور، لا بالضياء منسجما مع الموقف الموصوف من وقوع المنافق في الضلال والظلمات، وحجب النور عنه.

فلما قال تعالى ﴿ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ﴾ يعني أصغر الأمور التي فيها هداية زالت عنهم. لو قال في غير القرآن ذهب الله بضوئهم تعني يمكن أنه ذهب الضوء لكن بقيت الجمرات، تُرى من بعيد، لكن يريد القرآن أن يبين أن هؤلاء بعد أن أغلقوا قلوبهم ﴿ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ﴾ فَهُمْ ﴿لا يُبْصِرُونَ﴾ لا يبصرون شيئاً حتى الجمر الصغير ما بقي عندهم، بمعنى آخر، فقد يزول مصدر الضوء، الذي يشع الضوء، وتبقى أجسام بعده تعكس شيئا من بقايا نوره، كالشمس تختفي في الليل عن الأعين، ولكن يبقى القمر يعكس لنا من ضوئها ما يذكرنا بضياء الشمس، لكن هنا لم يبق من نارهم التي استوقدوها لا الضوء ولا النور.

فعلى النقيض من استوقد النار، نجد أن ﴿ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ﴾، لم تحتج للزيادة في المبنى، لتكون على شاكلة: أذهب الله نورهم،

أذهبت هذا الشيء أي جعلته يذهب أذهبته فذهب، أنت فعلت وهو أيضاً إستجاب للفعل. فلو قال أذهب الله نورهم كأنها تعني أمر النور أن يذهب فاستجاب وذهب، لكن هذا الذي ذهب قد يعود. أما صورة ﴿ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ﴾ كأن الله تعالى اصطحب نورهم بعيداً عنهم وما اصطحبه الله عز وجل لا أحد يملك أن يعيده. هذا نوع من تيئيس الرسول صلى الله عليه وسلم من المنافقين.

إنه يعني مضى به واستصحبه وهذا يدلك أنه لم يبق لهم مطمع في عودة النور الذي افتقدوه كما تقول عن خبر لا يعرفه إلا شخص واحد وقد مات فتقول ذهب فلان بالخبر إذا لم يعد لك أمل في معرفته.

ومما يزيد الوصف دقة أنه بذهاب الضياء، والنور، تركهم الله تعالى في ظلمات، بعضها فوق بعض، لا يبصرون، حالهم فيها: حال الأصم الأبكم الأعمى، لا مجال لديه للرجوع، لفقده وسائل الإحساس التي هي آلات العقل والفهم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ .

 

Link to comment
Share on other sites

المثل المائي والمثل الناري 5

 

المثل المائي:

والمثل الثاني: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (19) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَـٰرِهِمْۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20)﴾

إنه مشهد عجيب، حافل بالحركة، مشوب بالاضطراب. فيه تيه وضلال، وفيه هول ورعب، وفيه فزع وحيرة، وفيه أضواء وأصداء.. صَيِّب من السماء هاطل غزير ﴿فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾.. ﴿كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾.. ﴿وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا﴾.. أي وقفوا حائرين لا يدرون أين يذهبون. وهم مفزعون: ﴿يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾..

ولسائل أن يسأل، ففيم تكرار التمثيل لحال المنافقين، لم احتجنا إلى مثلين، وما وجه النظم بينهما؟

أما وجه النظم بين هذه الآية وبين سابقتها فهو: أنه كرر التمثيل وأطنب في التصوير إشارةً الى احتياج تصوير حال المنافقين في دهشتهم وحيرتهم الى نوعين منه، إذ:

خلاصة التمثيل الأول هي:

ان المنافق يرى نفسَه في صحراء الوجود منفردةً عن الأصحاب مطرودةً عن جمعية الكائنات خارجةً عن حكم شمس الحقيقة. يصير كلُ شئ في نظره معدوماً ويرى المخلوقات أجنبية كلها، ساكنة وساكتة استولت عليها الوحشة والخمود، واليأس وبذل الجهد في غير طائل.

فهي تصوير لأهمية الفكر في حياة الإنسان، إذ أن المحجوب عن الحقيقة، محجوب عن العالم، حاله من حال ذلك الأصم الأبكم الأعمى، الذي لا أمل له في الرجوع، وإن كان مزودا على الحقيقة بآلات السمع والإبصار والكلام، إلا أن فائدة هذه كلها إن لم تخدم قضية الفكر والهدى، والاعتقاد السليم، فإن عدمها ووجودها سواء.

وأين هذا من حال المؤمن الذي يرى بنور الايمان كل الموجودات أحبّاءه ويستأنس بكل الكائنات؟، ويدرك حقيقة وجوده، ويمشي على صراط مستقيم؟

وخلاصة التمثيل الثاني هي:

ان المنافق يظن ان العالَم بأجزائه ينعي عليه بمصائبه ويهدده ببلاياه ويصيح عليه بحادثاته ويحيط به بنوازله كأن مصائب الدنيا الكبرى، وأهوالها العظيمة انصبت على رأسه في وضع كان في مسيس الحاجة فيه لأي نوع من الرعاية والهداية ليبصر معالم طريقه، فزادته الأهوال كربا على كرب وغما على غم.

وتبين لنا أهمية الفكر في وصول المرء إلى سلام نفسي مع نفسه، ومحيطه، ليعمر الأرض وفق منهج الله الحق، وأن الحيدة عن هذا المنهج السليم، تفضي بالإنسان إلى قلق وخوف وترقب، وأذى مثل هذا على المجتمع شديد.

وأيضاً تكرار التمثيل ايماء الى انقسام المنافقين الى الطبقة السفلية العامية المناسبة للتمثيل الاول والى الطبقة المتكبرة المغرورة الموافقة للتمثيل الثاني، فخطر الطبقة الثانية بمحاولتها المساس بأمن المجتمع، وسلامة معتقداته، ويتمثل في حربها الإعلامية الضروس على الاسلام، وممالأة أعدائه، وبأنها اليد التي يضرب أعداء الله بها المؤمنين، إن كانت اليد العليا للإسلام في المجتمع، فضربهم في الخفاء، وإن كانت ساعة الباطل تتحكم آنًا في المجتمع، فضربهم في العلن.

ولكنهم وهم يفعلون هذا، يعيشون في خوف شديد، من أن تنقلب عليهم الدائرة، وأن تبطش بهم الجموع فلا تبقي منهم ولا تذر، فقوتهم مستمدة من تآمرهم، ودسائسهم، لا من مفاهيم مجتمعهم ومقاييسه وقناعاته، وترابط ناسه، فلئن كانت ساعة الباطل ساعة، عاشوا فيها يجهرون بمؤامرتهم، فإن ساعة الحق إلى قيام الساعة، فهم يحذرون قيام ساعة الحق، حذرهم من الموت!.

قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾، يجد المتأمل في هذا الجزء من الآية في مقابلاته العَجَبَ حقاً، فهو مركب من تسع كلمات تقابلت كلها باستثناء ﴿فيه﴾: (كلما ـ إذا) و(أضاء ـ أظلم) و(لهم ـ عليهم) و(مشوا ـ قاموا)، وقد أتت هذه المقابلة متجانسة وضعاً وتسلسلاً وصياغة.

وقد عرض لجزء من فنون هذا الجزء الزمخشري بتعليقه: فإن قلت كيف قيل مع الإضاءة ﴿كلما﴾ ومع الإظلام ﴿إذا﴾؟ قلت: لأنهم حراص على وجود ما هَـمُّهُم به معقود من امكان المشي وتأتيه فكلما صادفوا منه فرصا انتهزوها، وليس كذلك التوقف والتحبس.

بينما لم يشر إلى ملاءمة أضاء لأظلم، ولهم لعليهم، ومشوا لقاموا فيما تعطي من جودة التركيب وعظيم الدلالة، وسنبين ذلك بعد قليل ان شاء الله.

Link to comment
Share on other sites

المثل المائي والمثل الناري 6

أما وجه النظم بين الجمل:

فاعلم! ان التنزيل لما قال ﴿أَو كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ مشيراً الى انهم كالذين اضطروا الى السفر في أرض موحشة في ليلة مظلمة تحت مطر شديد،كأن قطراتِه مصائبُ تصيب مرماها بصَوبها وقد ملأت الجوّ بكثرتها؛ استيقظ ذهن السامع منتظراً لبيان السبب في أن صار الصيّبُ الذي هو في الأصل رحمة مرغوبة مصيبةً هائلة فقال مصوراً لدهشته: ﴿فيه ظلمات﴾ مشيراً الى ان المطر كما هو ظَرفٌ لظلمة السحاب ولكثافته؛ حيث أن ﴿في﴾ ظَرفيَّة، كذلك لأجل عمومه وكثرته واحاطته كأنه ظرف للَّليلةِ الـمُتَفَتِتَة قطراتٍ مسودةً بين قطراته، فامتزجت قطرات سواد الليل الحالك الظلمة، بسواد ظلمات المطر المنهمر ملء السمع والبصر، يحجب كل بصيص للنور..

ثم ما من سامع يسمع ﴿فيه ظلمات﴾ الا وينتظر لبيانٍ. كأن المتكلمَ سمع صدى الرعد من ذهن السامع المتفكر في هول المنظر، فقال: ﴿ورعد﴾ مشيراً الى تهويل الحال وتشديدها بأن السماء أميرة الموجودات عزمت على اهلاكهم، وتصيح عليهم برعدها؛ وتصب عليهم جام غضبها، لا تصطفي من حُلْكَةِ المشاهد البصرية أظلمها، إلا بقدر ما تضفي المشاهد السمعية على المشهد من أهوالٍ، بقصف رعودها المزمجرة، اذ المصاب المدهوش يتخيل من الكائنات المجتمعة على اضراره، حركة تأخذ بمجامع نفسه نحو الهلع والرعب، تجتمع عليه قوى، لا قبل له بالهرب من بعضها، يحسب كل صيحة عليه..

