Jump to content
Sign in to follow this  
ابن الصّدّيق

أجوبة الأسئلة / متعددة بمواضيع متنوعة

Recommended Posts

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

(سلسلة أجوبة الشيخ العالم عطاء بن خليل أبو الرشتة أمير حزب التحرير على أسئلة رواد صفحته على الفيسبوك)

 

 

جواب سؤال حول أحكام متعلقة بالبيع والشراء

 

إلى Abo Ali

 

 

السؤال:

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

نعرف أنه لا يجوز شراء الذهب بالفضة أو أي من المختلفات إلا يدا بيد ولا يجوز الدين فيها ولكننا نشتري أحيانا ملحاً دينا أو خبزاً دينا فهل هذا الأمر حرام أم ماذا؟ أرجو التوضيح وبارك الله فيكم

أخوكم أبو علي فلسطين؟

 

الجواب:

 

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

 

1- يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُر بالبُر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح مثلاً بمثل سواءً بسواء يداً بيد. فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد» رواه البخاري ومسلم من طريق عبادة بن الصامت رضي الله عنه.

 

والنص واضح عند اختلاف هذه الأصناف الربوية، أن البيع كيف شئتم، أي ليس المثل بالمثل شرطاً ولكن التقابض شرط. ولفظ "الأصناف" ورد عاماً في كل الأصناف الربوية أي الستة ولا يستثنى منه شيء إلا بنص، وحيث لا نص، فإن الحكم يكون جواز البُر بالشعير أو البُر بالذهب، أو الشعير بالفضة، أو التمر بالملح، أو التمر بالذهب، أو الملح بالفضة...الخ مهما اختلفت قيم التبادل والأسعار ولكن يداً بيد أي ليس دَيْناً. وما ينطبق على الذهب والفضة ينطبق على الأوراق النقدية بجامع العلة (النقدية) أي استعمالها ثمناً وأجوراً.

 

2- ورد استثناء من (وجوب التقابض عند بيع الأصناف الربوية) في حالة الرهن عند شراء الأصناف الأربعة "البر والشعير والملح والتمر" بالنقد، وذلك لحديث مسلم عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا إِلَى أَجَلٍ، وَرَهَنَهُ دِرْعًا لَهُ مِنْ حَدِيدٍ»، أي أن الرسول صلى الله عليه وسلم اشترى طعاماً بالدَّين ولكن مع الرهن. وطعامهم حينذاك كان من الأصناف الربوية. كما في الحديث «الطعام بالطعام مثلاً بمثل وكان طعامنا يومئذٍ الشعير» أخرجه أحمد ومسلم من طريق معمر بن عبد الله. وعليه يجوز أن تشترى الأصناف الربوية الأربعة بالدَّين إذا تم رهن شيء لدى البائع إلى حين إحضار الثمن.

 

3- فإذا أمن الدائن والمدين، بعضهما بعضا، فيُستغنى عن الرهن. أما دليل ذلك فهو قوله تعالى: ((وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ))، وهذه الآية الكريمة تفيد أن الرهن في الدين خلال السفر يُستغنى عنه إذا أمن الدائن والمدين بعضهما بعضا، وتُطبق على الرهن عند الشراء بالدَّين للأصناف الربوية الأربعة "البر والشعير والملح والتمر"، أي كما قال سبحانه ((فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ))، وواضح دلالتها على أن الرهن في هذه الحالة يمكن الاستغناء عنه.

 

4- وعليه فإنه يجوز شراء الأصناف الربوية الأربعة "البر والشعير والتمر والملح" بالنقد ديناً مع الرهن لسداد الدين، أو دون رهن إذا أمن بعضهم بعضا، ولأن هذه تحتاج إلى تثبت واستيثاق، وأن يكون الدائن والمدين يعرفان بعضهما جيداً ويأمن بعضهما بعضا، وهذا ليس دائما متحققاً، وحتى لا يقترب المسلم من الحرام فالأفضل أن لا يشتري بالدين هذه الأصناف الربوية إلا أن يكون واثقاً متيقناً من أن بعضهما يأمن بعضا، فإن كان كل من البائع والمشتري مطمئنا بذلك، فإن شراء هذه الأصناف بالدين يكون جائزا، أي أن الملح الذي سألت عن شرائه بالدين هو جائز إذا تحققت الآية الكريمة ((فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا)).

 

5- وللعلم فقد ورد في شرح صحيح البخاري لابن بطال في باب شراء الطعام إلى أجل "لا خلاف بين أهل العلم أنه يجوز شراء الطعام بثمن معلوم إلى أجل معلوم".

 

وورد في كتاب الفقه على المذاهب الأربعة للجزيري عن شراء الأصناف الربوية: "أما إذا كان أحد البدلين نقداً والآخر طعاماً فإنه يصح فيه التأخير".

 

وورد في المغني لابن القيم وهو يتكلم عن تحريم بيع الأصناف الأربعة ببعضها بالدين... فقال: "بخلاف ما إذا بيعت بالدراهم أو غيرها من الموزونات نساء فإن الحاجة داعية إلى ذلك".

 

 

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

 

 

 

 

رابط الجواب من صفحة الأمير على

الفيسبوك

 

 

 

 

 

 

 

22 من شوال 1434

الموافق 2013/08/29م

 

 

 

 

 

 

 

Share this post


Link to post
Share on other sites

بسم الله الرحمن الرحيم

 

(سلسلة أجوبة الشيخ العالم عطاء بن خليل أبو الرشتة أمير حزب التحرير على أسئلة رواد صفحته على الفيسبوك)

 

 

جواب سؤال حول صحة حديث:

(أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)

إلى محمد أديب خليل

 

 

السؤال:

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته جزاكم الله خير الجزاء وأيدكم بنصره وأقر أعينكم بقيام دولة الخلافة على يديكم سؤالي شيخنا الفاضل وكنت سألته للشباب فأجابوني كالتالي أن هذا الحديث موجود في بطون كتب الفقه وهذا يكفي ونحن علمنا أننا يجب أن نكون ممحصين وباحثين عن أقوى الأدلة في فكرنا وما تبنينا من أحكام الحديث موجود في الشخصية 3 صفحة 294 عن مدح الصحابة (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) أخرجه رزين وبالبحث في موسوعة الدرر السنية تبين أن الحديث موضوع ومن هو رزين وهل يوجد مسند باسم رزين أخوكم أبو أحمد.

