اذهب الي المحتوي
منتدى العقاب

مقالات من المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير - متجدد


Recommended Posts

بسم الله الرحمن الرحيم

 

هرمز المأزق الذي يبتلع حسابات أمريكا

 

في السياسة الدولية، هناك مناطق لا تُقاس أهميتها بالجغرافيا وحدها، بل بحجم التأثير الذي تمتلكه في الاقتصاد العالمي والتوازنات العسكرية. ويأتي مضيق هرمز في مقدمة هذه المناطق، إذ تحوّل عبر عقود إلى عقدة استراتيجية تختبر قدرة القوى الكبرى على فرض إرادتها دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.

 

وفي هذا السياق، يبدو رئيس أمريكا ترامب أمام معادلة معقدة؛ فهو لا يستطيع المضي في الحرب إلى نهايات غير محسوبة، كما لا يستطيع إنهاء التوتر بالطريقة التي يريدها دون أن يدفع ثمناً سياسياً أو استراتيجياً. وهنا تحديداً تتجلّى أزمة القرار الأمريكي في الشرق الأوسط.

 

لقد بُنيت سياسة ترامب الخارجية على مبدأ "الضغط الأقصى"، وهو مبدأ يقوم على استخدام القوة الاقتصادية والعسكرية لفرض التنازلات. غير أن منطقة الخليج، وخصوصاً ملف مضيق هرمز، ليست ساحة سهلة يمكن إخضاعها بمنطق الاستعراض السياسي وحده؛ فأي تصعيد واسع يحمل في طياته تهديداً مباشراً لأسواق الطاقة العالمية، ويضع الاقتصاد الدولي أمام احتمالات اضطراب خطيرة.

 

إن الحرب في هذه المنطقة ليست خياراً عسكرياً خالصاً، بل قرار تتداخل فيه المصالح النفطية، وحسابات الحلفاء، وضغوط الداخل الأمريكي. فأمريكا تدرك أن الدخول في مواجهة طويلة قد يستنزفها سياسياً واقتصادياً، خاصة في ظل مزاج أمريكي متعب من الحروب والأزمات الخارجية. وفي المقابل، فإن التراجع أو القبول بتسويات لا تحقق الأهداف المعلنة قد يُظهر الإدارة بمظهر العاجز عن فرض شروطه.

 

هنا يمكن القول إن مأزق ترامب لا يكمن فقط في طبيعة الخصوم، بل في طبيعة المنطقة نفسها. فمضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي، بل هو ورقة ضغط دولية قادرة على تحويل أي مواجهة محدودة إلى أزمة عالمية.

 

وبذلك يصبح قرار أمريكا محاصراً بين خيارين أحلاهما مرّ: التصعيد الذي قد يفجّر المنطقة، أو التهدئة التي قد تُفسَّر باعتبارها تراجعاً عن خطاب القوة. وفي النهاية تكشف أزمة هرمز حقيقة ثابتة في السياسة الدولية، وهي أن القوة العسكرية مهما بلغت لا تكفي دائماً لحسم الصراعات، خصوصاً حين تتشابك الجغرافيا مع الاقتصاد، وتتعقد الحسابات الإقليمية والدولية.

 

وفي خضم هذه التحولات، تبرز حقيقة لا يمكن تجاهلها، وهي أن الممرات المائية التي تقع في قلب بلاد المسلمين ليست مجرد حدود جغرافية أو طرق لعبور السفن، بل هي ثروة استراتيجية هائلة منحها الله لهذه الأمة. فمن مضيق هرمز إلى باب المندب، ومن قناة السويس إلى مضيق ملقا وغيرها من الممرات الحيوية، ظل المسلمون يملكون مفاتيح التجارة والطاقة العالمية، لكنهم لم يحسنوا حتى اليوم تحويل هذه النعمة إلى قوة اقتصادية وسياسية موحدة تخدم شعوبهم وتحفظ استقلالهم.

 

لقد أدركت القوى الكبرى منذ زمن بعيد أهمية هذه الممرات، وما لم تدرك دول المنطقة أن أمن هذه الممرات ووحدتها الاقتصادية يمثلان أساساً لنهضة حقيقية، فإن ثرواتها ستبقى عرضة للاستنزاف، وستظل قراراتها مرهونة بمصالح الآخرين.

