اذهب الي المحتوي
منتدى العقاب

الثورة السورية ومسارات التدويل - الاختراق -


الباحث محمد

Recommended Posts

الثورة السورية ومسارات التدويل

 

 

الاختراق

 

 

(11)

 

 

د. أكرم حجازي

 

 

18/11/2012

 

 

 

 

 

 

 

الاختراق هو (1) إقرار بوجود جسم صلب، و (2) تعبير عن الحاجة إلى نافذة تسمح بالولوج إليه، بغية إضعافه أو احتوائه أو السيطرة عليه أو التحكم به أو إتلافه بشكل تام. هذا هو ما تتعرض له الثورة السورية، منذ انطلاقتها. وتبعا لذلك فإن كل المستويات العسكرية والأمنية والإنسانية والعقدية والقيمية والاجتماعية والاقتصادية ... باتت عرضة للاستهداف والمطاردة عبر المبادرات السياسية أو الإغراءات العسكرية والأفخاخ الأمنية أو العروض المالية أو الإنسانية ... .

 

لا أحد يختلف، إلا من أبى، على أن الثورة السورية أصابت الجميع بصداع مزمن يهدد، لأول مرة، بإصابة النظام الدولي بخطر التفكك. وفي السياق ليس مهما ما يحتاجه السوريون أو يفكرون به .. وليس مهما أن تتفتت سوريا وتُدمَّر على مرآى العين ومسمع الأذن .. وليس مهما أن يغدو الجسد السوري موضعا لأوحش مشاهد التمزيق والتعذيب والقتل والردع .. ذلك أن المهم الوحيد اليوم ألا ينجح السوريون، ومن ورائهم العرب والمسلمون، في خلع المربط الطائفي الدولي من موضعه، لأن النجاح سيعني أن المربط اليهودي هو الهدف التالي قطعا .. وأن خلعه يعني بلا مواربة انزواء الحضارة الغربية .. وهذا ليس قولنا بل قول أهل المركز بلسان قادته. ومن لم يصدق أو يتعامى أو يعبث بالحقائق فليتابع ويتأمل ما سيلي!!!

 

ففي مقالة له في صحيفة «التايمز» البريطانية، سبقت الثورات العربية، (17/6/2010)، قال رئيس الوزراء الإسباني الأسبق، خوسيه ماريا أزنار، أن: « إسرائيل هي خط دفاعنا الأول في منطقة مضطربة تواجه باستمرار خطر الانزلاق إلى الفوضى، ومنطقة حيوية لأمن الطاقة لدينا بسبب الاعتماد المفرط على النفط الموجود في الشرق الأوسط، والمنطقة التي تشكل خط الجبهة في الحرب ضد التطرف، فإن سقطت فسنسقط معها ... إسرائيل هي جزء أساسي من الغرب وما هو عليه بفضل جذوره اليهودية / المسيحية، ففي حال تم نزع العنصر اليهودي من تلك الجذور وفقدان إسرائيل، فسنضيع نحن أيضاً وسيكون مصيرنا متشابكاً وبشكل لا ينفصم سواء أحببنا ذلك أم لا».

 

 

سبق للرئيس السوري بشار الأسد، حين سئل بعد الثورة التونسية والمصرية، عما إذا كان من الممكن أن تندلع ثورة في بلاده فأجاب بالنفي، مشيرا إلى أن « سوريا مختلفة»!!! ولما وقعت الثورة هدد بـ « إشعال الشرق الأوسط في ست ساعات»، وفي مقابلة عاصفة مع صحيفة « الصندي التلغراف – 30/10/2011 » البريطانية، ذكّر الأسد « المركز» بالواقع الذي لم يختلف عليه أحد منذ أن تم اختيار الطائفة « النصيرية» لتكون الأمينة على النظام الدولي وأمن المنطقة، فقال:

 

« إن سوريا اليوم هي مركز المنطقة .. سوريا مختلفة كل الاختلاف عن مصر وتونس واليمن. التاريخ مختلف، والواقع السياسي مختلف .. إنها الفالق الذي إذا لعبتم به تتسببون بزلزال، .. هل تريدون رؤية أفغانستان أخرى أو العشرات من أفغانستان؟ .. أي مشكلة في سوريا ستحرق المنطقة بأسرها .. إذا كان المشروع هو تقسيم سوريا، فهذا يعني تقسيم المنطقة برمتها ... ».

 

ذات الأمر كرره مؤخرا في حديث خاص لقناة « روسيا اليوم» نشرت مقتطفات منه في 8/11/2012، حيث حدد الأسد مكانة سوريا، أو بتعبير أدق الطائفة النصيرية، في النظام الدولي قائلا: « أعتقد بأن كلفة الغزو الأجنبي لسوريا، لو حدث، ستكون أكبر من أن يستطيع العالم بأسره تحملها، لأنه إذا كانت هناك مشاكل في سوريا، خصوصا وأننا المعقل الأخير للعلمانية والاستقرار والتعايش في المنطقة، فإن ذلك سيكون له أثر الدومينو الذي سيؤثر في العالم من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادي .. لا أعتقد بأن الغرب يمضي في هذا الاتجاه، لكنه إذا فعل فلن يكون بوسع أحد أن يتنبأ بما سيحدث بعد ذلك».

 

لغة صريحة وبليغة في توصيف الأسد لنظامه باعتباره خط الدفاع الأول والأخير عن « إسرائيل» وعن النظام الدولي .. لغة سبق وأثنت عليها صحيفة « هآرتس»، حين وصفت الأسد، أوائل انطلاقة الثورة، بـ « ملك ملوك إسرائيل»، أو حين اعترف رافي نوي، العميد الاحتياطي بالجيش الإسرائيلي، في مقال له بصحيفة « معاريف» بأن: « مصلحة إسرائيل هي أن يبقى الحكم العلوي في دمشق». لكن المرارة لم تفارق إيهود باراك، وزير الدفاع، وهو يرى: « النظام يتفكك بصورة مؤلمة» أو حين يطلق نتنياهو، رئيس الحكومة، صيحة فزع (14/11/2012) من أن: « النظام السوري يتفكك إلى قوى جديدة، وأن عناصر أكثر تطرفا ضد إسرائيل، تابعة للجهاد العالمي، باتت تترسخ على الأرض، ونحن نستعد للتعامل مع ذلك».

 

ولمن راقب صيحات الفزع « الإسرائيلي»، منذ بدء الثورة السورية، سيصاب بالدهشة. فهم مصابون بالرعب من جماعات إسلامية وطنية يشنون عليها حربا وحشية في غزة .. فكلها بالنسبة لهم منظمات إرهابية حتى لو كانت ملحدة!!! فكيف بحال « إسرائيل» إذا تعلق الأمر بجماعات إسلامية أو بثورة اجتماعية مميزة تهدد مجمل النظام الدولي؟

 

يقول بيني غانتس، رئيس أركان الجيش « الإسرائيلي»، لدى استقباله جنودا بمناسبة عيد « العُرش اليهودي – 4/10/2012»، إن الرئيس السوري: « يذبح شعبه ويفقد السيطرة في المكان الذي سيشكل في نهاية المطاف مخزن أسلحة في متناول أيدي جميع المنظمات الإرهابية». ويحذر من: « أن المنظمات الإرهابية، وبينها منظمات جهاد عالمي، أخذت تستقر في المنطقة»، مشيرا إلى أن: « إسرائيل ستواجه في سوريا وهضبة الجولان إما تهديداً عسكرياً عادياً إذا صمد النظام، أو تهديداً إرهابياً متصاعداً مع قدرة على الحصول على أسلحة بكميات كبيرة». وتنقل وكالة « يو بي آي – 11/10/2012» عن « إذاعة الجيش» تحذيرات ومخاوف عاموس جلعاد، رئيس الدائرة السياسية الأمنية بوزارة الدفاع « الإسرائيلية»، من عواقب سقوط نظام الرئيس السوري. فيقول: « لست متأكدا من أنه سيكون في سوريا نظام ديمقراطي كما نأمل»!!! .. طبعا هو يقصد ديمقراطية الأقليات والملحدين واللبراليين وأرباب « المركز». ثم يتابع: « أخشى أن الأسد سيبقى بالحكم بضعة شهور، وربما سنة أو سنتين، لكن في نهاية المطاف ثمة إمكانية بأن تتحول سوريا إلى كيان تسوده الفوضى، ولن يكون هناك عنوان للتحدث معه».

 

هكذا .. وبدون لف أو دوران؛ فإن المرابط الدولية الثلاثة في المنطقة، تضطلع بمهمة واحدة، تتمثل بالحفاظ على النظام الدولي بالصيغة التي استقر عليها بعد الحرب العالمية الثانية، وبما يضمن بقاء « العلمانية» ( بديلا عن الإسلام) و « الاستقرار» ( الأمن الدولي) و « التعايش» ( أمن إسرائيل). ولأنه لا بديل عن المربط الطائفي حتى الآن، لحماية المرابط الأخرى، إلا الطائفة النصيرية نفسها، فمن الطبيعي أن تتجه كافة التدخلات الدولية والإقليمية نحو تحقيق اختراق في عمق الثورة السورية.

 

هكذا؛ وبقطع النظر عن أية معايير أو خلفيات قيمية أو أخلاقية أو تباينات في موقف هذا الطرف بالمقارنة مع ذاك، مما يتصل بدعاوى حسن الظن وما إلى ذلك، فإن مبادرة الأخضر الإبراهيمي واجتماعات المعارضة السورية في العاصمة القطرية – الدوحة ( 4 – 8/11/2012) مثلتا أخطر محاولتين في هذا السياق. وكالعادة سنجتهد في حشد أكبر قدر ممكن من التصريحات الموثقة لأصحاب الشأن كي تكون منارة يهتدي به من ضل السبيل.

 

 

أولا: مبادرة الإبراهيمي

 

 

ما من مبادرة اتسمت بالغموض الشديد والعجب كما اتسمت به مبادرة الإبراهيمي. فعلى امتداد أسابيع طويلة، من الجولات الماراثونية بين العواصم الدولية واللقاءات والتصريحات، حرص الإبراهيمي منذ اللحظة الأولى على التكتم الشديد على « خطته» في احتواء الثورة السورية، وخاض صراعا إعلاميا مكشوفا، وحادا، مع بعض وسائل الإعلام على خلفية تصريحات نسبت إليه ونفاها، بغضب، جملة وتفصيلا. ولعل أغرب ما في مبادرة الإبراهيمي ذلك الحرص الشديد منه ومن القوى الدولية على « فكرة» غياب أي « خطة» له .. وادعائه، كلما سئل عن ذلك، بأنه بصدد استطلاع المواقف وإجراء مناقشات مع الأطراف المعنية أو تقديم أو تلقي « مقترحات» و « أفكار» تمهيدا منه لبناء تصور عن الأزمة أو « خطة متكاملة» كما يقول!!! ولسنا ندري كيف يمكن لشخصية دولية متمرسة في العمل الدبلوماسي كالأخضر الإبراهيمي لا تمتلك أية تصورات عن حقيقة ما يجري في سوريا أو حقيقة المواقف الإقليمية والدولية.

 

ولعل الحقيقة الثابتة لدينا أننا لم نقع على « زلات» للإبراهيمي في الفترة الواقعة بين تعيينه مبعوثا دوليا (17/8/2012 ) خلفا لسلفه كوفي أنان، واقتراحه لـ « هدنة» الأيام الأربعة خلال عيد الأضحى المبارك. وفي غياب هذه « الزلات»، التي تسمح بالتتبع والتحليل والربط بين الأحداث والمواقف، يصعب القول أن ما فعله الإبراهيمي كان مبادرة بقدر ما كان محاولة اختراق بالغة الدهاء. فما الذي أراده الإبراهيمي من هدنة يقل عدد أيامها عن عدد أصابع اليد الواحدة؟ .. « هدنة» من المستحيل أن تنجح وسط ركام هائل من الدمار وإرث عظيم من الوحشية وصدور فاضت قهرا وغيظا .. « هدنة» أقرب إلى الاستفزاز والاستغفال والاستهتار بعشرات آلاف من المفقودين والجثث المستوطنة تحت ملايين الأطنان من ركام البراميل المتفجرة .. « هدنة» استهدفت البحث عن التزام كل فرد من القتلة والضحايا!!! باختصار: ما الذي أراده الإبراهيمي من هدنته؟ وكيف أدار مبادرته الهلامية؟

 

كانت الانطلاقة من السؤال « ما البديل عن النظام»؟ ذلك السؤال المركزي الذي فرضته الثورة السورية على القوى الدولية والإقليمية والطائفية، وهو الذي يمكن أن يفسر إلى حد كبير النشاط المحموم الذي بذله الإبراهيمي، منذ تعيينه في إدارة ما فضل الجميع تسميته بـ « الأزمة السورية»!!! فالسؤال هو انعكاس استراتيجي وتاريخي لوظيفة سوريا « النصيرية» في الحفاظ على أمن النظام الدولي واستقراره عبر التحكم (بـ ) والسيطرة (على) القوى الوطنية أو المتمردة على « إسرائيل» والنظام الدولي، الذي مزق العالم الإسلامي وفي القلب منه العالم العربي. لذا فهو سؤال دولي وعربي وإيراني و « إسرائيلي» وتركي وطائفي. وتبعا لذلك لم يخرج الإبراهيمي في تقييمه لـ « الأزمة السورية» عن أي تقييم سابق، سواء كان دوليا أو إقليميا أو طائفيا.

 

لكن الإبراهيمي التزم مبدئيا في مؤتمر صحفي (24/9/2012) في أعقاب عرض قدمه أمام مجلس الأمن عن اتصالاته بدول المنطقة، وبصريح العبارة، بالتأكيد على أنه: « لا يمتلك خطة واضحة حتى الآن بل مجموعة أفكار»، وأن خطة « النقاط الست» التي تبناها المبعوث السابق كوفي أنان بالإضافة إلى مقررات « إعلان جنيف»، التي يتمسك بها الروس بأظافرهم وأسنانهم، ستشكل « عناصر» ضمن خطة عمله، وهو ما أكده الروس أنفسهم، لاحقا، عبر تصريحات أدلى بها ميخائيل بوغدانوف، نائب وزير الخارجية، في 16/10/2012 تقول بأن: « الإبراهيمي ليس لديه بعد خطة لحل الأزمة السورية، وإن موسكو مستعدة لتقديم مقترحاتها بهذا الشأن له». لذا فقد وجدت « أفكار» الإبراهيمي استجابة ودعما من جميع القوى دون أن تلتزم بأي مشروع للحل، ودون أن يضطر الإبراهيمي إلى تحمل تبعات الفشل، كما قال ريتشر غوان من جامعة نيويورك (28/10/2012)، بعد فشل الهدنة: « إن الإبراهيمي لم يزعم مطلقا أن هناك فرصة كبيرة لنجاح وقف إطلاق النار»، معتبرا أن الدبلوماسيين في الأمم المتحدة « لن يحملوه تبعية هذا الفشل».

 

ففي مؤتمر صحفي، عقده عقب زيارة قصيرة إلى لبنان (17/10/2012) وعشية الهدنة الفاشلة، قال الإبراهيمي: « على دول الجوار السوري أن تدرك أن الأزمة لن تبقى في الداخل السوري إلى الأبد, وإنها باتت تهدد بالانتشار لتأكل الأخضر واليابس، وهو ما يحتم البحث عن مخرج لإخراج سوريا من أزمتها». وفي 5/11/2012 شدد الإبراهيمي بالقول أنه: « لا حل عسكري للأزمة السورية، وأن الحل الوحيد هو إيجاد عملية سياسية يتفق عليها الجميع، أو أن المستقبل سيكون سيئا للغاية، وستتدفق الأزمة على دول الجوار وحتى إلى دول بعيدة عن المنطقة». ولتجنب الانهيار « اقترح» الإبراهيمي « فكرة» أن يقدم كل صاحب شأن « أفكاره» و « مقترحاته» وإجاباته على السؤال: « ما البديل»؟ على قاعدة (1) « وقف العنف المتبادل» و (2) عبر صيغة « الحل السياسي مع النظام»، دون الاقتراب من الأسد من حيث بقائه أو رحيله، وبما يحقق (1) مصلحة كل طرف، و (2) يؤدي إلى « التغيير»، وبـ (3) موافقة جميع الأطراف. وبموجب ذلك يقدم أطراف « المركز» أفكارهم على قدم المساواة مع « أفكار» إيران والعرب وحتى اليهود والطائفة النصيرية.

 

هكذا وفرت المبادرة غطاء للأفاعي السابتة كي تغادر أوكارها بحثا عن الفرائس. فاختبرت كافة السيناريوهات التي يمكن التعامل معها. واستطاع الروس والأمريكيون إدارة الاختبارات إعلاميا وسياسيا بصورة مبهرة. وفي تصريح له لوكالة الأنباء الروسية « نوفوستي – 3/9/2012»، قال وزير الخارجية، سيرغي لافروف: [ « إن روسيا والولايات المتحدة تصبوان إلى تحقيق الهدف الواحد في سورية، وهو أن « تتحول سورية إلى نظام ديمقراطي تعددي يمارسه السوريون بأنفسهم في حين تحترم جميع الدول الأخرى سيادة سورية واستقلالها ووحدتها وسلامة أراضيها»، ولكن تختلفان على كيفية تحقيق هذا الهدف» ]. لكن هذا الاختلاف لا يتعلق في واقع الأمر بطريقة تنحية الأسد بقدر ما يتصل الأمر في الصراع على النفوذ الذي تخوضه روسيا ضد الغرب. ولقد كان لافروف صريحا في ذات التصريح، لمن لا يريد أن يعقل الحقائق بلسان أهلها، حين قال: « من الواضح أن تواجدنا الإنساني في العالم لا يساوي قدراتنا ونحن نلاحظ هذا بسهولة .. إننا نستعيد بشكل واسع مواقعنا التي خسرناها في تسعينات القرن السابق، ونحن متخلفون جداً عن اللاعبين الدوليين في هذه المنطقة مثل الفرنكوفونيين، ومعهد جوته».

 

كما أن الروس قالوا بصراحة في 6/9/2012، بلسان الرئيس بوتين،: « نحن نفهم جيدا ضرورة التغيير ... لكن ليس التغيير الدموي» .. عبارة تَحصَّن بها الإبراهيمي وطار فيها إلى سوريا ليقول للأسد في أول اجتماع له به: « الشعب السوري يريد التغيير الشامل ولن يكتفي بمصطلحات الإصلاح خصوصًا بعد كل ما مر عليه من مآس ومحن وقتلى وجرحى ومشوهين ومعتقلين ومهجرين». هذا ما نقلته صحيفة الرأي في24/9/2012. والحق أن الإبراهيمي، وتحت السقف إياه، انتزع من الرئيس السوري « فكرة الرحيل» ولو تحت غطاء وهمي أطلق عليه الانتخابات!!! فحين سئل عن لقائه بالأسد في 21/10/2012 أجاب: « لن أتكلم عما دار بيني وبين الرئيس من حديث، تكلمنا بهذا الموضوع (هدنة العيد)، وأعتقد أنه فاهم القصد من كلامنا، وهو وحكومته سيقولون رأيهم بهذه الفكرة». أما مقاصد الرئيس التي أخفاها الإبراهيمي فليست، على الأرجح، إلا تلك التي أفصح عنها ميخائيل بوغدانوف نائب وزير الخارجية الروسي، في تصريحات سابقة أدلى بها لصحيفة « لوفيغارو» الفرنسية (10/9/2012)، وقال فيها: « إن الأسد أبلغنا بنفسه، لكني لا أعرف إلى أي مدى هو صادق في ذلك، لكنه أبلغنا بوضوح أنه إذا لم يكن الشعب يريده؛ وإذا اختاروا زعيما آخر في انتخابات؛ فإنه سيرحل».

 

وقد تبدو مثل هذه التصريحات متناقضة مع ما أدلى به لافروف عقب لقائه مع نظيره الأردني ناصر جودة حين اعتبر بأن: « مَن يريد تغيير نظام الرئيس الأسد فإنه يسعى إلى إكمال حمام الدم». لكنه في الواقع تصريح بالغ الدقة والصراحة. فالروس يتحدثون عن تغيير الأسد وليس عن تغيير النظام. وهم متفقون مع الغرب على بقاء النظام لكنهم لا يختلفون على تغيير الأسد إلا بالطريقة كما يقول لافروف، فضلا عن سعيهم الجوهري لكسب أكثر ما يمكن كسبه قبل التضحية بالأسد.

 

ومن جهتها سعت إيران نحو العراق بخطىً حثيثة لتثبيت ما تراه حقوقا لها أو بدائل مرضية في حالة رحيل الرئيس السوري. وقبل لقائه بالإبراهيمي قدم الرئيس الإيراني أحمدي نجاد معادلة إيران للحل في 3/10/2012. فمن جهة قَبِلَ التقييم الدولي للأزمة السورية، مشيرا إلى أن: « كل القوى العالمية التي انخرطت في الأزمة السورية ارتكبت أخطاء، ومحذرا في الوقت نفسه من أن الأزمة السورية ستمتد إلى دول أخرى في المنطقة إذا لم تحل». ومن جهة أخرى طالب باستحقاقات إيرانية للحل بالقول: « كل الشعب السوري محترم، ولكن البعض يريدون تصفية الحسابات مع إيران».

 

وفي 15/10/2012 حل الإبراهيمي ضيفا على بني فارس. وهناك التقى الرئيس وكذا وزير خارجيته علي أكبر صالحي ومستشار الأمن القومي سعيد جاليلي. وأعلن صالحي أن إيران سلمت الإبراهيمي « مقترحات خطية غير رسمية» لتسوية الأزمة, دون أن يكشف عن فحواها، وأن المقترحات سُلمت أيضا إلى السعودية وتركيا ومصر!!! لكن كل ما رشح عن اللقاءات، في حينه، هو دعم إيران للحل السياسي، مع التشديد على ضرورة وقف العنف، قبل اتخاذ أي إجراءات في الميدان. أما الإبراهيمي فعلق على المقترحات بالقول: « إن الأفكار أو المقترحات الإيرانية ستضاف إلى مقترحات قدمتها دول أخرى من أجل الخروج بخطة متكاملة».

 

لكن لم يمض يوم واحد على اللقاءات حتى طار وزير الدفاع الإيراني إلى العراق ( 16/10/2012) في أول زيارة له منذ احتلال البلاد سنة 2003 استهدفت توقيع اتفاق أمني مع الحكومة العراقية التي حولت العراق فعليا إلى محافظة تابعة لإيران خاصة بعد سيطرتها على البنك المركزي. ويبدو أن الإيرانيين رؤوا في مبادرة الإبراهيمي فرصة لإحياء فكرة البديل عن سوريا، التي سبق وطرحها مقتدى الصدر عشية الانسحاب الأمريكي من العراق وأوائل انطلاقة الثورة السورية. وبدا أن زيارة وزير الدفاع الإيراني تحاول صياغة معادلة من نوع: إذا كان هناك من يسعى إلى تصفية الحساب مع إيران في سوريا فالإيرانيون أيضا على استعداد لتصفية الحساب معهم في العراق.

 

لم ينكر علي شاكر شبر، النائب عن التحالف الوطني في العراق، خفايا التحرك الإيراني المباغت دبلوماسيا حين علق على الزيارة بالقول: « إن العلاقات بين العراق وإيران علاقات طيبة ومتطورة، وتأخذ مديات أوسع منذ عام 2003 ولحد الآن، ولأن المنطقة تمر بحالة قلقة وغير مستقرة فمن الضروري أن تكون هناك اتفاقيات أمنية، سواء مع إيران أو غيرها من دول الجوار».