 

 

 

الجواب:

 

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

 

هذا الحديث ورد في بعض كتب الحديث ومنها:

 

1- الإبانة الكبرى لابن بطة، وهو أبو عبد الله عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان العُكْبَري المعروف بابن بَطَّة العكبري (المتوفى: 387هـ)، وهذا نصه:

وَحَدَّثَنِي أَبُو يُوسُفَ يَعْقُوبُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى السَّاجِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْحَاقَ الْأَنْوَارِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ , قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ , عَنْ حَمْزَةَ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ , عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّمَا أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ , فَبِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ»

 

2- جامع بيان العلم وفضله لمؤلفه أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي (المتوفى: 463هـ)، وهذا نصه:

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: نا عَبْدُ بْنُ أَحْمَدَ، ثنا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ، ثنا الْقَاضِي أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوْحٍ، ثنا سَلَّامُ بْنُ سُلَيْمٍ، ثنا الْحَارِثُ بْنُ غُصَيْنٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ»، قَالَ أَبُو عُمَرَ: «هَذَا إِسْنَادٌ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّ الْحَارِثَ بْنَ غُصَيْنٍ مَجْهُولٌ»

 

ولا يخلو أي من الحديثين من مقال، ولذلك ضعَّفه بعض رجال الحديث، لكننا نعدُّ الحديث من الحسن لأنه ورد في كتب الفقهاء واستعملوه في استنباط الأحكام، وكما جاء عندنا في تعريف الحسن في كتاب الشخصية الجزء الثالث:

 

(والحديث الحسن قسمان:

 

1- الحديث الذي لا يخلو رجال إسناده من مستور ولم تتحقق أهليته، غير أنه ليس مغفلاً كثير الخطأ فيما يرويه، ولا هو متهم بالكذب في الحديث.

 

2- أن يكون راويه من المشهورين بالصدق والأمانة، غير أنه لم يبلغ درجة رجال الصحيح؛ لكونه يقصر عنهم. والحديث الحسن يحتج به كالحديث الصحيح سواء بسواء، وما ورد من أحاديث في كتب الأئمة وتلاميذهم وغيرهم من العلماء والفقهاء يعتبر من الحديث الحسن، ويحتج به؛ لأنهم أوردوه دليلاً على حكم، أو استنبطوا منه حكماً، فهو حديث حسن، سواء ورد في كتب أصول الفقه أم الفقه، على شرط أن تكون كتباً معتبرة كالمبسوط، والأم، والمدونة الكبرى، وأمثالها...) انتهى

 

وقد ورد هذا الحديث في عدد من كتب الفقهاء ومنها:

 

1- المبسوط

 

المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (المتوفى: 483هـ)

وقد جاء فيه في موضوع القضاء ما يلي:

 

"...وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقْضِيَ بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ فَإِنْ أَتَاهُ شَيْءٌ لَمْ يَجِدْهُ فِيهِ قَضَى فِيهِ بِمَا أَتَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ فِيهِ نَظَرَ فِيمَا أَتَاهُ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَضِيَ عَنْهُمْ فَقَضَى، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِيمَا سَبَقَ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا صَحَّ لَهُ قَوْلٌ عَنْ وَاحِدٍ مِنْ الْمَعْرُوفِينَ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - قَضَى بِهِ وَقَدَّمَهُ عَلَى الْقِيَاسِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ» ، وَلِأَنَّ فِيمَا يَبْلُغُهُ عَنْ الصَّحَابِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - احْتِمَالُ السَّمَاعِ فَقَدْ كَانُوا يَسْمَعُونَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ثُمَّ يُفْتُونَ بِهِ تَارَةً وَيَرَوْنَ أُخْرَى..."

 

2- حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح

 

المؤلف: أحمد بن محمد بن إسماعيل الطحطاوي الحنفي - توفي 1231 هـ.

وقد ورد فيه حول السنة ما يلي:

 

"...والسنة عند الحنفية ما فعله صلى الله عليه وسلم على ما تقدم أو صحبه بعده قال في السراج ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم أو واحد من أصحابه اهـ فإن سنة أصحابه أمر عليه السلام باتباعها بقوله عليه السلام "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي" وقوله عليه الصلاة والسلام: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم"

 

3- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة

 

المؤلف: أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)

وقد ورد فيه في مسألة: اقتتلت طائفتان من المؤمنين، ما يلي:

 

"... لأن الله تعالى قد أثنى عليهم في كتابه وعلى لسان رسوله فقال عز من قائل: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110] وقال: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 143] ، أي خيارا عدولا، وقال: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ} [الفتح: 29] ، الآية، وقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:- «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» ، وقال: «عشرة من قريش في الجنة» فسمى فيهم عليا وطلحة والزبير والذي يقول أئمة أهل السنة والحق أن عليا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ومن اتبعه كان على الصواب والحق، وأن طلحة والزبير كانا على الخطأ إلا أنهما رأيا ذلك باجتهادهما فكان فرضهما ما فعلاه، إذ هما من أهل الاجتهاد.

 

4- الذخيرة

 

المؤلف: أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن المالكي الشهير بالقرافي (المتوفى: 684هـ)

وقد ورد فيه عند البحث في أصول مالك:

 

"...لِأَنَّ أَصْلَ مَالِكٍ تَقْدِيمُ الْعَمَلِ عَلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ وَكَذَلِكَ الْقِيَاسُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْآحَادِ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْأَبْهَرِيُّ فَإِنْ لَمْ يَجِدِ السُّنَّةَ فَبِأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَإِنِ اخْتَلَفُوا فَمَا صَحِبَهُ الْعَمَلُ من أَقْوَالهم وَإِلَّا تخَيرُوا مِنْ أَقْوَالِهُمْ وَلَمْ يُخَالِفْهُمْ أَجْمَعِينَ وَقِيلَ لَهُ أَنْ يَجْتَهِدَ وَإِنْ خَالَفَهُمْ كُلَّهُمْ حُجَّةُ الْأَوَّلِ قَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ فَإِنْ فُقِدَ ذَلِك فَابْن عَلَى الْأُصُولِ بَعْدَ مَشُورَةِ الْعُلَمَاءِ"

 

5- الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني

 

المؤلف: أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)

وقد ورد فيه عند البحث في الصحابة ما يلي:

 

"فصل: الصنف الرابع

فَأَمَّا الصِّنْفُ الرَّابِعُ وَهُمُ الصَّحَابَةُ فَتَقْلِيدُهُمْ يَخْتَلِفُ عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِ أَحْوَالِهِمْ فِيمَا قَالُوهُ وَلَهُمْ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ:

وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَقُولَ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ قَوْلًا لَا يُعْلَمُ انْتِشَارُهُ وَلَا يَظْهَرُ مِنْهُمْ خِلَافُهُ فَلَا يَكُونُ إِجْمَاعًا، وَهَلْ يَكُونُ حُجَّةً يَلْزَمُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: قَالَهُ فِي الْقَدِيمِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وأبي حنيفة إِنَّهُ حُجَّةٌ يَلْزَمُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: " أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ " وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ قَدْ كَانَ بَعْضُهُمْ يَأْخُذُ بِقَوْلٍ، مِنْ غَيْرِ طَلَبِ دَلِيلٍ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ قَوْلَ آحَادِهِمْ حُجَّةٌ"

 

6- كشاف القناع عن متن الإقناع

 

المؤلف: منصور بن يونس بن صلاح الدين ابن حسن بن إدريس البهوتى الحنبلى (المتوفى: 1051هـ)

وقد ورد فيه في باب بَابٌ جَزَاءُ الصَّيْدِ:

 

"....وَهُوَ) أَيْ: الصَّيْدُ (ضَرْبَانِ) (أَحَدُهُمَا لَهُ مِثْلٌ) أَيْ: شَبِيهٌ (مِنْ النَّعَمِ خِلْقَةً لَا قِيمَةً فَيَجِبُ فِيهِ مِثْلُهُ) نَصَّ عَلَيْهِ لِلْآيَةِ (وَهُوَ) أَيْ: الَّذِي لَهُ مِثْلٌ (نَوْعَانِ أَحَدُهُمَا مَا قَضَتْ فِيهِ الصَّحَابَةُ) أَيْ: وَلَوْ الْبَعْضُ لَا كُلُّهُمْ (فَفِيهِ مَا قَضَتْ بِهِ) الصَّحَابَةُ وَتَقَدَّمَ تَعْرِيفُ الصَّحَابِيِّ فِي الْخُطْبَةِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ أَقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ» وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ؛ وَلِأَنَّهُمْ أَقْرَبُ إلَى الصَّوَابِ وَأَعْرَفُ بِمَوَاقِعِ الْخِطَابِ كَانَ حُكْمُهُمْ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِمْ كَالْعَالِمِ مَعَ الْعَامِّيِّ (فَفِي النَّعَامَةِ بَدَنَةً) حَكَمَ بِهِ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَزَيْدٌ وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّهَا تُشْبِهُ الْبَعِيرَ فِي خِلْقَتِهِ فَكَانَ مِثْلًا لَهَا فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ النَّصِّ وَجَعَلَهَا الْخِرَقِيُّ مِنْ أَقْسَامِ الطَّيْرِ؛ لِأَنَّ لَهَا جَنَاحَيْنِ"

 

7- المغني لابن قدامة

 

المؤلف: أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)

وقد ورد فيه في باب "الْفَصْل السَّادِس جَزَاءَ مَا كَانَ دَابَّةً مِنْ الصَّيْدِ نَظِيرُهُ مِنْ النَّعَمِ".

 

"...وَقَالَ مَالِكٌ: يُسْتَأْنَفُ الْحُكْمُ فِيهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} [المائدة: 95] وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ، بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ» وَقَالَ: «اقْتَدُوا بِاَللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي: أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ» . وَلِأَنَّهُمْ أَقْرَبُ إلَى الصَّوَابِ، وَأَبْصَرُ بِالْعِلْمِ، فَكَانَ حُكْمُهُمْ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِمْ، كَالْعَالِمِ مَعَ الْعَامِّيِّ، وَاَلَّذِي بَلَغَنَا قَضَاؤُهُمْ فِي؛ الضَّبُعِ كَبْشٌ. قَضَى بِهِ عُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَجَابِرٌ، وَابْنُ عَبَّاسٍ.

 

وكما ترى فإن الحديث مستعمل في كتب الفقهاء المعتبرين الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة، لذلك يعدُّ من الحسن.

 

أما عن ذكر "رزين"، فسنعيد النظر في موضوعه بعد بذل الوسع في البحث عنه إن شاء الله.

 

 

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

 

 

 

رابط الجواب من صفحة الأمير على الفيسبوك

 

 

 

26 من شوال 1434

الموافق 2013/09/02م

 

 

http://www.hizb-ut-tahrir.info/info/index.php/contents/entry_28764

Share this post


Link to post
Share on other sites

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

جواب سؤال:

 

هل يجوز في عقد البيعة أن تشترط الأمة تحديد مدة للخليفة؟

 

 

 

السؤال:

الخلافة عقد مراضاة واختيار، وقد اشترطت الأمة على عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه على أن من يحكمها لا بد أن يحكمها بكتاب الله تعالى وبسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وزادوا على ذلك (منهج الشيخين(؟... فهل يمكن أن نفهم من ذلك أنه يجوز في عقد البيعة أن تشترط الأمة تحديد مدة للخليفة؟ نرجو التوضيح وجزاكم الله خيرا.

 

الجواب:

قبل الجواب أذكرك بما يلي:

 

أ-إن للمسلم أن يشترط في العقود ما شاء إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف الذي أخرجه البخاري عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، في قضية عتق بريرة... ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّاسِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ، وَإِنَّمَا الوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ».

 

وأخرج الترمذي في الحديث الصحيح عن كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ المُزَنِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «وَالمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إِلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا، أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا».

 

ب-فإذن يجوز أن يشترط المسلم في العقود إلا أن يُحلَّ حراماً أو يحرم حلالاً، أي إلا أن يخالف شرع الله، فهو شرط باطل لا يصح ولا يجوز.

 

ج-إن تقليد المجتهد لمجتهد آخر جائز، وهذا ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم، وعليه فإن اشترط مسلم على مجتهد أن يقلد مجتهداً آخر في مسألةٍ ما وإلا فلا يبايعه، فهذا جائز لأن تقليد المجتهد لمجتهد آخر يجوز.

 

جاء في الشخصية الجزء الأول باب واقع التقليد الفقرة الثانية صفحة 222 ما يلي:

 

(...والمجتهد إذا حصلت له أهلية الاجتهاد بتمامها في مسألة من المسائل، فإن اجتهد فيها وأدّاه اجتهاده إلى حكم فيها، فلا يجوز له تقليد غيره من المجتهدين في خلاف ما أدّاه إليه اجتهاده، ولا يجوز له ترك ظنه أو ترك العمل بظنه في هذه المسألة إلا في أربع حالات:

 

إحداها - إذا ظهر له أن الدليل الذي استند إليه في اجتهاده ضعيف، وأن دليل مجتهد آخر غيره أقوى من دليله، ففي هذه الحالة يجب عليه ترك الحكم الذي أداه إليه اجتهاده في الحال وأخذ الحكم الأقوى دليلاً...