ثم ان السامع لايسمع الرعد الاّ ويستهل فيبرق في ذهنه رفيقه الدائميّ، ولذلك قال: ﴿وبرقٌ﴾ مشيراً بالتنكير الى انه غريب عجيب. نعم! هو في نفسه عجيب؛ اذ بتولده يموت عالمٌ من الظلمات فتطوى وتلقى الى العدم، وبموته فجأة يحيى ويحشر عالم من الظلمات. كأنه نار حينما تنطفئ تورث ملء الدنيا دخاناً من العتمة الحالكة.

ثم إن الرعد والبرق ظرف في هذه الظلمات المتراكبة، فليس هو البرق البعيد النائي، ولا الرعد المزمجر في الأفق، بل إن صيب المطر المنهمرَ ظلماتٍ من حولهم، يحتوي في ظلماته تلك الرعد والبرق، جنبا إلى جنب مع الصيب المصيب، فهما محيطان إحاطة تنخلع لها قلبه المنخلع أصلا جراء تراكم وحشة تلك الظلمات.

ثم بعد هذا التصوير كأن ذهن السامع يتحرك سائلا: كيف يعملون؟ وبِمَ يتشبثون؟ فقال: ﴿يجعلون أصابعهم في اذانهم من الصواعق حذر الموت﴾ مشيراً الى ان لامناص ولا ملجأ ولا منجى لهم حتى انهم كالغريق يتمسكون بما لايُتَمَسك به. فمن التدهش يستعملون الأصابع موضع الأنامل كأن الدهشة تضرب على أيديهم فيدخلون الأصابع من الوجع في الآذان ومن التبله انهم يسدون الآذان لئلا تصيبهم الصواعق..

ثم بعد هذا يتحرى ذهنُ السامع سائلا: أعمّت المصيبة أم خصّت فيُرجى؟ فقال: ﴿والله محيط بالكافرين﴾ مشيراً الى ان هذه المصيبة جزاءٌ لكفرانهم النعمة. يؤاخذهم الله تعالى به لشذوذهم عن القانون الالهي المودع في الجمهور.

ثم لما سمع شدة الرعد يحدّث نفسه بـ "ألا يفيدهم البرق بأراءة الطريق"؟ فقال:

﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ مشيراً الى انه كما ان الرعد يعاديهم فلا يستطيعون السمع؛ كذلك البرق فطبيعي أن من كان في تلك الظلمات الحالكة، ولمع في عينيه برق خاطف، أن تخطف هالة الضوء الشديدة بصره..

ثم بعد سماع تجاوب الكائنات على عداوتهم ينادي ذهن السامع بـ "فما مصير حالهم وما يفعلون؟ وبمه يشتغلون؟" فقال: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ مشيراً الى انهم مشوشون مترددون متحيرون مترقبون لأدنى فرصة ولأدنى رؤية للطريق. فكلما تراءت لهم يتحركون لكن كحركة المذبوح لاضطراب أرواحهم، ويتخطون خطى يسيرة مع علمهم بأن لافائدة، وكلما غشيتهم الظلمة فجأة ينجمدون في مقامهم..

فالبرق يضيء لحظات، ما أن تنجلي شدة الضوء عن أبصارهم المخطوفة بعد إظلامها، ليتحسسوا الطريق فبالكاد يستنيرون منه على حَدَسٍ، فيمشون فيه، إلا ويظلم عليهم ثانية، فيُضاعف لهم العذاب.

ثم يستعد ذهنُ السامع للاستفسار بـ "لِمَ لايموتون أو يعمون أو يصمون بالمرّة فيخلصون عن الاضطراب؟" فقال: ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَـٰرِهِمْۚ﴾ أي ليسوا مستحقين للخلاص من الاضطراب ولهذا لاتتعلق المشيئة بإماتتهم ولو تعلقت لتعلقت بذهاب سمعهم وبصرهم. ولكن بقاء السمع لاستماع العقاب ووجود البصر لرؤية العذاب أجدر بمن شذ ونشز عن قانونه تعالى..

وإن العذاب ليتضاعف بتكراره، وإن استحقاقهم لذلك العذاب، جراء مشيهم المتكرر في الفتنة في مجتمعاتهم، وجراء تهديدهم لسلامة تطبيق منهج الله في الأرض، ذلك المنهج الحق المنسجم مع قانونٍ أقام الله عليه الملكوت الأعلى كله، ما هو إلا نتيجة طبيعية ومجازاة بالمثل، تتكرر فيه عذاباتهم، ويصبها عليهم الملكوت الأعلى بما لا قبل لهم على دفعه، وهذا هو لب القصة وأسها وأساسها، لأن القضية الأهم في سورة البقرة، هي استخلاف الانسان لتحقيق منهج الله الذي قام عليه الملكوت الأعلى بقسمٍ أقسمه الله تعالى، بأن حرم الظلم على نفسه، وجعله محرما في السموات والأرض، فمن سعى لإقامة غير منهج الله في الأرض، بارز الله تعالى بالمعصية العظمى، وأدخل الجَورَ على ملكوت الله في الأرض، وعمل بكل ما أوتي من قوة الدسائس والمكائد لتحقيق هذا الظلم والجور في الأرض، فاستحق أن يُعَذَّب هذا العذاب العظيم.

ثم ان هذه القصة لما احتوت على نقاط يتلوح من معاطفها استطراداً: العظمة والقدرة الالهية وتصرفه تعالى في الكائنات، ولا سيما يتذكر السامع تبعا في تلافيفها عجائب الرعد والبرق والسحاب، كان من حق السامع المتيقظ وجدانُه ان يعلن ويقول: سبحانه ما أعظم قدرةَ مَنْ هذه الكائنات تجلِّي هيبته وهذه المصيبات تجلِّي غضبه. فقال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾.

 

عن صفحة:

إعجاز القرآن الكريم - فأتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثلِهِ Miracles Of The Quran

Link to comment
Share on other sites

المثل المائي والمثل الناري 7

وأما نظم هيئات جمله جملة:

فاعلم! ان ﴿أو﴾ في ﴿أَو كَصَيِّبٍ﴾ إشارة الى انقسام حال الممثل الى قسمين، ورمز الى تحقيق المناسبة بين التمثيلين وبينهما وبين الممثل له وايماء الى مسلّمية المشابهة.. وأيضا متضمن لـ "بل" الترقية؛ اذ التمثيل الثاني اشدّ هَوْلاً.

وأن ﴿كَصَيِّبٍ﴾ لعدم مطابقته للمثل يقتضي تقدير لازم ، والسكوت عن اظهار المقدر للايجاز، والايجاز في اللفظ لاطناب المعنى باحالته على خيال السامع بالاستمداد من المقام، وإطلاق الخيال بعد هذا الوصف المثير لهذا المشهد، ميدان فسيح للعقول لتُجري خيولها في مضماره، فتستنبط منه معاني تصلح للإسقاط على واقع المنافقين والمتأمرين على الأمة، فتكشف خبايا نفوسهم وسوء واقعهم فينفر منهم المجتمع، ويأنف المرء أن يكون واحدا منهم.

فبعدم المطابقة كأنه يقول: أو كالذين سافروا في أرض قفر خالية وليلة مظلمة فاصابتهم مصائب بصيب. وان العدول عن لفظ المطر المأنوس المألوف الى الصيب رمز الى أن قطرات ذلك المطر كمصائب ترمى اليهم بقصد فتصيبهم مع فقد الساتر عليهم.

وان ذكر ﴿من السماء﴾ مع بداهة ان المطر لا يجئ الاّ من جهتها ايماء بالتخصيص الى التعميم وبالتقييد الى الاطلاق، وتذكير بأن سبب ذلك كله هو خروجهم على قانون العدل العام الذي قامت عليه تلك السماء، فبجعلهم الأرض استثناء من ذلك القانون الرباني العام، استحقوا أن ينزل عليهم الغضب من جهات السماء كلها.

وأما هيئات جملة: ﴿فيه ظلمات﴾ المسوقة للتهويل؛ فتقديم ﴿فيه﴾ اشارة الى ان خيال المصاب المدهوش والسامع المستحضر خياله لتلك الحال يتوهم ان ظلمات الليالي الكثيرة أُفرغت بتمامها في تلك الليلة. وأما الظرفية مع ان الصيب مظروف فرمز الى ان المتدهش بتلك المصيبة يظن فضاء العالم حوضا قد ملئ من المطر، فما الليل الا مظروف مُفَتَّتٌ بين أجزائه، وما الرعد والبرق إلا بعض من ذلك الفتات المظلم المحيط به من كل مكان.

وأما جمع "الظلمات" فايماء الى تنوعها من ظلمة سواد السحاب وكثافته وانطباقه، ومن تقارب دفعات المطر وتكاثف قطره، ومن تضاعف ظلمة الليل. وأما تنكير ﴿ظلمات﴾ فللاستنكار، ولجهل المخاطب فهو تأكيد ﴿ظلمات﴾، ولأن الظلمات دائما هي مقابل النور، فبدلا من سلوك سبيل النور الواحد المستقيم، تأخذه الظلمات كل مأخذ، وتضعه في هذا الجو المرعب بمحض اختياره.

وأما لفظ ﴿يجعلون﴾ بدل "يدخلون" فايماء الى انهم من شدة رعبهم وهولهم، لا يكادون يدركون موضع آذانهم -فيسهل عليهم وضع أو إدخال الأنامل فيها-، بل من هولهم ومفاجأة الرعد لهم، كأنهم يبحثون عنها، ثم ما أن يجدوها وأيديهم مرتجفة من خوفهم فيحشونها بما استطاعوه لإرتاج أبوابها أمام هذا العويل الذي ملأ الفضاء، ومقام المذعور ليس كمقام الآمن الذي يسمع الرعد فيدخل أنامله في أذنيه اتقاء لصوت بعيد!.

وأما ﴿أصابعهم﴾ بدل "أناملهم" فاشارة الى شدة الحيرة من هول المفاجأة، باستعمال الأصابع موضع الأنامل، ولمقابلة شدة الصوت بأن تُسد كل مداخل الصوت إلى الأذن بسداد محكم فاحتيج للأصابع!