 

ومن جهته فسر النائب أحمد العلواني، عن القائمة العراقية، تصريحات غريمه بالقول: « إن الاتفاقية الأمنية التي تسعى إيران لإبرامها مع العراق تتعلق بتخوفها من تداعيات الأزمة السورية وانهيار نظام بشار الأسد، ولإيجاد ساحة أخرى تكون بديلاً عن سوريا، معتبرا أن زيارة وزير الدفاع الإيراني المفاجئة للعراق ترتبط بهذا الموضوع». ومحذرا من أن: « الاتفاقية ستقود إلى تسليم البلد إلى إيران ويكون الملف الأمني بيدها كاملاً. أما أحمد الأبيض، المحلل السياسي العراقي، فقد ذهب، كالكثيرين، أبعد من ذلك حين ربط بين: « زيارة وزير الدفاع الإيراني التي استبقت بيومين زيارة رئيس الحكومة نوري المالكي إلى روسيا»، مشيرا إلى أنها: « تعطي دلالات بأن موسكو وطهران تسعيان لسحب العراق إلى محور الدعم الروسي الإيراني لسوريا، وهذا ما يراه الكثير من المهتمين بالشأن العراقي والسوري».

 

هكذا، وبعد أن ضمن العراق بديلا عن سوريا، جرى تمهيد الطريق أمام أحمدي نجاد كي يتوقف عن إطلاق التهديدات، ويعلن من الكويت، خلال مشاركته في قمة آسيوية – 17/10/2012، عن دبلوماسية ناعمة تقضي بدعم بلاده لـ: « فكرة وقف إطلاق النار في سوريا»، وليؤكد في الوقت نفسه على أن: « الحرب لا يمكن أن تكون حلا مناسبا، وأن أي جماعة تحصل على السلطة من خلال الحرب؛ وتهدف للاستمرار فيها ليس لها مستقبل» .. بل أنه كرر ما أفشاه بوغدانونف، نائب وزير الخارجية الروسي، عن تنحي الأسد عبر صندوق الاقتراع، مشيرا إلى أن: « وقف إطلاق النار والمفاوضات بشأن انتخابات حرة هو من وجهة نظري الطريق الصحيح إلى الحل»!!! .. هذه هي إيران التي لم تترك بلدا إسلاميا إلا وأنشأت فيه طابورا خامسا وأغرقته بالأسلحة والفتن والحروب باتت تنبذ الحروب وتتحدث فجأة عن حلول سياسية وديمقراطية وطرق صحيحة!!!

 

 

ثانيا: آلية الاختراق وعناصره

 

 

وفي الوقت الذي كانت تخضع فيه مختلف القوى الإقليمية والدولية لعمليات اختبار حاسمة، عبر مبادرة الإبراهيمي، كانت القوى المقاتلة في الثورة السورية تتعرض، هي الأخرى، لأقسى عملية اختبار أمني وعسكري منذ انطلاقة الثورة. إذ أن القوى الوحيدة التي يصعب اختبارها، وتحتاج إلى الترويض والاحتواء هي القوى المسلحة التي تمسك بالأرض وتخوض القتال. وكان الطُّعم الذي ألقي على العسكر هو تسليح الثورة، ومن الطريف أنه ذات الطُّعم الذي سبق وألقي على قوى المعارضة السياسية ولمّا تزل حتى هذه اللحظة. لكنه بالقطع ذو وقع مميز حين يكون العسكر هم الأداة التي تلتقطه فيما الثورة هي الهدف الذي يدفع ثمن مرارته.

 

من المعلوم جيدا أن « المركز، بشقيه الغربي والشرقي، وعبر آلية التسلح، يتحكم في اندلاع الحروب وإطفائها مثلما يتحكم في تحديد هوية المنتصر من المنهزم، وكذا في استمرار الحروب دون السماح لأي طرف بتحقيق انتصار حاسم على الطرف الآخر، وأخيرا التحكم بحالة اللاحرب واللاسلم الدائمين. ومن المعلوم أيضا أن تدفق الأسلحة باتجاه النظام السوري لم ينقطع، في حين يجري التحكم بها بشدة فيما يتعلق بالثورة السورية. فتارة تتدفق وفقا لمعايير كمية ونوعية وتارة تختفي حتى الذخائر .. الأمر الذي أصاب المقاتلين بالكثير من القهر والمرارة مما اعتبروه سياسات عدوانية وشريرة كونها تتعمد منع المقاتلين من إحداث فوارق حاسمة في الصراع مع النظام. بل أن أحد قادة المقاتلين علق على هذه السياسية بمحتوى مفجع ومرير حين قال لصحيفة « الغارديان – 10/11/2012» إنهم: « يعطوننا ما يكفي لمواصلة القتال لكن ليس ما يكفي لكسبه. وأنا متأكد أن هذا الوضع لن يتغير حتى بعد الانتخابات الأميركية. وغير متأكد من أن كل امرئ يستطيع أن يبقى على قيد الحياة حتى هذا الوقت».

 

والثابت أن الثوار شعروا مبكرا جدا بهذه السياسات الدولية حتى قبل « الغارديان»، وقبل أن يتحدث أحد عن الخشية من تحول سوريا إلى ملاذ للقوى الإسلامية أو « جماعات الجهاد العالمي»، بل قبل أن تتجه الثورة السورية نحو العسكرة. لكن نمو العامل الإسلامي في الثورة عزز التذرع بعدم التسليح، في حين أن المشكلة تتصل بالدرجة الأساس بافتقاد « المركز» للبديل عن الطائفة الحاكمة في سوريا، وبالتالي غياب أي حل سياسي، والاكتفاء بإدارة الأزمة على أمل أن يتمكن النظام من القضاء عليها أو احتوائها أو انزوائها تحت ضغط آلة عسكرية شديدة التوحش والإجرام، ومحصنة برعاية دولية وأغطية سياسية وأمنية وزمنية مفتوحة.

 

المشكلة التي تواجه « المركز» اليوم تتطلب أجوبة على استيعاب ثورة مدنية انقلبت إلى ثورة مسلحة يصعب السيطرة عليها. وكنا قد أشرنا إلى هذا الأمر في حلقات سابقة من السلسلة قبل أن يكتب بنجامين هال، كنموذج، مقالته في صحيفة « نيويورك تايمز – 19/10/2012» واصفا الثوار باعتبارهم: « مجموعات مختلفة ومشتتة لا يربط بينها رابط تنظيمي أو قيادة موحدة، ومن مشارب فكرية متنوعة، وتستولي كل واحدة منها على شارع أو شارعين بالمدينة ولا تتوفر الثقة بينها». لينتهي بتوصية تفيد بأنه: « سيكون من الخطأ أن تسلح أميركا وأوروبا الثوار بالأسلحة أو أن تتدخل على الأرض». لكننا نبهنا في مواضع سابقة من السلسلة أن قوة الثورة في الوقت الراهن تكمن في شتاتها باعتباره تعبيرا عن حالة اجتماعية شاملة، وفعالة وعصية على الاختراق مع تداعي الأعداء والخصوم عليها.

 

لكن في هذه النقطة بالضبط تدخل « المركز» ومخططيه الاستراتيجيين وحلفائه وأجهزتهم الأمنية والإعلامية عبر الدعوة إلى توحيد القوى المسلحة في إطار ما أسمي بـ « المجالس العسكرية» .. وتحت شعار « لا سلاح بلا قيادة موحدة»!!! وتوثيقا لـ « الشعار» كشفت صحيفة « إندبندنت – 1/10/2012» البريطانية: « إن مزودي الأسلحة من القطريين والأتراك أبلغوا ممثلي المعارضة، أثناء نقاشات عالية المستوى، أن الأسلحة الثقيلة لن تتاح لهم حتى تتفق الفصائل المختلفة على تشكيل هيكل قيادة متماسك، وأن مخزونات من الأسلحة ... موجودة في تركيا لكي يستخدمها ثوار سوريا في الحرب الدائرة هناك، لكن توزيعها متوقف بسبب الشقاق والتنازع بين المجموعات المختلفة من المقاتلين». ونقلت صحيفة « الغارديان – 11/10/2012» عن مسؤولين أمريكيين قولهم: إن « الطبيعة الغامضة للمعارضة والوجود الزاحف للجهاديين الأجانب من أسباب ضغطهم على الرياض والدوحة»، مضيفة أن: « السعوديين يضغطون الآن على المعارضة السورية المسلحة لتشكيل "جبهة إنقاذ" بقيادة وسيطرة موحدة على الأرض وقدرة على جمع الأسلحة بمجرد انتهاء القتال»، وهو ما اعترف به، لاحقا، المقدم الركن ياسر عبود، قائد العمليات في المنطقة الجنوبية في الجيش الحر، خلال مقابلة مع « الجزيرة نت – 31/10/2012 » حين سئل عن الغاية من توحيد القوى المسلحة فقال بأن: « المطلوب من العسكر الاتفاق ضمن مجالس مناطقية في المحافظات وإيجاد غرفة عمليات موحدة في كل محافظة أي توحيد البندقية في الداخل تحت إطار الحد الأدنى من التوافق والانضباط ... (ولأن) الخارج لا زال خائفا من تفلت عمليات التسلح في الداخل، فهو يريد إطارا واحدا يسلحه ثم يعود السلاح للدولة بعد إسقاط النظام». وحتى مختار لماني، نائب الإبراهيمي لم يخف تذمره، (1/10/2012) من شتات المقاتلين مشيرا إلى أن: « هناك الكثير من أحزاب المعارضة داخل سوريا وخارجها بالإضافة إلى الجماعات المسلحة، مشيرا إلى أن العلاقات بين هذه المجموعات يشوبها الخلاف والاقتتال والاتهامات بالخيانة، واعتبر أن ذلك يعقد المهمة».

 

ولا ريب أن المنطق الأمريكي، على وجه التحديد، بعيدا حتى عن الضغوط العربية، بدا مقنعا لكثير من العسكريين والسياسيين والمدنيين وحتى لبعض المشايخ. والخلاف الوحيد يقع في مستوى خلفية القناعات والأهداف والأجندات. فثمة شريحة من هؤلاء غافلون تماما عن أية حقيقة أو معرفة أو تقييم لحقيقة الثورة أو مكانة سوريا الطائفية في النظام الدولي، لذا فإن القسم الأكبر من هذه الشريحة أحسن الظن في فكرة تشكيل « المجالس العسكرية» اعتقادا منها أن الثورة تتوحد بعد شتات بغيض وغياب للقيادة جعل من فعاليات الثورة خاضعة للاجتهاد والمبادرة الفردية بعيدا عن التخطيط المبدئي، ناهيك عن التخطيط الاستراتيجي، وشريحة ثانية واهمة وحالمة، يكسوها الغرور والطموح في دور مستقبلي لها في سوريا ما بعد الأسد، باعتقادها القدرة على انتهاز الفرصة والتفاهم مع « المركز» والدخول معه في تبادل مصالح مشتركة إلى حين، وكأن المركز أبلها أو غافلا أو أقل ذكاء منها في التحليل والمراوغات والمكر!!! ومع ذلك فهي تظن أن إسقاط الأسد يكفي، مع علمها اليقين أنه لا يعني بالضرورة إسقاط النظام. هذه الشريحة لا تتحرج من لقاءاتها مع عناصر أجهزة المخابرات الدولية والإقليمية، وحتى التباهي في الاجتماع بوكلاء الـ CIA. أما الشريحة الثالثة فهي من صنف « إسرائليو الثورات» الذين يحركهم الهوى، فلا تعنيهم عقيدة ولا أمة، ولا يتعظون من أية سوابق لأمثالهم، أو روادع عقدية أو أخلاقية حتى لو تحالفوا مع الشياطين. وغني عن البيان القول بأن أن الشرائح الثلاثة وقعت، كرها أو طوعا، ضحايا لاختبارات أمنية وألغام لا هدف لها إلا إصابة الثورة بأضرار بالغة أو التمهيد لمرحلة« صحوات» دموية قادمة قبل وبعد سقوط الأسد. وإذا ما أوذيت الثورة، لا قدر الله، بقواها وكتائبها ومقاتليها ومجاهديها بفعل هذه التشكيلات، فسيتحمل هؤلاء مسؤولية أخلاقية وتاريخية وعقدية جسيمة.

 

ومن باب التذكير فليست هذه هي المرة الأولى التي تستهدف فيها قوى « المركز» تحقيق اختراقات في الثورة سواء في صلبها أو عبر هوامشها القريبة والبعيدة. ففي 11/8/2012 أُعلن في واشنطن عن تشكيل جماعة سورية معارضة من ستين عضوا باسم « جماعة الدعم السورية»، لجمع التبرعات المالية والعينية، وزعم لؤي السقا، أحد الأعضاء الاثني عشر في مجلس الإدارة، أن الجماعة: « تمثل آلاف المقاتلين في تسع محافظات، وأن هؤلاء الذين يمثلون ما يقارب نصف المقاتلين في الجيش الحر!!!، وأنهم: « وقعوا إعلان مبادئ يدعو إلى دولة ديمقراطية لجميع السوريين بغض النظر عن الطائفة أو الدين أو العرق، وترفض المبادئ كذلك الإرهاب والتطرف والقتل بغرض الانتقام»!!!

 

وفي الولايات المتحدة أيضا، وفي ذات السياق من التواصل مع المعارضة أو صناعتها، نقلت وسائل إعلام في 12/8/2012 عن هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية، بعد لقائها نظيرها التركي، القول: « أنها التقت مجموعة من الناشطين السوريين والخبراء والقانونيين والصحفيين والقيادات الطلابية في محاولة لمعرفة ما يمكن للولايات المتحدة فعله لمساعدتهم». وفي تصريح إذاعي (19/9/2012) أعلن السفير الفرنسي في سوريا إريك شوفالييه، المكلف بالملف السوري عن موقف بلاده بالقول: « نعمل مع المعارضة لمساعدتها على تنظيم نفسها، ولدي تعليمات من رئيس الجمهورية للاتصال بمجمل مكونات المعارضة ومن ضمنها المجموعات المسلحة، ونحن أول دولة تقوم بذلك بهذا الشكل المنظم».

 

أما المستهدف هذه المرة بصورة خطيرة، كما أشرنا، فهم المقاتلون بدايةً وهوية الثورة نهايةً. وقد سبق وأشرنا إلى أن « الجيش الحر» هو راية شعبية بنسبة تزيد عن 85% من القوى المسلحة في سوريا، فيما تتوزع النسبة الباقية على المنشقين من الضباط والجنود. أما الشق الآخر من الثورة فهو ذلك الشق الإسلامي المكون من قوى محلية وأخرى متطوعة من الخارج. ويبقى شق ثالث خفي، لكن نصفه من القوى الجهادية العقدية ونصفه الآخر من قوى تحتفظ بقوتها وعددها وتحشد السلاح دون أن تخوض المعارك استعدادا لقطف الثمار.

 

وهكذا بات جليا أن كل ما يرمي إليه « المركز» من تشكيل المجالس العسكرية» هو تجميع القوى المسلحة في « تشكيلات مستحدثة تحت سلطة قيادة واحدة يمكن أن تكون قريبا بديلة عن « الجيش الحر» بشقيه الشعبي والنظامي .. قيادة تمارس سلطة الرقابة والتحكم والسيطرة والتجنيد. لذا فإن المشهد الأمني في هذه المجالس، والساعي إلى تأسيس قاعدة بيانات واسعة ومفصلة، يبقى حاضرا بقوة عبر الاتصال بتشكيلات القوى المسلحة وطلب بيانات عنها تشمل أعداد المنتسبين لها وأسمائهم وأرقام هواتفهم وعناوينهم وعدتهم وعتادهم وخلفيتهم المهنية أو العسكرية أو الأيديولوجية أو العقدية وما إلى ذلك من البيانات التي تساعد لاحقا على التتبع والملاحقة وحتى الاعتقال أو التصفية الجسدية إذا لزم الأمر.

 

وبطبيعة الحال سيعمل « المركز»، في مرحلة ما، على تمكين هذه المجالس من امتلاك الأدوات اللازمة للعمل كالشرعية الاجتماعية والسياسية وحتى الدينية، فضلا عن التمويل والتسليح والإعلام لتحقيق عملية فرز ميداني للقوى المسلحة تستهدف بالدرجة الأساس القوى الإسلامية. ولم يعد غريبا أن تترافق عمليات التشكيل هذه مع حملة إعلامية شرسة استهدفت هذه القوى وكل متطوع راغب بالخدمة المدنية أو القتال بدعوى أن سوريا ليست بحاجة إلى رجال أو، في مستوى أشد، يزعم أن الوافدين تحولوا إلى عبء على الثورة. والمنطق يؤكد بأن المتطوعين لو كانوا عبءً لما كان لهم ذاك التأثير الفارق على مسارات الثورة ميدانيا، ولو كانوا كثرة لما بقيت الثورة تعاني من حالة توازن القوى مع النظام.

 

والحقيقة الثابتة الأولى تؤكد أن الإسلاميين هم القوى الوحيدة التي لم تتذمر أو تطلب تمويلا أو تسليحا من أحد، وبالتالي فهي أولى بالشكوى من أية قوة أخرى، بالنظر إلى توافد متطوعين يعانون من قصور في فهم الجهاد ومتطلباته الشرعية والمادية أو لانعدام أية خبرة لديهم. ولو كانت تعتمد معايير القلة والكثرة لحق لها قبل غيرها أن تندب حظها بالمقارنة مع الآلاف المؤلفة من المسلحين.

 

والحقيقة الثانية أن الحرب على القوى الإسلامية هي حرب إعلامية محضة تديرها وسائل الإعلام وشخصيات معروفة ماضيا وحاضرا بعدائها للقوى الجهادية، وبالتحالف مع قوى وشخصيات سياسية وعسكرية ومنابر إعلامية محلية تتميز غيظا من مجرد ذكر كلمة جهاد!!! والثابت أنه ليس لمثل هذه الهجمات المغرضة علاقة ذات أثر ملموس في الواقع، لاسيما وأنها تتصرف عبثا، وبشكل فاضح، كمن يجهد نفسه بتغطية الشمس بالغربال، بل أن هذه الحقيقة تؤشر على أن القوى الدولية هي التي تقف خلف هذه الحملات التي تستهدف في المستوى الأول وقف تدفق المتطوعين الوافدين، وفي الثاني التمهيد لإحكام إغلاق الحدود، والثالث فرز القوى الإسلامية في الميدان ومحاصرتها، وإذا تطلب الأمر ضربها في مستوى رابع.

 

الحقيقة الثالثة أن القوى الإسلامية كـ « جبهة النصرة» و أحرار الشام» قدمت أداء عسكريا مميزا في ميادين القتال؛ وفَّر لها حاضنة شعبية ومصداقية عالية لدى القوى المسلحة حتى من كتائب وألوية « الجيش الحر». ويشهد الكاتب البريطاني كون كوفلين في مقالة له بصحيفة « الديلي تلغراف – 29/8/2012»: « أن مشاركة تنظيم القاعدة في الصراع الدائر بسوريا مبالغ فيها، ولكن هناك خلايا للقاعدة تحمل أعلاما بيضاء وسوداء وتحارب جنبا إلى جنب على الجبهات إلى جانب الجيش السوري الحر». بل أن شهادة صحيفة « الأبزرفر – 4/11/2012 » كانت أكثر وضوحا في الوقوف على حقيقة أداء القوى الجهادية في مواجهة النظام الطائفي في سوريا حين قالت: « إن دور الجهاديين الأجانب أو من يسمون بالمهاجرين يبقى حيويا وضروريا ومطلوبا، فهم يوجدون في كل جبهة وعلى كامل الاستعداد والجاهزية، وقليل من الهجمات الكبيرة الأخيرة ضد قوات حدثت دون مشاركة فاعلة للجهاديين الأجانب فيها». ولا ريب أن مثل هذه الشهادات، القادمة من عمق ديار « المركز»، بحق القوى الجهادية تشكل إحراجا بليغا لمن يقللون من شأنها أو يعملون على تشويهها بما يخالف الواقع أو يشهدون زورا بنسبتهم لبعضٍ من أكبر العمليات العسكرية التي نفذتها مثلا « جبهة النصرة» ضد رئاسة الأركان وكتيبة الصواريخ للـ الجيش الحر»، علما أن هذا الأخير لم ينسبها لنفسه!!!

 

 

ثالثا: مسيرة الاختراق

 

 

1) المعارضة المسلحة

 

 

لما تكون الثورة السورية شأن دولي أكثر مما هي شأن محلي فإن القراءة الموضوعية تستدعي من كل مراقب أو دارس لها مراقبة السلوك الدولي وسياساته على كل مستوى بنفس القدر الذي نقرأ به وقائع الثورة أو سلوك النظام الحاكم أو أزيد منه. ولما نتحدث عن « الاختراق» باعتباره حقيقة واقعة وليس مؤامرة متخيلة فلأن وقائعه ليست خفية بقدر ما تعج بها وسائل الإعلام دون حياء أو وجل. لكن مع أن السلاح لـ « المعتدلين» إلا أن الحل سياسي!!! فما الحاجة إذن لـ « البدائل» العسكرية والسياسية الجديدة؟

 

فقد انطلقت « مسيرة الاختراق» من رحم قوى المعارضة السياسية التي رفضت عسكرة الثورة السورية أياً كان الثمن. واستعملت القوى الاستخبارية العالمية بعض رموز القوى السياسية في الحصول على ما لديها من معلومات. لكنها فشلت في القيام بمهمتها. فلجأت القوى الغربية إلى بعض من كبار الضباط، عبر سلاسل من الاجتماعات التي جرت معهم على انفراد بغية الحصول منها على ما يمكن الحصول عليه من معلومات تفيد في التقييم. ومن الطريف أن القوى الاستخبارية هذه كانت ترسل خبراء متخصصين في جمع المعلومات وليس في تقديم العروض أو المطالب أو فرض الإملاءات التي يتركونها عادة لحلفائهم كي لا تثير الريبة لدى السوريين، مع ذلك فقد منيت هذه المحاولات، إلى حد كبير، بالفشل إلى الحد الذي دفع صحيفة « الواشنطن بوست – 25/7/2012 » الأمريكية أن تتحدث عن « فجوة استخبارية في سوريا» حول هوية القوى العسكرية المقاتلة والنظام السوري.

 

والحقيقة أن القوى الأمنية لـ « المركز» كانت تدرك صعوبة المهمة لثورة مدنية انقلبت إلى ثورة مسلحة بحيث يستحيل الإحاطة بالمشهد الثورة الشعبي المسلح من جميع جوانبه. هذه « الفجوة الأمنية» مثلت أخطر عقبة في وجه القوى الدولية التي وقعت في حيرة من أمرها إزاء البحث عن أنجع السبل في التعامل مع الثورة السورية. كما أنها منعت إمداد الثورة بالسلاح، بل وحاصرتها حتى في ذخيرة البنادق، بدعوى الخشية، في المستوى الأول، من تحول المجتمع السوري إلى « التطرف»، وفي مستوى ثاني بذريعة الخشية من وقوع السلاح بيد جماعات « متطرفة» لم تكن أصلا موجودة، في حين أن المسألة برمتها تتعلق فقط بالحفاظ على أمن النظام.

 

وتبعا لذلك تطورت « مسيرة الاختراق» لتمس الهياكل السياسية والعسكرية على السواء عبر البحث عن قيادات وهياكل بديلة من الداخل تستجيب لاحتياجات « المركز»، وتساهم، بوعي أو بدون وعي، بسد الفجوة المعرفية. إذ أن الثورة السورية تخوض حربا عجيبة يصعب فهمها لاسيما وأنها تفتقد إلى المرجعية والقيادة والإدارة والخبرة والسابقة والأيديولوجية والتنظيم، ولكنها مع ذلك تحقق تقدما مثيرا، سواء من حيث إضعاف النظام وإرهاقه أو من حيث طرده فعليا من مناطق واسعة جدا، رغم كل الدعم الدولي الذي يحظى به فضلا عن الوحشية التي فاقت كل تصور في قمع الثورة والمجتمع وتخريب الدولة وبناها التحتية.