 

ثانيتها - إذا ظهر له أن مجتهداً غيره أقدر على الربط، أو أكثر اطلاعاً على الواقع، وأقوى فهماً للأدلة، أو أكثر اطلاعاً على الأدلة السمعية، أو غير ذلك، فرجّح في نفسه أن يكون هو أقرب إلى الصواب في فهم مسألة معينة، أو في فهم المسائل من حيث هي... فإنه يجوز له أن يترك الحكم الذي أداه إليه اجتهاده ويقلد ذلك المجتهد الذي يثق باجتهاده أكثر من ثقته باجتهاد نفسه.

 

ثالثتها - أن يتبنى الخليفة حكماً يخالف الحكم الذي أداه إليه اجتهـاده. ففي هـذه الحـال يجب عليه ترك العمل بما أداه إليه اجتهاده والعمل بالحكم الذي تبناه الإمام...

 

رابعتها - أن يكون هناك رأي يراد جمع كلمة المسلمين عليه لمصلحة المسلمين. فإنه في هذه الحالة يجوز للمجتهد ترك ما أدى إليه اجتهاده، وأخذ الحكم الذي يراد جمع كلمة المسلمين عليه، وذلك كما حصل مع عثمان عند بيعته... إلا أن هذا يجوز للمجتهد ولا يجب عليه. بدليل أن علياً لم يقبل أن يترك اجتهاده لاجتهاد أبي بكر وعمر، فلم ينكر عليه أحد، مما يدل على أن ذلك جائز وليس بواجب.

 

وهذا كله في المجتهد إذا كان اجتهد بالفعل، وأداه اجتهاده إلى حكم في المسألة. أما إذا لم يسبق للمجتهد أن اجتهد في المسألة، فإنه يجوز له أن يقلد غيره من المجتهدين... فقد صح عن عمر أنه قال لأبي بكر: "رأينا تبعٌ لرأيك" وصح عن عمر أنه كان إذا أعياه أن يجد في القرآن والسنة ما يقضي به إذا ورد عليه الخصوم نظر هل كان لأبي بكر قضاء، فإن وجد أبا بكر قضى فيه بقضاء قضى به. وصح عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يأخذ بقول عمر رضي الله عنه. وكان ذلك على مرأى ومسمع من الصحابة في حوادث متعددة ولم ينكر عليهم منكر، فكان إجماعاً سكوتياً.) انتهى

 

د- إن نصوص البيعة للخليفة تناقض التقييد بالمدة، لأن البيعة للرسول صلى الله عليه وسلم والبيعة للخلفاء الراشدين كانت على الحكم بكتاب الله سبحانه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فهذا قيْدُها، فإن ترك الخليفة الحكم بكتاب الله سبحانه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فإن ولايته تنتهي وفق الأحكام الشرعية الواردة في ذلك التي فصَّلت كيفية عزل الخليفة وصلاحية المظالم... ووضع قيد آخر لا يجوز لأنه يخالف نص البيعة، الذي هو الحكم بكتاب الله سبحانه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا ثابت بالسنة وإجماع الصحابة:

 

أما السنة، فقد أخرج البخاري عن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ... فَقَالَ: دَعَانَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَايَعْنَاهُ، فَكَانَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا: «أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ» ، قَالَ: «إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فِيهِ بُرْهَانٌ» وأخرجه مسلم كذلك.

 

وأخرج مسلم أيضاً عَنْ يَحْيَى بْنِ حُصَيْنٍ، عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ الْحُصَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُهَا تَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ مُجَدَّعٌ - حَسِبْتُهَا قَالَتْ - أَسْوَدُ، يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللهِ تَعَالَى، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا»

 

وواضح من كل ذلك استمرار البيعة والطاعة ما دام الحكم بكتاب الله سبحانه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، إلا عند الكفر البواح، أي المخالفة القطعية للشرع.

 

وأما إجماع الصحابة، فإن بيعة الخلفاء الراشدين فكانت على الحكم بكتاب الله سبحانه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وليست على مدة محددة، وكانت بيعتهم على ملأ من الصحابة رضوان الله عليهم، فكانت إجماعاً بعدم تحديد المدة، وإنما استمرار الخليفة متوقف على طاعته لله سبحانه ولرسوله صلى الله عليه وسلم، أي الحكم بما أنزل الله. أخرج معمر بن راشد في جامعه قال: خَطَبَنَا أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ وُلِّيتُ عَلَيْكُمْ وَلَسْتُ بِخَيْرِكُمْ... أَطِيعُونِي مَا أَطَعْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَإِذَا عَصَيْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَلَا طَاعَةَ لِي عَلَيْكُمْ، قُومُوا إِلَى صَلَاتِكُمْ يَرْحَمْكُمُ اللَّهُ».

 

وواضح من هذه الأدلة أن المدة غير محددة، بل طاعة الخليفة لله سبحانه ورسوله صلى الله عليه وسلم هي المنصوص عليها، فما دام يحكم الخليفة بما أنزل الله فولايته مستمرة، فإذا خالف نصاً مقطوعاً به فتنتهي ولايته ولو كانت شهراً أو شهرين... وذلك وفق الأحكام الشرعية الواردة في عزل الخليفة وصلاحية قاضي المظالم...

 

هـ-أما ما حدث في انتخاب الخليفة بعد عمر رضي الله عنه، وأنهم اشترطوا على عبد الرحمن بن عوف الذي كان موكلاً بسؤال الناس عن الخليفة الذي يريدون، اشتَرَطُوا أنهم يبايعون الخليفة الذي إذا عرضت عليه مسألة كانت قد حدثت في عهد الخليفتين قبله وحكم فيها أبو بكر أو عمر فعليه أن يقلدهم في حكم تلك المسألة الذي حكم فيه، ولا يجتهد فيها، فرفض علي رضي الله عنه ذلك إلا أن يجتهد رأيه في كل مسألة، وقبل عثمان رضي الله عنه فبايعوه، فهذا الشرط جائز لهم أن يشترطوه، وجائز له أن يقبله فيقلد، أو لا يقبله فيجتهد، فتقليد المجتهد لمجتهد آخر جائز شرعاً كما بيّنا سابقاً عن تقليد المجتهد لمجتهد آخر في عصر الصحابة رضوان الله عليهم.