وأما في ﴿اذانهم﴾ فايماء الى شدة الخوف من صدى الرعد حتى يخيل اليهم انه لو دخل الرعد في شبكة الآذان لطيّر الأرواح من أبواب الأفواه. وفيه رمز لطيف الى انهم لما لم يفتحوا آذانهم لنداء الحق والنصيحة عوقبوا من تلك الجهة بنعرات الرعد، فسدوا هنا ما سدوا هناك، كمن اخرج كلاما شنيعا مِن ِفيهِ يُضْرَب على فمه فيدخُل يمين الندامة في فيه ويضع يسار الخجالة على عينه.

وأما ﴿من الصواعق﴾ فاشارة الى اتحاد الرعد والبرق على اضراره؛ اذ الصاعقة صوت شديد معه نار محرقة تصرع من صادف.

وأما ﴿حذر الموت﴾ فاشارة الى ان البلاء جذّ اللحم الى العظم، وجاز الأحوال الى الحياة، فما يعنيهم الاّ غم الموت وحفظ الحياة.

وأما هيئات جملة ﴿والله محيط بالكافرين﴾

فاعلم! ان "الواو" تقتضي المناسبة، وما المناسبة الا بين هذه وبين التابع لمآل السابقة. فكأن هذه "الواو" تقرأ عليهم: "هم قوم فروا من العمارة ونفروا من الحضارة وعصوا قانون العدل الذي قامت عليه السموات وأنزله الله للأرض ليحكمها، فأنزل الله عليهم عذابا محيطا كي لا يهرب منهم آمل بالنجاة".

وأما لفظ ﴿الله﴾ فرمز الى قطع آخر رجائهم؛ اذ المصاب انما يلتجئ ويتسلى اولاً وآخراً الى رحمة الله، بل إن الكافر إذ تزمجر من حوله العواصف في لجة البحر يلجأ إلى الله آملا بقدرته العلية أن تأخذ بيده، ولكنهم في حالهم تلك حين استحقوا غضب الله تعالى انطفأ ذلك الرجاء.

وأما لفظ ﴿محيط﴾ فايماء الى ان هذه المصائب المحيطة آثار غضبه تعالى، فكما ان السماء والسحاب والصيّب والليل تهجُم عليهم من الجهات الست؛ كذلك غضبه تعالى وبلياته محيطة بهم.. وأيضاً علمه تعالى وقدرته محيطان بكل الكائنات، وأمره شامل لكل الذرات. فكأن ﴿محيط﴾ يتلو عليهم: ﴿لاتنفذون من أقطار السموات والأرض﴾، ﴿فأينما تولوا فثمَّ وجه الله﴾.

وأما تعلق "الباء" فرمز الى انهم وقعوا فيما هربوا عنه فصاروا هدفا للسهام.

وأما التعبير بالكافرين فاشارة الى اراءة تمثال الممثل - أعني المنافقين - في مرآة التمثيل، لئلا يتوغل فيه ذهن السامع فينسى المقصد.. ورمز الى ان المشابهة وصلت الى درجة، وتضايق المسافة بينهما الى حدّ يتراءيان معا، فتمتزج الحقيقة بالخيال.. وأيضاً ايماء الى ظلمة قلوبهم اذ وجدانهم أيضاً يعذبهم لقصورهم وجنايتهم؛ اذ من رأى جزاء جنايته لايستريح وجدانه.

وأما ﴿كلما﴾ في الاضاءة و ﴿اذا﴾ في الاظلام فاشارة الى شدة حرصهم على الضياء ينتهزون ادنى الضياء فرصة، ويشير إلى سرعة قدوم الإظلام ليحل محله.

وأما ﴿أضاء لهم﴾ بلام الاَجْلية والنفع فرمز الى ان المصاب المدهوش يستغرق في حاجة نفسه متعلقا بأدنى أمل له بالنجاة من بحر تلك الظلمات، فيظن أنه المراد بهذا البريق خاصة، ويد القدرة انما ارسلته لأجله، حتى إذا أظلم ثانية ولـمّا يمشي من طريقه خطوات على غير هدى، لا يعلم أسار فيها للأمام أم إلى الوراء، تضاعف همه وازداد نكده.

واما ﴿مشوا﴾ مع اقتضاء الفرصة السير السريع فاشارة الى ان أبصارهم ما أن تخرج من هيئة انخطافها لتعرضها لوهج البرق بعد ظلمة حالكة، فترى بعض معالم الطريق، فتحاول المسير، لا تدري بأي اتجاه، فكيف يكون سيرهم الاّ مشيا يحاكي حركة المذبوح.

واما ﴿فيه﴾ فاشارة الى أن مسافة حركتهم الضياءُ الذي هو لون الزمان فكأنه يحدد لهم المكان، فإن لمع من خلفهم ساروا للوراء، وإن لمع من أمامهم تبعوا مواطن ما أضاء لهم، فكيف يأمل من كان هذا حاله أن يبلغ هدفا أو أن يخرج من تلك الظلمات إلى مكان آمن منير؟.

واما ﴿وإذا﴾ فـ "الواو" رمز الى تجديد المصيبة لتشديد التأثير، ورمز إلى سرعة حدوثها وفُجاءة نقمتها. وأما الاهمال والجزئية في "إذا" عكس "كلما" فاشارة الى شدة نفرتهم وتعاميهم، فتأخذهم وهم منغمسون في آن الفرصة.

وأما ﴿أظلم﴾ بالاسناد إلى البرق فاشارة إلى أن الظلمة بعد الضياء أشد. وإيماء إلى أن خيال المصاب لما رآى البرق طرد الظلمة ثم ذهب وامتلأ موضعه بالظلمات يتخيل انه انطفأ الأمل في نفسه من جديد.

وأما ﴿عليهم﴾ الملوِّح بالضرر فاشارة إلى أن الاظلام ليس تصادفيا بل جزاء لعملهم. ورمز الى ان المدهوش يتخيل الظلمةَ المالئة للفضاء كأنها تقصد - من بين الأشياء - ذلك الانسان الصغير الذليل وتجعله خاصة هدفَ هجومها وإضرارها.

واما ﴿قاموا﴾ بدل "سكنوا" فاشارة الى انهم بالمصيبة وشدة التشبث تقوّسوا كالراكعين كما هو شأن المجدِّين في العمل، إذ أن قام تقال لمن كان قاعدا فنهض، وجلس تقال لمن كان مضطجعا فنهض، فكأنهم كانوا من خوفهم أقرب إلى الجثاة على ركبهم اتقاء تلك المصائب، فلما لاح لهم بصيص أمل قاموا.

 

عن صفحة:

Link to comment
Share on other sites

المثل المائي والمثل الناري 8

 

وأما هيئات جملة ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَـٰرِهِمْۚ﴾ فالـ "واو" بسر الربط تلوّح الى ان يد القدرة تتصرف تحت حجاب الأسباب، وان نظر الحكمة يراقب من فوق جميع العلل.

وأما ﴿لو﴾ فهي حرف شرط يفيد امتناع لامتناع، امتنع حصول إذهاب الله تعالى لسمعهم وأبصار لامتناع تعلق مشيئته بذلك الأمر، وذلك لأن في بقائها في تلك الحال مزيد تعذيب لهم على ما اقترفته أيمانهم، ف ﴿لو﴾ تفيد أن عدم المشيئة علة لعدم ذهابهما؛ كما ان عدم الذهاب دليل على العلم بعدم المشيئة بذهابهما. وأيضاً رمز الى ان السبب بلغ النهاية.

وأما ﴿شاء﴾ فاشارة الى ان الرابط بين السبب والمسبَّب انما هي المشيئة والارادة الإلهية. فالتأثير للقدرة، وما الاسباب إلا حجاب العزة والعظمة لئلا تباشر يد القدرة بالأمور الصغيرة في ظاهر نظر العقل.

وأما التصريح بلفظة ﴿الله﴾ فاشارة الى زجر الناس عن الإِبتلاء بالأسباب والانغماس فيها. وأيضا لدعوة الأذهان الى رؤية يد القدرة خلف كل الأسباب..

وأما حذف مفعول ﴿شاء﴾ وان كان واجبا بالقاعدة المطردة فيجوز بقرينة اخواته ان يكون ايماء الى عدم تأثر المشيئة والارادة الالهية بأحوال الكائنات وعدم تأثير الأشياء في الصفات الالهية كما تتأثر ارادة البشر بحسن الأشياء وقبحها وعظمتها وصغرها.

واما ﴿لذهب﴾ فاشارة الى ان الأسباب ليست مسلطة ومستولية على المسببات حتى اذا رُفعت بقيت المسببات في جوف العدم تلعب بها يد التصادف وتشتّتها بالاتفاق، بل يد القدرة حاضرة خلف الأسباب. اذا أخرجت الأشياءَ تأخذها يدُ الحكمة الالهية بقانون الموازنة والانتظام، ترسلها الى مواقع اُخر ولاتهملها.

وكذا في ﴿ذهب﴾ رمز الى ان الحواس الخمس الظاهرة ليست متولدة عن الطبيعة ولا لازمة لتجاويف السمع والبصر، بل انما هي هداياه تعالى وعطاياه. وما التجاويف والأسباب الاّ شرائط عادية.

وأما التعدية بالباء بدل الهمزة فايماء الى ان يد القدرة لا تطلق الأشياء عن حبل الأسباب، غَاربُها على عنقها بل تضع ازمّتها بيد نظام.

وأما إفراد "السمع" مع جمع "البصر" فاشارة الى إفراد المسموع وتعدد المبصر، إذ الف رجل يسمعون شيئاً واحداً مع تخالف المبصرات.