 

فهذه الممرات ليست عبئاً سياسياً كما يصورها البعض، بل هي فرصة تاريخية لصناعة قوة اقتصادية عالمية، إذا أحسن المسلمون استثمارها من أجل استعادة عزهم وكرامتهم المفقودة.

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مؤنس حميد – ولاية العراق

رابط هذا التعليق
شارك

  • الردود 603
  • Created
  • اخر رد

Top Posters In This Topic

  • صوت الخلافة

    604

بسم الله الرحمن الرحيم

من يملك المشروع القادر على ملء الفراغ عندما يبدأ النظام القديم بالتآكل؟

 

لم يعد العالم اليوم يشبه ذلك المكان الذي كانت الأزمات فيه تعتبر حالة استثنائية، فاليوم تبدو الفوضى وكأنها الحالة الطبيعية الوحيدة التي يعيشها الإنسان فنجد حرباً تشتعل هنا وأزمة اقتصادية هناك وتضخماً وخوفاً وإعلاماً يضج بالتحليل السياسي والاقتصادي وشعوباً تائهة وكأنها تحاول النجاة من شيء لا تراه بوضوح.

 

إن من يتابع الأحداث السياسية يجد أننا في مرحلة يعاد فيها تشكيل العالم من خلال إدارة الأزمات لا حلها في ظل حالة من الخوف والتوتر المستمر.

 

في الماضي كان الهدف من الحروب تحقيق نصر واضح وكانت الأزمات تنتهي بتغيرات واضحة، أما اليوم فلا شيء ينتهي، فالحروب تبقى مستمرة دون هدف معلن، والاقتصاد يعيش على حافة الانهيار دون أن يسقط بشكل كلي، والأزمات السياسية يتم خلقها وتجديدها من مكان لآخر حتى أصبح الإنسان يعيش في حالة استنزاف نفسي مستمر بهدف إبقائه داخل فقاعة من الأزمات يدور في فلكها.

 

إن التاريخ شهد حروبا كبرى لم يكن هدفها الانتصار العسكري بقدر ما كان الهدف الأساسي هو إعادة تشكيل العالم نفسه؛ فبعد الحرب العالمية الأولى سقطت إمبراطوريات كاملة، وأعيد رسم الخرائط السياسية، وظهرت اتفاقيات مثل اتفاقية سايكس بيكو التي قسمت البلاد الإسلامية وفق مصالح القوى الكبرى، ثم جاءت الحرب العالمية الثانية لتؤسس نظاما عالميا جديدا بالكامل، فظهرت بعدها الأمم المتحدة وصعدت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي كقوتين مهيمنتين، ودخل العالم مرحلة الحرب الباردة التي أعادت تشكيل السياسة والاقتصاد والتحالفات لعقود طويلة، حتى الأزمات الاقتصادية الكبرى لعبت الدور ذاته؛ فبعد الكساد الكبير تغير شكل الاقتصاد العالمي وازدادت سيطرة الدول الكبرى على الأسواق والنظم المالية وتبدلت علاقة الحكومات بشعوبها تحت ضغط الخوف والانهيار.

 

وفي السنوات الأخيرة بدا وكأن العالم يدخل مرحلة جديدة من إعادة الترتيب، فنجد اليوم حروباً وصراعاً على الطاقة، وتصاعد النفوذ التكنولوجي، وأزمات اقتصادية متلاحقة، واستقطاباً عالمياً متزايداً، وكأن النظام الدولي القديم يترنح بينما تتشكل ملامح نظام جديد وسط الفوضى.

 