 

والخلاصة أن الشرط جائز في العقود إذا لم يخالف نصاً شرعياً، وإلا فلا يجوز ولا يصح، ولأن شرط تحديد المدة للخليفة مخالف لنص البيعة الثابت بالسنة وإجماع الصحابة الذي هو الحكم بكتاب الله سبحانه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فإذن لا يجوز اشتراط تحديد المدة على الخليفة الذي يراد بيعته.

 

 

 

16 من جمادى الثانية 1434

الموافق 2013/04/06م

 

 

http://www.hizb-ut-t...nts/entry_28812

Share this post


Link to post
Share on other sites

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

جواب سؤال: سفر المرأة، وهل يجوز لها ان تكون سفيرة‬؟

 

 

 

السؤال:

هذه أمور تتعلق بالمرأة أحب أن استوضحها وجزاكم الله خيرا:

 

1- ما هو دليل منع سفر المرأة للحج إلا مع محرم؟

 

 

 

الجواب:

 

الدليل هو:

 

أ- أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لاَ تُسَافِرِ المَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ، وَلاَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا رَجُلٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ» ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَخْرُجَ فِي جَيْشِ كَذَا وَكَذَا، وَامْرَأَتِي تُرِيدُ الحَجَّ، فَقَالَ: «اخْرُجْ مَعَهَا».

 

ب- وقال ابن حجر في شرحه للحديث في كتاب فتح الباري: (وَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ وَصَحَّحَهُ أَبُو عَوَانَةَ حَدِيثَ الْبَابِ مِنْ طَرِيق بن جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ بِلَفْظِ «لَا تَحُجَّنَّ امْرَأَةٌ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ»)

 

هذا هو الراجح لدي، وهناك تفصيلات أخرى... والله الهادي إلى سبيل الرشاد.

 

 

2- هل يجوز للمرأة أن تكون سفيرة، وإن كان الجواب بعدم الجواز فلماذا؟ علماً بأن السفارة ليست من الحكم؟

 

الجواب:

إن جميع الأعمال التي تتطلب وضعا خاصاً، أي نوعاً من الخلوة حتى لو كانت أحياناً، فإن المراة تمنع من مزاولتها... وأعمال السفير تتطلب ذلك، لأن هناك مواضيع يكلف السفير بتوصيلها إلى رئيس الدولة دون إطلاع أحد... وهذا سبب كافٍ دون الحاجة إلى البحث في أمور أخرى لعدم تعيين المرأة في مهمات السفارة.

 

 

08 من جمادى الثانية 1434

الموافق 2013/04/19م

 

Share this post


Link to post
Share on other sites

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

جواب سؤال

 

 

 

وما سكت عنه فهو عفو..

 

 

السؤال:

 

ورد في كتاب: "الشخصية الجزء الثالث، الطبعة المعتمدة" في الصفحة 46 السطر 6و7 ما نصه: "وما سكت عنه الشرع هو ما لم يحرمه أي أحله ويقع في ذلك الواجب والمندوب والمباح والمكروه".

 

ولي الأسئلة التالية:

 

1- جاء في الحديث: "سكت عن.."، فلو فرضنا أنه شامل للواجب والمندوب والمكروه لكان فيه عدم بيان من الشارع فيما لابد من بيانه...

 

2- قال: "عن أشياء"، ولم يقل عن أفعال، والمتصور في الشيء هو الحل والحرمة، وليس الوجوب والندب والكراهة، لاسيما أن الحديث جاء في السؤال عن حكم: (السمن، والجبن، والفراء)، وهي أشياء وليست أفعالاً...

 

3- جاء في الحديث: "رخصة"، فكيف تكون رخصة مع تفسير السكوت باحتمال الوجوب؟!

 

4- جاء في الحديث: "عفو"، فكيف يكون عفواً مع تفسير السكوت باحتمال الوجوب؟!

 

5- جاء في الحديث: "فلا تبحثوا عنها"، فهو ينهى عن البحث في شأنها، فلو كانت محتملة للوجوب أو الندب أو الكراهة، لما نهى عنه...

 

أرجو توضيح ذلك، وجزاك الله خيراً.

 

الجواب:

 

1- الأحاديث ذات العلاقة هي:

 

أ- ما أخرجه الترمذي عن سلمان الفارسي قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السمن، والجبن، والفراء، فقال: «الْحَلاَلُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ»... وفي رواية أبي داود عن ابن عباس «فَبَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنْزَلَ كِتَابَهُ، وَأَحَلَّ حَلَالَهُ، وَحَرَّمَ حَرَامَهُ، فَمَا أَحَلَّ فَهُوَ حَلَالٌ، وَمَا حَرَّمَ فَهُوَ حَرَامٌ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ».

 

ب- وفي السنن الكبرى للبيهقي عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: «إِنَّ اللهَ فَرَضَ فَرَائِضَ، فَلَا تُضَيِّعُوهَا، وَحَّدَ حُدُودًا، فَلَا تَعْتَدُوهَا، وَنَهَى عَنْ أَشْيَاءَ، فَلَا تَنْتَهِكُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رُخْصَةً لَكُمْ، لَيْسَ بِنِسْيَانٍ، فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا».

 

ج- حديث الترمذي والدارقطني عن علي رضي الله عنه قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفِي كُلِّ عَامٍ؟ فَسَكَتَ، فَقَالُوا: أَفِي كُلِّ عَامٍ؟ قَالَ: «لَا وَلَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ»، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.

 

وفي رواية أخرى للدارقطني عن أبي هريرة قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْحَجُّ» فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: فِي كُلِّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ عَادَ فَقَالَ: فِي كُلِّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: «وَمَنِ الْقَائِلُ»؟ قَالُوا: فُلَانٌ، قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَوْ وَجَبَتْ مَا أَطَقْتُمُوهَا وَلَوْ لَمْ تُطِيقُوهَا لَكَفَرْتُمْ» فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُم﴾ الْآيَةَ.

 

2- وقبل الخوض في معناها يحسن الإشارة إلى بعض الأمور اللازمة:

 

أ- إن التفريق بين "شيء وفعل" هو بحث فقهي أصولي وليس بحثاً لغويا، وإلا فلفظ شيء يشمل الفعل، وهكذا قسمة الحكم الشرعي إلى فرض، وواجب، ومندوب، ومباح، ومكروه، وحرام، ومحظور، ورخصة، وعزيمة، وشرط، وسبب، ومانع، وصحيح، وفاسد، وباطل... هذه مصطلحات فقهية أصولية، فأنت لو فتحت قواميس اللغة عن معانيها فلن تجدها بالمعنى الفقهي.