 

ومع أن التجارب السابقة في الاختراق كانت تجري من وراء ستار مع بعض الأفراد أو القوى أو الجماعات إلا أنها في الحالة السورية باتت على كل منبر وفي كل محفل!!! وبالتأكيد لم تكن هي الأولى، تلك المقالة التي كتبها وليم هيغ، وزير الخارجية البريطانية، في صحيفة « التايمز – 10/8/2012، وقال فيها: « أن بلاده ستواصل العمل مع المعارضة السورية وخصوصا مع ممثلي الجيش الحر لتأمين استعدادهم للسقوط الحتمي للأسد». فقد سبقها اعترافات أمريكية وبريطانية عن وحدات استخبارية تنشط في سوريا.

 

أما المجالس العسكرية بدأت في الظهور إعلاميا في أواخر شهر أيار / مايو عبر تصريحات لقادة عسكرين منشقين في الداخل. ففي تصريحات لصحيفة « الشرق الأوسط - 27/5/2012» قال العقيد الركن أحمد فهد النعمة، قائد المجلس العسكري في محافظة درعا،: « قمنا بتشكيل مجالس عسكرية في مختلف المحافظات وهي متواصلة من خلال المكاتب الإعلامية التابعة للمجالس العسكرية وهناك تواصل بين قادة المجالس ومع قيادة الجيش السوري الحر بشكل يومي ومستمر بغية التوصل إلى العمل المؤسساتي المنظم والهادف والذي يوازي المعايير الدولية». وفي مقابلة مع صحيفة « الغارديان 2/6/2012 » البريطانية أكد العقيد الطيار الركن قاسم سعد الدين، الناطق الرسمي باسم القيادة المشتركة لـ « الجيش الحر» بالداخل أن: « ثمة تنظيما أكثر وضوحا الآن مع تشكيل عشرة مجالس عسكرية إقليمية تتبعها كتائب محلية وفرق قتالية، وكلها لديها فروع إدارية تتعاطى مع التمويل والتزويد بالأسلحة والمساعدات الإنسانية».

 

كانت هذه التشكيلات حاضرة في لقاءات الدوحة، الساعية إلى إيجاد هياكل سياسية وعسكرية جديدة، حتى تم الإعلان في 16/10/2012، عن: « اتفاق عشرات المعارضين السوريين، ومنهم قادة الجيش السوري الحر، باجتماع داخل سوريا عقد في 14/10/2012، على تشكيل قيادة مشتركة بهدف تحسين التنسيق العسكري بين المقاتلين وخلق قيادة واحدة يأملون أن تكون القوى الخارجية مستعدة لتزويدها بأسلحة أقوى».

 

« قيادة واحدة»! لم يكن الرئيس الأمريكي باراك أوباما بعيدا عنها، وهو يخوض آخر مناظرة طاحنة له مع خصمه في الانتخابات الرئاسية مت رومني (23/10/2012)، حيث كانت الثورة السورية حاضرة بقوة في العاصفة. وخلال المناظرة كان أوباما صريحا للغاية وهو يقول: « إننا نساعد المعارضة على تنظيم صفوفها ونحرص بصورة خاصة على التثبت من أنهم يعملون على تعبئة القوى المعتدلة في سوريا .. نتثبت من أن الذين نساعدهم هم الذين سيكونون أصدقاء لنا على المدى البعيد وأصدقاء لحلفائنا في المنطقة على المدى البعيد .. فالثوار الذين يصبحون مسلحين هم الأشخاص الذين سيصبحون الأطراف المسؤولة، علينا التصرف بحيث نكون واثقين ممن نساعد، وأننا لا نضع أسلحة بأيدي أشخاص قد يوجهونها في نهاية المطاف ضدنا، أو ضد حلفائنا بالمنطقة» .. ولأن أوباما ليس وحده من يؤمن بهذا التحرك؛ فقد دعا: « للعمل مع شركائنا وبمواردنا الخاصة لتحديد أطراف مسؤولة داخل سوريا، وتنظيمها وجمعها معا في مجلس يمكنه تولي القيادة بسوريا، والتثبت من امتلاكهم الأسلحة الضرورية للدفاع عن أنفسهم».

 

بالتأكيد لن تنعم « المجالس العسكرية» بالمن والسلوى قبل أن تخضع لاختبارات فعلية على الأرض تثبت أنها قادرة على أداء المهمات المطلوبة منها. لكنها قد تتلقى مبدئيا بعض المال مصحوبا بغض الطرف عن تدفق محسوب للسلاح، كما ونوعا، كطعوم تساهم في بناء الثقة والمصداقية بحيث يمكنها إغراء القوى المسلحة على الانضواء تحت سلطتها. وما أن تقوى شوكتها حتى تصبح رهينة التوجيهات المذلة والشديدة الخطورة. إذ لا توجد أية ضمانات متخيلة تحمي هذه المجالس من سطوة القوى الدولية. وستفاجأ بأنها ملزمة بتلقي الإمدادات المالية والعسكرية، إنْ حصلت فعلا أو مبدئيا، من جهة أو جهات بعينها. وهو ما يعني أن خطوط إمدادها التقليدية ستنقطع بحيث تصبح تحت رحمة القوى الدولية. أما أولئك الذين سيمتنعون عن الانضواء تحت سلطة هذه المجالس، ومن بينهم أولئك الذين تصفهم صحيفة « الواشنطن تايمز – 7/11/2012 » بـ « السيئين»، أي الذين يعارضون السياسات الأمريكية أو يحملون الفكر الإسلامي فضلا عن القوى الجهادية المنظمة، فسيتعرضون بدورهم لحصار خانق وحملات تشويه إعلامية وربما حرب استئصالية ضدهم حتى قبل إسقاط الأسد. لكن ماذا عن حال المعارضة السياسية؟ هل سيكون أفضل من قرينتها العسكرية؟ لنرى.

 

2)المعارضة السياسية

 

لم تكن قوى المعارضة السياسية السورية وتشكيلاتها في الداخل أو في الخارج سوى عملية تلفيق سياسي لأطروحات لا تجتمع حتى على رابط الإطاحة بالنظام الطائفي. وبينما كانت وقائع الثورة تتقدم بثبات في المدن والأرياف السورية وتدفع ثمنا باهظا في الأرواح والممتلكات والأعراض كانت القوى السياسية تخوض جدالات بيزنطية حول هوية النظام: هل هو طائفي أم أمني؟ وهل يجب خلعه أم التصالح معه؟ وحول الثورة: هل هي سلمية أم سلمية؟ ( أي بمعنى رفض العسكرة)، وحول هوية البلاد وتاريخها وحضارتها، وحول مكاسب القوى ومطالبها وشروط المشاركة في الثورة، وحول هوية الحاكم القادم ومعايير الوصول إلى السلطة وتقلد المناصب، وحول التدخل الأجنبي أو الحماية الدولية أو الحظر الجوي، وحول وحول وحول إلى أن صارت بلا حول ولا قوة ... وبلغ التخبط مداه، حتى صار الناشط قائد وثائر ومثقف وعسكري وشيخ وسياسي وتاجر ومحلل ومتسلق ومتملق وتاجر ومتعهد ومفاوض ومساوم. لماذا هذا التخبط؟

 

لأن المعارضة في سوريا وخارجها هي معارضة برسم الفرد وليس برسم الجماعة أو الفئة أو الشريحة أو الحزب أو الجماعة، بعد أن فككها النظام وطاردها في الداخل والخارج ومزقها شر ممزق. وبالتالي ليس هناك ما يجمع بينها إلا حرب النظام عليها أكثر من حربها على النظام!!! فبعضها أعلن معاداته للنظام، وبعضها الآخر عتب عليه، وثالث وسَّط حتى شياطين الأرض للتصالح معه، ورابع تعايش مع النظام، وخامس غلبته الأيديولوجيات الدوغمائية كالشيوعية والقومية وما أفرزتهما من مفاهيم الصمود والتصدي أو الممانعة والمقاومة ... أما الخوف من بطش النظام فقد فرقها ولامس رعبه لها شغاف قلوبها إلى أن صمتت عن الكلام المباح حتى في منافيها ومناماتها. ولا شك أن معارضة تجمع فيما بين ثناياها المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة والشريدة والطريدة والكسيرة والحسيرة والماكرة والمتسلقة وما طارد الضبع وجرح الفهد وأكل السبع والتقم الحوت لا يمكن أن تترك متنفسا لأهل الخير منها ولا أن تقدم لثورة ما عجزت هي أن تقدمه لنفسها، وهي تراهن على الشرق والغرب أو تتقاذفها القوى الدولية عن اليمين وعن الشمال.

 

ولا عجب أن تكون حواراتها في اللقاءات الأولى التي جمعت أطيافها في استنبول وأنطاكيا وبلجيكا وباريس وغيرها من العواصم والدول تجري وفق نظام الحُزَم الأيديولوجية كاللبرالية أو الإسلامية البراغماتية أو الأقليات الإثنية وما إلى ذلك ... لذا فقد كان شعارها الوحيد هو البحث عن « التوافق». فاللبراليون يتعاطفون مع بعضهم رغم غياب أي رابط حزبي أو تاريخي يجمعهم فضلا عن العداء المستحكم بينهم، والإخوان المسلمون يجتمعون معهم أو يتوافقون على قاعدة البراغماتية، وأصحاب الأقليات يخوضون صراعات لتأمين مصالحهم أو تثبيت هوية أقوامهم ولو على حساب عقيدة الأغلبية وهوية الأرض وتاريخها، والغالبية الساحقة من هؤلاء مغيبون أصلا وآخرون متنفذون يحرصون على ترضية « المركز» بما يحب ويهوى من الصيغ السياسية والاجتماعية التي يرتضيها للنظام والدولة بعد الأسد، وشريحة فرحة بما نالته من كراسي وسلطة وامتيازات في السفر والطعام والشراب والوجاهات التي لطالما افتقدتها.

 

ومع أنها أحست بخيبتها إلا أن حالها ظل مزهوا بنفسه، ينشد كما أنشد الشاعر:

 

 

 

ألقاب مملكة في غير موضعها ****** كالهر يحكي انتفاخة صولة الأسد

 

 

 

 

منذ لحظات تشكلها الأولى؛ ظلت المعارضة تبحث عن الشرعية في مواطن « المركز، وتستجديه، ولا تستحي من القول: « أننا قدمنا برهان غليون كواجهة مقبولة لدى الغرب»، علَّه يطيب نفسا به، أو يرق قلبه على تقديم العون والمساعدة، وله أن يطلب ما يشاء حتى لو كانت عقيدة الأمة وحضارتها وتاريخها ومستقبلها ومصيرها .. بل حتى لو حرصت على تجنب ذكر اسم الله في مطلع وثيقة فاجرة .. لكن دون جدوى!!! وليتها اتعظت من نظرائها في العراق وأفغانستان أو من تنازلات بلا ثمن أو توقفت للحظة عند تَمَنُّع « المركز» عن تسليح الثورة طوال هذه المدة من الزمن أو درست حقيقة تجاهله لها أو مبررات سكوته، بل موافقته، على تدمير سوريا والسماح بالتمثيل برجالها وأطفالها وانتهاك أعراض نسائها واستعمال أقسى وأفتك أسلحة التدمير حتى أن أركان النظام نفسه عجزوا عن فهم ما يمارسونه من وحشية بحق بلادهم وشعبهم!!!

 

العجيب أن المعارضة، السياسية والعسكرية، ظنت أنها البديل المنتظر، وما هي إلا بضعة أسابيع أو شهور حتى ترتفع على أكتاف الثكالى والمنكوبين والأرامل والقتلى والجرحى والمغتصبات وأنقاض سوريا. والأعجب أنها كانت آخر من يعلم فيما يحضر لها « المركز». ويبدو أنها لم تلتفت لعشرات التصريحات التي توطئ لإزاحتها عن المشهد السوري، أو أنها لم تقرأ ما نقلته واجهات العمل ابلوكالة كتلك التي أوردتها صحيفة « عكاظ » السعودية (1/10/2012) عن مصادر سياسية تقول أن: « واشنطن تبحث عن قيادة عسكرية مركزية في الجيش الحر قادرة على التعامل مع هذه المعلومات»، وأنها: « بحثت أكثر من مرة مع قيادات الجيش الحر وغيره من القيادات العسكرية مسألة وحدة القيادة من أجل تركيز الجهود على إسقاط نظام الأسد، لكنها حتى الآن لم تقتنع بمساعي وحدة الكتائب المقاتلة»، وأنها: « رهنت، منذ توسع سيطرة الكتائب المقاتلة على حلب، الدعم بالسلاح بتوحيد كافة الكتائب المقاتلة على الأرض، وإقصاء بقية العناصر الموسومة من قبل واشنطن بأنها متطرفة». هل سمع أحد في التاريخ كيف يمكن لأعداء عقديين وتاريخيين أن يوحدوا خصومهم عسكريا؟ وضد من؟ هل لأحد أن يكشف عن هوية العدو الذي يستحق هذا التوحد؟

 

ما أن أُعلن عن بدء اجتماعات الدوحة في 4/11/2012 حتى فاهت الولايات المتحدة على لسان وزيرة الخارجية في كرواتيا (31/10/2012) بما لا تهوى الأنفس، فقد: « حان الوقت لتجاوز المجلس الوطني السوري وضم من يقفون في خطوط المواجهة». هكذا دون أي مقدمات في عرف المعارضة! ولا ريب أن أغرب ما في تصريحات كلينتون أنها تحدثت بما يدغدغ مشاعر العسكريين والثوار وكل من ناصب المجلس الوطني العداء أو البغض. العجيب أن الولايات المتحدة تشن حربها في العادة على « المتطرفين» و « الإرهابيين» لكنها هذه المرة شنتها على عشاقها ومريدها من أهل الاعتدال والوسطية والبراغماتية!!! ولو كانت المعارضة « متطرفة» بما يكفي لربما نجت من الهجوم الأمريكي!!! إذ والكلام لكلينتون: « لا يمكن أن تكون هذه معارضة يمثلها أشخاص يتمتعون بخصال جيدة كثيرة لكنهم في كثير من الأمثلة لم يذهبوا إلى سوريا منذ 20 أو 30 أو 40 عاما»، أما الذي يمكن فهو: « أن يكون هناك تمثيل لمن يقفون في خطوط المواجهة يقاتلون ويموتون اليوم في سبيل حريتهم».

 

ونقلت وسائل الإعلام المزيد من تصريحات كلينتون كقولها: « أن الولايات المتحدة قد طرحت فكرة تشكيل تنظيم معارضة موحدة تحل بدلا من المجلس الوطني السوري الذي تعتبره واشنطن تنظيما غير فعال بسبب عدم نجاحه في توسيع قيادته، وأن: « واشنطن قد أعدت مرشحين سوريين للانضمام إلى أي قيادة جديدة للمعارضة يمكن أن تنبثق من مؤتمر مجموعة أصدقاء سوريا في الدوحة». أما المتحدث باسم الخارجية الأميركية باتريك فنتريل، فقد طالب في مؤتمره الصحفي بواشنطن: « المعارضة أن تكون أكثر تنظيما والتزاما بإستراتيجية»، لافتا الانتباه إلى أن: « واشنطن لم تر ذلك في المجلس الوطني السوري ولذلك تساعد في تحديد بعض الأشخاص» .. إذ: « ثمة حاجة ماسة لتشكيل تركيبة تمثل قيادة المعارضة»، أما لماذا « حاجة ماسة فلأن: « أمامها عمل سياسي وإداري للتواصل مع المجتمع الدولي والمساعدة في تنسيق التواصل والمساعدة».

 

هكذا بطشت الولايات المتحدة في المعارضة التي تحالفت معها دون سابق إنذار. فما كان من المعارضة، في اليوم التالي (2/11/2012) إلا أن صبت جام غضبها على أمريكا. وردا على تصريحات كلينتون أصدر المجلس الوطني بيانا قال فيه: « إن الحكومة الأميركية تريد بقاء بعض عناصر حزب البعث في السلطة بعد الإطاحة بنظام بشار الأسد»!!! وكأن « البعث» الذي ليس له في العير ولا في النفير بات المسؤول عما حل بسوريا وأهلها من خراب ودمار وسفك للدماء. طبعا المجلس يقصد الطائفة النصيرية، لكنه لا يجرؤ على البوح بحقيقة المسؤولية لأنه محكوم بالسقف الدولي وأيديولوجياته وعقائده ومفرداته الدبلوماسية والسياسية. ثم تبع بيان المجلس غضب الكثير من أعضائه تجاه ما بدا لهم: « وصاية مباشرة وإملاءات لم تعد مقبولة للشعب السوري». ومن لندن، علق محيي الدين اللاذقاني، عضو المجلس، بالقول: « لا يحق لوزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون انتقاد المجلس في وقت لم تحدد فيه إدارة الرئيس باراك أوباما أي مسار لسوريا، مشددا على أن كل ما تحاول أميركا أن تفعله هو إلقاء اللوم على المجلس».

 

لكن أعجب وأميز ما في ردود الفعل جاء من جانب « الإخوان المسلمين». فقد انعقد لقاءً تشاوريا في العاصمة الأردنية عمان في 1/11/2012 بحضور 25 شخصية سورية، من بينها رئيس الحكومة السورية المنشق، رياض حجاب، وصدر الدين البيانوني، ممثلا عن الإخوان، ورياض سيف، الوكيل الحصري لـ « المبادرة الوطنية السورية»، وبحسب بيان صحفي صدر عن المكتب الإعلامي لجماعة الإخوان المسلمين في سورية يوم 2/11/2012 فقد: « تقدم الأستاذ البيانوني خلال اللقاء بمداخلة (مشروطة) أعلن فيها تأييد فكرة إيجاد قيادة سياسية جامعة للمعارضة السورية». ومع ذلك فقد علق زهير سالم، المتحدث باسم الجماعة، على تصريحات كلينتون بعصبية!! مشيرا إلى: « أن الولايات المتحدة تريد أن تفصل المعارضة السورية على مقاسات محددة»!!! بل أن اللقاء أنهى مشاوراته بالدعوة إلى تشكيل ما سمي بـ: « هيئة المبادرة الوطنية السورية», تمهيدا لإنشاء « قيادة سياسية جديدة للمعارضة» يليها « إعلان حكومة مؤقتة في المنفى» يقودها « رياض سيف».

 

لكن ليس من العجيب أن تواصل الولايات المتحدة تجديد عزمها على تفصيل الثوب الجديد عبر إقامة كيان بديل عن المجلس الوطني، بصريح القول والفعل، ورغم أنف قوى المعارضة، وبلسان كلينتون: « إن واشنطن أعدت مرشحين سوريين للانضمام إلى أي قيادة جديدة للمعارضة يمكن أن تنبثق من مؤتمر مجموعة أصدقاء سوريا». وبدا واضحا أن الولايات المتحدة أوكلت لقطر، محضن الاجتماعات القادمة، مهمة العرّاب. وهو ما كشفته صحيفة « الغارديان – 3/11/2012 » البريطانية حين قالت أن: « دولة قطر تقف وراء تنظيم مبادرة الدوحة»، وأنها: « حصلت على دعم من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا لإيجاد معارضة سورية موحدة ومتماسكة».

 

هكذا؛ وعلى وقعْ التصريحات الأمريكية وردود الفعل انطلقت اجتماعات « أصدقاء سوريا» و « المجلس الوطني» في العاصمة القطرية - الدوحة يوم 4/11/2012 لتنتهي بما أسمي « اللقاءات التشاورية». وجهد المجلس الوطني في الالتفاف على « المبادرة الوطنية السورية» لرياض سيف، والداعية إلى تشكيل ائتلاف للمعارضة أوسع من المجلس الوطني، بحيث ترمي، بحسب محمد العطري، المتحدث باسم رئيس الحكومة السورية المنشق رياض حجاب (4/11/2012)، إلى: « إنشاء جسم سياسي جديد للمعارضة السورية ليكون ممثلا لجميع شرائح المعارضة ويتكون من المجلس الوطني (الأعضاء الـ14) والمجلس الوطني الكردي (3) والمجالس المحلية التي تعنى بتنظيم الشؤون في الداخل، والمجالس الثورية في الداخل والشخصيات السياسية والتاريخية وهيئة علماء المسلمين ورابطة علماء المسلمين»، مشيرا إلى أن: « مشاورات ستجري لمعرفة ما إذا كانت هذه المبادرة ستشكل جسما بديلا عن المجلس الوطني أو ائتلافا جديدا».

 

ورغم الاستياء الشديد لرئيس المجلس، عبد الباسط سيدا (4/11/2012)، من: « جهود كثيرة بذلت وتبذل من أجل تجاوز المجلس»، وعن: « تضييق مادي» واتهام بـ « القصور والعجز والانغلاق»، وكذا حيرة جورج صبرا، الناطق باسم المجلس، وهو يقول: « تحاصرنا أفكار لا يمكننا قبولها»، إلا أن أحدا لم يسمع صراخ المجلس .. وبدا أحد أركان « البديل الجديد»، كمال اللبواني، لا يسمع صراخا ولا عويلا إلا سيمفونيته الخاصة: « لا ننافس على الشرعية ولا نتلقى أوامر من أحد»، مكتفيا بالقول أن السبب وراء المبادرة الجديدة هو: « تحول الثورة السورية إلى فوضى، والانقسام الحاد بين أطياف المعارضة، الأمر الذي: « يهدد بحرب حقيقية بعد سقوط النظام». ويبدو أن صبرا استفز حتى النخاع في تصريحاته لـ « وكالة الأنباء الألمانية – 5/11/2012 » في الدوحة حين قال إن: « المجلس يتعرض لضغط هائل لجعله ينخرط في مفاوضات سياسية مع النظام السوري، وهو شيء يرفضه كثير من قادتنا».

 

وعشية اللقاءات التشاورية حول مبادرة سيف (8/11/2012)، أدلى برهان غليون بدلوه محاولا التخفيف من وقع الصدمة: « ليس هناك شيء اسمه قيادة جديدة ولا بديلة والأجدر تسميتها بلجنة تنسيق للعمل المشترك فهذا هو المطلوب وليس استبدال المجلس»، مشيرا إلى أن: « الموقف الأمريكي قد لان كثيرا بهذا الشأن، وأن: « الجانب القطري عرض علينا أن نظل يوما أو اثنين أو ثلاثة أو أربعة حتى يطلع الدخان الأبيض، وإذا لم يطلع سيذهب كل إلى سبيله»!!! ويبدو أن دخان انتخاب البابا لم يخرج حتى ذلك الحين ليهدئ من غيظ سمير نشار، الذي فتكت الصدمة بأعصابه، ولم يذهب في سبيله، فكان على النقيض من غليون: « لن نقبل بأي قيادة جديدة فوق المجلس الوطني»، فما: « الجدوى من خوض تجربة قيادة جديدة قد تفشل في حين أن المجلس الوطني السوري بصدد التوسعة وإصلاح نفسه؟ »، لكن وبكل برود صب رياض سيف الزيت على النار المشتعلة؛ فهدم أية مشروعية أو فاعلية للمجلس من أصله بالإشارة إلى أن: « المبادرة ليست إلغاء للمجلس الوطني باعتبار انه لم يكن في أي وقت من الأوقات سلطة أو قيادة» للمعارضة، لكن؛ وكي يُطَمْئن المجلس على مستقبله وموارده المالية فيمكن له الاعتماد على « التسول» و « النصب» و « الاحتيال»، إذ: « سيكون له ألف عمل وعمل في خدمة الثورة، أما تمويله: « فيجب أن يكون ذاتيا بحسب الأعمال والنشاطات التي يقوم بها أعضاؤه، كما يمكن له أن يتلقى دعما عربيا وأجنبيا مثل أي منظمة تطوعية وغير حكومية»، والمحسنين كثيرون. أما العمل الذي يجري الآن فهو فقط: « من أجل إيجاد قيادة وسلطة سيكون للمجلس الوطني فيها نصيب 50% إذا استثنينا مندوبي المحافظات الأربعة عشر».