لقد تغير شكل السيطرة الحديثة، فاليوم لم تعد الهيمنة تعتمد فقط على الاحتلال العسكري أو القوة المباشرة لكنها أصبحت أكثر تعقيدا، فالشعوب المنهكة نفسيا واقتصاديا أقل قدرة على التفكير وأكثر قابلية للقبول بأي حلول تعرض أمامها مهما كانت قاسية لأن الإنسان الذي يخاف على لقمة عيشه ويستيقظ يوميا على أخبار الحروب والانهيارات والكوارث لا يعود منشغلا بقضايا أمته إنما أكبر همه أن ينجو هو وعائلته في ظل هذه الفوضى التي أعادت تشكيل وعيه حيث لعب الإعلام دورا مهما في إعادة هذا التشكيل بعد أن فقد مصداقيته وأصبح أداة يتحكم بها لبث ما يجب أن يبث وتسليط الضوء على ما يسمح له أن يكون تحت الضوء، ناهيك عن حالة إغراق الناس بالروايات المتناقضة حتى فقدوا القدرة على التمييز بين الحقيقة والكذب، فهي تبث على مدار ٢٤ ساعة خوفاً اقتصادياً وخوفاً أمنياً وخوفاً مجتمعياً وخوفاً فكرياً... بهدف جعل الشعوب في حالة مرهقة. ومن المعروف أنه كلما ازداد خوف الإنسان أصبح أكثر استعدادا للتنازل عن الأشياء التي كان يعتبرها يوما من الثوابت، وهذا ما ترمي إليه الكثير من الأنظمة الحديثة اليوم؛ أن تجعل شعوبها مرهقة نفسيا فيسهل عليها فرض سيطرتها عليهم لأن الإنسان المرهق سيطلب بنفسه أي شيء يمنحه شعورا مؤقتا بالأمان حتى لو كان الثمن دينه أو حريته!

 

الأخطر من ذلك أن الحروب أحيانا لا تدار بالقوة الصلبة بل بالناعمة أيضا، فمفهوم الفوضى اليوم أصبح وسيلة حكم غير مباشر؛ فحين يبقى الناس منشغلين بالأزمات المتلاحقة يصبح من السهل تمرير تحولات كبرى دون مقاومة حقيقية، وحين يتحول القلق إلى أسلوب حياة يفقد الإنسان تدريجيا قدرته على رؤية الصورة الكاملة.

 

وربما لهذا نجد لحظات الفوضى الكبرى في التاريخ كانت أحيانا بداية لتحولات كبرى وصعود مشاريع جديدة.

 

لقد أثبت التاريخ أن الفراغات الكبرى لا تبقى فارغة طويلا، وأن الشعوب حين تفقد إيمانها بالنظام القائم تبدأ بالبحث عن مشروع جديد يمنحها الكرامة والاتجاه.

 

والأمة الإسلامية رغم ما تعيشه من تمزق وضعف وتبعية لا تزال تملك في عمقها فكرة أن الإسلام ليس مجرد دين روحي معزول عن الواقع لكنه مشروع حضاري قادر على تنظيم الحياة وبناء أمة موحدة تحمل رؤية مختلفة للعالم. وربما تكون الفوضى التي يعيشها العالم اليوم بكل تناقضاتها وانهياراتها لحظة تكشف من جديد أن الأمة التي تملك مشروعا حقيقيا ووعيا سياسيا عميقا تستطيع أن تتحول من مجرد متفرج على الأحداث إلى طرف منافس يصنع التاريخ من جديد.

 

لقد أضعنا فرصاً في الماضي فكانت النتيجة أمة مفعولاً بها، وإن لم نستغل اليوم هذه الفوضى فسنغدو أمة مجرورةً، وهذا ما لا يليق بأمة رسول الله ﷺ التي سطر التاريخ عن أمجادها وفتوحاتها وعدلها وعزتها.

 

نعم التاريخ يكرر نفسه لكن كل مائة عام، ألم تكفنا مائة عام عشنا فيها الذل والهوان لأننا ابتعدنا عن منهجنا وتطبيق عقيدتنا؟ وهل نتحمل مائة عام أخرى لنحظى بفرصة التغيير؟ اليوم إما أن نعيد رسم خريطتنا واستعادة مشروعنا وعودتنا أمة فاعلة كما يليق بها، وإلا فإن الأجيال القادمة ستفقد هويتها وما تبقى من عقيدتها لأن عدو الغد ليس كعدو اليوم يسعى للهيمنة وإنما يهدف لاقتلاع الدين من جذوره، وإننا اليوم في حزب التحرير نملك هذا المشروع المبدئي المستنبط من كتاب الله وسنة رسوله، القادر على ملء الفراغ الناتج عن تآكل النظام الرأسمالي.