 

Link to comment
Share on other sites

المثل المائي والمثل الناري 9

 

﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾

وأما هيئات جملة ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ فاعلم! أنها فذلكة لتحقيق الدهشة في التمثيل والممثل له تشير الى انه كما لا تهمل دقائق أحوال المصابين المتمثلة لجزئيات أحوال المنافقين؛ كذلك يُرى في كل ذرة تصرف القدرة الالهية.واما ﴿إِنَّ﴾ فمع اشارتها الى ان هذا الحكم من الحقائق الراسخة، رمز الى عظمة المسألة ووسعتها ودقتها، وعجز البشر وضعفه وقصوره عنها المولِّدة للأوهام المنتجة للتردّد في اليقينيات.

واما التصريح بلفظة ﴿الله﴾ فايماء الى دليل الحكم، اذ القدرة التامة الشاملة لازمة للالوهية.

وأما ﴿عَلَىٰ﴾ فايماء الى ان القدرة المخرجة للاشياء من العدم لا تتركها سُدىً هَملاً، بل ترقب عليها الحكمة وتربيها.

وأما ﴿كُلِّ﴾ فاشارة الى ان القدرة تعم كل ما تفكر به، وتقدر على كل من يفكر أن قدرته تعالى لا تحيط به.

وأما لفظ ﴿شَىْءٍ﴾ بمعنى مشئ أي ما تعلقت به المشيئة، فاشارة الى ان الموجودات بعد وجودها لاتستغني عن الصانع بل تفتقر في كل آن لبقائها - الذي هو تكرر الوجود - الى تأثير الصانع، وأنه المتحكم بها.

وأما لفظ ﴿قَدِيرٌ﴾ بدل "قادر" فرمز الى ان القدرة ليست على مقدار المقدورات فقط، وانها ذاتية لا تغير فيها، ولازمة لاتقبل الزيادة والنقصان لعدم امكان تخلل ضدها حتى تترتب شدة ونقصانا.. وتلويح الى ان القدرة كالجنس وكميزان الصرف، أعني: (فَعَلَ) لجميع الأوصاف الفعلية من الرزاق والغفار والمحيي والمميت وغيرها. تفكر فيما سمعت حق التفكر! .

 

Link to comment
Share on other sites

البقرة من الآية الحادية والعشرين إلى الآية التاسعة والعشرين:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22) وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24) وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25) إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27) كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28) هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29)﴾

تحليل موضوعي إجمالي لهذه الآيات:

إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدِ افْتَتَحَ هَذِهِ السُّورَةَ بِذِكْرِ كِتَابِهِ الْقُرْآنِ وَكَوْنِهِ حَقًّا لَا رَيْبَ فِيهِ. وَذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أَصْنَافَ الْبَشَرِ تُجَاهَهُ مِنَ الْمُهْتَدِينَ بِهِ بِالْقُوَّةِ وَبِالْفِعْلِ، وَمِنَ الْكَافِرِينَ الَّذِينَ فَقَدُوا الِاسْتِعْدَادَ لِلْهُدَى، وَمِنَ الْمُنَافِقِينَ الْمُذَبْذَبِينَ، وَبَعْدَ هَذَا التَّمْهِيدِ جَاءَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ الْتِسْعُ بَعْدَهَا مُصَرِّحَاتٍ بِدَعْوَةِ جَمِيعِ النَّاسِ إِلَى دِينِ اللهِ تَعَالَى الْحَقِّ بِبَيَانِ أُصُولِهِ وَأُسُسِهِ، وبربط عجيب بين نظام الله الذي أنزله في كتابه ليسير عليه الناس، وبين نظام الكون، يدور ذلك على حقيقة الخلق والإماتة والبعث والنشور والثواب والعقاب، فكأنما الآيات تبين أهمية سير الناس على منهج ربهم، مذكرةً إياهم بأن كونا عظيما، خُلِقَ، وأُجريت فيه سننٌ دقيقة، من مخلوق صغيرٍ قد تحقرونه في نظركم معاشرَ الناس، إلى السموات السبع، ومُهِّدَ لاستقبالكم، لتعمروه وفق منهجٍ أنزله في كتابه العزيز، ولئن ارتبتم في أن هذا المنهج من لدن هذا الخالق العظيم، فإني أتحداكم وأثبت عجزكم، ثم أحذركم بأن الأمر جدٌ ليس بالهزل ولا بالعبث، فهذه سمواتٌ خُلقت، وسننٌ قُدِّرت، ونظامٌ نُظِّم بدقة متناهية، خلقه الله بالحق، وسخَّر اللهُ ذلك كله خدمة لهذا الانسان، وهذا كله لاختبار توحيد الله تعالى في ربوبيته، وفي عبادته، وللسير على منهجه، ويترتب على ذلك ثوابٌ وعقابٌ، وموتٌ ومن ثم بعثٌ فنشورٌ، فجنةٌ ونارٌ، فلا هزل حتى على مستوى البعوضة فما فوقها، فلو أنتم نظرتم إلى البعوضة، واحتقرتموها، فإنما لنظرتكم السطحية، التي لا تربط الأسباب بعظمة مسبباتها، وتنظر إلى الخارج، ولا تتمعن في الباطن، وأما بالنظر الى ملكوتية الأشياء، وعظمة خلقها، فكلها شفّافة عالية، من البعوضة إلى السموات العلى . وهذه الجهة هي محل تعلق القدرة، لايخرج من التعلق شيء؛

ثم تجد الربط العجيب بين نظام الله المبثوث في كتابه، والذي هو منهج سير الانسان عليه، وبين نظام الله المبثوث في كونه؛ إذ أن قراءة آيات كتاب الله المفتوح (الكون) ستفضي حتما إلى التدليل على تصديق كتاب الله تعالى المقروء (القرآن)، على ان الآيات المكتوبَةَ على ذرّةٍ بالجواهرِ الفردةِ ليست بأقل جزالةً من الآيات المكتوبةِ على صحيفة السماء بمداد النجوم، فكل مخلوقات الله تعالى شاهدة ودليل على عظمة الخالق، وإن خلقة الذباب ليست بأدنى صنعا من خلقة الفيل. فالكلام كالقدرة، والله الذي يتحدى لإثبات صحة نسبة المنهج الحق إليه بأصغر سورة من مثله، يمثل بعظيم قدرته ممثلة ببعض ما تستحقرونه من أصغر المخلوقات، والذي خلق هذا الكون ليسخِّرَهُ لهذا الانسان، إنما خلقه ليعبده هذا الانسان وحده، ولا يتخذ معه أندادا فيه، لينسجم في عقدٍ حباتُه نُظِمَتْ من نظام الوجود، ونظام هَدْيِ خالقِ الوجودِ، فلا ترى من يشذ عن هذا الانسجام إلا الكافرين!

وأول هذه الآيات تقرر حقيقة التوحيد، وثانيها، تبين للناس عظيم قدرته، وطلاقة قدرته، وسوابغ نعمه، مما ينفي عنه الند والشريك، وثالثها: تقرر حقيقة صدق نبوة محمد عليه سلام الله، والتحدي بمعجزته، وصدق نسبة القرآن إلى رب العالمين سبحانه، ثم تقرر عجزهم وتثبته عليهم، وتبين لهم أن هذا الأمر جد ليس بالهزل، فإن الموقف الذي تتخذونه حياله، إما أن يوردكم النار، أو يدخلكم جنة عرضها السموات والأرض، ولولا خطورة هذا الأمر ما كان ترتيب أشد العقوبة على ذلك الموقف، أو أعظم الجزاء، وفاقا ومناسبا، ولكن لخطورة هذا الموقف المطلوب اتخاذه، كان مصيريا بالنسبة للبشر، يتعلق بشكل حياة أزلية بعد هذه الحياة الدنيا.

 

Edited by عبد الله العقابي
Link to comment
Share on other sites

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾

 

قال الزمخشري في الكشاف: وبلغنا بإسناد صحيح عن إبراهيم عن علقمة: أنّ كل شيء نزل فيه: ﴿يا أيها الناس﴾ فهو مكي، و﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ فهو مدني، فقوله: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم﴾ خطاب لمشركي مكة، ، ورأي القرطبي رحمه الله أدق، إذ قال: قلت: وهذا يردّه أن هذه السورة والنساء مدنِيّتان وفيهما ﴿يا أيها الناس﴾. وأما قولهما في ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فصحيح. وقال عُرْوة بن الزبير: ما كان من حَدّ أو فريضة فإنه نزل بالمدينة، وما كان من ذكر الأمم والعذاب فإنه نزل بمكة. وهذا واضح.

تأخذنا هذه الآيات إلى رحاب الأمر العظيم من الله تعالى للناس جميعهم، أن اعبدوا الله، الذي خلق الجن والإنس ليعبدوه، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾ ﴿اعبدوا ربكم﴾، وقد تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْنَى الْعِبَادَةِ وَمَعْنَى الرَّبِّ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْفَاتِحَةِ. وَبَدْءُ الدَّعْوَةِ بِالْأَمْرِ بِعِبَادَةِ اللهِ تَعَالَى وَحْدَهُ هُوَ سُنَّةُ جَمِيعِ الْمُرْسَلِينَ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ فَكَانَ كُلُّ رَسُولٍ يَبْدَأُ دَعْوَتَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ فالله تعالى اسمه المستحق للعبادة، إذ أن معنى "الله" أي المألوه المعبود بحق، الذي تعبده الخلائق، وتتأله له محبة وتعظيما وخضوعا له، وفزعا إليه في الحوائج والنوائب، لما له من صفات الألوهية وهي صفات الكمال.

قال الجوهري في الصحاح: أَلهَ بالفتح إِلاهَةً، أي عَبَدَ عِبَادَةً. وإلاهَةُ أيضاً: اسمٌ للشمس. والآلِهَةُ: الأصنامُ، سَمَّوها بذلك لاعتقادهم أنَّ العبادة تَحُقُّ لها، وأسماؤهم تَتْبَعُ اعتقاداتِهم لا ما عليه الشيء في نفسه. والتَأْليهُ: التعبيد. والتَأَلُّهُ: التَّنَسُّكُ والتَعَبُّدُ.