 

باختصار؛ فقد اتسمت الاجتماعات والتصريحات بالمهاترات والمماحكات والغضب والمساومات والتطمينات والفضائح، وظهرت المعارضة كما لو أنها أزواج ضرائر لزوج كسيح. والعجيب أن المجلس الوطني واصل اجتماعاته ووسع هياكله كالأطرش في الزفة، أملا في تجاوز مبادرة سيف. فانتهت بخروج شخصيات معتبرة من أمانة المجلس مثل برهان غليون وجورج صبرا، وحصل الإخوان المسلمون على ثلث المقاعد .. ومع ذلك، وكما سبق وقدموا برهان غليون واجهة مقبولة لدى الغرب، جاؤوا بجورج صبرا أمينا عاما للمجلس، وهو مسيحي وملحد في الوقت نفسه!!! وطار مناصروهم ومؤيدوهم بهذه الخطوة « الجبارة» معتبرين أن انتخاب صبرا يثبت للعالم أن هدف الثورة السورية هو « الحرية» وليس « الطائفية»!!! وكأن أحدا، غير « المركز» والخصوم والأعداء، اتهم الثورة بالطائفية أو شكك بأهدافها. بينما لم يذكر أيا منهم، لا على مستوى الجماعة وفروعها ولا على مستوى الأفراد، أن انتخاب صبرا هو استنزاف عقدي بغيض بحق الله على العباد، وبحق الإسلام والمسلمين، وبحق شعب غالبيته الساحقة مسلمة، وبحق شلالات الدماء النازفة .. وهو سطو على دين الله وحقوق الأمة من المفرطين، والملحدين، وممن لا عقيدة لهم، ولا مبدأ ولا تاريخ .. ودون أن يرتد إليهم طرف من فعلتهم الشنيعة إلا من الرغبة المسعورة في استرضاء « المركز» بما يحب ويهوى. الله لا يعطيكم عافية على هكذا إنجاز ورسالة.

 

لكن « ومن يهن الله فماله من مكرم». فما أن بدأت اللقاءات التشاورية (8/11/2012) لمناقشة مبادرة رياض سيف حتى تلقى اتهامات صريحة من بعض أعضاء المجلس بأنه: « يتبنى أجندة أمريكية لتهميش المجلس». ومن جهتها تلقت وكالة « رويترز» للأنباء تصريحا من مصدر في المجلس قوله إن: « سيف لم يكن مقنعا أبدا»، لكنه قال للمجلس بأنه: « سيمضي قدما بالمبادرة بموافقة المجلس أو من دونها». لكن ما نعرفه أن رياض سيف ليس سوبرمانا في الداخل ولا في الخارج. وغني عن القول أنه ما كان لسعادة الوكيل الحصري، أن يطلق هذه التهديدات دون أن يكون محصنا بدعم حاسم من « المركز» الذي لم يعد يقبل الهياكل التقليدية.

 

هكذا ولد الهيكل الجديد المسمى بـ: « الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية»، وابتلعت المعارضة ألسنتها، وسحبت كافة تصريحاتها، ونزلت عند رغبة المركز»، وأمطرت بالشروط التي ارتضتها « المجاهدة» كلينتون. وفي 8/11/2012 أعلن صدر الدين البيانوني، المراقب السابق لجماعة « الإخوان المسلمين» في الدوحة أنه: « تم التوقيع بالأحرف الأولى وبالإجماع على اتفاق تشكيل الائتلاف الوطني السوري لقوى المعارضة والثورة السورية»، وبعد الإعلان الرسمي انتخب الشيخ أحمد معاذ الخطيب رئيسا للائتلاف بأغلبية 54 صوتا من أصل 63، كما انتخب رياض سيف وسهير الأتاسي نائبين له.

 

حقا!! عجيب أمر المعارضة السورية!!! يعارضون التشكيلات الجديدة ويفاوضون عليها من وراء الكواليس، ثم ينتخبون رئيسا بالأغلبية!!! ثم يبدؤون في الثناء عليه، وكأن الأرض أزهرت. فما أن انتخب الخطيب رئيسا للتشكيل الجديد حتى بدأت الدعوات وحملات التسويق حتى من موقع الخطيب الإلكتروني، وعلى صفحات المواقع الاجتماعية تشق طريقها. وبدا أن التركيز على شخصية الرجل الذي لم تشوبه شائبة من قبل، كرياض سيف، هي محور الترويج له. لكن هذا لا يمنع من القول أن الرجل، الذي لم يعرف عنه سوء، ليس بأفضل من أولئك الذين عارضوا النظام لعشرات السنين، ودفعوا ثمنا باهظا طال حياة عشرات الآلاف منهم.

 

والمهم في شخصية الرجل ليس فقط ما يحظى به من شرعيه اجتماعية دمشقية ودينية عريقة، والتي استعملت في تسويقه، بل في قناعاته السياسية ومعتقداته التي رجحت اختياره كأنسب ما تحتاجه التشكيلات السياسية والعسكرية الجديدة. فهو خطيب الجامع الأموي بدمشق، ويوصف بأنه رجل وسطي معتدل يؤمن بالتعددية العقائدية والطائفية، ولعله أبعد ما يكون عن تكفير الطائفة النصيرية أو الطوائف الباطنية. ويعرف عن نفسه بموقعه قائلا: « لا نرضى الفتنة وحمل السلاح في الأمة الواحدة مهما يكن السبب، وننبذ الطائفية والعصبية وضيق الأفق، كما نرفض تحجيم الإسلام وفق أهواء العوام أو الحكام .. ونرفض الفكر التكفيري الغضوب، ونعتقد أن الإسلام رسالة هداية للبشرية جميعاً». وهو بالمحصلة وكما وصفه خالد الزيني، عضو المجلس الوطني السوري، « شخصية توافقية»، بما تكفي لتلبية احتياجات الجميع.

 

وفي أول بيان أصدره (14/11/2012) بعد زيارته لبعض العواصم العربية والدولية كتب على موقعه مخاطبا الشعب السوري بما يشبه التسول والاستجداء الذي لا يليق بسوريا ولا بشعبها ولا بتضحياتها ولا بتاريخها ولا عقيدتها ولا بشخصية تتبوأ منصب قيادة:

 

« اليوم اعترفت الولايات المتحدة بالائتلاف ممثلا وحيدا للشعب السوري ولكنها علقت ذلك على تأكدها من أن الائتلاف يمثل الشعب السوري حقيقة … هذه لحظة تاريخية .. أرجو الله أن لا نخذلكم فلا تخذلونا أرجوكم .. أريد أن يكون شعار الجمعة القادمة: ( يا أوباما لا تخاف .. كلنا مع الائتلاف).. أريد لافتات فيها شكر للرئيس الفرنسي .. ولافتات: (الشعب السوري واحد)، ولا فتات عليها: ( لا تطرف لا إرهاب .. افهم افهم يا حباب) .. وفي آخر البيان طالب بـ: تعديل: بعد التشاور مع بعض قيادات الداخل اقترحوا أن يكون العنوان للجمعة القادمة: يا أوباما اسماع اسماع كلنا مع الائتلاف» .. لكن الجمعة المقصودة أسميت: « الائتلاف يمثلني»!!! والنعم.

 

سؤال: ما الذي جنته المعارضة السياسية الساعية إلى تحصيل اعتراف دولي وعربي بها من تشكيلها الجديد؟

 

فيما خلا الموقف الفرنسي الذي قدم اعترافه وصار يلعب دور رأس الحربة في رفع الحظر عن تسليح الثورة، والاستعداد لطلب « أسلحة دفاعية»، إلا أن بقية المواقف الأوروبية والدولية نأت بنفسها عن الاندفاع الفرنسي، ابتداء من أوباما وانتهاء بالمفوضة الأوروبية كاترين آشتون، واكتفت بالإشادة بالتشكيلات الجديدة أو تعليق الاعتراف الكامل بها حتى إلى ما بعد سقوط النظام!!! ولعلها لطمة غير محسوبة من أولئك الذين يظنون دائما أن التعهدات والتنازلات والتصريحات وحرق الذات يجدي مع « المركز». وتغافلوا عن كل تاريخ وحاضر، وتناسوا أن « المركز» والخصوم والأعداء لم يقبلوا بالرئيس العراقي، صدام حسين، وهو علماني، كما تناسوا كيف دبروا اغتيال الرئيس الفلسطيني، ياسر عرفات، وهو من قدم لهم التعهدات والتنازلات حتى الاعتراف بـ « إسرائيل» .. ومع ذلك تآمروا عليه وحاصروه وأذلوه وقتلوه دون أن يأسف عليه أحد. فلماذا يقبلون تعهدات المعارضة القديمة أو الجديدة؟ ولماذا يثقون بها أو يسمحون لها بالوصول إلى السلطة على أنقاض طائفة ائتمنت على النظام الدولي و « إسرائيل» منذ 1913 وإلى يومنا هذا؟ فما الذي يمكن أن تقدمه المعارضة بالمقارنة مع ما قدمته الطائفة النصيرية، صاحبة الامتياز الدولي؟ وهل تعهداتها أو حتى اعترافها بـ « إسرائيل» سيكون أثمن من اعتراف عرفات بها!!!!؟

 

في أول رد فعل للرئيس الأمريكي، باراك أوباما (14/11/2012) على التشكيلات الجديدة التي صممتها بلاده!!! قال بصريح العبارة: « نحن غير مستعدين للاعتراف بهم كحكومة في المنفى، إلا أننا نعتقد أنها مجموعة تتمتع بصفة تمثيلية». وأعلن بوضوح: « نحن نحترس وخصوصا عندما نبدأ بالحديث عن تسليح مسؤولي المعارضة لكي لا نضع أسلحة بين أيدي أناس قد يسيئون إلى الأمريكيين أو الإسرائيليين». وأن: « إحدى المسائل التي سنواصل التشديد عليها هي التأكد من أن هذه المعارضة تتجه نحو سوريا ديموقراطية ومعتدلة وتشمل كل المجموعات»!!! ومن فاته مضمون عبارات: « ديمقراطية .. ومعتدلة .. تشمل كل المجموعات» فما عليه إلا أن يلحق بأول رد فعل آخر أدلى به الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، خلال مؤتمر صحفي مشترك (15/11/2012) مع أنجيلا ميركل، المستشارة الألمانية، في موسكو، حيث قدم حقوق الأقليات والطوائف على حقوق الشعب السوري برمته: « إن موقف بلاده يعطي الأولوية لتحقيق اتفاق حول المستقبل، وإنه يجب أولا تفهم كيفية ضمان احترام المصالح والحقوق المشروعة لمختلف الطوائف والقوميات قبل البدء في التغيير، وليس تنحية الرئيس السوري بشار الأسد» ثم التفكير في الخطوة التالية.

 

أما وليم هيغ، وزير الخارجية البريطاني، الذي التقى أحمد معاذ الخطيب، رئيس الائتلاف الجديد، فقد أحبط مضيفه مثلما أحبط أولئك الذين توسموا خيرا بتصريحات ديفيد كاميرون، رئيس الحكومة البريطانية حول اقتراحه الممر الآمن للرئيس السوري واستعداد بلاده لدراسة تسليح الثورة. وفي تصريحات لقناة الـ BBC استبق فيها لقاءه بالخطيب، أوضح هيغ أن: « بلاده تدرس الاعتراف رسمياً بهذا الائتلاف كممثل شرعي وحيد للشعب السوري، لكنها تسعى لمعرفة خطط هذا الائتلاف للانتقال السياسي في سوريا ومعرفة من الذين يعتزمون تعيينهم وكيفية توزيع المناصب، وهل سيكون الأكراد مشاركين، وما حجم التأييد الذي يتمتع به ائتلاف المعارضة داخل سوريا»، مؤكدا بأنه: « قد يكون قادرا على اتخاذ قرار بشأن الاعتراف بالائتلاف خلال الأيام القليلة القادمة» .. تصريحات استفزت سهير الأتاسي، نائب الخطيب، التي علقت بالقول: وكأننا تحت اختبار!!!؟ صح النوم يا مدام.

 

وفي تغطيتها للموقف الأوروبي بشأن تسليح الثورة ذكّرت صحيفة « وول ستريت جورنال» الأمريكية بموقف كاثرين أشتون، ممثلة السياسة الخارجية الأوروبية، وهي تردد القول: « إن إرسال السلاح إلى سوريا ربما يزيد الأمر سوءً هناك». وتنقل الصحيفة عن مسؤول أوروبي، رفيع المستوى، قوله في العاصمة البلجيكية بروكسل: « إن "محادثات مطولة" قد تجري قبل إجراء أي تغيير على حظر بيع الأسلحة لسوريا»، مشيرا إلى أن: بعض أعضاء الاتحاد لن يقبل بسهولة إرسال أسلحة للمعارضة السورية». وأن رفع الحظر يتطلب اتفاقا أوروبيا مشتركا يتم التوصل إليه بعد مفاوضات معمقة، قائلا: « أنا شخصيا لا أخفي بعض الشكوك. إذ أن: القلق الأوروبي لن يتعلق فقط بمبدأ إرسال الأسلحة، بل أيضا بتطبيقه، لافتا إلى أنه لن يكون من السهل ضمان وصول شحنات الأسلحة للمعارضة فقط». ولعلها تصريحات راقت لوزير الدفاع الألماني، توماس دي مايزيري، الذي قال إنه: « يشكك في الفكرة».

 

أما منظمة العفو الدولية فقد رحبت بدعوة وزير الخارجية البريطاني جماعات المعارضة السورية إلى ضرورة الالتزام بالقانون الإنساني الدولي، وحرض كريستيان بنديكت، المسؤول في المنظمة، وليم هيغ على مزيد من الضغط لاتخاذ إجراءات عملية ضد المقاتلين: « نريد رؤية مساءلة حقيقية يتم بموجبها اعتقال أي مقاتلين ارتكبوا انتهاكات، وفتح تحقيقات مناسبة حولها».

 

إلى هنا نقول بأن الهياكل الجديدة لا تعني أنها تتمتع بحرية الحركة والمطالب. وتوسلاتها لقوى الثورة بتقديم الدعم لها عبر تسمية يوم 16/11/2012 بـ جمعة « الائتلاف يمثلني»، المماثلة لـ جمعة « المجلس الوطني يمثلني – 7/10/2011 » كانت فاضحة كما سبق وأثبته الخطيب في كلمته إلى الشعب السوري. هذا فضلا عن أن تسميات الجُمَعْ تخضع للمساومات السياسية والأيديولوجية، لاسيما وقد سبقتها جمعة « أمريكا ألم يشبع حقدك من دمائنا؟ » و التي تأجلت في 12/10/2012، بعد معارضة من المجلس الوطني قبل أن يتم فرضها يوم 19/10/2012.

 

المهم أن ردود الفعل الشديدة على التشكيلات الجديدة من بعض رموز الثورة السورية استبقت اجتماع اللقاءات التشاورية في الدوحة. فالقوى الإسلامية رفضت، كالعادة، كل التشكيلات والمبادرات السياسية. ومن جهته شن العقيد رياض الأسعد، قائد « الجيش الحر» هجوما شرسا على المجلس الوطني، في تصريحات نشرتها صحيفة « الوطن» السعودية في 7/11/2012، قال فيها أن: « هناك من أعضاء المجلس الوطني من شتت الصفوف وحاول تفرقة الكتائب، هؤلاء عصابة، والمجتمع السوري يعي ذلك، كانوا فعالين في تفرقة المقاتلين لكنهم لم يتمكنوا، والثوار معنوياتهم مرتفعهم على وقع الانتصارات اليومية .. أشخاص معروفون لدينا، مؤثرون في المجلس الوطني ومُتنفذين، هم من يتحملون مسؤولية قتل السوريين»، .. هذا المجلس الذي أقصى الجيش الحر حمله الأسعد مسؤولية: « ثمن سفك دماء الشعب السوري».

 

وخلال انتخابات المجلس الوطني، تلقت وسائل الإعلام: « بيان مشترك من القوى الوطنية السورية في رفض مخططات اجتماع الدوحة» وقعته شخصيات وقوى عسكرية ومدنية، من بينها « الجيش الحر» و « التحالف الوطني السوري» و « الكتائب الميدانية المقاومة في سوريا»، وتضمن البيان أسماءً من بينها العقيد رياض الأسعد والعقيد حسام العواك وسعد العقيدي و د. وائل الحافظ. وجاء فيه: « إنه لواجب علينا أن نوضح للجميع أن الإصرار على إقصاء أبناء الثورة الصادقين إنما هو استمرار في السير على ذات الخطى التي لم تقدم ما هو ايجابي للثورة على مدى 13 شهرا وذلك يدفع إلى زيادة في الشكوك حول ماهية الأجندات التي تم تحضيرها والإعداد لها لما هو أبعد من ذلك من حكومة ووزارات وقيادات تريد فرض نفسها».

 

وأوضح سعد العقيدي، منسق الكتائب الميدانية المقاومة في سوريا، وعضو المكتب التنفيذي في مجلس القبائل العربية السورية: « إن القوى الوارد اسمها في البيان ترفض المجلس جملة وتفصيلا، وتعتبره غير موجود وأن مبادرة رياض سيف لا تعنيهم». أما فيما يتعلق في الموقف من المجلس فهو: « سبب رئيسي في تمزق المعارضة السورية وأن من يقودونه لديهم أجندة حزبية ضيقة للوصول إلى كرسي السلطة ولم يقدموا شيء للشعب السوري»، الذي: « أعطى فرصة للمجلس طيلة أكثر من سنة فما قدم شيء للشارع السوري سوى أن قام باستلام الأموال وسرقتها». وأوضح أن: « المجلس الوطني السوري أعاد إنتاج نفسه وأن جماعة الإخوان المسلمين قسموا أنفسهم في هذه الانتخابات إلى أربع كتل تحت أسماء كتل وطنية إلى آخره حتى يحظوا بالأصوات»، وتجاهل ما اعتبره: « ضعف تمثيل القبائل السورية في المجلس، مشيرا إلى أن أهم مكون في سوريا القبائل العربية التي تشكل 45 بالمائة والتي من المفترض أن تحظى بتمثيل أكبر في المجلس أعطيت فقط 8 أصوات».

 

 

ما زال الوقت مبكرا على الخاتمة

 

 

لا ريب أن « المركز» بات مقتنعا للغاية أنه من المستحيل بقاء عائلة الأسد في السلطة بالنظر إلى الإرث الدموي والأمني وما خلفته من قروح غائرة عميقا في الجسد السوري. لذا ما من أحد يشك بزوال الأسد وعائلته إلا من يصر، في اللحظة الأخيرة والحرجة للجميع، على البيع بأبخس الأثمان دون مبرر، بينما الفرصة للثراء أمامه متاحة رغم أنف أكبر التجار والمستهلكين.

 

لكن المشكلة في هؤلاء الذين يستقوون بأفخاخ « المركز» نفسه وإغراءاته لهم اعتقادا منهم أنهم يحققون مكاسب بإثارة مخاوفه أو الاتزام بتوجيهاته وآرائه!!! ومن أمثلة هذه المصائد ما قاله جيمس دوبينز، مدير مركز راند للأمن الدولي والسياسة الدفاعية (7/11/2012)، من أن: « الأحداث قد تجبر أوباما على التدخل بدرجة ما في سوريا وربما يقدم السلاح». وهذا احتمال مرجح فعلا، لكن ليس لخدمة الثورة بقدر ما هو الخشية منها. ولعل جاستين فايس الباحث في معهد « بروكينغز» أحسن في التشخيص حين قال: « إن عدم التدخل عسكريا في سوريا أدى إلى اتخاذ الصراع ضد النظام منحى راديكاليا، وهو ما يفسح (المجال) لدخول الجهاديين والقاعدة، ولنشوب حرب أهلية ستكون لها تبعات على الأردن والعراق وعلى التوازنات في لبنان». ولهذا السبب رأت مارينا اوتاواي، الباحثة في مركز « كارنيغي للسلام» الأمريكي (14/11/2012) أن: « الولايات المتحدة تريد تنظيما عسكريا موحدا .. يمكن أن ترسل إليه المساعدات المالية والعسكرية ويقطع الطريق أمام الجهاديين » .. وتعلق على الرغبة الأمريكية بتشكك: « إنها خطة ملفتة لكنني لست واثقة من إمكان نجاحها». فما هي، إذن، منزلة تصريحات العميد مصطفى الشيخ وهي تحذر من « تحول الثوار السوريين إلى إرهابيين - 10/11/2012» حين قال: « إذا لم يكن هناك قرار سريع لدعمنا، فإننا جميعا سنتحول إلى إرهابيين؟ » هل يمكن تصنيفها في خانة ابتزاز « المركز»؟ أم في خانة تقديم الخدمات له؟ أم في خانة المكر به؟

 

قلنا وما زلنا نقول بأن الحل المطروح على السوريين من « المركز» هو الحل السياسي الذي يقوم على صيغة « الحل مع النظام»، وبما يضمن بقاء الطائفة النصيرية متمتعة بذات الامتيازات التي تتمتع بها، شريكة كاملة في السلطة. وكما سبق وأعلن ليون بانيتا، وزير الدفاع الأمريكي، أن حل الجيش وأجهزة الدولة والأمن غير وارد في سوريا. وها هو الرئيس الأمريكي يتحدث صراحة عن دولة « ديمقراطية .. ومعتدلة .. تشمل كل المجموعات»، وكذا الرئيس الروسي الذي أعطى « الأولوية» لحقوق الأقليات والطوائف ومستقبلها واندراجها في السلطة قبل أن يتحدث عن حقوق الشعب الجريح.

 

أما الإبراهيمي فلم يفته أن يذكِّر المعارضة السورية، ومن لا يتذكر أو يتعظ، وقبل أن يطالب أحد بتسليح الثورة (5/11/2012) بأنه: « لا حل عسكري للأزمة السورية، وأن الحل الوحيد هو إيجاد عملية سياسية يتفق عليها الجميع، أو أن المستقبل سيكون سيئا للغاية، وستتدفق الأزمة على دول الجوار وحتى إلى دول بعيدة عن المنطقة».

 

بقي أن نقول أن هؤلاء الذين مثلوا جسرا لـ « الاختراق»، بحسن نية أو بسوء نية، بعلم أو بجهل، لم يحسبوا حسابا كما فعل « المركز» الذي أحسن استدراجهم .. وهو الآن عازم على استنزافهم من عقائدهم وأخلاقهم وقيمهم وإنسانيتهم وانتمائهم وتاريخهم حتى إذا ما سقطوا لن يأسَ عليهم أحد. فهم لا يمتلكون أية ضمانة من « المركز»، وليس لـ « المركز» حتى الآن بديلا عن الطائفة في الحكم. فهي باقية في السلطة ودواليبها .. لكنها عند السوريين مطالبة بكشف حساب ثقيل جدا. وهذا لا يعني ذبح الطائفة أو قتلها، فهي على كل حال موجودة شأنها شأن الكثير من الطوائف، لكنها من المستحيل أن تكون مقبولة في السلطة دون أن تدفع ثمن جرائم الغالبية الساحقة التي ارتكبتها بحق الشعب السوري، أو دون أن تقدم عشرات آلاف المجرمين فيها للمحاسبة، أو دون أن تتحمل مسؤولية انخراطها في النظام والقتل والرعب التاريخي الذي أوقعته في المجتمع، أو دون أن تتحمل مسؤولية استيلائها على الدولة والمجتمع وحقوق الأمة برمتها لعشرات السنين ..

 

هذا الأمر لا يروق لـ « المركز» ولا يقبل به!!! فما الذي ستأتي به إذن الوسطية والاعتدال والتعددية والديمقراطية والمشاركة؟ وما الجدوى أو الغاية منها إنْ لم تسترد حقوق الشعب وتنصفه في مظالمه وعذاباته؟ وما معنى ألا يتعظ عشاق « المركز» من أسلافهم أمثال محمد دحلان (فلسطين) وشيخ شريف ( الصومال) و رباني ومسعود ( أفغانستان ) وطارق الهاشمي ( العراق) وبرويز مشرف (باكستان)، هذا ناهيك عن أولئك الذين أخطؤوا الحسابات فاغتيلوا رغم ما قدموه من خدمات!!! ألا ليت قومي بعلمون.

 

يتبع ....