 

كل ما تحتاجه الشعوب اليوم هو الوعي على خطورة المرحلة واستغلال كل ما تمتلكه الأمة من طاقاتها ونخبها (التي تمتلك الشخصية الإسلامية) للعمل ضمن إطار حزبي مبدئي لإنقاذ دين الله وإعادة تطبيقه مهما كلفهم من ثمن. فثمن اليوم أقل كلفة مما سيدفع لاحقا. فلكل من ينتظر معجزة: اعلم أن الله لا يمنح النصر مجانا ولا يعطي التمكين إلا للمخلصين من عباده، وأن الله غالب على أمره ودين الله منتصر لا محالة، فلنكن جنود الله في أرضه وأنصار رسوله والغلبة لله وللمؤمنين.

 

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

منال أم عبيدة

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

الانتشار المصري في الإمارات ومخاطر الحروب بالوكالة

 

 

في مشهد إقليمي متقلب، جاء الإعلان المصري الإماراتي عن تمركز مفرزة من المقاتلات المصرية في أراضي الإمارات ليضع النقاط فوق الحروف؛ فالتحالف الاستراتيجي بين مصر والإمارات لم يعد مجرد بيانات دبلوماسية، بل أصبح قواعد عسكرية وجاهزية ميدانية.

 

لذا، يتردد بين السياسيين سؤال مهم: هل هذا الانتشار مجرد ردع وتضامن عربي، أم أنه تمهيد لسيناريو أوسع يقود المنطقة إلى حرب مفتوحة؟ وهل هناك أصابع خفية تقود هذا السيناريو ليتحقق ويرسم خرائط جديدة للمنطقة؟

 

الحقيقة أن الأمر لم يعد مجرد تكهنات، فالإمارات ولأول مرة أعلنت رسمياً استضافة مفرزة من المقاتلات المصرية (قوات جوية من مقاتلات رافال هي النواة الرئيسية للمهمة، وقد استدل الخبراء من رقم DM21 الذي ظهر على ذيل الطائرة أنها من نوع رافال، وقد وصل عددها بين 8 إلى 10 طائرات، وهي تتمركز في قاعدة الظفرة الجوية التي تبعد 30 كلم عن أبو ظبي، وهي القاعدة الرئيسية التي تستضيف أصلاً وحدات عسكرية أمريكية وفرنسية. الأناضول 7/5/2026).

 

وقد تفقد الرئيسان السيسي وابن زايد هذه القوات، وصرح السيسي قائلاً: "ما يمس الإمارات يمس مصر"، وكان ذلك أكثر من مجرد دعم معنوي.

 

أما في مصر، فإن القرار أثار انقساماً داخل الأوساط السياسية والإعلامية؛ فبعضهم رأى فيه تعزيزاً للأمن القومي العربي، بينما حذر آخرون من التدخل في صراع خارج الحدود، مستندين إلى مواد دستورية تقضي بأخذ رأي مجلس الدفاع الوطني وموافقة ثلثي مجلس النواب قبل إرسال قوات لمهام قتالية خارج البلاد. هذا الجدل يعكس حساسية الخطوة وحجم المخاطر التي تحملها.

 

إن أمريكا وكيان يهود يسعيان لتوريط الخليج في حرب بالوكالة، وهذا هو البعد الأكثر إثارة للجدل، ومع رؤيتنا أن الخليج برمته يدفع دون دخول مباشر في هذا الصراع، رغم ما تكبده من خسائر، إلا أننا نجد أن الإمارات لها رأي آخر، وهي تدفع نحو تأجيج الأوساط.

 

وأغلب قراء السياسة يرون أن أمريكا لا تريد حرباً شاملة تدمر الخليج بشكل كامل، لأن استقرار الطاقة والأسواق العالمية يبقى مصلحة أمريكية حيوية، لكنها في الوقت نفسه تستفيد من إبقاء المنطقة في حالة خوف دائم، لأن ذلك يعزز اعتماد الخليج على حمايتها، ويزيد من صفقات السلاح، ويمنحها قدرة أكبر على إعادة تشكيل التحالفات.