والعَبْدَ: خلاف الحُرِّ، والجمع عبيدٌ وأعبُدٌ وعِبادٌ، وأصل العُبودِيَّةِ الخضوعُ والذلُّ. والتعبيدُ: التذليلُ يقال: طريقٌ مُعَبَّدٌ. والعِبادة: الطاعةُ. والتَعَبُّدُ: التَنَسُّكُ. ، فأصل العبادة: الذل واللين، قال الخليل: إلاّ أنّ العامة اجتمعوا على تفرقةِ ما بين عباد الله والعبيدِ المملوكين. يقال هذا عبدٌ بيِّن العُبُودَة. ولم نسمَعْهم يشتقُّون منه فعلاً، ولو اشتق لقيل عَبُد، أي صار عبداً وأقرَّ بالعُبُودة، ولكنّه أُمِيت الفعلُ فلم يُستعمل. قال: وأمّا عَبَدَ يُعبُد عِبادةً فلا يقال إلاّ لمن يُعبُد اللهَ تعالى.

يقال منه عَبَد يعبُد عبادة، وتعبَّد يتعبّد تعبّداً. فالمتعبِّد: المتفرِّد بالعبادة. واستعبدتُ فلاناً: اتخذتُه عبداً. وأمّا عَبْد في معنى خَدَم مولاه فلا يقال عبَدَه، ولا يقال يعبُد مَولاه. وتعبَّدَ فلانٌ فلاناً، إذا صيَّره كالعبد له وإن كان حُرَّاً. قال: تَعبَّدَني نمرُ بنُ سعدٍ وقد أُرى *** ونِمر بنُ سعدٍ لي مطيع ومُهْطعُ

ويقال: أعْبَدَ فلانٌ فلاناً، أي جعله عبداً.

وهو تعالى ينادي الناس هنا أن يعبدوه، فهو خالقهم، أفلا يتذلل المرء لخالقه؟ وهو يعلم أن ناصيته بيده؟

افلا يتنسك المرء لخالقه؟ شاكرا لأنعمه، لابسا ثوب الرجاء، والمحبة، والخشية، في آن؟

يقول ابن الجوزي في دعاء الخاشعين المنكسرين : (عرض لي أمر لي يحتاج إلى سؤال الله عز وجل ودعائه، فدعوت وسألت. فأخذ بعض أهل الخير يدعو معي، فرأيت نوعاً من أثر الإجابة. فقالت لي نفسي: هذا بسؤال ذلك العبد لا بسؤالك، فقلت لها: أما أنا فإني أعرف من نفسي من الذنوب والتقصير ما يوجب منع الجواب، غير أنه يجوز أن يكون أنا الذي أُجِبْتُ، لأن هذا الداعي الصالح سليمٌ مما أظنه من نفسي، إذ معي انكسار تقصيري ومعه الفرح بمعاملته. وربما كان الاعتراف بالتقصير أنجح في الحوائج، على أنني أنا وهو نطلب من الفضل، لا بأعمالنا، فإذا وقفت أنا على قدم الانكسار معترفاً بذنوبي. وقلت أعطوني بفضلكم فما لي في سؤالي شيءٌ أُجبتُ به.

وربما تلمح ذاك حسن عمله وكان صاداً له. فلا تكسريني أيتها النفس فيكفيني كسر علمي بي لي.

ومعي من العلم الموجب للأدب، والاعتراف بالتقصير، وشدة الفقر إلى ما سألت، ويقيني بفضل المطلوب عنه، ما ليس مع ذلك العابد، فبارك الله في عبادته. فربما كان اعترافي بتقصيري أوفى. )

قال الإمام الطبري في تفسيره: فَقَالَ لَهُمْ جَلَّ ذِكْرُهُ: فَالَّذِي خَلَقَكُمْ وَخَلَقَ آبَاءَكُمْ وَأَجْدَادَكُمْ وَسَائِرَ الْخَلْقِ غَيْرَكُمْ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى ضَرِّكُمْ وَنَفْعِكُمْ أَوْلَى بِالطَّاعَةِ مِمَّنْ لاَ يَقْدِرُ لَكُمْ عَلَى نَفْعٍ وَلاَ ضَرٍّ.

وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِيمَا رُوِيَ لَنَا عَنْهُ يَقُولُ فِي ذَلِكَ نَظِيرَ مَا قُلْنَا فِيهِ، غَيْرَ أَنَّهُ ذُكِرَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي مَعْنَى: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ وَحِّدُوا رَبَّكُمْ.

وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا عَلَى أَنَّ مَعْنَى الْعِبَادَةِ الْخُضُوعُ لِلَّهِ بِالطَّاعَةِ وَالتَّذَلُّلُ لَهُ بِالاِسْتِكَانَةِ.

وَالَّذِي أَرَادَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِقَوْلِهِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ وَحِّدُوهُ: أَيْ أَفْرِدُوا الطَّاعَةَ وَالْعِبَادَةَ لِرَبِّكُمْ دُونَ سَائِرِ خَلْقِهِ .

 

عن صفحة:

Link to comment
Share on other sites

الفهم الدقيق لتوحيد الربوبية وتوحيد العبودية:

 

يكثر الكلام في هذا المقام عما يسمى: توحيد الألوهية، وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، وهو ما تقول به مدرسة الإمام العلامة ابن تيمية رحمه الله تعالى رحمة واسعة، وسأنقل بعض النقولات من كلامه رحمه الله، ليستبين المنهج الصحيح في التعامل مع هذه القضية من كلامه رحمه الله إذ يقول:

قال الإمام ابن تيمية في مجموع الفتاوى المجلد الأول: وقد يكون كونهم عبيدًا: هو اعترافهم بالصانع وخضوعهم له وإن كانوا كفارًا، كقوله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِالله إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ وقال رحمه الله في مجموع الفتاوى المجلد الثاني: وأما توحيد الإلهية فهو الشرك العام الغالب، الذي دخل من أقرَّ أنه لا خالق إلا الله، ولا رب غيره من أصناف المشركين، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِالله إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾، كما قد بسطنا هذا في غير هذا الموضع.

وقال في مجموع الفتاوى المجلد الحادي عشر: فأما [توحيد الربوبية] وهو الإقرار بأنه خالق كل شيء، فهذا قد أقر به المشركون الذين قال اللّه فيهم: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِالله إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ قال ابن عباس: تسألهم من خلق السموات والأرض؟ فيقولون: / اللّه، وهم يعبدون غيره.

وقال في مجموع الفتاوى المجلد الرابع عشر: والثانى حال الكفار والفساق والعصاة الذين فيهم إيمان به وإن كانوا كفاراً، كما قال: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِالله إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ فهم مؤمنون بربوبيته، مشركون فى عبادته، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم لحُصَيْن الخزاعى: (يا حصين، كم تعبد؟) قال: سبعة آلهة؛ ستة فى الأرض وواحدا فى السماء، قال: (فمن الذي تدع لرَغْبَتك ورَهْبَتك؟)، قال: الذي فى السماء، قال: (أسلم حتى أعلمك كلمة ينفعك اللّه تعالى بها)، فأسلم، فقال: (قل: اللهم ألهمني رشدي، وقِنِي شر نفسي) رواه أحمد وغيره.

وقال في المجلد السادس عشر: فإن قيل: فالمشرك يعبد الله وغيره بدليل قـول الخليـل: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبِّ العَالَمِين﴾ [الشعراء: 75،77]، فقد استثناه مما يعبدون، فدل على أنهم كانوا يعبدون الله. وكذلك قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف:26،27] قيل: هذا قول المشركين، كما تقول اليهود والنصارى: نحن نعبد الله. فهم يظنون أن عبادته مع الشرك به عبادة وهم كاذبون في هذا. وأما قول الخليل، ففيه قولان؛ قال طائفة: إنه استثناء منقطع، وقال عبد ٱلرَّحْمَـٰن بن زيد: كانوا يعبدون الله مع آلهتهم. وعلى هذا، فهذا لفظ مقيد. فإنـه قال: ﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾. فسماه عبادة إذا عرف المراد، لكن ليست هي العبادة التي هي عنــد الله عبـادة. فـإنـه كما قـال تعالى: (أنـا أغني الشركاء عـن الشرك. من عمل عملا أشرك فيه غيري فأنا منه بريء، وهو كله للذي أشرك). وهـذا كقوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِالله إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾. سماه إيمانًا مـع التقييـد، وإلا فالمشرك الذي جعل مع الله إلهًا آخر لا يدخل في مسمي الإيمان عند الإطلاق. وقد قال: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: 51]، ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: 34]. فهذا مع التقييد. ومع الإطلاق. فالإيمان هو الإيمان بالله، والبشارة بالخير.إ.هـ.

وهذا الاقتباس الأخير، خير ما يرد به ابن تيمية رحمه الله على نفسه في الاقتباسات الثلاث الأولى، فليس صحيحا أن يوصف الكفار بأن لديهم توحيد ربوبية، فمنطوق القرآن خلاف ذلك في مواضع كثيرة: ﴿ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السموات والأرض﴾، ﴿ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا﴾، ﴿أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار﴾، ﴿وهم يكفرون بٱلرَّحْمَـٰن قل هو ربي﴾، وأما هم فلم يجعلوه ربا. ﴿تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برَبِّ العَالَمِين﴾ والمقام أضيق من التوسع في ذلك، والمهم أنه ليس لديهم توحيد ربوبية، بل هم كفار مشركون، ليس لديهم ولا بعض إيمان، ولا يكفي أن يقول المرء أن الله هو الخالق، وأن الرزق منه، لنقول بأنهم موحدون توحيد ربوبية، إذ أنهم يعتقدون أن أصنامهم تضر وتنفع، وهذا ما يقع في مفهوم الربوبية، حسب التقسيم القاضي بأن الربوبية هي الأفعال التي تقع من الرب على عباده، والألوهية توحيد الله في العبادة والاخلاص، وأن كل ما يفعله العبد تجاه ربه يوحده فيه، فالحاصل إذن أن الكفار ليس لديهم توحيد ربوبية ولا بعض إيمان وهذا ما نرمي أن نوصله في هذا السياق.