 

 

 

 

 

نشر بتاريخ 18-11-2012

 

http://www.almoraqeb.net/main/articles-action-show-id-388.htm

رابط هذا التعليق
شارك

http://www.alarabnews.com/show2.asp?NewId=30781&PageID=26&PartID=2

 

 

 

الاختراق هو (1) إقرار بوجود جسم صلب، و (2) تعبير عن الحاجة إلى نافذة تسمح بالولوج إليه، بغية إضعافه أو احتوائه أو السيطرة عليه أو التحكم به أو إتلافه بشكل تام. هذا هو ما تتعرض له الثورة السورية، منذ انطلاقتها. وتبعا لذلك فإن كل المستويات العسكرية والأمنية والإنسانية والعقدية والقيمية والاجتماعية والاقتصادية ... باتت عرضة للاستهداف والمطاردة عبر المبادرات السياسية أو الإغراءات العسكرية والأفخاخ الأمنية أو العروض المالية أو الإنسانية ... .

 

لا أحد يختلف، إلا من أبى، على أن الثورة السورية أصابت الجميع بصداع مزمن يهدد، لأول مرة، بإصابة النظام الدولي بخطر التفكك. وفي السياق ليس مهما ما يحتاجه السوريون أو يفكرون به .. وليس مهما أن تتفتت سوريا وتُدمَّر على مرآى العين ومسمع الأذن .. وليس مهما أن يغدو الجسد السوري موضعا لأوحش مشاهد التمزيق والتعذيب والقتل والردع .. ذلك أن المهم الوحيد اليوم ألا ينجح السوريون، ومن ورائهم العرب والمسلمون، في خلع المربط الطائفي الدولي من موضعه، لأن النجاح سيعني أن المربط اليهودي هو الهدف التالي قطعا .. وأن خلعه يعني بلا مواربة انزواء الحضارة الغربية .. وهذا ليس قولنا بل قول أهل المركز بلسان قادته. ومن لم يصدق أو يتعامى أو يعبث بالحقائق فليتابع ويتأمل ما سيلي!!!

 

ففي مقالة له في صحيفة «التايمز» البريطانية، سبقت الثورات العربية، (17/6/2010)، قال رئيس الوزراء الإسباني الأسبق، خوسيه ماريا أزنار، أن: « إسرائيل هي خط دفاعنا الأول في منطقة مضطربة تواجه باستمرار خطر الانزلاق إلى الفوضى، ومنطقة حيوية لأمن الطاقة لدينا بسبب الاعتماد المفرط على النفط الموجود في الشرق الأوسط، والمنطقة التي تشكل خط الجبهة في الحرب ضد التطرف، فإن سقطت فسنسقط معها ... إسرائيل هي جزء أساسي من الغرب وما هو عليه بفضل جذوره اليهودية / المسيحية، ففي حال تم نزع العنصر اليهودي من تلك الجذور وفقدان إسرائيل، فسنضيع نحن أيضاً وسيكون مصيرنا متشابكاً وبشكل لا ينفصم سواء أحببنا ذلك أم لا».

 

 

سبق للرئيس السوري بشار الأسد، حين سئل بعد الثورة التونسية والمصرية، عما إذا كان من الممكن أن تندلع ثورة في بلاده فأجاب بالنفي، مشيرا إلى أن « سوريا مختلفة»!!! ولما وقعت الثورة هدد بـ « إشعال الشرق الأوسط في ست ساعات»، وفي مقابلة عاصفة مع صحيفة « الصندي التلغراف – 30/10/2011 » البريطانية، ذكّر الأسد « المركز» بالواقع الذي لم يختلف عليه أحد منذ تم اختيار الطائفة النصيرية لتكون الأمينة على النظام الدولي وأمن المنطقة، فقال:

 

« إن سوريا اليوم هي مركز المنطقة .. سوريا مختلفة كل الاختلاف عن مصر وتونس واليمن. التاريخ مختلف، والواقع السياسي مختلف .. إنها الفالق الذي إذا لعبتم به تتسببون بزلزال، .. هل تريدون رؤية أفغانستان أخرى أو العشرات من أفغانستان؟ .. أي مشكلة في سوريا ستحرق المنطقة بأسرها .. إذا كان المشروع هو تقسيم سوريا، فهذا يعني تقسيم المنطقة برمتها ... ».

 

ذات الأمر كرره مؤخرا في حديث خاص لقناة « روسيا اليوم» نشرت مقتطفات منه في 8/11/2012، حيث حدد الأسد مكانة سوريا، أو بتعبير أدق الطائفة النصيرية، في النظام الدولي قائلا: « أعتقد بأن كلفة الغزو الأجنبي لسوريا، لو حدث، ستكون أكبر من أن يستطيع العالم بأسره تحملها، لأنه إذا كانت هناك مشاكل في سوريا، خصوصا وأننا المعقل الأخير للعلمانية والاستقرار والتعايش في المنطقة، فإن ذلك سيكون له أثر الدومينو الذي سيؤثر في العالم من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادي .. لا أعتقد بأن الغرب يمضي في هذا الاتجاه، لكنه إذا فعل فلن يكون بوسع أحد أن يتنبأ بما سيحدث بعد ذلك».

 

لغة صريحة وبليغة في توصيف الأسد لنظامه باعتباره خط الدفاع الأول والأخير عن « إسرائيل» وعن النظام الدولي .. لغة سبق وأثنت عليها صحيفة « هآرتس»، حين وصفت الأسد، أوائل انطلاقة الثورة، بـ « ملك ملوك إسرائيل، أو حين اعترف رافي نوي، العميد الاحتياطي بالجيش الإسرائيلي، في مقال له بصحيفة « معاريف بأن: « مصلحة إسرائيل هي أن يبقى الحكم العلوي في دمشق». لكن المرارة لم تفارق إيهود باراك، وزير الدفاع، وهو يرى: « النظام يتفكك بصورة مؤلمة» أو حين يطلق نتنياهو، رئيس الحكومة، صيحة فزع (14/11/2012) من أن: « النظام السوري يتفكك إلى قوى جديدة، وأن عناصر أكثر تطرفا ضد إسرائيل، تابعة للجهاد العالمي، باتت تترسخ على الأرض، ونحن نستعد للتعامل مع ذلك».

 

ولمن راقب صيحات الفزع « الإسرائيلي»، منذ بدء الثورة السورية، سيصاب بالدهشة. فهم مصابون بالرعب من جماعات إسلامية وطنية يشنون عليها حربا وحشية في غزة .. فكلها بالنسبة لهم منظمات إرهابية حتى لو كانت ملحدة!!! فكيف بحال « إسرائيل» إذا تعلق الأمر بجماعات إسلامية أو بثورة اجتماعية مميزة تهدد مجمل النظام الدولي؟

 

يقول بيني غانتس، رئيس أركان الجيش « الإسرائيلي»، لدى استقباله جنودا بمناسبة عيد « العُرش اليهودي – 4/10/2012»، إن الرئيس السوري: « يذبح شعبه ويفقد السيطرة في المكان الذي سيشكل في نهاية المطاف مخزن أسلحة في متناول أيدي جميع المنظمات الإرهابية». ويحذر من: « أن المنظمات الإرهابية، وبينها منظمات جهاد عالمي، أخذت تستقر في المنطقة»، مشيرا إلى أن: « إسرائيل ستواجه في سوريا وهضبة الجولان إما تهديداً عسكرياً عادياً إذا صمد النظام، أو تهديداً إرهابياً متصاعداً مع قدرة على الحصول على أسلحة بكميات كبيرة». وتنقل وكالة « يو بي آي – 11/10/2012» عن « إذاعة الجيش» تحذيرات ومخاوف عاموس جلعاد، رئيس الدائرة السياسية الأمنية بوزارة الدفاع « الإسرائيلية»، ومخاوفه من عواقب سقوط نظام الرئيس السوري. فيقول: « لست متأكدا من أنه سيكون في سوريا نظام ديمقراطي كما نأمل»!!! .. طبعا هو يقصد ديمقراطية الأقليات والملحدين واللبراليين وأرباب « المركز». ثم يتابع: « أخشى أن الأسد سيبقى بالحكم بضعة شهور، وربما سنة أو سنتين، لكن في نهاية المطاف ثمة إمكانية بأن تتحول سوريا إلى كيان تسوده الفوضى، ولن يكون هناك عنوان للتحدث معه».

 

هكذا .. وبدون لف أو دوران؛ فإن المرابط الدولية الثلاثة في المنطقة، تضطلع بمهمة واحدة، تتمثل بالحفاظ على النظام الدولي بالصيغة التي استقر عليها بعد الحرب العالمية الثانية، وبما يضمن بقاء « العلمانية» ( بديلا عن الإسلام) و « الاستقرار» ( الأمن الدولي) و « التعايش» ( أمن إسرائيل). ولأنه لا بديل عن المربط الطائفي حتى الآن، لحماية المرابط الأخرى، إلا الطائفة النصيرية نفسها، فمن الطبيعي أن تتجه كافة التدخلات الدولية والإقليمية نحو تحقيق اختراق في عمق الثورة السورية.

 

هكذا؛ وبقطع النظر عن أية معايير أو خلفيات قيمية أو أخلاقية أو تباينات في موقف هذا الطرف بالمقارنة مع ذاك، مما يتصل بدعاوى حسن الظن وما إلى ذلك، فإن مبادرة الأخضر الإبراهيمي واجتماعات المعارضة السورية في العاصمة القطرية – الدوحة ( 4 – 8/11/2012) مثلتا أخطر محاولتين في هذا السياق. وكالعادة سنجتهد في حشد أكبر قدر ممكن من التصريحات الموثقة لأصحاب الشأن كي تكون منارة يهتدي به من ضل السبيل.

 

أولا: مبادرة الإبراهيمي

 

ما من مبادرة اتسمت بالغموض الشديد والعجب كما اتسمت به مبادرة الإبراهيمي. فعلى امتداد أسابيع طويلة، من الجولات الماراثونية بين العواصم الدولية واللقاءات والتصريحات، حرص الإبراهيمي منذ اللحظة الأولى على التكتم الشديد على « خطته» في احتواء الثورة السورية، وخاض صراعا إعلاميا مكشوفا، وحادا، مع بعض وسائل الإعلام على خلفية تصريحات نسبت إليه ونفاها، بغضب، جملة وتفصيلا. ولعل أغرب ما في مبادرة الإبراهيمي ذلك الحرص الشديد منه ومن القوى الدولية على « فكرة» غياب أي « خطة» له .. وادعائه، كلما سئل عن ذلك، بأنه بصدد استطلاع المواقف وإجراء مناقشات مع الأطراف المعنية أو تقديم أو تلقي « مقترحات» و « أفكار» تمهيدا منه لبناء تصور عن الأزمة أو « خطة متكاملة» كما يقول!!! ولسنا ندري كيف يمكن لشخصية دولية متمرسة في العمل الدبلوماسي كالأخضر الإبراهيمي لا تمتلك أية تصورات عن حقيقة ما يجري في سوريا أو حقيقة المواقف الإقليمية والدولية.

 

ولعل الحقيقة الثابتة لدينا أننا لم نقع على زلات للإبراهيمي في الفترة الواقعة بين تعيينه مبعوثا دوليا (17/8/2012 ) خلفا لسلفه كوفي أنان، واقتراحه لـ « هدنة» الأيام الأربعة خلال عيد الأضحى المبارك. وفي غياب هذه « الزلات»، التي تسمح بالتتبع والتحليل والربط بين الأحداث والمواقف، يصعب القول أن ما فعله الإبراهيمي كان مبادرة بقدر ما كان محاولة اختراق بالغة الدهاء. فما الذي أراده الإبراهيمي من هدنة يقل عدد أيامها عن عدد أصابع اليد الواحدة؟ .. « هدنة» من المستحيل أن تنجح وسط ركام هائل من الدمار وإرث عظيم من الوحشية وصدور فاضت قهرا وغيظا .. « هدنة» أقرب إلى الاستفزاز والاستغفال والاستهتار بعشرات آلاف من المفقودين والجثث المستوطنة تحت ملايين الأطنان من ركام البراميل المتفجرة .. « هدنة» استهدفت البحث عن التزام كل فرد من القتلة والضحايا!!! باختصار: ما الذي أراده الإبراهيمي من هدنته؟ وكيف أدار مبادرته الهلامية؟

 

كانت الانطلاقة من السؤال « ما البديل عن النظام»؟ ذلك السؤال المركزي الذي فرضته الثورة السورية على القوى الدولية والإقليمية والطائفية، وهو الذي يمكن أن يفسر إلى حد كبير النشاط المحموم الذي بذله الإبراهيمي، منذ تعيينه في إدارة ما فضل الجميع تسميته بـ « الأزمة السورية»!!! فالسؤال هو انعكاس استراتيجي وتاريخي لوظيفة سوريا « النصيرية» في الحفاظ على أمن النظام الدولي واستقراره عبر التحكم (بـ ) والسيطرة (على) القوى الوطنية أو المتمردة على إسرائيل» والنظام الدولي، الذي مزق العالم الإسلامي وفي القلب منه العالم العربي. لذا فهو سؤال دولي وعربي وإيراني و « إسرائيلي» وتركي وطائفي. وتبعا لذلك لم يخرج الإبراهيمي في تقييمه لـ « الأزمة السورية» عن أي تقييم سابق، سواء كان دوليا أو إقليميا أو طائفيا.

 

لكن الإبراهيمي التزم مبدئيا في مؤتمر صحفي (24/9/2012) في أعقاب عرض قدمه أمام مجلس الأمن عن اتصالاته بدول المنطقة، وبصريح العبارة، بالتأكيد على أنه: « لا يمتلك خطة واضحة حتى الآن بل مجموعة أفكار»، وأن خطة « النقاط الست» التي تبناها المبعوث السابق كوفي أنان بالإضافة إلى مقررات « إعلان جنيف»، التي يتمسك بها الروس بأظافرهم وأسنانهم، ستشكل « عناصر» ضمن خطة عمله، وهو ما أكده الروس أنفسهم، لاحقا، عبر تصريحات أدلى بها ميخائيل بوغدانوف، نائب وزير الخارجية، في 16/10/2012 تقول بأن: « الإبراهيمي ليس لديه بعد خطة لحل الأزمة السورية، وإن موسكو مستعدة لتقديم مقترحاتها بهذا الشأن له». لذا فقد وجدت « أفكار» الإبراهيمي استجابة ودعما من جميع القوى دون أن تلتزم بأي مشروع للحل، ودون أن يضطر الإبراهيمي إلى تحمل تبعات الفشل، كما قال ريتشر غوان من جامعة نيويورك (28/10/2012)، بعد فشل الهدنة: « إن الإبراهيمي لم يزعم مطلقا أن هناك فرصة كبيرة لنجاح وقف إطلاق النار»، معتبرا أن الدبلوماسيين في الأمم المتحدة « لن يحملوه تبعية هذا الفشل».

 

ففي مؤتمر صحفي، عقده عقب زيارة قصيرة إلى لبنان (17/10/2012) وعشية الهدنة الفاشلة، قال الإبراهيمي: « على دول الجوار السوري أن تدرك أن الأزمة لن تبقى في الداخل السوري إلى الأبد, وإنها باتت تهدد بالانتشار لتأكل الأخضر واليابس، وهو ما يحتم البحث عن مخرج لإخراج سوريا من أزمتها». وفي 5/11/2012 شدد الإبراهيمي بالقول أنه: « لا حل عسكري للأزمة السورية، وأن الحل الوحيد هو إيجاد عملية سياسية يتفق عليها الجميع، أو أن المستقبل سيكون سيئا للغاية، وستتدفق الأزمة على دول الجوار وحتى إلى دول بعيدة عن المنطقة». ولتجنب الانهيار « اقترح» الإبراهيمي « فكرة» أن يقدم كل صاحب شأن « أفكاره» و « مقترحاته» وإجاباته على السؤال: « ما البديل»؟ على قاعدة (1) « وقف العنف المتبادل» و (2) عبر صيغة « الحل السياسي مع النظام»، دون الاقتراب من الأسد من حيث بقائه أو رحيله، وبما يحقق (1) مصلحة كل طرف، و (2) يؤدي إلى « التغيير»، وبـ (3) موافقة جميع الأطراف. وبموجب ذلك يقدم أطراف « المركز» أفكارهم على قدم المساواة مع « أفكار» إيران والعرب وحتى اليهود والطائفة النصيرية.

 

هكذا وفرت المبادرة غطاء للأفاعي السابتة كي تغادر أوكارها بحثا عن الفرائس. فاختبرت كافة السيناريوهات التي يمكن التعامل معها. واستطاع الروس والأمريكيون إدارة الاختبارات إعلاميا وسياسيا بصورة مبهرة. وفي تصريح له لوكالة الأنباء الروسية « نوفوستي – 3/9/2012»، قال وزير الخارجية، سيرغي لافروف: « ] إن روسيا والولايات المتحدة تصبوان إلى تحقيق الهدف الواحد في سورية، وهو أن « تتحول سورية إلى نظام ديمقراطي تعددي يمارسه السوريون بأنفسهم في حين تحترم جميع الدول الأخرى سيادة سورية واستقلالها ووحدتها وسلامة أراضيها»، ولكن تختلفان على كيفية تحقيق هذا الهدف[». لكن هذا الاختلاف لا يتعلق في واقع الأمر بطريقة تنحية الأسد بقدر ما يتصل الأمر في الصراع على النفوذ الذي تخوضه روسيا ضد الغرب. ولقد كان لافروف صريحا في ذات التصريح، لمن لا يريد أن يعقل الحقائق بلسان أهلها، حين قال: « من الواضح أن تواجدنا الإنساني في العالم لا يساوي قدراتنا ونحن نلاحظ هذا بسهولة .. إننا نستعيد بشكل واسع مواقعنا التي خسرناها في تسعينات القرن السابق، ونحن متخلفون جداً عن اللاعبين الدوليين في هذه المنطقة مثل الفرنكوفونيين، ومعهد جوته».

 

كما أن الروس قالوا بصراحة في 6/9/2012، بلسان الرئيس بوتين،: « نحن نفهم جيدا ضرورة التغيير ... لكن ليس التغيير الدموي» .. عبارة تَحصَّن بها الإبراهيمي وطار فيها إلى سوريا ليقول للأسد في أول اجتماع له به: « الشعب السوري يريد التغيير الشامل ولن يكتفي بمصطلحات الإصلاح خصوصًا بعد كل ما مر عليه من مآس ومحن وقتلى وجرحى ومشوهين ومعتقلين ومهجرين». هذا ما نقلته صحيفة الرأي في24/9/2012. والحق أن الإبراهيمي، وتحت السقف إياه، انتزع من الرئيس السوري « فكرة الرحيل» ولو تحت غطاء وهمي أطلق عليه الانتخابات!!! فحين سئل عن لقائه بالأسد في 21/10/2012 أجاب: « لن أتكلم عما دار بيني وبين الرئيس من حديث، تكلمنا بهذا الموضوع (هدنة العيد)، وأعتقد أنه فاهم القصد من كلامنا، وهو وحكومته سيقولون رأيهم بهذه الفكرة». أما مقاصد الرئيس التي أخفاها الإبراهيمي فليست، على الأرجح، إلا تلك التي أفصح عنها ميخائيل بوغدانوف نائب وزير الخارجية الروسي، في تصريحات سابقة أدلى بها لصحيفة « لوفيغارو» الفرنسية (10/9/2012)، وقال فيها: « إن الأسد أبلغنا بنفسه، لكني لا أعرف إلى أي مدى هو صادق في ذلك، لكنه أبلغنا بوضوح أنه إذا لم يكن الشعب يريده؛ وإذا اختاروا زعيما آخر في انتخابات؛ فإنه سيرحل».

 

وقد تبدو مثل هذه التصريحات متناقضة مع ما أدلى به لافروف عقب لقائه مع نظيره الأردني ناصر جودة حين اعتبر بأن: « مَن يريد تغيير نظام الرئيس الأسد فإنه يسعى إلى إكمال حمام الدم». لكنه في الواقع تصريح بالغ الدقة والصراحة. فالروس يتحدثون عن تغيير الأسد وليس تغيير النظام. وهم متفقون مع الغرب على بقاء النظام لكنهم لا يختلفون على تغيير الأسد إلا بالطريقة كما يقول لافروف، فضلا عن سعيهم الجوهري لكسب أكثر ما يمكن كسبه قبل التضحية بالأسد.

 

ومن جهتها سعت إيران نحو العراق بخطىً حثيثة لتثبيت ما تراه حقوقا لها أو بدائل مرضية في حالة رحيل الرئيس السوري. وقبل لقائه بالإبراهيمي قدم الرئيس الإيراني أحمدي نجاد معادلة إيران للحل في 3/10/2012. فمن جهة قَبِلَ التقييم الدولي للأزمة السورية، مشيرا إلى أن: « كل القوى العالمية التي انخرطت في الأزمة السورية ارتكبت أخطاء، ومحذرا في الوقت نفسه من أن الأزمة السورية ستمتد إلى دول أخرى في المنطقة إذا لم تحل». ومن جهة أخرى طالب باستحقاقات إيرانية للحل بالقول: « كل الشعب السوري محترم، ولكن البعض يريدون تصفية الحسابات مع إيران».

 

وفي 15/10/2012 حل الإبراهيمي ضيفا على بني فارس. وهناك التقى الرئيس وكذا وزير خارجيته علي أكبر صالحي ومستشار الأمن القومي سعيد جاليلي. وأعلن صالحي أن إيران سلمت الإبراهيمي « مقترحات خطية غير رسمية» لتسوية الأزمة, دون أن يكشف عن فحواها، وأن المقترحات سُلمت أيضا إلى السعودية وتركيا ومصر!!! لكن كل ما رشح عن اللقاءات، في حينه، هو دعم إيران للحل السياسي، مع التشديد على ضرورة وقف العنف، قبل اتخاذ أي إجراءات في الميدان. أما الإبراهيمي فعلق على المقترحات بالقول: « إن الأفكار أو المقترحات الإيرانية ستضاف إلى مقترحات قدمتها دول أخرى من أجل الخروج بخطة متكاملة».

 

لكن لم يمض يوم واحد على اللقاءات حتى طار وزير الدفاع الإيراني إلى العراق ( 16/10/2012) في أول زيارة له منذ احتلال البلاد سنة 2003 استهدفت توقيع اتفاق أمني مع الحكومة العراقية التي حولت العراق فعليا إلى محافظة تابعة لإيران خاصة بعد سيطرتها على البنك المركزي. ويبدو أن الإيرانيين رؤوا في مبادرة الإبراهيمي فرصة لإحياء فكرة البديل عن سوريا، التي سبق وطرحها مقتدى الصدر عشية الانسحاب الأمريكي من العراق وأوائل انطلاقة الثورة السورية. وبدا أن زيارة وزير الدفاع الإيراني تحاول صياغة معادلة من نوع: إذا كان هناك من يسعى إلى تصفية الحساب مع إيران في سوريا فالإيرانيون أيضا على استعداد لتصفية الحساب معهم في العراق.

 

لم ينكر علي شاكر شبر، النائب عن التحالف الوطني في العراق، خفايا التحرك الإيراني المباغت دبلوماسيا حين علق على الزيارة بالقول: « إن العلاقات بين العراق وإيران علاقات طيبة ومتطورة، وتأخذ مديات أوسع منذ عام 2003 ولحد الآن، ولأن المنطقة تمر بحالة قلقة وغير مستقرة فمن الضروري أن تكون هناك اتفاقيات أمنية، سواء مع إيران أو غيرها من دول الجوار».

 

ومن جهته فسر النائب أحمد العلواني، عن القائمة العراقية، تصريحات غريمه بالقول: « إن الاتفاقية الأمنية التي تسعى إيران لإبرامها مع العراق تتعلق بتخوفها من تداعيات الأزمة السورية وانهيار نظام بشار الأسد، ولإيجاد ساحة أخرى تكون بديلاً عن سوريا، معتبرا أن زيارة وزير الدفاع الإيراني المفاجئة للعراق ترتبط بهذا الموضوع». ومحذرا من أن: « الاتفاقية ستقود إلى تسليم البلد إلى إيران ويكون الملف الأمني بيدها كاملاً. أما أحمد الأبيض، المحلل السياسي العراقي، فقد ذهب، كالكثيرين، أبعد من ذلك حين ربط بين: « زيارة وزير الدفاع الإيراني التي استبقت بيومين زيارة رئيس الحكومة نوري المالكي إلى روسيا»، مشيرا إلى أنها: « تعطي دلالات بأن موسكو وطهران تسعيان لسحب العراق إلى محور الدعم الروسي الإيراني لسوريا، وهذا ما يراه الكثير من المهتمين بالشأن العراقي والسوري».