 

أما كيان يهود، فهو ينظر إلى إيران باعتبارها التهديد الاستراتيجي الأول، ويسعى منذ سنوات إلى بناء محور إقليمي يضم دولاً عربية تحت عنوان مواجهة الخطر الإيراني. وهنا يظهر خطر تحويل الصراع السياسي والجيوسياسي إلى صراع مذهبي بين السنة والشيعة، لأن هذا النوع من الحروب هو الأكثر قابلية للاستمرار، والأكثر تدميراً للنسيج المجتمعي في المنطقة.

 

والمشكلة أن المنطقة عاشت هذا السيناريو سابقاً بعد غزو العراق عام 2003، حين تحولت التوازنات السياسية إلى صراعات طائفية امتدت من بغداد إلى دمشق وبيروت وصنعاء، واليوم يخشى الكثيرون من إعادة إنتاج النموذج نفسه، هذه المرة على مستوى الخليج العربي بأكمله.

 

ومصر تتحرك بحذر شديد، فهي تدرك أن أي حرب واسعة في الخليج ستنعكس مباشرة على اقتصادها، وعلى الملاحة في البحر الأحمر، وعلى تحويلات العملات المصرية في الخليج، لذلك من المرجح أن يكون دورها أقرب إلى الردع السياسي وحفظ التوازنات العربية، لا الدخول في حرب مفتوحة.

 

والحليفان أمريكا وكيان يهود، لكل منهما مصالحه، ولكن الأصل هو مصالح أمريكا، بينما يستغل كيان يهود ذلك لتنفيذ أهدافه الخاصة. فأمريكا ترغب في استنزاف المنطقة؛ العرب وإيران، وضرب بنيتها التحتية، ما يتيح تفوق كيان يهود تحت غطاء الدفاع عن المعسكر السني، وترسيخ تطبيع أوسع، مع الحفاظ على تفوقه في المنطقة بعد إنهاك الجميع.

 

وطبعاً، فالآلية كما شاهدنا تقوم على ضرب القواعد العسكرية الأمريكية في دول الخليج كورقة ضغط لجر الدول المستضيفة إلى مواجهة مباشرة مع إيران، وهذا ما لاحظناه من محاولات للانجرار وراء ذلك حتى الآن. وأيضاً إيران تدرك هذا الفخ، وتحاول تجنب الحرب المباشرة مع الخليج، مع استمرار استهداف القواعد الأمريكية عبر وكلائها، وكذلك تحاول الضغط دبلوماسياً على دول الخليج لوقف التعاون العسكري مع أمريكا، تحت شعار الأمن الجماعي بدلاً من الأمن المأجور.

 

ونلاحظ سيناريوهات عدة لهذه الحالة:

 

أولاً: الانزلاق التدريجي نحو المواجهة: في لحظة ما، ومن قوة الضغط الذي يُمارس عليها، قد تجد دول الخليج نفسها تنزلق في التصعيد الإماراتي، وتجد نفسها مضطرة للرد أو إعادة السماح باستخدام قواعدها، وهنا تتحول إلى معركة إقليمية تكون فيها القوات المصرية في الإمارات عاملاً مساعداً لقوات الخليج.

 

ثانياً: وهو الأكثر واقعية، حرب الوكالة: وذلك باستمرار وتيرة التصعيد المحدود؛ أي ضربات هنا واغتيالات هناك وحرب إلكترونية دائمة، دون أن يتخطى أحد الخط الأحمر المفضي إلى حرب مباشرة، وعليه تتحمل دول الخليج تكلفة باهظة لهذه الحرب وخسائر في اليمن، وهنا يكون الدور المصري مانعاً لانهيار الجبهة.

 

ثالثاً: قد يكون وجود القوات المصرية ليس فقط لأغراض عسكرية، بل أيضاً لإظهار أن القوة العربية موحدة، ولتعزيز الموقف التفاوضي بين أمريكا وإيران، حيث يبحث الخليج عن ضمان أمني حقيقي، وليس مجرد التورط في حرب أمريكية.

 

الحقيقة أن المنطقة تمر بمرحلة حساسة جداً، فإن المخاوف من أن يتحول الخليج إلى ساحة حرب طائفية جديدة ستظل قائمة ما دام كيان يهود يدفع نحو ذلك، والقرار الحقيقي يبقى بيد صناع القرار: هل يريدون أن يكونوا أطرافاً في معادلة مستقلة، أم أدوات في لعبة كبيرة لا ترحم؟

 

إن أخطر ما يهدد المنطقة ليس فقط الحرب العسكرية، بل نجاح القوى الدولية والإقليمية في إعادة تعريف الصراع على أساس طائفي، فعندما تتحول السياسة إلى هوية مذهبية يصبح إطفاء الحروب أكثر صعوبة، وتصبح المنطقة كلها رهينة للخوف والانقسام لعقود طويلة.