 

وهذه المصطلحات الفقهية الأصولية أُصِّلت بعد عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين، مثل المصطلحات النحوية، الفاعل والمفعول... فلو نظرتها في قواميس اللغة لوجدت معانيها مختلفة عن المعنى الاصطلاحي النحوي.

 

ب- وعليه، فإذا قرأت حديثاً للرسول صلى الله عليه وسلم أو لصحابته رضوان الله عليهم فوجدت لفظ "شيء" أو لفظ "فاعل"، فلا يعني أن ذلك بالمعنى الاصطلاحي، بل تدرسه لترى مدلوله الصحيح أين يقع: أهو حقيقة لغوية، أم عرفية عامة، أم عرفية خاصة "اصطلاح"، أم حقيقة شرعية.

 

ج- إذا كان السؤال عن ألفاظ خاصة بعينها، وجاء الجواب عاماً مستقلاً بنفسه عن السؤال، فيكون العموم هو في موضوع السؤال الذي تطرق له الجواب، وليس خاصاً بالألفاظ الموجودة في السؤال، مثلاً في الحديث الصحيح الذي أخرجه الترمذي عن أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ...؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ المَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ».

 

فهنا قد سئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن بئر بضاعة، ولكن الجواب جاء مستقلاً عن بئر بضاعة فلم يذكر فيه بئر بضاعة، وإنما ذكر «إِنَّ المَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ»، فيكون العموم منطبقاً على التطهر بالماء سواء أكان من بئر بضاعة أم من أي بئر، ولا يقال إن موضوع العموم هو بئر بضاعة بل يقال الجواب عام وفي موضوعه الذي هو مأخوذ من الجواب وليس من السؤال أي مأخوذ من «إِنَّ المَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» وليس من "بئر بضاعة"، أي أن موضوعه التطهير بالماء، وليس موضوعه بئر بضاعة...

 

3- والآن نجيبك على أسئلتك:

 

أ- حديث الترمذي: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السمن، والجبن، والفراء، فقال: «الْحَلاَلُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ»... وفي رواية أبي داود «...وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ»

 

فإن المعطوف "وما سكت عنه..." يعود إلى أقرب معطوف عليه وهو "والحرام ما حرم الله في كتابه"، أي أن ما سكت عنه هو عفو من الحرام، أي هو حلال.

 

والعموم هنا في موضوعه، ولكن لأن الجواب أعمّ من السؤال ومستقل عنه فالموضوع يؤخذ من الجواب وليس من السؤال، ولذلك فهو يعمّ كل ما حكمه الحلال أو الحرام سواء أكان بالنسبة للسمن والجبن والفراء أم لأي أمر يقع في الحلال أو في الحرام، وينطبق هذا على كل ما يدخل تحت لفظ "الشيء أو الفعل" حسب المعنى الاصطلاحي، فإن طُبِّق على الشيء، فالحلال هنا يعني "الإباحة"، وإن طُبِّق على الفعل فالحلال هنا غير الحرام، أي "الفرض، المندوب، الإباحة، المكروه".

 

ب- حديث البيهقي عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: «... وَنَهَى عَنْ أَشْيَاءَ، فَلَا تَنْتَهِكُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رُخْصَةً لَكُمْ، لَيْسَ بِنِسْيَانٍ، فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا».

في هذا الحديث ثلاثة أمور:

 

الأول: "سكت عن أشياء"، وليس الشيء هنا بالمعنى الاصطلاحي، أي دون الفعل، بل تشمل الفعل، فمثلاً الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ وكان المسئول عنه "فعل الحج"، فقد ورد في تفسير القرطبي (6 / 330):

 

(حديث الترمذي والدارقطني عن علي رضي الله عنه قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفِي كُلِّ عَامٍ؟ فَسَكَتَ، فَقَالُوا: أَفِي كُلِّ عَامٍ؟ قَالَ: «لَا وَلَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ»، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.

 

وفي رواية أخرى للدارقطني عن أبي هريرة قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْحَجُّ» فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: فِي كُلِّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ عَادَ فَقَالَ: فِي كُلِّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: «وَمَنِ الْقَائِلُ»؟ قَالُوا: فُلَانٌ، قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَوْ وَجَبَتْ مَا أَطَقْتُمُوهَا وَلَوْ لَمْ تُطِيقُوهَا لَكَفَرْتُمْ» فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُم﴾ الْآيَةَ.) انتهى

 

وواضح من ذلك أن المسئول عنه كان الحج، وهو "فعل"، وأطلق عليه في الآية "شيء".

 

الثاني: "وسكت عن أشياء رخصة لكم"، وهذا المعطوف "وسكت..." يعود لأقرب معطوف عليه "وَنَهَى عَنْ أَشْيَاءَ، فَلَا تَنْتَهِكُوهَا" أي أن الرخصة هي من النهي الجازم "الحرام" بدلالة "تنتهكوها"، أي أن الذي سكت عنه هو رخصة من الحرام، أي حلال، وهذا ينطبق على المسئول عنه إن كان "شيئاً" بالمعنى الاصطلاحي، فالحلال هنا الإباحة، وينطبق على المسئول عنه إن كان "فعلاً" بالمعنى الاصطلاحي، فالحلال هنا غير الحرام، أي "الفرض والمندوب، والإباحة، والمكروه".

 

الثالث: "فلا تبحثوا عنها"، فهي متصلة بالمعطوف "وسكت عن أشياء" على المعطوف عليه "وَنَهَى عَنْ أَشْيَاءَ، فَلَا تَنْتَهِكُوهَا" أي هي حلال، فلا تبحثوا عن حرمتها، وليس لا تبحثوا عن أحكامها من حيث الفرض والمندوب... فمعنى الحديث أن المسكوت عنه هو حلال، فلا تبحثوا في تحريمه خشية أن يُحرَّم بسؤالكم كما جاء في حديث البخاري: عن سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ أَعْظَمَ المُسْلِمِينَ جُرْمًا، مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ، فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ».

 

4- وبناء عليه، فإن ما ذكرته في رسالتك هو على النحو التالي:

 

• قولك "فلو فرضنا أنه شامل الواجب والمندوب والمكروه لكان فيه عدم بيان من الشارع...":

 

إن المسألة الواردة في الحديث هي بين الحرام والحلال، وقد تم البيان بأن المسكوت عنه حلال، فموضوع الحديث قد بُيِّن تماماً، أما البحث في نوع الحلال "واجب، مندوب، مباح، مكروه" في حالة كون المسئول عنه "فعلاً" بالمعنى الأصولي الفقهي، فإنه يلتمس من أحاديث أخرى، فالأحكام كلها لا تؤخذ من حديث واحد، وهذا معلوم عند أهل الاجتهاد وفق الأصول.