 

هكذا، وبعد أن ضمن العراق بديلا عن سوريا، جرى تمهيد الطريق أمام أحمدي نجاد كي يتوقف عن إطلاق التهديدات، ويعلن من الكويت، خلال مشاركته في قمة آسيوية – 17/10/2012، عن دبلوماسية ناعمة تقضي بدعم بلاده لـ: « فكرة وقف إطلاق النار في سوريا»، وليؤكد في الوقت نفسه على أن: « الحرب لا يمكن أن تكون حلا مناسبا، وأن أي جماعة تحصل على السلطة من خلال الحرب؛ وتهدف للاستمرار فيها ليس لها مستقبل» .. بل أنه كرر ما أفشاه بوغدانونف، نائب وزير الخارجية الروسي، عن تنحي الأسد عبر صندوق الاقتراع، مشيرا إلى أن: « وقف إطلاق النار والمفاوضات بشأن انتخابات حرة هو من وجهة نظري الطريق الصحيح إلى الحل»!!! .. هذه هي إيران التي لم تترك بلدا إسلاميا إلا وأنشأت فيه طابورا خامسا وأغرقته بالأسلحة والفتن والحروب باتت تنبذ الحروب وتتحدث فجأة عن حلول سياسية وديمقراطية وطرق صحيحة!!!

 

ثانيا: آلية الاختراق وعناصره

 

وفي الوقت الذي كانت تخضع فيه مختلف القوى الإقليمية والدولية لعمليات اختبار حاسمة، عبر مبادرة الإبراهيمي، كانت القوى المقاتلة في الثورة السورية تتعرض، هي الأخرى، لأقسى عملية اختبار أمني وعسكري منذ انطلاقة الثورة. إذ أن القوى الوحيدة التي يصعب اختبارها، وتحتاج إلى الترويض والاحتواء هي القوى المسلحة التي تمسك بالأرض وتخوض القتال. وكان الطُّعم الذي ألقي على العسكر هو تسليح الثورة، ومن الطريف أنه ذات الطُّعم الذي سبق وألقي على قوى المعارضة السياسية ولمّا تزل حتى هذه اللحظة. لكنه بالقطع ذو وقع مميز حين يكون العسكر هم الأداة التي تلتقطه فيما الثورة هي الهدف الذي يدفع ثمن مرارته.

 

من المعلوم جيدا أن « المركز، بشقيه الغربي والشرقي، وعبر آلية التسلح، يتحكم في اندلاع الحروب وإطفائها مثلما يتحكم في تحديد هوية المنتصر من المنهزم، وكذا في استمرار الحروب دون السماح لأي طرف بتحقيق انتصار حاسم على الطرف الآخر، وأخيرا التحكم بحالة اللاحرب واللاسلم الدائمين. ومن المعلوم أيضا أن تدفق الأسلحة باتجاه النظام السوري لم ينقطع، في حين يجري التحكم بها بشدة فيما يتعلق بالثورة السورية. فتارة تتدفق وفقا لمعايير كمية ونوعية وتارة تختفي حتى الذخائر .. الأمر الذي أصاب المقاتلين بالكثير من القهر والمرارة مما اعتبروه سياسات عدوانية وشريرة كونها تتعمد منع المقاتلين من إحداث فوارق حاسمة في الصراع مع النظام. بل أن أحد قادة المقاتلين علق على هذه السياسية بمحتوى مفجع ومرير حين قال لصحيفة « الغارديان – 10/11/2012» إنهم: « يعطوننا ما يكفي لمواصلة القتال لكن ليس ما يكفي لكسبه. وأنا متأكد أن هذا الوضع لن يتغير حتى بعد الانتخابات الأميركية. وغير متأكد من أن كل امرئ يستطيع أن يبقى على قيد الحياة حتى هذا الوقت».

 

والثابت أن الثوار شعروا مبكرا جدا بهذه السياسات الدولية حتى قبل « الغارديان»، وقبل أن يتحدث أحد عن الخشية من تحول سوريا إلى ملاذ للقوى الإسلامية أو « جماعات الجهاد العالمي»، بل قبل أن تتجه الثورة السورية نحو العسكرة. لكن نمو العامل الإسلامي في الثورة عزز التذرع بعدم التسليح، في حين أن المشكلة تتصل بالدرجة الأساس بافتقاد « المركز» للبديل عن الطائفة الحاكمة في سوريا، وبالتالي غياب أي حل سياسي، والاكتفاء بإدارة الأزمة على أمل أن يتمكن النظام من القضاء عليها أو احتوائها أو انزوائها تحت ضغط آلة عسكرية شديدة التوحش والإجرام، ومحصنة برعاية دولية وأغطية سياسية وأمنية وزمنية مفتوحة.

 

المشكلة التي تواجه « المركز» اليوم تتطلب أجوبة على استيعاب ثورة مدنية انقلبت إلى ثورة مسلحة يصعب السيطرة عليها. وكنا قد أشرنا إلى هذا الأمر في حلقات سابقة من السلسلة قبل أن يكتب بنجامين هال، كنموذج، مقالته في صحيفة « نيويورك تايمز – 19/10/2012» واصفا الثوار باعتبارهم: « مجموعات مختلفة ومشتتة لا يربط بينها رابط تنظيمي أو قيادة موحدة، ومن مشارب فكرية متنوعة، وتستولي كل واحدة منها على شارع أو شارعين بالمدينة ولا تتوفر الثقة بينها». لينتهي بتوصية تفيد بأنه: « سيكون من الخطأ أن تسلح أميركا وأوروبا الثوار بالأسلحة أو أن تتدخل على الأرض». لكننا نبهنا في مواضع سابقة من السلسلة أن قوة الثورة في الوقت الراهن تكمن في شتاتها باعتباره تعبيرا عن حالة اجتماعية شاملة، وفعالة وعصية على الاختراق مع تداعي الأعداء والخصوم عليها.

 

لكن في هذه النقطة بالضبط تدخل « المركز» ومخططيه الاستراتيجيين وحلفائه وأجهزتهم الأمنية والإعلامية عبر الدعوة إلى توحيد القوى المسلحة في إطار ما أسمي بـ « المجالس العسكرية» .. وتحت شعار « لا سلاح بلا قيادة موحدة»!!! وتوثيقا لـ « الشعار» كشفت صحيفة « إندبندنت – 1/10/2012» البريطانية: « إن مزودي الأسلحة من القطريين والأتراك أبلغوا ممثلي المعارضة، أثناء نقاشات عالية المستوى، أن الأسلحة الثقيلة لن تتاح لهم حتى تتفق الفصائل المختلفة على تشكيل هيكل قيادة متماسك، وأن مخزونات من الأسلحة ... موجودة في تركيا لكي يستخدمها ثوار سوريا في الحرب الدائرة هناك، لكن توزيعها متوقف بسبب الشقاق والتنازع بين المجموعات المختلفة من المقاتلين». ونقلت صحيفة « الغارديان – 11/10/2012» عن مسؤولين أمريكيين قولهم: إن « الطبيعة الغامضة للمعارضة والوجود الزاحف للجهاديين الأجانب من أسباب ضغطهم على الرياض والدوحة»، مضيفة أن: « السعوديين يضغطون الآن على المعارضة السورية المسلحة لتشكيل "جبهة إنقاذ" بقيادة وسيطرة موحدة على الأرض وقدرة على جمع الأسلحة بمجرد انتهاء القتال»، وهو ما اعترف به، لاحقا، المقدم الركن ياسر عبود، قائد العمليات في المنطقة الجنوبية في الجيش الحر، خلال مقابلة مع « الجزيرة نت – 31/10/2012 » حين سئل عن الغاية من توحيد القوى المسلحة فقال بأن: « المطلوب من العسكر الاتفاق ضمن مجالس مناطقية في المحافظات وإيجاد غرفة عمليات موحدة في كل محافظة أي توحيد البندقية في الداخل تحت إطار الحد الأدنى من التوافق والانضباط ... (ولأن) الخارج لا زال خائفا من تفلت عمليات التسلح في الداخل، فهو يريد إطارا واحدا يسلحه ثم يعود السلاح للدولة بعد إسقاط النظام». وحتى مختار لماني، نائب الإبراهيمي لم يخف تذمره، (1/10/2012) من شتات المقاتلين مشيرا إلى أن: « هناك الكثير من أحزاب المعارضة داخل سوريا وخارجها بالإضافة إلى الجماعات المسلحة، مشيرا إلى أن العلاقات بين هذه المجموعات يشوبها الخلاف والاقتتال والاتهامات بالخيانة، واعتبر أن ذلك يعقد المهمة».

 

ولا ريب أن المنطق الأمريكي، على وجه التحديد، بعيدا حتى عن الضغوط العربية، بدا مقنعا لكثير من العسكريين والسياسيين والمدنيين وحتى لبعض المشايخ. والخلاف الوحيد يقع في مستوى خلفية القناعات والأهداف والأجندات. فثمة شريحة من هؤلاء غافلون تماما عن أية حقيقة أو معرفة أو تقييم لحقيقة الثورة أو مكانة سوريا الطائفية في النظام الدولي، لذا فإن القسم الأكبر من هذه الشريحة أحسن الظن في فكرة تشكيل « المجالس العسكرية» اعتقادا منها أن الثورة تتوحد بعد شتات بغيض وغياب للقيادة جعل من فعاليات الثورة خاضعة للاجتهاد والمبادرة الفردية بعيدا عن التخطيط المبدئي، ناهيك عن التخطيط الاستراتيجي، وشريحة ثانية واهمة وحالمة، يكسوها الغرور والطموح في دور مستقبلي لها في سوريا ما بعد الأسد، باعتقادها القدرة على انتهاز الفرصة والتفاهم مع « المركز» والدخول معه في تبادل مصالح مشتركة إلى حين، وكأن المركز أبلها أو غافلا أو أقل ذكاء منها في التحليل والمراوغات والمكر!!! ومع ذلك فهي تظن أن إسقاط الأسد يكفي، مع علمها اليقين أنه لا يعني بالضرورة إسقاط النظام. هذه الشريحة لا تتحرج من لقاءاتها مع عناصر أجهزة المخابرات الدولية والإقليمية، وحتى التباهي في الاجتماع بوكلاء الـ CIA. أما الشريحة الثالثة فهي من صنف « إسرائليو الثورات» الذين يحركهم الهوى، فلا تعنيهم عقيدة ولا أمة، ولا يتعظون من أية سوابق لأمثالهم، أو روادع عقدية أو أخلاقية حتى لو تحالفوا مع الشياطين. وغني عن البيان القول بأن أن الشرائح الثلاثة وقعت، كرها أو طوعا، ضحايا لاختبارات أمنية وألغام لا هدف لها إلا إصابة الثورة بأضرار بالغة أو التمهيد لمرحلة« صحوات» دموية قادمة قبل وبعد سقوط الأسد. وإذا ما أوذيت الثورة، لا قدر الله، بقواها وكتائبها ومقاتليها ومجاهديها بفعل هذه التشكيلات، فسيتحمل هؤلاء مسؤولية أخلاقية وتاريخية وعقدية جسيمة.

 

ومن باب التذكير فليست هذه هي المرة الأولى التي تستهدف فيها قوى « المركز» تحقيق اختراقات في الثورة سواء في صلبها أو عبر هوامشها القريبة والبعيدة. ففي 11/8/2012 أُعلن في واشنطن عن تشكيل جماعة سورية معارضة من ستين عضوا باسم « جماعة الدعم السورية»، لجمع التبرعات المالية والعينية، وزعم لؤي السقا، أحد الأعضاء الاثني عشر في مجلس الإدارة، أن الجماعة: « تمثل آلاف المقاتلين في تسع محافظات، وأن هؤلاء الذين يمثلون ما يقارب نصف المقاتلين في الجيش الحر!!!، وأنهم: « وقعوا إعلان مبادئ يدعو إلى دولة ديمقراطية لجميع السوريين بغض النظر عن الطائفة أو الدين أو العرق، وترفض المبادئ كذلك الإرهاب والتطرف والقتل بغرض الانتقام»!!!

 

وفي الولايات المتحدة أيضا، وفي ذات السياق من التواصل مع المعارضة أو صناعتها، نقلت وسائل إعلام في 12/8/2012 عن هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية، بعد لقائها نظيرها التركي، القول: « أنها التقت مجموعة من الناشطين السوريين والخبراء والقانونيين والصحفيين والقيادات الطلابية في محاولة لمعرفة ما يمكن للولايات المتحدة فعله لمساعدتهم». وفي تصريح إذاعي (19/9/2012) أعلن السفير الفرنسي في سوريا إريك شوفالييه، المكلف بالملف السوري عن موقف بلاده بالقول: « نعمل مع المعارضة لمساعدتها على تنظيم نفسها، ولدي تعليمات من رئيس الجمهورية للاتصال بمجمل مكونات المعارضة ومن ضمنها المجموعات المسلحة، ونحن أول دولة تقوم بذلك بهذا الشكل المنظم».

 

أما المستهدف هذه المرة بصورة خطيرة، كما أشرنا، فهم المقاتلون بدايةً وهوية الثورة نهايةً. وقد سبق وأشرنا إلى أن « الجيش الحر» هو راية شعبية بنسبة تزيد عن 85% من القوى المسلحة في سوريا، فيما تتوزع النسبة الباقية على المنشقين من الضباط والجنود. أما الشق الآخر من الثورة فهو ذلك الشق الإسلامي المكون من قوى محلية وأخرى متطوعة من الخارج. ويبقى شق ثالث خفي، لكن نصفه من القوى الجهادية العقدية ونصفه الآخر من قوى تحتفظ بقوتها وعددها وتحشد السلاح دون أن تخوض المعارك استعدادا لقطف الثمار.

 

وهكذا بات جليا أن كل ما يرمي إليه « المركز» من تشكيل المجالس العسكرية» هو تجميع القوى المسلحة في « تشكيلات مستحدثة تحت سلطة قيادة واحدة يمكن أن تكون قريبا بديلة عن « الجيش الحر» بشقيه الشعبي والنظامي .. قيادة تمارس سلطة الرقابة والتحكم والسيطرة والتجنيد. لذا فإن المشهد الأمني في هذه المجالس، والساعي إلى تأسيس قاعدة بيانات واسعة ومفصلة، يبقى حاضرا بقوة عبر الاتصال بتشكيلات القوى المسلحة وطلب بيانات عنها تشمل أعداد المنتسبين لها وأسمائهم وأرقام هواتفهم وعناوينهم وعدتهم وعتادهم وخلفيتهم المهنية أو العسكرية أو الأيديولوجية أو العقدية وما إلى ذلك من البيانات التي تساعد لاحقا على التتبع والملاحقة وحتى الاعتقال أو التصفية الجسدية إذا لزم الأمر.

 

وبطبيعة الحال سيعمل « المركز»، في مرحلة ما، على تمكين هذه المجالس من امتلاك الأدوات اللازمة للعمل كالشرعية الاجتماعية والسياسية وحتى الدينية، فضلا عن التمويل والتسليح والإعلام لتحقيق عملية فرز ميداني للقوى المسلحة تستهدف بالدرجة الأساس القوى الإسلامية. ولم يعد غريبا أن تترافق عمليات التشكيل هذه مع حملة إعلامية شرسة استهدفت هذه القوى وكل متطوع راغب بالخدمة المدنية أو القتال بدعوى أن سوريا ليست بحاجة إلى رجال أو، في مستوى أشد، يزعم أن الوافدين تحولوا إلى عبء على الثورة. والمنطق يؤكد بأن المتطوعين لو كانوا عبءً لما كان لهم ذاك التأثير الفارق على مسارات الثورة ميدانيا، ولو كانوا كثرة لما بقيت الثورة تعاني من حالة توازن القوى مع النظام.

 

والحقيقة الثابتة الأولى تؤكد أن الإسلاميين هم القوى الوحيدة التي لم تتذمر أو تطلب تمويلا أو تسليحا من أحد، وبالتالي فهي أولى بالشكوى من أية قوة أخرى، بالنظر إلى توافد متطوعين يعانون من قصور في فهم الجهاد ومتطلباته الشرعية والمادية أو لانعدام أية خبرة لديهم. ولو كانت تعتمد معايير القلة والكثرة لحق لها قبل غيرها أن تندب حظها بالمقارنة مع الآلاف المؤلفة من المسلحين.

 

والحقيقة الثانية أن الحرب على القوى الإسلامية هي حرب إعلامية محضة تديرها وسائل الإعلام وشخصيات معروفة ماضيا وحاضرا بعدائها للقوى الجهادية، وبالتحالف مع قوى وشخصيات سياسية وعسكرية ومنابر إعلامية محلية تتميز غيظا من مجرد ذكر كلمة جهاد!!! والثابت أنه ليس لمثل هذه الهجمات المغرضة علاقة ذات أثر ملموس في الواقع، لاسيما وأنها تتصرف عبثا، وبشكل فاضح، كمن يجهد نفسه بتغطية الشمس بالغربال، بل أن هذه الحقيقة تؤشر على أن القوى الدولية هي التي تقف خلف هذه الحملات التي تستهدف في المستوى الأول وقف تدفق المتطوعين الوافدين، وفي الثاني التمهيد لإحكام إغلاق الحدود، والثالث فرز القوى الإسلامية في الميدان ومحاصرتها، وإذا تطلب الأمر ضربها في مستوى رابع.

 

الحقيقة الثالثة أن القوى الإسلامية كـ « جبهة النصرة» و أحرار الشام» قدمت أداء عسكريا مميزا في ميادين القتال؛ وفَّر لها حاضنة شعبية ومصداقية عالية لدى القوى المسلحة حتى من كتائب وألوية « الجيش الحر». ويشهد الكاتب البريطاني كون كوفلين في مقالة له بصحيفة « الديلي تلغراف – 29/8/2012»: « أن مشاركة تنظيم القاعدة في الصراع الدائر بسوريا مبالغ فيها، ولكن هناك خلايا للقاعدة تحمل أعلاما بيضاء وسوداء وتحارب جنبا إلى جنب على الجبهات إلى جانب الجيش السوري الحر». بل أن شهادة صحيفة « الأبزرفر – 4/11/2012 » كانت أكثر وضوحا في الوقوف على حقيقة أداء القوى الجهادية في مواجهة النظام الطائفي في سوريا حين قالت: « إن دور الجهاديين الأجانب أو من يسمون بالمهاجرين يبقى حيويا وضروريا ومطلوبا، فهم يوجدون في كل جبهة وعلى كامل الاستعداد والجاهزية، وقليل من الهجمات الكبيرة الأخيرة ضد قوات حدثت دون مشاركة فاعلة للجهاديين الأجانب فيها». ولا ريب أن مثل هذه الشهادات، القادمة من عمق ديار « المركز»، بحق القوى الجهادية تشكل إحراجا بليغا لمن يقللون من شأنها أو يعملون على تشويهها بما يخالف الواقع أو يشهدون زورا بنسبتهم لبعضٍ من أكبر العمليات العسكرية التي نفذتها مثلا « جبهة النصرة» ضد رئاسة الأركان وكتيبة الصواريخ للـ الجيش الحر»، علما أن هذا الأخير لم ينسبها لنفسه!!!

 

ثالثا: مسيرة الاختراق

 

1) المعارضة المسلحة

 

لما تكون الثورة السورية شأن دولي أكثر مما هي شأن محلي فإن القراءة الموضوعية تستدعي من كل مراقب أو دارس لها مراقبة السلوك الدولي وسياساته على كل مستوى بنفس القدر الذي نقرأ به وقائع الثورة أو سلوك النظام الحاكم أو أزيد منه. ولما نتحدث عن « الاختراق» باعتباره حقيقة واقعة وليس مؤامرة متخيلة فلأن وقائعه ليست خفية بقدر ما تعج بها وسائل الإعلام دون حياء أو وجل. لكن مع أن السلاح لـ « المعتدلين» إلا أن الحل سياسي!!! فما الحاجة إذن لـ « البدائل» العسكرية والسياسية الجديدة؟

 

فقد انطلقت « مسيرة الاختراق» من رحم قوى المعارضة السياسية التي رفضت عسكرة الثورة السورية أياً كان الثمن. واستعملت القوى الاستخبارية العالمية بعض رموز القوى السياسية في الحصول على ما لديها من معلومات. لكنها فشلت في القيام بمهمتها. فلجأت القوى الغربية إلى بعض من كبار الضباط، عبر سلاسل من الاجتماعات التي جرت معهم على انفراد بغية الحصول منها على ما يمكن الحصول عليه من معلومات تفيد في التقييم. ومن الطريف أن القوى الاستخبارية هذه كانت ترسل خبراء متخصصين في جمع المعلومات وليس في تقديم العروض أو المطالب أو فرض الإملاءات التي يتركونها عادة لحلفائهم كي لا تثير الريبة لدى السوريين، مع ذلك فقد منيت هذه المحاولات، إلى حد كبير، بالفشل إلى الحد الذي دفع صحيفة « الواشنطن بوست – 25/7/2012 » الأمريكية أن تتحدث عن « فجوة استخبارية في سوريا» حول هوية القوى العسكرية المقاتلة والنظام السوري.

 

والحقيقة أن القوى الأمنية لـ « المركز» كانت تدرك صعوبة المهمة لثورة مدنية انقلبت إلى ثورة مسلحة بحيث يستحيل الإحاطة بالمشهد الثورة الشعبي المسلح من جميع جوانبه. هذه « الفجوة الأمنية» مثلت أخطر عقبة في وجه القوى الدولية التي وقعت في حيرة من أمرها إزاء البحث عن أنجع السبل في التعامل مع الثورة السورية. كما أنها منعت إمداد الثورة بالسلاح، بل وحاصرتها حتى في ذخيرة البنادق، بدعوى الخشية، في المستوى الأول، من تحول المجتمع السوري إلى « التطرف»، وفي مستوى ثاني بذريعة الخشية من وقوع السلاح بيد جماعات « متطرفة» لم تكن أصلا موجودة، في حين أن المسألة برمتها تتعلق فقط بالحفاظ على أمن النظام.

 

وتبعا لذلك تطورت « مسيرة الاختراق» لتمس الهياكل السياسية والعسكرية على السواء عبر البحث عن قيادات وهياكل بديلة من الداخل تستجيب لاحتياجات « المركز»، وتساهم، بوعي أو بدون وعي، بسد الفجوة المعرفية. إذ أن الثورة السورية تخوض حربا عجيبة يصعب فهمها لاسيما وأنها تفتقد إلى المرجعية والقيادة والإدارة والخبرة والسابقة والأيديولوجية والتنظيم، ولكنها مع ذلك تحقق تقدما مثيرا، سواء من حيث إضعاف النظام وإرهاقه أو من حيث طرده فعليا من مناطق واسعة جدا، رغم كل الدعم الدولي الذي يحظى به فضلا عن الوحشية التي فاقت كل تصور في قمع الثورة والمجتمع وتخريب الدولة وبناها التحتية.

 

ومع أن التجارب السابقة في الاختراق كانت تجري من وراء ستار مع بعض الأفراد أو القوى أو الجماعات إلا أنها في الحالة السورية باتت على كل منبر وفي كل محفل!!! وبالتأكيد لم تكن هي الأولى، تلك المقالة التي كتبها وليم هيغ، وزير الخارجية البريطانية، في صحيفة « التايمز – 10/8/2012، وقال فيها: « أن بلاده ستواصل العمل مع المعارضة السورية وخصوصا مع ممثلي الجيش الحر لتأمين استعدادهم للسقوط الحتمي للأسد». فقد سبقها اعترافات أمريكية وبريطانية عن وحدات استخبارية تنشط في سوريا.