 

وإن استخدام الطائفية هو مبرر لفرقة المسلمين وابتعادهم عن بعضهم، وارتمائهم في أحضان أمريكا للبحث عن الخلاص، كما يحصل الآن من دعوات في العراق للاستعانة بأمريكا للخلاص من الظلم الطائفي الشيعي، علماً أن أمريكا هي نفسها من دعمت الشيعة ضد السنة في العراق، والآن السنة يطلبون دعم أمريكا للخلاص من الشيعة عملاء أمريكا! وهذا منتهى الغباء والانحطاط والإحباط، وهو أمر خطير لأنه يعزز بقاء الطائفية المقيتة، وبالتالي يعزز انقسام الأمة.

 

إن قدوم أمريكا وربيبتها إلى المنطقة أصبح معلوماً هدفه وهو احتواء المنطقة برمتها، وجعل كيان يهود هو القوة الضاربة فيها مع إمكانية توسعه. إن الغرب يعي أن هذه المنطقة هي مهد الحضارات، وأن إضعافها وإضعاف بنيتها التحتية وجعل الكيان مسيطراً عليها يعطي أمريكا مزيداً من الاطمئنان بعدم قيام دولة إسلامية في المنطقة، في حال انشغال شعوبها بأزماتها الداخلية.

 

إن قرار المنطقة مرتبط بأبنائها؛ فإما أن تبقى هذه الأمة خاضعة وتسير في مسار التبعية، يفعل بها حكامها الخونة ما يشاؤون، وينفذون - عن قصد أو دون قصد - المخططات الغربية، وخاصة الأمريكية، ويكونون هم العائق الحقيقي أمام قيام دولة الخلافة في المنطقة. أو أنهم سوف يستفيقون من غفلتهم، لأن هؤلاء الحكام الخونة تجب إزالتهم، وبإزالتهم يزول نفوذ يهود، لأن الأمة هي صاحبة القرار، فإذا التفت حول حملة الدعوة لاستئناف الحياة الإسلامية وعودة مبدأ الإسلام للحكم، وخلع هؤلاء الحكام، والالتفات إلى قضايا هذه الأمة المصيرية، والاستقلال بالقرار السياسي تحت ظل دولة الخلافة، فإن النصر يكون أقرب بكثير مما نتصور، وما هو بحلم، بل هو بعون الله قريب جداً. وإن تكسير القيود والسير نحو الأمجاد كأسلافنا، والعودة خير أمة أخرجت للناس، يكون بأن نغير أحوالنا، ونعود إلى ديننا، ونرفع راية رسول الله ﷺ، أمل الأمة، ونعود أكبر دولة وأعزها، لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ونوره.

 

قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾.

 

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نبيل عبد الكريم

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

قصة تراجع الدولار الطويلة أمام الذهب

 

 

"وإذا ارتفع سعر الذهب إلى الضعفين في أسبوع واحد ستتحول حالة الدولار من مستقر إلى سقوط حرّ". (الخبير الاقتصادي 35 سنة في وول ستريت، جيمس ريكاردس، مؤلف ما يزيد عن 10 كتب منها: حروب العملات، موت المال، الطريق إلى الخراب، الغربان، مباع بالكامل، الوضع الجديد للذهب، العواقب، الكساد العظيم ...الخ)

 