 

• قولك "أشياء": فقد وضحنا لك أنها تشمل الفعل، ولا يؤثر في هذا أن المسئول عنه "السمن والجبن والفراء"، فإن الجواب أعم من السؤال، فقد يكون المسئول عنه "شيئاً" بالمعنى الاصطلاحي، كما في حديث "الجبن..."، وقد يكون المسئول عنه "فعلاً" كما في حديث "الحج..." وأطلقت الآية الكريمة "أشياء" عن المسئول عنه وهو "فعل الحج"، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾.

 

• قولك "رخصة...": أي رخصة من الحرام، وهذا يعني أنه حلال.

 

• قولك "عفو...": أي عفو من الحرام، وهذا يعني أنه حلال.

 

• قولك: "فلا تبحثوا عنها": أي لا تبحثوا عن تحريمها، فتحرم بسبب مسألتكم، وليس أن تبحثوا عن غير تحريمها، فالموضوع هو عدم السؤال المؤدي للتحريم وقت نزول الوحي، فتحرم المسألة من أجل السؤال كما في الحديث «إِنَّ أَعْظَمَ المُسْلِمِينَ جُرْمًا، مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ، فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ»، وأما السؤال في غير هذا الموضوع، فهو مطلوب لمعرفة الأحكام كما في حديث أبي داود عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «...أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ»

 

آمل أن يكون قد اتضح الجواب.

 

 

25 من جمادى الثانية 1434

الموافق 2013/05/05م

 

Share this post


Link to post
Share on other sites

بسم الله الرحمن الرحيم

 

جواب سؤال

 

 

هل يجوز لممثلي المسرح

أن يتقمصوا أشخاصاً آخرين في كلامهم وأفعالهم؟

 

 

السؤال:

 

هل يجوز لممثلي السينما أو المسرح أن يتقمصوا أشخاصاً آخرين في كلامهم وأفعالهم؟ وهل الحكم نفسه يطبق على الذين يتكلمون في الرسوم المتحركة باسم اللعب والحيوانات؟

 

 

الجواب:

 

بالنسبة للممثلين في السينما وفي المسرح، فإنهم يتقمَّصون أشخاصا آخرين ويتكلمون كلام الأشخاص الذين يمثلونهم، فيجري على لسان الممثل قول ذلك الشخص وهذا يدخله الكذب، حتى إنه إذا لزم أن يقسم باسم ذلك الشخص يفعل، بل فوق ذلك يجري على لسانه الطلاق إذا كان ذلك الشخص يطلِّق... وكل ذلك حرام فالكذب حرام، والإنسان يؤاخذ على قسمه وطلاقه وكل كلامه، ولا يقال إنه يمثل تمثيلاً، بل إن ما ينطقه باختياره فإنه يسأل عنه... ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾.

 

أما في الرسوم المتحركة للأطفال، فإن الممثل يتكلم باسم لُعب أو حيوانات أو نحو ذلك للأطفال، فهذا أراه مباحا لا شيء فيه، لأن الممثل لا يتكلم كلام أشخاص مثله، بل يتكلم باسم لعب وحيوانات للأطفال، وواضح أن اللعب والحيوانات لا تتكلم، فواقع الكذب هنا غير منطبق، بل هو تسلية للأطفال كتسليتهم باللُّعب...

 

 

18 من رمــضان 1434

الموافق 2013/07/27م

 

Share this post


Link to post
Share on other sites

بسم الله الرحمن الرحيم

 

(سلسلة أجوبة الشيخ العالم عطاء بن خليل أبو الرشتة أمير حزب التحرير على أسئلة رواد صفحته على الفيسبوك)

 

أجوبة أسئلة متعلقة بلباس المرأة

إلى: طلال فوزي - بلوغك مرامي - Mosa Za

 

 

 

أسئلة متشابهة:

 

1- طلال فوزي : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته... شيخنا وأميرنا أعزه الله وحفظه ورعاه وأيده بنصره لإعزاز هذا الدين آمين.

 

شيخنا العزيز أود أن استوضح عن ما يجوز للمرأة أن تظهر به أمام الرجال الأجانب من الأقارب في الحياة الخاصة... مثلا أقاربها غير المحارم كأولاد الأعمام وأولاد الأخوال.. وإخوة زوجها...

 

هل يجوز لها أن تظهر أمامهم بالبنطال والبلوزة مثلا؟

 

وجزيتم خيرا وكتب الله على أيديكم النصر المؤزر لهذه الأمة بإقامة الخلافة على منهاج النبوة.

 

2- بلوغك مرامي: ألا تعتبر الباروكة أو الشعر المستعار من الوصل المنهي عنه في حديث (الواصلة والمستوصلة)؟ وجزيتم خيرا.

 

3- Mosa Za السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

أخي الفاضل - هناك شبه ظاهرة موجودة عندنا وهي لبس جلباب فوق البنطلون يصل إلى الركبة، فهل هذا جائز؟؟؟؟

 

الجواب:

 

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

 

إن أسئلتكم ذات موضوع متقارب، ولذلك سأجمل الجواب عنها معاً:

 

1- المرأة في حياتها الخاصة تعيش مع زوجها ومحارمها، وأما الأقارب غير المحارم كأولاد الخال وأولاد العم عندما يأتون إلى البيوت في صلة الرحم لقريباتهم والتهنئة بالعيد ونحو ذلك... فلا يجوز للنساء أن يظهرن عليهم داخل بيوتهن إلا أن يكن ساترات للعورة وغير متبرجات، ولبس البنطلون هو من التبرج لذلك لا يجوز الظهور بالبنطلون على الأقارب غير المحارم عندما يأتون لصلة الرحم أو التهنئة بالعيد...

 

2- إذا خرجت المرأة من البيت إلى الحياة العامة فيجب أن تلبس اللباس الشرعي الذي يحقق ثلاثة أمور: ستر العورة، وعدم التبرج، ولبس الجلباب والخمار.