 

عن صفحة:

Link to comment
Share on other sites

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ )

 

وهؤلاء الكفار ممن دعتهم الأنبياء لعبادة الله وحده منهم من اعترف وأقر بِأَنَّ اللهَ خَالِقَ الْخَلْقِ، وهُوَ رَبُّهُمْ وَمُدَبِّرُ أُمُورِهِمْ، ولكنهم أشركوا في عبادته، كما أشركوا في ربوبيته ، ومخطئ من يظن عندهم توحيد ربوبية، أو أنهم آمنوا بالربوبية وأشركوا في العبادة!

فالأنبياء إذن تدعوهم للتوحيد الخالص، على منهج الحق، لا ما يظنونه من أنفسهم أنه عبادة!

﴿يا﴾ حرف وضع في أصله لنداء البعيد، صوت يهتف به الرجل بمن يناديه. وأما نداء القريب فله: أي والهمزة، ثم استعمل في مناداة من سها وغفل وإن قرب؛ تنزيلاً له منزلة من بعد، فإذا نودي به القريب المفاطن فذلك للتأكيد المؤذن بأن الخطاب الذي يتلوه معنيّ به جداً.

فإن قلت: فما بال الداعي يقول في جؤاره: يا رب، ويا الله، وهو أقرب إليه من حبل الوريد، وأسمع به وأبصر؟ قلت: هو استقصار منه لنفسه، واستبعاد لها من مظانّ الزلفى وما يقرّبه إلى رضوان الله ومنازل المقرّبين، هضماً لنفسه وإقراراً عليها بالتفريط في جنب الله، مع فرط التهالك على استجابة دعوته والإذن لندائه وابتهاله،

ومن هذا الباب تجد دعاء الأنبياء ربهم مباشرة من غير: يا، في قوله تعالى على لسان زكريا عليه السلام: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (38)﴾ وعلى لسان موسى عليه سلام الله: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آَتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (88)﴾، وفي دعاء نبي الرحمة محمد عليه سلام الله: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (80)﴾ وهكذا.

إلا ما كان من خطاب محمد صلى الله عليه وسلم ربه في خاتمة الزخرف بقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (87) وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (88) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (89)﴾، وقوله في الفرقان: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا (30)﴾، ففي هذين الموضعين، ورد نداء النبي لربه بيا المخاطب، وليس ذلك إيذانا بالبعد، بل

التفاتا عن الخطاب في قوله ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ﴾ [الزخرف: 87]، فإنه بعد ما مضى من المحاجة ومن حكاية إقرارهم بأن الله الذي خلقهم، ثم إنهم لم يتزحزحوا عن الكفر قيد أنملة، حصل اليأس للرسول من إيمانهم فقال ﴿يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ التجاء إلى الله فيهم وتفويضا إليه ليجري حكمه عليهم.

وهذا من استعمال الخبر في التحسر أو الشكاية وهو خبر بمعنى الإنشاء مثل قوله تعالى ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً﴾ [الفرقان:30]

أي لم يعملوا به فلم يؤمنوا، ويؤيد هذا تفريع ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ﴾ [الزخرف: 89] ففي ضمير الغيبة التفات لأن الكلام كان جاريا على أسلوب الخطاب من قوله ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ﴾ [الزخرف: 87] فمقتضى الظاهر: وقولك: ﴿يا رب﴾ إلخ. ويحسن هذا الالتفات أنه حكاية لشيء في نفس الرسول فجعل الرسول بمنزلة الغائب لإظهار أن الله لا يهمل نداءه وشكواه

وفي هذه الحكاية تعظيم للشكاية وتخويف لقومه لأن الأنبياء كانوا إذا التجئوا إليه وشكوا إليه قومهم: حلّ بهم العذاب ولم يُنْظَروا .

فالحاصل إذن من أسلوب الالتفات هنا، التحذير لكفار مكة، الذين بالغوا في الكفر والعناد، بأن استعمال يا المخاطب، للبعيد، بمثابة رسالة لكفار مكة، أنكم صددتم عن دعوة هذا الرسول، وعن هدي هذا الرسول، فالآن الأمر بيني وبينكم، وقد أيأستم رسولي إليكم من هدايتكم، حتى شكاكم إلي شكوى من بلَّغَكُمْ رسالات ربكم بأقصى ما يستطيعه بشر، ولم ينل منكم إلا النفور والإعراض، حتى بلغ أن أوكل الأمر إلي، فانتظروا!

أو قد يكون من باب أن الرسول عليه سلام الله، أدبا مع ربه، يعتذر إليه بأن هذا ما أستطيعه كبشر، من باب أن حسنات الأبرار سيئات المقربين، فالمقرب يتهم نفسه بالتقصير حتى في عظائم الأمور التي يأتيها، يطمح دوما إلى الكمال، في أمور لو أتى المحسن أمثالها، لظن نفسه بلغ الدرجات العلى من القربى، ولعمري إن اتهام المقرَّب نفسَهُ لهو عين بلوغ الكمال إذا كان هذا المقرب هو النبي الأعظم عليه صلوات ربي وسلامه، واعترافاً بفضل تثبيت الله تعالى له، واعتذاراً منه، عن قوم هو على هداهم حريص، وعليهم مشفق من النار والعذاب، فخاطبه بخطاب مناجاة البعيد، طالبا منه العون على هذه المهمة العظيمة الخطيرة، والله تعالى أعلم.

 

عن صفحة:

Link to comment
Share on other sites

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ )

 

و﴿أَيُّ﴾ في قوله: ﴿أَيُّهَا﴾ وصلة إلى نداء ما فيه الألف واللام، كما أنّ «ذو» و«الذي» وصلتان إلى الوصف بأسماء الأجناس ووصف المعارف بالجمل. وهو اسم مبهم مفتقر إلى ما يوضحه ويزيل إبهامه، فلا بد أن يردفه اسم جنس أو ما يجري مجراه يتصف به حتى يصح المقصود بالنداء، فالذي يعمل فيه حرف النداء هو «أيّ» والاسم التابع له صفته، كقولك: يا زيد الظريف؛ إلا أن «أيا» لا يستقل بنفسه استقلال «زيد» فلم ينفك من الصفة. وفي هذا التدرّج من الإبهام إلى التوضيح ﴿يا أيها الناس﴾ ضرب من التأكيد والتشديد. وكلمة التنبيه المقحمة بين الصفة وموصوفها لفائدتين: معاضدة حرف النداء ومكانفته بتأكيد معناه، ووقوعها عوضاً مما يستحقه أيّ من الإضافة.

 

عن صفحة:

Link to comment
Share on other sites

  • 2 weeks later...

﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22)﴾

يقول رب العالمين سبحانه وتعالى للناس، اعبدوا ربكم، ويذكرهم بأنه هو خالقهم، وأنه أعد لهم الأرض فراشا، وبنى السماء بناء، وأنزل منها ماء، وأخرج لهم بذلك من الثمرات رزقا، فحري بكم بعد أن رأيتم من نعم الله عليكم، وعجائب قدرته وعظيم فعاله في هذا الكون، أن لا تجعلوا له أندادا!

فما معنى الند؟

قال ابن منظور في اللسان: و النِّدُّ بالكسر: المِثلُ والنظير والجمع أَندادٌ وهو النَّدِيدُ والنَّدِيدَةُ قال لبيد: لكَي لا يكون السَّنْدَرِيُّ نَدِيدَتي وأَجْعَلَ أَقْواماً عُمُوماً عَماعِما

وفي كتابه لِأُكَيْدِرَ وخَلْعِ الأَنْدادِ والأَصنامِ: الأَنْدَادُ جمع نِدَ بالكسر وهو مثل الشيء الذي يُضادُّه في أُموره و يُنادُّه أَي يخالفه ويريد بها ما كانوا يَتخذونه آلهة من دون الله، تعالى الله. وفي التنزيل العزيز: ﴿واتخذوا من دون الله أَنْداداً﴾ قال الأَخفش: النِّدُّ الضِّدُّ والشِّبْهُ. وقوله: يجعلون أَنْداداً أَي أَضداداً وأَشباهاً. ويقال: نِدُّ فلان ونَدِيدُه ونَدِيدَتُه أَي مِثْلُه وشَبَهُه. وقال أَبو الهيثم: يقال للرجل إِذا خالفك فأَردت وجهاً تذهب به ونازعك في ضِدِّه: فلان نِدِّي ونَدِيدي للذي يريد خلافَ الوجه الذي تريد وهو مستقِلٌّ من ذلك بمثل ما تستَقِلُّ به قال حسان: أَتَهْجُوهُ ولَسْتَ له بِنِدٌّ فَشَرُّكُما لِخَيْرِكُما الفِدَاءُ

أَي لست له بمثل في شيء من معانيه. ويقال: نَادَدْتُ فلاناً إِذا خالفته. ابن شميل: يقال فلانة نِدُّ فلانة وخَتَنُها وتِرْبُها. قال: ولا يقال فلانة نِدُّ فلان ولا ختنُ فلان فَتُشَبِّهُها به. انتهى

وحتى نفهم هذا المعنى الخطير، فلا بد أن نتناوله باستنارة في التفكير، فنقول وبالله تعالى التوفيق:

يتنزه الله تعالى، ويتعالى الله تعالى، عن أن يشبه شيئا، أو أن يشبهه شيء، أو أحد، في ذاته، وفي صفاته، أو أن يكون أحد له ندا، أو شريكا، أو ظهيرا، أو مثيلا، أو كفوا، أو سميا، أو نظيرا، أو مساويا سواء في ذاته أو في صفاته، وإليك التفصيل:

أما التنزيه، فقد نزه الله سبحانه وتعالى نفسه وذاته العلية عن مشابهة ما يشركونه به في شيء، سبحان الله عما يشركون، أي أنزه الله سبحانه تنزيها كاملا عن مشابهة ما خرقوا له من شركاء آلهة في الأرض يعبدونها من دونه،

وكذلك نزه نفسه سبحانه وتعالى، عن أن يكون على ما وصفه أولئك الواصفون، ﴿سبحان ربك رب العزة عما يصفون،﴾ من أن يكون مشابها للمخلوقات في أن يكون له ولد، أو صاحبة، أو أن يكون له ولي من الذل، أو شريك في الملك،

وكذلك تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، ﴿قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لاَّبْتَغَوْاْ إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً 42 سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا 43 تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا 44﴾ الإسراء فكل ما في السموات والأرض من شيء إلا ينزه الله سبحانه وتعالى عن أن يكون معه إله، أي يشترك معه في صفة الألوهية في شيء من مقتضياتها، فهو يخالف كل المخلوقات في كل شيء، ولا تشترك معه المخلوقات في شيء مما هو من صفاته الذاتية أو ذاته سبحانه وتعالى.

﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزوَاجاً وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَيْءٌۖ، وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾ (11) الشورى

﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ الفرقان: 2 ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ (4) الاخلاص،

﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ (الإسراء: 111) ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ (65) مريم

وقوله تعالى: ﴿فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (74) النحل، ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 22)

﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾، الصافات 180، الزخرف: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ 80 قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ 81 سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ 82﴾ الزخرف،

﴿وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ 100 بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ 101 ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ 102 لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ 103﴾ الأنعام ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِّنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ 21 لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ 22﴾ الأنبياء ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ 91 عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ 92﴾ المؤمنون ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ 158 سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ 159 إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ 160﴾ الصافات ﴿اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ 255﴾ البقرة ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ 43﴾ الطور، ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ 22 هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ 23 هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ 24﴾ الحشر، ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ 3 النحل، ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾ 3 الجن، وتعالى أن يُساوى المخلوق بالخالق، ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (98)﴾،

 

عن صفحة:

Link to comment
Share on other sites

﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22)﴾ (2)

 

﴿فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (74) النحل، وهنا يمنع قياس الغائب على الشاهد، يقول الطبري: فلا تـمثلوا لله الأمثال، ولا تشبِّهوا له الأشبـاه، فإنه لا مِثْل له ولا شِبْه. يقول: والله أيها الناس يعلـم خطأ ما تـمثلون وتضربون من الأمثال وصوابه، وغير ذلك من سائر الأشياء، وأنتـم لا تعلـمون صواب ذلك من خطئه.

قال القرطبي: فإن قيل: كيف أضاف المثل هنا إلى نفسه وقد قال: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ ٱلأَمْثَالَۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ فالجواب أن قوله: ﴿فلا تضربوا لله الأمثال﴾ أي الأمثال التي توجب الأشباه والنقائص؛ أي لا تضربوا لله مثلاً يقتضي نقصاً وتشبيهاً بالخلق. والمثل الأعلى وصفه بما لا شبيه له ولا نظير، جَلّ وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون عُلُوّاً كبيراً. ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ ٱلسَّوْءِۖ وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلأعْلَىٰۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ تقدّم معناه. انتهى

فنحن نلزم غرز ما أمر الله به بأن لا نضرب له الأمثال، وبأن نقرر أن له تعالى المثل الأعلى،

وقال الرازي: وفيه وجوه: الأول: قال المفسرون: يعني لا تشبهوه بخلقه. الثاني: قال الزجاج: أي لا تجعلوا لله مثلاً، أو أنه واحد لا مثل له.

وقال الالوسي: والمراد من الضرب الجعل فكأنه قيل: فلا تجعلوا لله تعالى الأمثال والاكفاء فالآية كقوله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا﴾ وهذا ما يقتضيه ظاهر كلام ابن عباس، فقد أخرج ابن جرير. وابن المنذر. وابن أبـي حاتم عنه رضي الله تعالى عنه أنه قال في الآية: يقول سبحانه لا تجعلوا معي إلهاً غيري فإنه لا إله غيري.

وجعل كثير الأمثال جمع مثل بالتحريك، والمراد من ضرب المثل لله سبحانه الإشراك والتشبيه به جل وعلا من باب الاستعارة التمثيلية، ففي الكشف إن الله تعالى جعل المشرك به الذي يشبهه تعالى بخلقه بمنزلة ضارب المثل فإن المشبه المخذول يشبه صفة بصفة وذاتاً بذات كما ان ضارب المثل كذلك فكأنه قيل: ولا تشركوا بالله سبحانه، وعدل عنه إلى المنزل دلالة على التعميم في النهي عن التشبيه وصفاً وذاتاً، وفي لفظ ﴿ٱلامْثَالَۚ﴾ لمن لا مثال له أصلاً نعي عظيم عليهم بسوء فعلهم، وفيه ادماج أن الأسماء توقيفية وهذا هو الظاهر لدلالة الفاء وعدم ذكر ضرب مثل منهم سابقاً، وهذا الوجه هو الذي اختاره الزمخشري وكلام الحبر رضي الله تعالى عنه لا يأباه فقوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ تعليل للنهي أي أنه تعالى يعلم كنه ما تفعلون وعظمه وهو سبحانه معاقبكم عليه أعظم العقاب وأنتم لا تعلمون كنهه وكنه عقابه فلذا صدر منكم وتجاسرتم عليه. انتهى

والمثل قال الراغب: ((أعم الألفاظ الموضوعة للمشابهة وذلك أن الند يقال لما يشارك في الجوهر فقط والشبه لما يشارك في الكيفية فقط والمساوي لما يشارك في الكمية فقط والشكل لما يشارك في القدر والمساحة فقط والمثل عام في جميع ذلك، ولهذا لما أراد الله تعالى نفي الشبه من كل وجه خصه سبحانه بالذكر))، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَيْءٌۖ، وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾.

وقد روى البخاري رضي الله عنه عن عبدِ الله. قال حدَّثني واصل عن أبي وائِل عن عبد الله رضيَ الَّلهُ عنه قال: «سَألتُ ـ أو سُئلَ ـ رسول الله صلى الله عليه وسلّم أيُّ الذنبِ عندَ الله أكبرُ؟ قال: أن تجعل للَّهِ نِدّاً وهو خَلقَك. قلتُ: ثم أيُّ؟ قال: ثم أن تَقتلَ ولدَك خشيةَ أن يطعمَ معك. قلتُ: ثم أيُّ؟ قال: أن تُزاني بحليلةِ جارك. قال ونزَلَتْ هذه الآية تصديقاً لقول رسولِ الله صلى الله عليه وسلّم: ﴿والذينَ لا يدعونَ مع الله إلهاً آخر، ولا يَقتلونَ النفسَ التي حرَّمَ الَّلهُ إلاَّ بالحقّ ولا يزنون﴾ (الفرقان: 68).

وروى البخاري رضي الله عنه: حدَّثنا عَبدانُ عن أبي حمزةَ عنِ الأعمش عن شقيق عن عبدِ الله «قال النبيُّ صلى الله عليه وسلّم كلمةً، وقلت أخرَى: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلّم: من ماتَ وهوَ يَدعو من دون اللَّهِ نِدّاً دخلَ النار. وقلتُ أنا: من مات وهو لا يدعو للَّهِ نِدّاً دخلَ الجنة».

 

عن صفحة:

Link to comment
Share on other sites

﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22)﴾ (3)

 

وفي سنن النسائي الصغرى، أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ عَنْ مَعْبَدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ قُتَيْلَةَ، امْرَأَةٍ مِنْ جُهَيْنَةَ: «أَنَّ يَهُودِيًّا أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلّم فَقَالَ: إنَّكُمْ تُنَدِّدُونَ وَإنَّكُمْ تُشْرِكُونَ تَقُولُونَ مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ وَتَقُولُونَ وَالْكَعْبَةِ فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلّم إذَا أَرَادُوا أَنْ يَحْلِفُوا أَنْ يَقُولُوا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ وَيَقُولُونَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شِئْتَ».

فما هي أمثلة الصور التي يجعل المرء فيها مع الله تعالى ندا، سواء بعلم أو بغير علم؟

أفظع الصور اتخاذ الشريك مع الله تعالى، فالعرب في الجاهلية عبدوا الأصنام ليقربوهم إلى الله زلفى، فعبادتهم تلك اتخاذ للأصنام أندادا لله تعالى، ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلُّوا عَن سَبِيلِهِۦۗ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ﴾ ﴿وَإِذَا مَسَّ ٱلانسَـٰنَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُۥ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُۥ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِىَ مَا كَانَ يَدْعُوۤا إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِۦۚ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًاۖ إِنَّكَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ﴾ ﴿قُلْ أَﯨـِٕنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِى خَلَقَ ٱلأرْضَ فِى يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُۥۤ أَندَادًاۚ ذَٰلِكَ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾

والصورة الثانية: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ ٱللَّهِۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوآ أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِۗ وَلَوْ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤا إِذْ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ أَنَّ ٱلْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعَذَابِ﴾ ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُۥۤ أَندَادًاۚ وَأَسَرُّوا ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا ٱلْعَذَابَ وَجَعَلْنَا ٱلأغْلَـٰلَ فِىۤ أَعْنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواۚ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فهؤلاء اتخذوا السادة والحكام والأمراء أندادا لله، بأن أطاعوهم في معصية الله، واتبعوهم على باطلهم، فتوعدهم الله تعالى بأن سادتهم، وكبراءهم سيتبرءون منهم يوم القيامة، فهذه الصورة الثانية المقيتة لاتخاذ الأنداد من دون الله، هكذا أبرز القرآن الكريم هاتين الصورتين لاتخاذ الأنداد مع الله تعالى.

والمتأمل في هاتين الصورتين، قد يرى فيهما صورة الضلال الفكري في أن يوصل المرء غير الله لدرجة أن يكون ندا لله تعالى، كالأصنام والهوى، فهذه صورة اتخاذ الشريك مع الله.