جاء إصدار الدولارات الذهبية الأول عام 1795م. يُعرف ذلك الإصدار باسم الحرية (Liberty Cap)، ونصف النسر (Half Eagle). كان حجمه ووزنه يعتمدان على الدولار الإسباني. سُك الإصدار بقيمة 5 دولار وزنه 8.359 غرام، 90% منها ذهب خالص. وعلى أساسه صدر أول دولار ذهبي 8.359 ÷ 5 = 1.672 غرام خلال الأعوام 1804م-1849م. صدر الدولار الذهبي بوزن 1.672 غرام - 90% منه ذهب خالص و10% نحاس - وبتعبير آخر كان وزن الذهب الخالص 1.505 غرام. فكان سعر الغرام الواحد من الذهب الخالص 1 ÷ 1.505= 0.6645 دولار. وقد صمد هذا الدولار الذهبي مع بقية العملات الذهبية والفضية الأخرى حول العالم. ومع زلزلة الحرب العالمية الأولى للعملات الذهبية والفضية حول العالم، نتيجة للطباعة الزائدة للنقود الورقية بدون تغطية ذهبية، ولوفرة ما لديها من ذهب، اقترحت أمريكا على الدول الأوروبية حين اجتمعت في جنوة بإيطاليا في العام 1922م لترتيب العودة إلى القاعدة الذهبية، أن لا حاجة للرجوع إلى القاعدة الذهبية.

 

وفي العام 1933م، وأثناء التعافي من الكساد العظيم 1928م، أصدر الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت قانون المتاجرة مع العدو، لجمع ما بحوزة الأمريكيين من ذهب، مقابل حصولهم على دولارات ورقية، ومعاقبة من يتخلف عن تسليم ما بحوزته من ذهب لغرامات تصل إلى 10.000 دولار والسجن لا يتعدى 10 سنوات، بحسب ما أخفى من ذهب. وقد حصد روزفلت أكثر من 500 طن متري من الذهب. ليبدأ ظهور الأونصة الذهبية بوزن 31.1 غرام في التعامل، فقد حدد روزفلت سعرها بـ20.67 دولار، أي أنه تم الاعتماد في تسعيرها على سعر غرام الذهب الصافي 0.6645 دولار، فكان سعر الأونصة (31.1 × 0.6645 = 20.67 دولار).

 

المحطة القادمة للدولار، كانت مع نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1944م في مؤتمر بريتون وودز في ولاية نيوهامشاير، الذي ارتكز على الذهب من خلال الدولار الأمريكي، ليجعل من الدولار عملة عالمية. وقد فرضته أمريكا بقوتها التي لم يضاهيها فيها أحد وقتها. ورفضت مرة ثانية العودة إلى قاعدة الذهب، بحجة عدم كفاية الذهب لتوفير السيولة العالمية، والهدف المخفي هو سلب استقلالية الدول الأوروبية، وربطها بالدولار الذي وُصِفَتْ هيمنته بعد حين بالهيمنة النووية.

 

لكن الأونصة هذه المرة حدد سعرها بـ 35 دولارا، ليسجل الدولار تراجعه الأول أمام الذهب، فبدلاً من سعر الغرام الواحد 0.6645، دولار فقد ارتفع ليصل إلى 1.125 دولار. وحددت الدول الأخرى أسعار صرف عملاتها بالنسبة لقيمة الدولار من الذهب. وتعهدت أمريكا ببيع وشراء الذهب للبنوك المركزية، وتبديل الدولارات بسعر الأونصة الجديد. لكنها سرعان ما نكصت عنه في الستينات، حينما رأت حركة استبدال كبيرة من الأوروبيين حاملي دولاراتها بالذهب من خزائنها، ومطالبة الرئيس الفرنسي تشارل ديغول عام 1969م بتبديل ما لديه من دولاراتها بالذهب. فجأة ومن دون سابق إنذار، قرر الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون فصل الدولار عن الذهب عام 1971م. لينتقل الدولار إلى مرحلة تراجع ثانية أمام الذهب، ارتفع فيها الذهب بين عامي 1977-1980م 500%، أي أن سعر أونصة الذهب قفزت إلى 175 دولارا، وسعر الغرام إلى 5.6 دولار. ولم يكن أمام أمريكا سوى الاستعانة بصندوق النقد الدولي وتسوية الأمر، بوحدات السحب الخاصة.

 

وفي أواخر عام 2008م حدثت الأزمة المالية العالمية (يقدّر الاقتصاديون أنها أدت إلى ضياع 60 تريليون دولار في الذعر الذي تلا انفجارها)، حدثٌ سجّل فيه الدولار تراجعاً ضخماً في قيمته أمام الذهب، هو التراجع الثالث، حين ارتفع سعر أونصة الذهب في العام 2014م إلى 1950 دولارا، أي أن غرام الذهب قفز إلى 62.7 دولار. وكان ذلك نتيجة لتراكم المعالجات الاقتصادية الخاطئة، ومنها الطباعة المهولة التي قام بها الاحتياطي الفيدرالي، التي بلغت 3 تريليون دولار.