 

أما المجالس العسكرية بدأت في الظهور إعلاميا في أواخر شهر أيار / مايو عبر تصريحات لقادة عسكرين منشقين في الداخل. ففي تصريحات لصحيفة « الشرق الأوسط - 27/5/2012» قال العقيد الركن أحمد فهد النعمة، قائد المجلس العسكري في محافظة درعا،: « قمنا بتشكيل مجالس عسكرية في مختلف المحافظات وهي متواصلة من خلال المكاتب الإعلامية التابعة للمجالس العسكرية وهناك تواصل بين قادة المجالس ومع قيادة الجيش السوري الحر بشكل يومي ومستمر بغية التوصل إلى العمل المؤسساتي المنظم والهادف والذي يوازي المعايير الدولية». وفي مقابلة مع صحيفة « الغارديان 2/6/2012 » البريطانية أكد العقيد الطيار الركن قاسم سعد الدين، الناطق الرسمي باسم القيادة المشتركة لـ « الجيش الحر» بالداخل أن: « ثمة تنظيما أكثر وضوحا الآن مع تشكيل عشرة مجالس عسكرية إقليمية تتبعها كتائب محلية وفرق قتالية، وكلها لديها فروع إدارية تتعاطى مع التمويل والتزويد بالأسلحة والمساعدات الإنسانية».

 

كانت هذه التشكيلات حاضرة في لقاءات الدوحة، الساعية إلى إيجاد هياكل سياسية وعسكرية جديدة، حتى تم الإعلان في 16/10/2012، عن: « اتفاق عشرات المعارضين السوريين، ومنهم قادة الجيش السوري الحر، باجتماع داخل سوريا عقد في 14/10/2012، على تشكيل قيادة مشتركة بهدف تحسين التنسيق العسكري بين المقاتلين وخلق قيادة واحدة يأملون أن تكون القوى الخارجية مستعدة لتزويدها بأسلحة أقوى».

 

« قيادة واحدة»! لم يكن الرئيس الأمريكي باراك أوباما بعيدا عنها، وهو يخوض آخر مناظرة طاحنة له مع خصمه في الانتخابات الرئاسية مت رومني (23/10/2012)، حيث كانت الثورة السورية حاضرة بقوة في العاصفة. وخلال المناظرة كان أوباما صريحا للغاية وهو يقول: « إننا نساعد المعارضة على تنظيم صفوفها ونحرص بصورة خاصة على التثبت من أنهم يعملون على تعبئة القوى المعتدلة في سوريا .. نتثبت من أن الذين نساعدهم هم الذين سيكونون أصدقاء لنا على المدى البعيد وأصدقاء لحلفائنا في المنطقة على المدى البعيد .. فالثوار الذين يصبحون مسلحين هم الأشخاص الذين سيصبحون الأطراف المسؤولة، علينا التصرف بحيث نكون واثقين ممن نساعد، وأننا لا نضع أسلحة بأيدي أشخاص قد يوجهونها في نهاية المطاف ضدنا، أو ضد حلفائنا بالمنطقة» .. ولأن أوباما ليس وحده من يؤمن بهذا التحرك؛ فقد دعا: « للعمل مع شركائنا وبمواردنا الخاصة لتحديد أطراف مسؤولة داخل سوريا، وتنظيمها وجمعها معا في مجلس يمكنه تولي القيادة بسوريا، والتثبت من امتلاكهم الأسلحة الضرورية للدفاع عن أنفسهم».

 

بالتأكيد لن تنعم « المجالس العسكرية» بالمن والسلوى قبل أن تخضع لاختبارات فعلية على الأرض تثبت أنها قادرة على أداء المهمات المطلوبة منها. لكنها قد تتلقى مبدئيا بعض المال مصحوبا بغض الطرف عن تدفق محسوب للسلاح، كما ونوعا، كطعوم تساهم في بناء الثقة والمصداقية بحيث يمكنها إغراء القوى المسلحة على الانضواء تحت سلطتها. وما أن تقوى شوكتها حتى تصبح رهينة التوجيهات المذلة والشديدة الخطورة. إذ لا توجد أية ضمانات متخيلة تحمي هذه المجالس من سطوة القوى الدولية. وستفاجأ بأنها ملزمة بتلقي الإمدادات المالية والعسكرية، إنْ حصلت فعلا أو مبدئيا، من جهة أو جهات بعينها. وهو ما يعني أن خطوط إمدادها التقليدية ستنقطع بحيث تصبح تحت رحمة القوى الدولية. أما أولئك الذين سيمتنعون عن الانضواء تحت سلطة هذه المجالس، ومن بينهم أولئك الذين تصفهم صحيفة « الواشنطن تايمز – 7/11/2012 » بـ « السيئين»، أي الذين يعارضون السياسات الأمريكية أو يحملون الفكر الإسلامي فضلا عن القوى الجهادية المنظمة، فسيتعرضون بدورهم لحصار خانق وحملات تشويه إعلامية وربما حرب استئصالية ضدهم حتى قبل إسقاط الأسد. لكن ماذا عن حال المعارضة السياسية؟ هل سيكون أفضل من قرينتها العسكرية؟ لنرى.

 

2) المعارضة السياسية

 

لم تكن قوى المعارضة السياسية السورية وتشكيلاتها في الداخل أو في الخارج سوى عملية تلفيق سياسي لأطروحات لا تجتمع حتى على رابط الإطاحة بالنظام الطائفي. وبينما كانت وقائع الثورة تتقدم بثبات في المدن والأرياف السورية وتدفع ثمنا باهظا في الأرواح والممتلكات والأعراض كانت القوى السياسية تخوض جدالات بيزنطية حول هوية النظام: هل هو طائفي أم أمني؟ وهل يجب خلعه أم التصالح معه؟ وحول الثورة: هل هي سلمية أم سلمية؟ ( أي بمعنى رفض العسكرة)، وحول هوية البلاد وتاريخها وحضارتها، وحول مكاسب القوى ومطالبها وشروط المشاركة في الثورة، وحول هوية الحاكم القادم ومعايير الوصول إلى السلطة وتقلد المناصب، وحول التدخل الأجنبي أو الحماية الدولية أو الحظر الجوي، وحول وحول وحول إلى أن صارت بلا حول ولا قوة ... وبلغ التخبط مداه، حتى صار الناشط قائد وثائر ومثقف وعسكري وشيخ وسياسي وتاجر ومحلل ومتسلق ومتملق وتاجر ومتعهد ومفاوض ومساوم. لماذا هذا التخبط؟

 

لأن المعارضة في سوريا وخارجها هي معارضة برسم الفرد وليس برسم الجماعة أو الفئة أو الشريحة أو الحزب أو الجماعة، بعد أن فككها النظام وطاردها في الداخل والخارج ومزقها شر ممزق. وبالتالي ليس هناك ما يجمع بينها إلا حرب النظام عليها أكثر من حربها على النظام!!! فبعضها أعلن معاداته للنظام، وبعضها الآخر عتب عليه، وثالث وسَّط حتى شياطين الأرض للتصالح معه، ورابع تعايش مع النظام، وخامس غلبته الأيديولوجيات الدوغمائية كالشيوعية والقومية وما أفرزتهما من مفاهيم الصمود والتصدي أو الممانعة والمقاومة ... أما الخوف من بطش النظام فقد فرقها ولامس رعبه لها شغاف قلوبها إلى أن صمتت عن الكلام المباح حتى في منافيها ومناماتها. ولا شك أن معارضة تجمع فيما بين ثناياها المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة والشريدة والطريدة والكسيرة والحسيرة والماكرة والمتسلقة وما طارد الضبع وجرح الفهد وأكل السبع والتقم الحوت لا يمكن أن تترك متنفسا لأهل الخير منها ولا أن تقدم لثورة ما عجزت هي أن تقدمه لنفسها، وهي تراهن على الشرق والغرب أو تتقاذفها القوى الدولية عن اليمين وعن الشمال.

 

ولا عجب أن تكون حواراتها في اللقاءات الأولى التي جمعت أطيافها في استنبول وأنطاكيا وبلجيكا وباريس وغيرها من العواصم والدول تجري وفق نظام الحُزَم الأيديولوجية كاللبرالية أو الإسلامية البراغماتية أو الأقليات الإثنية وما إلى ذلك ... لذا فقد كان شعارها الوحيد هو البحث عن « التوافق». فاللبراليون يتعاطفون مع بعضهم رغم غياب أي رابط حزبي أو تاريخي يجمعهم فضلا عن العداء المستحكم بينهم، والإخوان المسلمون يجتمعون معهم أو يتوافقون على قاعدة البراغماتية، وأصحاب الأقليات يخوضون صراعات لتأمين مصالحهم أو تثبيت هوية أقوامهم ولو على حساب عقيدة الأغلبية وهوية الأرض وتاريخها، والغالبية الساحقة من هؤلاء مغيبون أصلا وآخرون متنفذون يحرصون على ترضية « المركز» بما يحب ويهوى من الصيغ السياسية والاجتماعية التي يرتضيها للنظام والدولة بعد الأسد، وشريحة فرحة بما نالته من كراسي وسلطة وامتيازات في السفر والطعام والشراب والوجاهات التي لطالما افتقدتها.

 

ومع أنها أحست بخيبتها إلا أن حالها ظل مزهوا بنفسه، ينشد كما أنشد الشاعر:

 

ألقاب مملكة في غير موضعها ****** كالهر يحكي انتفاخة صولة الأسد

 

منذ لحظات تشكلها الأولى؛ ظلت المعارضة تبحث عن الشرعية في مواطن « المركز، وتستجديه، ولا تستحي من القول: « أننا قدمنا برهان غليون كواجهة مقبولة لدى الغرب»، علَّه يطيب نفسا به، أو يرق قلبه على تقديم العون والمساعدة، وله أن يطلب ما يشاء حتى لو كانت عقيدة الأمة وحضارتها وتاريخها ومستقبلها ومصيرها .. بل حتى لو حرصت على تجنب ذكر اسم الله في مطلع وثيقة فاجرة .. لكن دون جدوى!!! وليتها اتعظت من نظرائها في العراق وأفغانستان أو من تنازلات بلا ثمن أو توقفت للحظة عند تَمَنُّع « المركز» عن تسليح الثورة طوال هذه المدة من الزمن أو درست حقيقة تجاهله لها أو مبررات سكوته، بل موافقته، على تدمير سوريا والسماح بالتمثيل برجالها وأطفالها وانتهاك أعراض نسائها واستعمال أقسى وأفتك أسلحة التدمير حتى أن أركان النظام نفسه عجزوا عن فهم ما يمارسونه من وحشية بحق بلادهم وشعبهم!!!

 

العجيب أن المعارضة، السياسية والعسكرية، ظنت أنها البديل المنتظر، وما هي إلا بضعة أسابيع أو شهور حتى ترتفع على أكتاف الثكالى والمنكوبين والأرامل والقتلى والجرحى والمغتصبات وأنقاض سوريا. والأعجب أنها كانت آخر من يعلم فيما يحضر لها « المركز». ويبدو أنها لم تلتفت لعشرات التصريحات التي توطئ لإزاحتها عن المشهد السوري، أو أنها لم تقرأ ما نقلته واجهات العمل ابلوكالة كتلك التي أوردتها صحيفة « عكاظ » السعودية (1/10/2012) عن مصادر سياسية تقول أن: « واشنطن تبحث عن قيادة عسكرية مركزية في الجيش الحر قادرة على التعامل مع هذه المعلومات»، وأنها: « بحثت أكثر من مرة مع قيادات الجيش الحر وغيره من القيادات العسكرية مسألة وحدة القيادة من أجل تركيز الجهود على إسقاط نظام الأسد، لكنها حتى الآن لم تقتنع بمساعي وحدة الكتائب المقاتلة»، وأنها: « رهنت، منذ توسع سيطرة الكتائب المقاتلة على حلب، الدعم بالسلاح بتوحيد كافة الكتائب المقاتلة على الأرض، وإقصاء بقية العناصر الموسومة من قبل واشنطن بأنها متطرفة». هل سمع أحد في التاريخ كيف يمكن لأعداء عقديين وتاريخيين أن يوحدوا خصومهم عسكريا؟ وضد من؟ هل لأحد أن يكشف عن هوية العدو الذي يستحق هذا التوحد؟

 

ما أن أُعلن عن بدء اجتماعات الدوحة في 4/11/2012 حتى فاهت الولايات المتحدة على لسان وزيرة الخارجية في كرواتيا (31/10/2012) بما لا تهوى الأنفس، فقد: « حان الوقت لتجاوز المجلس الوطني السوري وضم من يقفون في خطوط المواجهة». هكذا دون أي مقدمات في عرف المعارضة! ولا ريب أن أغرب ما في تصريحات كلينتون أنها تحدثت بما يدغدغ مشاعر العسكريين والثوار وكل من ناصب المجلس الوطني العداء أو البغض. العجيب أن الولايات المتحدة تشن حربها في العادة على « المتطرفين» و « الإرهابيين» لكنها هذه المرة شنتها على عشاقها ومريدها من أهل الاعتدال والوسطية والبراغماتية!!! ولو كانت المعارضة « متطرفة» بما يكفي لربما نجت من الهجوم الأمريكي!!! إذ والكلام لكلينتون: « لا يمكن أن تكون هذه معارضة يمثلها أشخاص يتمتعون بخصال جيدة كثيرة لكنهم في كثير من الأمثلة لم يذهبوا إلى سوريا منذ 20 أو 30 أو 40 عاما»، أما الذي يمكن فهو: « أن يكون هناك تمثيل لمن يقفون في خطوط المواجهة يقاتلون ويموتون اليوم في سبيل حريتهم».

 

ونقلت وسائل الإعلام المزيد من تصريحات كلينتون كقولها: « أن الولايات المتحدة قد طرحت فكرة تشكيل تنظيم معارضة موحدة تحل بدلا من المجلس الوطني السوري الذي تعتبره واشنطن تنظيما غير فعال بسبب عدم نجاحه في توسيع قيادته، وأن: « واشنطن قد أعدت مرشحين سوريين للانضمام إلى أي قيادة جديدة للمعارضة يمكن أن تنبثق من مؤتمر مجموعة أصدقاء سوريا في الدوحة». أما المتحدث باسم الخارجية الأميركية باتريك فنتريل، فقد طالب في مؤتمره الصحفي بواشنطن: « المعارضة أن تكون أكثر تنظيما والتزاما بإستراتيجية»، لافتا الانتباه إلى أن: « واشنطن لم تر ذلك في المجلس الوطني السوري ولذلك تساعد في تحديد بعض الأشخاص» .. إذ: « ثمة حاجة ماسة لتشكيل تركيبة تمثل قيادة المعارضة»، أما لماذا « حاجة ماسة فلأن: « أمامها عمل سياسي وإداري للتواصل مع المجتمع الدولي والمساعدة في تنسيق التواصل والمساعدة».

 

هكذا بطشت الولايات المتحدة في المعارضة التي تحالفت معها دون سابق إنذار. فما كان من المعارضة، في اليوم التالي (2/11/2012) إلا أن صبت جام غضبها على أمريكا. وردا على تصريحات كلينتون أصدر المجلس الوطني بيانا قال فيه: « إن الحكومة الأميركية تريد بقاء بعض عناصر حزب البعث في السلطة بعد الإطاحة بنظام بشار الأسد»!!! وكأن « البعث» الذي ليس له في العير ولا في النفير بات المسؤول عما حل بسوريا وأهلها من خراب ودمار وسفك للدماء. طبعا المجلس يقصد الطائفة النصيرية، لكنه لا يجرؤ على البوح بحقيقة المسؤولية لأنه محكوم بالسقف الدولي وأيديولوجياته وعقائده ومفرداته الدبلوماسية والسياسية. ثم تبع بيان المجلس غضب الكثير من أعضائه تجاه ما بدا لهم: « وصاية مباشرة وإملاءات لم تعد مقبولة للشعب السوري». ومن لندن، علق محيي الدين اللاذقاني، عضو المجلس، بالقول: « لا يحق لوزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون انتقاد المجلس في وقت لم تحدد فيه إدارة الرئيس باراك أوباما أي مسار لسوريا، مشددا على أن كل ما تحاول أميركا أن تفعله هو إلقاء اللوم على المجلس».

 

لكن أعجب وأميز ما في ردود الفعل جاء من جانب « الإخوان المسلمين». فقد انعقد لقاءً تشاوريا في العاصمة الأردنية عمان في 1/11/2012 بحضور 25 شخصية سورية، من بينها رئيس الحكومة السورية المنشق، رياض حجاب، وصدر الدين البيانوني، ممثلا عن الإخوان، ورياض سيف، الوكيل الحصري لـ « المبادرة الوطنية السورية»، وبحسب بيان صحفي صدر عن المكتب الإعلامي لجماعة الإخوان المسلمين في سورية يوم 2/11/2012 فقد: « تقدم الأستاذ البيانوني خلال اللقاء بمداخلة (مشروطة) أعلن فيها تأييد فكرة إيجاد قيادة سياسية جامعة للمعارضة السورية». ومع ذلك فقد علق زهير سالم، المتحدث باسم الجماعة، على تصريحات كلينتون بعصبية!! مشيرا إلى: « أن الولايات المتحدة تريد أن تفصل المعارضة السورية على مقاسات محددة»!!! بل أن اللقاء أنهى مشاوراته بالدعوة إلى تشكيل ما سمي بـ: « هيئة المبادرة الوطنية السورية», تمهيدا لإنشاء « قيادة سياسية جديدة للمعارضة» يليها « إعلان حكومة مؤقتة في المنفى» يقودها « رياض سيف».

 

لكن ليس من العجيب أن تواصل الولايات المتحدة تجديد عزمها على تفصيل الثوب الجديد عبر إقامة كيان بديل عن المجلس الوطني، بصريح القول والفعل، ورغم أنف قوى المعارضة، وبلسان كلينتون: « إن واشنطن أعدت مرشحين سوريين للانضمام إلى أي قيادة جديدة للمعارضة يمكن أن تنبثق من مؤتمر مجموعة أصدقاء سوريا». وبدا واضحا أن الولايات المتحدة أوكلت لقطر، محضن الاجتماعات القادمة، مهمة العرّاب. وهو ما كشفته صحيفة « الغارديان – 3/11/2012 » البريطانية حين قالت أن: « دولة قطر تقف وراء تنظيم مبادرة الدوحة»، وأنها: « حصلت على دعم من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا لإيجاد معارضة سورية موحدة ومتماسكة».

 

هكذا؛ وعلى وقعْ التصريحات الأمريكية وردود الفعل انطلقت اجتماعات « أصدقاء سوريا» و « المجلس الوطني» في العاصمة القطرية - الدوحة يوم 4/11/2012 لتنتهي بما أسمي « اللقاءات التشاورية». وجهد المجلس الوطني في الالتفاف على « المبادرة الوطنية السورية» لرياض سيف، والداعية إلى تشكيل ائتلاف للمعارضة أوسع من المجلس الوطني، بحيث ترمي، بحسب محمد العطري، المتحدث باسم رئيس الحكومة السورية المنشق رياض حجاب (4/11/2012)، إلى: « إنشاء جسم سياسي جديد للمعارضة السورية ليكون ممثلا لجميع شرائح المعارضة ويتكون من المجلس الوطني (الأعضاء الـ14) والمجلس الوطني الكردي (3) والمجالس المحلية التي تعنى بتنظيم الشؤون في الداخل، والمجالس الثورية في الداخل والشخصيات السياسية والتاريخية وهيئة علماء المسلمين ورابطة علماء المسلمين»، مشيرا إلى أن: « مشاورات ستجري لمعرفة ما إذا كانت هذه المبادرة ستشكل جسما بديلا عن المجلس الوطني أو ائتلافا جديدا».

 

ورغم الاستياء الشديد لرئيس المجلس، عبد الباسط سيدا (4/11/2012)، من: « جهود كثيرة بذلت وتبذل من أجل تجاوز المجلس»، وعن: « تضييق مادي» واتهام بـ « القصور والعجز والانغلاق»، وكذا حيرة جورج صبرا، الناطق باسم المجلس، وهو يقول: « تحاصرنا أفكار لا يمكننا قبولها»، إلا أن أحدا لم يسمع صراخ المجلس .. وبدا أحد أركان « البديل الجديد»، كمال اللبواني، لا يسمع صراخا ولا عويلا إلا سيمفونيته الخاصة: « لا ننافس على الشرعية ولا نتلقى أوامر من أحد»، مكتفيا بالقول أن السبب وراء المبادرة الجديدة هو: « تحول الثورة السورية إلى فوضى، والانقسام الحاد بين أطياف المعارضة، الأمر الذي: « يهدد بحرب حقيقية بعد سقوط النظام». ويبدو أن صبرا استفز حتى النخاع في تصريحاته لـ « وكالة الأنباء الألمانية – 5/11/2012 » في الدوحة حين قال إن: « المجلس يتعرض لضغط هائل لجعله ينخرط في مفاوضات سياسية مع النظام السوري، وهو شيء يرفضه كثير من قادتنا».

 

وعشية اللقاءات التشاورية حول مبادرة سيف (8/11/2012)، أدلى برهان غليون بدلوه محاولا التخفيف من وقع الصدمة: « ليس هناك شيء اسمه قيادة جديدة ولا بديلة والأجدر تسميتها بلجنة تنسيق للعمل المشترك فهذا هو المطلوب وليس استبدال المجلس»، مشيرا إلى أن: « الموقف الأمريكي قد لان كثيرا بهذا الشأن، وأن: « الجانب القطري عرض علينا أن نظل يوما أو اثنين أو ثلاثة أو أربعة حتى يطلع الدخان الأبيض، وإذا لم يطلع سيذهب كل إلى سبيله»!!! ويبدو أن دخان انتخاب البابا لم يخرج حتى ذلك الحين ليهدئ من غيظ سمير نشار، الذي فتكت الصدمة بأعصابه، ولم يذهب في سبيله، فكان على النقيض من غليون: « لن نقبل بأي قيادة جديدة فوق المجلس الوطني»، فما: « الجدوى من خوض تجربة قيادة جديدة قد تفشل في حين أن المجلس الوطني السوري بصدد التوسعة وإصلاح نفسه؟ »، لكن وبكل برود صب رياض سيف الزيت على النار المشتعلة؛ فهدم أية مشروعية أو فاعلية للمجلس من أصله بالإشارة إلى أن: « المبادرة ليست إلغاء للمجلس الوطني باعتبار انه لم يكن في أي وقت من الأوقات سلطة أو قيادة» للمعارضة، لكن؛ وكي يُطَمْئن المجلس على مستقبله وموارده المالية فيمكن له الاعتماد على « التسول» و « النصب» و « الاحتيال»، إذ: « سيكون له ألف عمل وعمل في خدمة الثورة، أما تمويله: « فيجب أن يكون ذاتيا بحسب الأعمال والنشاطات التي يقوم بها أعضاؤه، كما يمكن له أن يتلقى دعما عربيا وأجنبيا مثل أي منظمة تطوعية وغير حكومية»، والمحسنين كثيرون. أما العمل الذي يجري الآن فهو فقط: « من أجل إيجاد قيادة وسلطة سيكون للمجلس الوطني فيها نصيب 50% إذا استثنينا مندوبي المحافظات الأربعة عشر».