وفي الثانية، صورة الاستعباد، والتذلل لغير الله، بأن لا يكون المرء مرتبطا بالله تعالى، فيظن أن رزقه بيد غير الله، فيطيع ذلك الغير في معصية الله، أو يظن أن ناصيته بيد ذلك السيد أو الحاكم، فلا يعترض على تشريعاته التي تخالف منهج الله تعالى، فقوام الصورة الثانية إذن ومدارها هو إبراز صورة من لا يتعلق بالله تعالى، من لا يدرك الصلة بالله تعالى في كل صغيرة وكبيرة، فيتعلق بأسباب البشر، ولا يتعلق بحبل الله المتين، ولا يتمسك بالعروة الوثقى، وما يكون ذلك منه إلا عن ضعف في الإيمان.

﴿وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ حال من ضمير ﴿لا تجعلوا﴾ والمفعول مطروح أي: وحالكم أنكم من أهل العلم والمعرفة والنظر وإصابة الرأي فإذا تأملتم أدنى تأمل علمتم وجود صانع يجب توحيده في ذاته وصفاته لا يليق أن يعبد سواه، أو مقدر حسبما يقتضيه المقام ويسد مسد مفعولي العلم، أي: تعلمون أنه سبحانه لا يماثله شيء، أو أنها لا تماثله ولا تقدر على مثل ما يفعله.

 

عن صفحة:

Link to comment
Share on other sites

﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾

 

قال الجوهري في الصحاح: السَماءُ يذكر ويؤنّث أيضاً، ويجمع على أَسْمِيَةٍ وسماوات. والسَماءُ: كلُّ ما علاك فأظلّك، ومنه قيل لسقف البيت: سَماءٌ. والسَماءُ: المطر، يقال: ما زلنا نطأ السَماءَ حتَّى أتيناكم. قال الشاعر:

إذا سقط السَماءُ بأرض قومٍ رَعَيْناهُ وإنْ كانوا غَضابـا

ويجمع على أَسْمِيَةٍ وسُمِيٍّ. قال العجاج: تلفُّه الرِياحُ والسُمِيّ

والسُمُوُّ: الارتفاع والعلوّ. تقول منه: سَموْتُ وسَمَيْتُ، مثل عَلَوْتُ وعَلَيْتُ. وفلان لا يُسامى. وقد علا من ساماهُ. وتَسامَوا، أي تبارَوْا. وسَما لي شخصٌ: ارتفعَ حتّى اسْتَثْبَتُّهُ. وسَما بصره: عَلاَ. انتهى

وقال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة: (سمو) السين والميم والواو أصلٌ يدل على العُلُوِّ. يقال سَمَوْت، إذا علوت. وسَمَا بصرُه: عَلا. وسَمَا لي شخصٌ: ارتفع حتّى استثبتُّه.

والعرب تُسمِّي السّحاب سماءً، والمطرَ سماءً، فإذا أريدَ به المطرُ جُمع على سُمِيّ. والسَّماءة: الشَّخص. والسماء: سقف البيت. وكلُّ عالٍ مطلٍّ سماء، حتَّى يقال لظهر الفرس سَماء. ويتَّسِعون حتَّى يسمُّوا النَّبات سماء. قال:

إذا نَزَلَ السَّماءُ بأرضِ قومٍ *** رَعَيْناهُ وإن كانوا غِضابا ويقولون: "ما زِلْنا نطأُ السَّماءَ حتَّى أتيناكم"، يريدون الكلأ والمطر. ويقال إن أصل "اسمٍ" سِمْو، وهو من العلوّ، لأنَّه تنويهٌ ودَلالةٌ على المعنى. انتهى

كما سبق وقلنا حين تناولنا ذكر القرآن الكريم للسماء، وأنه ذكرها في مراحل نشأتها الأولى، وفي الحياة الدنيا، وذكر مآلها عند قيام الساعة، تأكيدا على أهمية التفكر فيها،

فإن القرآن كذلك أكثر من ذكر المطر، وربطه بالرزق، ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ ونظائر هذه الآية،

وربطه بأنه باب من أبواب السماء ينفتح منهلا بالخير على من يؤمن ويقيم الاسلام في حياته، وأنه ماء مبارك، وأنه طهور في آيات أخرى.

﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (52)﴾

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (96)﴾

﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12)﴾

وأنه صنو وشبيه لإحياء الموتى، يضرب الله المثل به للتفكر، ولسان الحال يقول: هاأنتم تشاهدون بأم العين كيف ينزل المطر على الأرض الميتة، فيبث فيها كل أنواع الحياة، فالقادر على إحياء هذه الأرض الموات بالمطر، قادر على إحياء الناس بعد الموت ليبعثهم للحساب!

﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (65)﴾

﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (48) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (49)﴾، ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (48) وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (49) فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (50)﴾

﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (9) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (10) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (11)﴾

وأنه آية من آيات الله تعالى، التي علينا معاشر البشر أن نتفكر فيها، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164)﴾

﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (99)﴾

كما وصف كيفية نشوئه،

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (43)﴾

﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (14) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (15) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (16)﴾

وأنه ينزله بقدر،

﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (11)﴾

﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾

وكذلك أنه ينزله غضبا وعقوبة على أقوام، فقد ينزل عليهم من السماء صاعقة، أو صيحة أو مطرا يغرقهم، وما نبأ قوم نوح عنا ببعيد:

﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (10) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (14)﴾ ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ (162)﴾

وكذلك ضرب الله به مثلا للحياة الدنيا، للدلالة على هشاشة التعلق بها، وأنها إلى زوال.

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (21)﴾

﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (24)﴾

إذن فهذه هي أهم الأغراض التي تناولها القرآن الكريم في موضوع نزول المطر من السماء، ولن ندخل الآن في تفاصيلها كلها، بل نترك كل آية لموضعها من التفسير بإذن الله تعالى،

الآية التي بين يدينا تتكلم عن الرزق، وإنبات النبات بنزول المطر، يقول تعالى ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾، ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (14) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (15) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (16)﴾، ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (9) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (10) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (11))

عن صفحة:

Link to comment
Share on other sites

﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا﴾

﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24)﴾

سبق أن فصلنا في هذه الآية في فصل البرهان على أن القرآن معجز، فراجعه.

إن الآية السابقة لما أمرت بالعبادة استفسر ذهنُ السامع بـ "على أية كيفية نعبد"؟ فكأنه أجاب: كما علمكم القرآن! فعاد سائلا: كيف نعرف أنه كلام الله تعالى؟ فأجاب بقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾.

أما نظم الجمل بعضها مع بعض فهو:

إن جملة ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ قد وقعت في موقعها المناسب؛ إذ لما أمر القرآن بالعبادة كأنه سُئل: كيف نعرف أنه أمر الله حتى يجب الامتثال؟ فقيل له: إن ارتبتَ فجرِّب نفسك لتتيقن أنه أمر الله..

وأما نظم ﴿وادعوا شهداءَكم من دون الله﴾ ففيه إقامة الحجة بثلاثة أوجه:

أحدها: انهم يقولون عجزنا لا يدل على عجز البشر.. فأفحمهم بقوله: ﴿وادعوا شهداءكم﴾ أي كبراءكم ورؤساءكم، أو أبلغكم وأقدركم على قول كلام يشبهه، لا تتركوا أحدا يستطيع إلا جئتم به.

والثاني: أنهم يزعمون: أنّا لو عارضنا فمن يلتزمنا ويدافع عنا؟ فألقمهم الحجر بأنه ما من مسلك الاّ وله متعصبون ولو عارضتم لظهر لكم شهداء يذبّون عنكم، فلو قال أحد قولا يقطع الحجة فيه، لشهد له شهود وانتشر خبره في الأرض، ولكنكم تعدمون شاهدا واحدا على أن المخاطَبين بالتحدي لا يحصيهم عدد.

وعلينا أن نتوقف قليلا مع هذا المعنى، فإنك لو تأملت ما نقل في التاريخ عن محاولات محاكاة القرآن، لوجدت إما انعداما لتلك المحاولات الجادة، أو أن تجد محاولات فاشلة لم تثمر نتيجة، أو محاولات فاشلة أنتجت نتاجا لا يرقى لمستوى الشعر علاوة على أن يرقى لمستوى القرآن، فالله تعالى بعلمه بين أنك لن تجد مثل هذه المحاولات الجادة التي ترقى لمستوى القرآن، أوليس من يقول هذا عليم خبير؟ أيقوله بشر؟ أي أيصرح بشر بأنني أتحدى أنه لن يستطيع أحد أن يصوغ مثل القرآن، بل مثل سورة منه، ثم يقطع بأن هذا لن يحصل إلى يوم القيامة، ثم يقطع بانعدام حتى الشهادة على وجود مثل ذلك الأمر؟

والثالث: أن القرآن كأنه يقول: لما استشهد النبيُّ عليه السلام الله تعالى صدّقه الله وشَهِد له بوضع سكة الاعجاز على دعواه. فان كان في آلهتكم وشهدائكم فائدة لكم فادعوهم. وما هذا الا نهاية التهكم بهم، أي لو كانت آلهتكم حق، فادعوها لتقول كلاما معجزا كهذا، فإن الإله من حقه أن لا يعجزه شيء من هذا، فها هي طريق المعارضة مفتوحة أمامكم، فادعوا هؤلاء الشهود!.

وان جملة ﴿إن كنتم صادقين﴾ إشارة إلى قولهم: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (31)﴾.. وكذا تعريض بأنكم لستم من أهل الصدق إلا أن يفرض فرضا، بل من أهل السفسطة، ما وقعتم في الريب من طريق طلب الحق بل طلبتم فوقعتم فيه.. ثم إن جزاء هذا الشرط محصل ما قبله أي فافعلوا.

 

عن صفحة:

Link to comment
Share on other sites

Join the conversation

You can post now and register later. If you have an account, sign in now to post with your account.

Guest
Reply to this topic...

×   Pasted as rich text.   Paste as plain text instead

  Only 75 emoji are allowed.

×   Your link has been automatically embedded.   Display as a link instead

×   Your previous content has been restored.   Clear editor

×   You cannot paste images directly. Upload or insert images from URL.

Loading...
 Share


×
×
  • Create New...