 

ومع تنبه العالم لضياع قيمة الدولارات الورقية التي بين أيديهم، اتجهت البنوك المركزية سراً عام 2012م، وعلناً بعدها بسنوات إلى استبدال كتلاتها النقدية من الدولارات بأطنان الذهب، بدأتها بـ15-30% من حجم كتلاتها، وتجاوزت بعض البنوك هذا الرقم. وفي نيسان/أبريل 2025م بدأ التراجع الرابع للدولار أمام الذهب، وبلغت معه أونصة الذهب في شباط/فبراير 2026م 5600 دولار للأونصة، أي بلغ سعر غرام الذهب 180 دولارا. هنا قامت الدنيا داخل أمريكا من الإدارة والاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، بمساعدة سلسلة من البنوك الأمريكية والأثرياء، لوقف تدهور الدولار أمام الذهب.

 

إلى جانب التيسير الكمّي (التيسير الكمي (Quantitative Easing (QE هو طباعة النقود الورقية من دون تغطية ذهبية لتغطية حاجة السوق وأكثر. ما يؤدي إلى خفض قيمة العملة أمام غيرها من العملات العالمية وإلى زيادة معدل التضخم. ويعتبر من قبيل حرب العملات الذي يؤدي إلى تدمير اقتصادات العالم) بتريليونات الدولارات، جاءت مطالبة البيت الأبيض بخفض أسعار الفائدة، وإصدار بيانات خفض معدل التضخم والوظائف الجديدة، وحركات بيع الذهب بالجملة بغية خفض سعره. وشاركت فيها بنوك من خارج أمريكا كتركيا وأذربيجان.

 

كل ذلك لم يجد نفعاً، سوى تراجع أسعار الذهب، وستعاود معه حيث كانت وزيادة. لأن المعالجات الاقتصادية بقيت خاطئة، ووضعت لعرقلة أو تأجيل ارتفاع الذهب أمام الدولار. ويرى تاينتر أن "الانهيار، إذا حلّ من جديد، سيكون هذه المرة شاملاً. لم يعد في وسع أي دولة واحدة أن تنهار، بل ستتلاشى الحضارة العالمية كلها". (حروب العملات. جيمس ريكاردس ص288)

 

إن انهيار الدولار يعني انهيار النظام المالي العالمي، ومعه ستضيع أموال الناس حول العالم. فكان لا بد للعقلاء من الناس العودة للقاعدة الذهبية في التعامل بالنقود الورقية، أي لا بد من جعل النقود الورقية تنوب عن الذهب في التعامل، وليس جعلها إلزامية بقوة القانون. فقد نتج اليوم عن التعامل بالأوراق النقدية الإلزامية امتلاء جيوب الناس بأوراق فقدت قوتها الشرائية بانخفاض قيمتها. وتحول الاقتصاد الحقيقي إلى اقتصاد وهمي ضاعف قيمة ما في الأسواق إلى 40 ضعفاً!

 

إن التعامل بالأوراق النقدية المغطاة بالذهب يعود في النهاية بالاستقرار الاقتصادي، واختفاء التضخم، والعودة بالاقتصاد إلى الاقتصاد الحقيقي لا الاقتصاد الوهمي الحاصل اليوم. وإن النظام الاقتصادي في الإسلام يشكل بصيص أمل للعالم، فالنقود فيه مغطاة بنظام المعدنين الذهب والفضة.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المهندس شفيق خميس – ولاية اليمن

رابط هذا التعليق
شارك

Join the conversation

You can post now and register later. If you have an account, sign in now to post with your account.

زوار
اضف رد علي هذا الموضوع....

×   Pasted as rich text.   Paste as plain text instead

  Only 75 emoji are allowed.

×   Your link has been automatically embedded.   Display as a link instead

×   Your previous content has been restored.   Clear editor

×   You cannot paste images directly. Upload or insert images from URL.

جاري التحميل

×
×
  • اضف...