 

باختصار؛ فقد اتسمت الاجتماعات والتصريحات بالمهاترات والمماحكات والغضب والمساومات والتطمينات والفضائح، وظهرت المعارضة كما لو أنها أزواج ضرائر لزوج كسيح. والعجيب أن المجلس الوطني واصل اجتماعاته ووسع هياكله كالأطرش في الزفة، أملا في تجاوز مبادرة سيف. فانتهت بخروج شخصيات معتبرة من أمانة المجلس مثل برهان غليون وجورج صبرا، وحصل الإخوان المسلمون على ثلث المقاعد .. ومع ذلك، وكما سبق وقدموا برهان غليون واجهة مقبولة لدى الغرب، جاؤوا بجورج صبرا أمينا عاما للمجلس، وهو مسيحي وملحد في الوقت نفسه!!! وطار مناصروهم ومؤيدوهم بهذه الخطوة « الجبارة» معتبرين أن انتخاب صبرا يثبت للعالم أن هدف الثورة السورية هو « الحرية» وليس « الطائفية»!!! وكأن أحدا، غير « المركز» والخصوم والأعداء، اتهم الثورة بالطائفية أو شكك بأهدافها. بينما لم يذكر أيا منهم، لا على مستوى الجماعة وفروعها ولا على مستوى الأفراد، أن انتخاب صبرا هو استنزاف عقدي بغيض بحق الله على العباد، وبحق الإسلام والمسلمين، وبحق شعب غالبيته الساحقة مسلمة، وبحق شلالات الدماء النازفة .. وهو سطو على دين الله وحقوق الأمة من المفرطين، والملحدين، وممن لا عقيدة لهم، ولا مبدأ ولا تاريخ .. ودون أن يرتد إليهم طرف من فعلتهم الشنيعة إلا من الرغبة المسعورة في استرضاء « المركز» بما يحب ويهوى. الله لا يعطيكم عافية على هكذا إنجاز ورسالة.

 

لكن « ومن يهن الله فماله من مكرم». فما أن بدأت اللقاءات التشاورية (8/11/2012) لمناقشة مبادرة رياض سيف حتى تلقى اتهامات صريحة من بعض أعضاء المجلس بأنه: « يتبنى أجندة أمريكية لتهميش المجلس». ومن جهتها تلقت وكالة « رويترز» للأنباء تصريحا من مصدر في المجلس قوله إن: « سيف لم يكن مقنعا أبدا»، لكنه قال للمجلس بأنه: « سيمضي قدما بالمبادرة بموافقة المجلس أو من دونها». لكن ما نعرفه أن رياض سيف ليس سوبرمانا في الداخل ولا في الخارج. وغني عن القول أنه ما كان لسعادة الوكيل الحصري، أن يطلق هذه التهديدات دون أن يكون محصنا بدعم حاسم من « المركز» الذي لم يعد يقبل الهياكل التقليدية.

 

هكذا ولد الهيكل الجديد المسمى بـ: « الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية»، وابتلعت المعارضة ألسنتها، وسحبت كافة تصريحاتها، ونزلت عند رغبة المركز»، وأمطرت بالشروط التي ارتضتها « المجاهدة» كلينتون. وفي 8/11/2012 أعلن صدر الدين البيانوني، المراقب السابق لجماعة « الإخوان المسلمين» في الدوحة أنه: « تم التوقيع بالأحرف الأولى وبالإجماع على اتفاق تشكيل الائتلاف الوطني السوري لقوى المعارضة والثورة السورية»، وبعد الإعلان الرسمي انتخب الشيخ أحمد معاذ الخطيب رئيسا للائتلاف بأغلبية 54 صوتا من أصل 63، كما انتخب رياض سيف وسهير الأتاسي نائبين له.

 

حقا!! عجيب أمر المعارضة السورية!!! يعارضون التشكيلات الجديدة ويفاوضون عليها من وراء الكواليس، ثم ينتخبون رئيسا بالأغلبية!!! ثم يبدؤون في الثناء عليه، وكأن الأرض أزهرت. فما أن انتخب الخطيب رئيسا للتشكيل الجديد حتى بدأت الدعوات وحملات التسويق حتى من موقع الخطيب الإلكتروني، وعلى صفحات المواقع الاجتماعية تشق طريقها. وبدا أن التركيز على شخصية الرجل الذي لم تشوبه شائبة من قبل، كرياض سيف، هي محور الترويج له. لكن هذا لا يمنع من القول أن الرجل، الذي لم يعرف عنه سوء، ليس بأفضل من أولئك الذين عارضوا النظام لعشرات السنين، ودفعوا ثمنا باهظا طال حياة عشرات الآلاف منهم.

 

والمهم في شخصية الرجل ليس فقط ما يحظى به من شرعيه اجتماعية دمشقية ودينية عريقة، والتي استعملت في تسويقه، بل في قناعاته السياسية ومعتقداته التي رجحت اختياره كأنسب ما تحتاجه التشكيلات السياسية والعسكرية الجديدة. فهو خطيب الجامع الأموي بدمشق، ويوصف بأنه رجل وسطي معتدل يؤمن بالتعددية العقائدية والطائفية، ولعله أبعد ما يكون عن تكفير الطائفة النصيرية أو الطوائف الباطنية. ويعرف عن نفسه بموقعه قائلا: « لا نرضى الفتنة وحمل السلاح في الأمة الواحدة مهما يكن السبب، وننبذ الطائفية والعصبية وضيق الأفق، كما نرفض تحجيم الإسلام وفق أهواء العوام أو الحكام .. ونرفض الفكر التكفيري الغضوب، ونعتقد أن الإسلام رسالة هداية للبشرية جميعاً». وهو بالمحصلة وكما وصفه خالد الزيني، عضو المجلس الوطني السوري، « شخصية توافقية»، بما تكفي لتلبية احتياجات الجميع.

 

وفي أول بيان أصدره (14/11/2012) بعد زيارته لبعض العواصم العربية والدولية كتب على موقعه مخاطبا الشعب السوري بما يشبه التسول والاستجداء الذي لا يليق بسوريا ولا بشعبها ولا بتضحياتها ولا بتاريخها ولا عقيدتها ولا بشخصية تتبوأ منصب قيادة:

 

« اليوم اعترفت الولايات المتحدة بالائتلاف ممثلا وحيدا للشعب السوري ولكنها علقت ذلك على تأكدها من أن الائتلاف يمثل الشعب السوري حقيقة … هذه لحظة تاريخية .. أرجو الله أن لا نخذلكم فلا تخذلونا أرجوكم .. أريد أن يكون شعار الجمعة القادمة: ( يا أوباما لا تخاف .. كلنا مع الائتلاف).. أريد لافتات فيها شكر للرئيس الفرنسي .. ولافتات: (الشعب السوري واحد)، ولا فتات عليها: ( لا تطرف لا إرهاب .. افهم افهم يا حباب) .. وفي آخر البيان طالب بـ: تعديل: بعد التشاور مع بعض قيادات الداخل اقترحوا أن يكون العنوان للجمعة القادمة: يا أوباما اسماع اسماع كلنا مع الائتلاف» .. لكن الجمعة المقصودة أسميت: « الائتلاف يمثلني»!!! والنعم.

 

سؤال: ما الذي جنته المعارضة السياسية الساعية إلى تحصيل اعتراف دولي وعربي بها من تشكيلها الجديد؟

 

فيما خلا الموقف الفرنسي الذي قدم اعترافه وصار يلعب دور رأس الحربة في رفع الحظر عن تسليح الثورة، والاستعداد لطلب « أسلحة دفاعية»، إلا أن بقية المواقف الأوروبية والدولية نأت بنفسها عن الاندفاع الفرنسي، ابتداء من أوباما وانتهاء بالمفوضة الأوروبية كاترين آشتون، واكتفت بالإشادة بالتشكيلات الجديدة أو تعليق الاعتراف الكامل بها حتى إلى ما بعد سقوط النظام!!! ولعلها لطمة غير محسوبة من أولئك الذين يظنون دائما أن التعهدات والتنازلات والتصريحات وحرق الذات يجدي مع « المركز». وتغافلوا عن كل تاريخ وحاضر، وتناسوا أن « المركز» والخصوم والأعداء لم يقبلوا بالرئيس العراقي، صدام حسين، وهو علماني، كما تناسوا كيف دبروا اغتيال الرئيس الفلسطيني، ياسر عرفات، وهو من قدم لهم التعهدات والتنازلات حتى الاعتراف بـ « إسرائيل» .. ومع ذلك تآمروا عليه وحاصروه وأذلوه وقتلوه دون أن يأسف عليه أحد. فلماذا يقبلون تعهدات المعارضة القديمة أو الجديدة؟ ولماذا يثقون بها أو يسمحون لها بالوصول إلى السلطة على أنقاض طائفة ائتمنت على النظام الدولي و « إسرائيل» منذ 1913 وإلى يومنا هذا؟ فما الذي يمكن أن تقدمه المعارضة بالمقارنة مع ما قدمته الطائفة النصيرية، صاحبة الامتياز الدولي؟ وهل تعهداتها أو حتى اعترافها بـ « إسرائيل» سيكون أثمن من اعتراف عرفات بها!!!!؟

 

في أول رد فعل للرئيس الأمريكي، باراك أوباما (14/11/2012) على التشكيلات الجديدة التي صممتها بلاده!!! قال بصريح العبارة: « نحن غير مستعدين للاعتراف بهم كحكومة في المنفى، إلا أننا نعتقد أنها مجموعة تتمتع بصفة تمثيلية». وأعلن بوضوح: « نحن نحترس وخصوصا عندما نبدأ بالحديث عن تسليح مسؤولي المعارضة لكي لا نضع أسلحة بين أيدي أناس قد يسيئون إلى الأمريكيين أو الإسرائيليين». وأن: « إحدى المسائل التي سنواصل التشديد عليها هي التأكد من أن هذه المعارضة تتجه نحو سوريا ديموقراطية ومعتدلة وتشمل كل المجموعات»!!! ومن فاته مضمون عبارات: « ديمقراطية .. ومعتدلة .. تشمل كل المجموعات» فما عليه إلا أن يلحق بأول رد فعل آخر أدلى به الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، خلال مؤتمر صحفي مشترك (15/11/2012) مع أنجيلا ميركل، المستشارة الألمانية، في موسكو، حيث قدم حقوق الأقليات والطوائف على حقوق الشعب السوري برمته: « إن موقف بلاده يعطي الأولوية لتحقيق اتفاق حول المستقبل، وإنه يجب أولا تفهم كيفية ضمان احترام المصالح والحقوق المشروعة لمختلف الطوائف والقوميات قبل البدء في التغيير، وليس تنحية الرئيس السوري بشار الأسد» ثم التفكير في الخطوة التالية.

 

أما وليم هيغ، وزير الخارجية البريطاني، الذي التقى أحمد معاذ الخطيب، رئيس الائتلاف الجديد، فقد أحبط مضيفه مثلما أحبط أولئك الذين توسموا خيرا بتصريحات ديفيد كاميرون، رئيس الحكومة البريطانية حول اقتراحه الممر الآمن للرئيس السوري واستعداد بلاده لدراسة تسليح الثورة. وفي تصريحات لقناة الـ BBC استبق فيها لقاءه بالخطيب، أوضح هيغ أن: « بلاده تدرس الاعتراف رسمياً بهذا الائتلاف كممثل شرعي وحيد للشعب السوري، لكنها تسعى لمعرفة خطط هذا الائتلاف للانتقال السياسي في سوريا ومعرفة من الذين يعتزمون تعيينهم وكيفية توزيع المناصب، وهل سيكون الأكراد مشاركين، وما حجم التأييد الذي يتمتع به ائتلاف المعارضة داخل سوريا»، مؤكدا بأنه: « قد يكون قادرا على اتخاذ قرار بشأن الاعتراف بالائتلاف خلال الأيام القليلة القادمة» .. تصريحات استفزت سهير الأتاسي، نائب الخطيب، التي علقت بالقول: وكأننا تحت اختبار!!!؟ صح النوم يا مدام.

 

وفي تغطيتها للموقف الأوروبي بشأن تسليح الثورة ذكّرت صحيفة « وول ستريت جورنال» الأمريكية بموقف كاثرين أشتون، ممثلة السياسة الخارجية الأوروبية، وهي تردد القول: « إن إرسال السلاح إلى سوريا ربما يزيد الأمر سوءً هناك». وتنقل الصحيفة عن مسؤول أوروبي، رفيع المستوى، قوله في العاصمة البلجيكية بروكسل: « إن "محادثات مطولة" قد تجري قبل إجراء أي تغيير على حظر بيع الأسلحة لسوريا»، مشيرا إلى أن: بعض أعضاء الاتحاد لن يقبل بسهولة إرسال أسلحة للمعارضة السورية». وأن رفع الحظر يتطلب اتفاقا أوروبيا مشتركا يتم التوصل إليه بعد مفاوضات معمقة، قائلا: « أنا شخصيا لا أخفي بعض الشكوك. إذ أن: القلق الأوروبي لن يتعلق فقط بمبدأ إرسال الأسلحة، بل أيضا بتطبيقه، لافتا إلى أنه لن يكون من السهل ضمان وصول شحنات الأسلحة للمعارضة فقط». ولعلها تصريحات راقت لوزير الدفاع الألماني، توماس دي مايزيري، الذي قال إنه: « يشكك في الفكرة».

 

أما منظمة العفو الدولية فقد رحبت بدعوة وزير الخارجية البريطاني جماعات المعارضة السورية إلى ضرورة الالتزام بالقانون الإنساني الدولي، وحرض كريستيان بنديكت، المسؤول في المنظمة، وليم هيغ على مزيد من الضغط لاتخاذ إجراءات عملية ضد المقاتلين: « نريد رؤية مساءلة حقيقية يتم بموجبها اعتقال أي مقاتلين ارتكبوا انتهاكات، وفتح تحقيقات مناسبة حولها».

 

إلى هنا نقول بأن الهياكل الجديدة لا تعني أنها تتمتع بحرية الحركة والمطالب. وتوسلاتها لقوى الثورة بتقديم الدعم لها عبر تسمية يوم 16/11/2012 بـ جمعة « الائتلاف يمثلني»، المماثلة لـ جمعة « المجلس الوطني يمثلني – 7/10/2011 » كانت فاضحة كما سبق وأثبته الخطيب في كلمته إلى الشعب السوري. هذا فضلا عن أن تسميات الجُمَعْ تخضع للمساومات السياسية والأيديولوجية، لاسيما وقد سبقتها جمعة « أمريكا ألم يشبع حقدك من دمائنا؟ » و التي تأجلت في 12/10/2012، بعد معارضة من المجلس الوطني قبل أن يتم فرضها يوم 19/10/2012.

 

المهم أن ردود الفعل الشديدة على التشكيلات الجديدة من بعض رموز الثورة السورية استبقت اجتماع اللقاءات التشاورية في الدوحة. فالقوى الإسلامية رفضت، كالعادة، كل التشكيلات والمبادرات السياسية. ومن جهته شن العقيد رياض الأسعد، قائد « الجيش الحر» هجوما شرسا على المجلس الوطني، في تصريحات نشرتها صحيفة « الوطن» السعودية في 7/11/2012، قال فيها أن: « هناك من أعضاء المجلس الوطني من شتت الصفوف وحاول تفرقة الكتائب، هؤلاء عصابة، والمجتمع السوري يعي ذلك، كانوا فعالين في تفرقة المقاتلين لكنهم لم يتمكنوا، والثوار معنوياتهم مرتفعهم على وقع الانتصارات اليومية .. أشخاص معروفون لدينا، مؤثرون في المجلس الوطني ومُتنفذين، هم من يتحملون مسؤولية قتل السوريين»، .. هذا المجلس الذي أقصى الجيش الحر حمله الأسعد مسؤولية: « ثمن سفك دماء الشعب السوري».

 

وخلال انتخابات المجلس الوطني، تلقت وسائل الإعلام: « بيان مشترك من القوى الوطنية السورية في رفض مخططات اجتماع الدوحة» وقعته شخصيات وقوى عسكرية ومدنية، من بينها « الجيش الحر» و « التحالف الوطني السوري» و « الكتائب الميدانية المقاومة في سوريا»، وتضمن البيان أسماءً من بينها العقيد رياض الأسعد والعقيد حسام العواك وسعد العقيدي و د. وائل الحافظ. وجاء فيه: « إنه لواجب علينا أن نوضح للجميع أن الإصرار على إقصاء أبناء الثورة الصادقين إنما هو استمرار في السير على ذات الخطى التي لم تقدم ما هو ايجابي للثورة على مدى 13 شهرا وذلك يدفع إلى زيادة في الشكوك حول ماهية الأجندات التي تم تحضيرها والإعداد لها لما هو أبعد من ذلك من حكومة ووزارات وقيادات تريد فرض نفسها».

 

وأوضح سعد العقيدي، منسق الكتائب الميدانية المقاومة في سوريا، وعضو المكتب التنفيذي في مجلس القبائل العربية السورية: « إن القوى الوارد اسمها في البيان ترفض المجلس جملة وتفصيلا، وتعتبره غير موجود وأن مبادرة رياض سيف لا تعنيهم». أما فيما يتعلق في الموقف من المجلس فهو: « سبب رئيسي في تمزق المعارضة السورية وأن من يقودونه لديهم أجندة حزبية ضيقة للوصول إلى كرسي السلطة ولم يقدموا شيء للشعب السوري»، الذي: « أعطى فرصة للمجلس طيلة أكثر من سنة فما قدم شيء للشارع السوري سوى أن قام باستلام الأموال وسرقتها». وأوضح أن: « المجلس الوطني السوري أعاد إنتاج نفسه وأن جماعة الإخوان المسلمين قسموا أنفسهم في هذه الانتخابات إلى أربع كتل تحت أسماء كتل وطنية إلى آخره حتى يحظوا بالأصوات»، وتجاهل ما اعتبره: « ضعف تمثيل القبائل السورية في المجلس، مشيرا إلى أن أهم مكون في سوريا القبائل العربية التي تشكل 45 بالمائة والتي من المفترض أن تحظى بتمثيل أكبر في المجلس أعطيت فقط 8 أصوات».

 

ما زال الوقت مبكرا على الخاتمة

 

لا ريب أن « المركز» بات مقتنعا للغاية أنه من المستحيل بقاء عائلة الأسد في السلطة بالنظر إلى الإرث الدموي والأمني وما خلفته من قروح غائرة عميقا في الجسد السوري. لذا ما من أحد يشك بزوال الأسد وعائلته إلا من يصر، في اللحظة الأخيرة والحرجة للجميع، على البيع بأبخس الأثمان دون مبرر، بينما الفرصة للثراء أمامه متاحة رغم أنف أكبر التجار والمستهلكين.

 

لكن المشكلة في هؤلاء الذين يستقوون بأفخاخ « المركز» نفسه وإغراءاته لهم اعتقادا منهم أنهم يحققون مكاسب بإثارة مخاوفه أو الاتزام بتوجيهاته وآرائه!!! ومن أمثلة هذه المصائد ما قاله جيمس دوبينز، مدير مركز راند للأمن الدولي والسياسة الدفاعية (7/11/2012)، من أن: « الأحداث قد تجبر أوباما على التدخل بدرجة ما في سوريا وربما يقدم السلاح». وهذا احتمال مرجح فعلا، لكن ليس لخدمة الثورة بقدر ما هو الخشية منها. ولعل جاستين فايس الباحث في معهد « بروكينغز» أحسن في التشخيص حين قال: « إن عدم التدخل عسكريا في سوريا أدى إلى اتخاذ الصراع ضد النظام منحى راديكاليا، وهو ما يفسح (المجال) لدخول الجهاديين والقاعدة، ولنشوب حرب أهلية ستكون لها تبعات على الأردن والعراق وعلى التوازنات في لبنان». ولهذا السبب رأت مارينا اوتاواي، الباحثة في مركز « كارنيغي للسلام» الأمريكي (14/11/2012) أن: « الولايات المتحدة تريد تنظيما عسكريا موحدا .. يمكن أن ترسل إليه المساعدات المالية والعسكرية ويقطع الطريق أمام الجهاديين » .. وتعلق على الرغبة الأمريكية بتشكك: « إنها خطة ملفتة لكنني لست واثقة من إمكان نجاحها». فما هي، إذن، منزلة تصريحات العميد مصطفى الشيخ وهي تحذر من « تحول الثوار السوريين إلى إرهابيين - 10/11/2012» حين قال: « إذا لم يكن هناك قرار سريع لدعمنا، فإننا جميعا سنتحول إلى إرهابيين؟ » هل يمكن تصنيفها في خانة ابتزاز « المركز»؟ أم في خانة تقديم الخدمات له؟ أم في خانة المكر به؟

 

قلنا وما زلنا نقول بأن الحل المطروح على السوريين من « المركز» هو الحل السياسي الذي يقوم على صيغة « الحل مع النظام»، وبما يضمن بقاء الطائفة النصيرية متمتعة بذات الامتيازات التي تتمتع بها، شريكة كاملة في السلطة. وكما سبق وأعلن ليون بانيتا، وزير الدفاع الأمريكي، أن حل الجيش وأجهزة الدولة والأمن غير وارد في سوريا. وها هو الرئيس الأمريكي يتحدث صراحة عن دولة « ديمقراطية .. ومعتدلة .. تشمل كل المجموعات»، وكذا الرئيس الروسي الذي أعطى « الأولوية» لحقوق الأقليات والطوائف ومستقبلها واندراجها في السلطة قبل أن يتحدث عن حقوق الشعب الجريح.

 

أما الإبراهيمي فلم يفته أن يذكِّر المعارضة السورية، ومن لا يتذكر أو يتعظ، وقبل أن يطالب أحد بتسليح الثورة (5/11/2012) بأنه: « لا حل عسكري للأزمة السورية، وأن الحل الوحيد هو إيجاد عملية سياسية يتفق عليها الجميع، أو أن المستقبل سيكون سيئا للغاية، وستتدفق الأزمة على دول الجوار وحتى إلى دول بعيدة عن المنطقة».

 

بقي أن نقول أن هؤلاء الذين مثلوا جسرا لـ « الاختراق»، بحسن نية أو بسوء نية، بعلم أو بجهل، لم يحسبوا حسابا كما فعل « المركز» الذي أحسن استدراجهم .. وهو الآن عازم على استنزافهم من عقائدهم وأخلاقهم وقيمهم وإنسانيتهم وانتمائهم وتاريخهم حتى إذا ما سقطوا لن يأسَ عليهم أحد. فهم لا يمتلكون أية ضمانة من « المركز»، وليس لـ « المركز» حتى الآن بديلا عن الطائفة في الحكم. فهي باقية في السلطة ودواليبها .. لكنها عند السوريين مطالبة بكشف حساب ثقيل جدا. وهذا لا يعني ذبح الطائفة أو قتلها، فهي على كل حال موجودة شأنها شأن الكثير من الطوائف، لكنها من المستحيل أن تكون مقبولة في السلطة دون أن تدفع ثمن جرائم الغالبية الساحقة التي ارتكبتها بحق الشعب السوري، أو دون أن تقدم عشرات آلاف المجرمين فيها للمحاسبة، أو دون أن تتحمل مسؤولية انخراطها في النظام والقتل والرعب التاريخي الذي أوقعته في المجتمع، أو دون أن تتحمل مسؤولية استيلائها على الدولة والمجتمع وحقوق الأمة برمتها لعشرات السنين ..

 

هذا الأمر لا يروق لـ « المركز» ولا يقبل به!!! فما الذي ستأتي به إذن الوسطية والاعتدال والتعددية والديمقراطية والمشاركة؟ وما الجدوى أو الغاية منها إنْ لم تسترد حقوق الشعب وتنصفه في مظالمه وعذاباته؟ وما معنى ألا يتعظ عشاق « المركز» من أسلافهم أمثال محمد دحلان (فلسطين) وشيخ شريف ( الصومال) و رباني ومسعود ( أفغانستان ) وطارق الهاشمي ( العراق) وبرويز مشرف (باكستان)، هذا ناهيك عن أولئك الذين أخطؤوا الحسابات فاغتيلوا رغم ما قدموه من خدمات!!! ألا ليت قومي بعلمون.

 

يتبع ....

رابط هذا التعليق
شارك

Join the conversation

You can post now and register later. If you have an account, sign in now to post with your account.

زوار
اضف رد علي هذا الموضوع....

×   Pasted as rich text.   Paste as plain text instead

  Only 75 emoji are allowed.

×   Your link has been automatically embedded.   Display as a link instead

×   Your previous content has been restored.   Clear editor

×   You cannot paste images directly. Upload or insert images from URL.

جاري التحميل
×
×
  • اضف...