 

3- الجلباب هو لباس واسع ساتر يغطي الملابس الداخلية، ويرخى ليغطي القدمين، فالله سبحانه يقول: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) أي يرخـين عليهن أثوابـهن التي يلبسنها فوق الثياب للخـروج، من ملاءة وملحفة يرخينها إلى أسـفل. لذلك يشترط في الجلباب أن يكون مرخياً إلى أسفل حتى يغطي القدمين، لأن الله يقول في الآية: (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) أي يرخين جلابيبهن لأن (مِنْ) هنا ليست للتبعيض بل للبيان، أي يرخين الملاءة والملحفة إلى أسفل حتى يستر القدمين، فإن كانت القدمان مستورتين بجوارب أو حذاء فإن ذلك لا يُغني عن إرخائه إلى أسفل بشكل يدل على وجود الإرخاء، ولا ضرورة لأن يغطي القدمين فهما مستورتان، ولكن لا بد أن يصل إلى القدمين ليكون هناك إرخاء، أي يكون الجلباب نازلاً إلى أسفل بشكل ظاهر يعرف منه أنه ثوب الحياة العامة التي يجب أن تلبسه المرأة في الحياة العامة، ويظهر فيه الإرخاء أي يتحقق فيه قوله تعالى: (يُدْنِينَ) أي يرخين.

 

وعليه فإن لبس المرأة في الحياة العامة للبنطلون وعليه معطف طويل حتى ركبتها أي لا يصل إلى قدميها المستورتين بالجوارب، لا ينطبق عليه المعنى الشرعي للجلباب. ولا يجوز للمرأة أن تخرج إلى الحياة العامة إلا بجلباب يغطي ملابسها الداخلية ويرخى إلى أسفل حتى قدميها، وإن لم تجد فلا تخرج أو تستعير من جارتها جلباباً لما أخرجه مسلم في صحيحه عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنْ نُخْرِجَهُنَّ فِي الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى، الْعَوَاتِقَ، وَالْحُيَّضَ، وَذَوَاتِ الْخُدُورِ، فَأَمَّا الْحُيَّضُ فَيَعْتَزِلْنَ الصَّلَاةَ، وَيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ، وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِحْدَانَا لَا يَكُونُ لَهَا جِلْبَابٌ، قَالَ: «لِتُلْبِسْهَا أُخْتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا»

 

4- لبس الباروكة هو من التبرج، ولذلك لا يجوز أن تخرج المرأة إلى الحياة العامة وهي تلبس الباروكة إلا إذا كان الخمار يغطيها ولا يترك لها أثراً أمام الناظر، وكذلك لا يجوز أن تلبسها في بيتها أمام أقاربها من غير المحارم لأنها تبرج كما ذكرنا أعلاه.

 

أما هل الباروكة هي بمعنى الواصلة والمستوصلة، فالأمر ليس كذلك، لأن الواصلة هي التي تصل شعرها بشعر آخر ليستطيل شعرها به، وليس أن تلبس باروكة فوق شعرها، بل تربط شعراً آخر بشعرها ليظهر طويلاً، وهذا حرام في أي مكان تكون فيه المرأة، حتى في بيتها بناء على الحديث الذي أخرجه البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ الوَاصِلَةَ وَالمُسْتَوْصِلَةَ...» وأما الباروكة فجائز لبسها في البيت أمام الزوج والمحارم لا غير، وأما أمام غير المحارم فلا يجوز لأن لبسها من التبرج.

 

 

 

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

 

 

 

 

 

30 من شوال 1434

الموافق 2013/09/06م

Share this post


Link to post
Share on other sites

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

جواب سؤال

 

هل انتهت الأزمة المالية العالمية؟

 

 

 

السؤال:

 

اختُتمت يوم الجمعة في 6/9/2013 قمة "العشرين" الاقتصادية في سانت بطرسبورغ باعتماد البيان الختامي، وقد جاء في البيان كما نقلته وكالة رويترز في 6/9/2013 "أن الاقتصاد العالمي يتحسن..."، ونقلت الوكالة عن اندريه بوكاريف مدير الإدارة المالية بوزارة المالية الروسية، والذي شارك في صياغة البيان الختامي لقمة العشرين قوله: "أصعب المناقشات وأطولها كان يتعلق بتقييم وضع الاقتصاد العالمي"، وكذلك فقد ظهرت مؤخراً بيانات تشير إلى هذا التحسن، فقد نشر الاتحاد الأوروبي بأن اقتصاده بدأ ينمو وإن كان بنسبة قليلة، والولايات المتحدة قالت إن اقتصادها نما 1% في عام 2013، والصين نشرت أن اقتصادها نما في هذا العام حتى يوليو 2013 أكثر من 7%.

 

فهل حقاً تحسن الاقتصاد العالمي ومن ثم خفت الأزمة الاقتصادية التي مضى عليها أكثر من ست سنوات منذ بدأت في أمريكا في 2007؟ وإن لم يكن الاقتصاد تحسن، فكيف إذن أُعلنت هذه البيانات والأرقام؟ أرجو توضيح ذلك وجزاكم الله خيراً.

 

 

 

 

الجواب:

 

سنستعرض حقيقة الواقع الاقتصادي لأبرز الدول المؤثرة اقتصادياً في العالم، وهي الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين، حيث إن اقتصاد هذه الدول الثلاث يمثل أكثر من 50% من الاقتصاد العالمي، ولأن الأزمة الاقتصادية ذات ارتباط وثيق بالنظام الرأسمالي الذي تتبناه أمريكا والاتحاد الأوروبي؛ لذلك فإن أثرهما في الأزمة هو الفاعل، أما الصين، فكما سنبينه لاحقاً فإن دورها في إيجاد الأزمة أو التغلب عليها هو دور رد الفعل وليس الفعل... وللعلم فإن الاقتصاد الأمريكي وحده يقترب من اقتصادات الصين واليابان وألمانيا مجتمعة، وهي أكبر ثلاث قوى اقتصادية في العالم تأتي بعد الاقتصاد الأمريكي تباعاً. فقد بلغ حجم الاقتصاد الأمريكي في العام 2012م (15.7) تريليون دولار، وهو يمثل 22% من حجم الاقتصاد العالمي، بينما بلغ الاقتصاد الصيني (8.2) تريليون دولار، وأمّا الاقتصاد الياباني والألماني فقد بلغا (5.9) و (3.4) تريليون دولار على التوالي وفق بيانات البنك الدولي ومنظمة التعاون والتنمية. وبسبب هذا الحجم الكبير للاقتصاد الأمريكي فقد انتشرت في العالم أزمة أمريكا الاقتصادية التي نتجت عن انهيار سوق الرهن العقاري في أمريكا. وعليه فسنركز البحث على اقتصاد هذه الدول الثلاث الأكثر تأثيراً في الاقتصاد العالمي، ولأن أبرز العوامل التي تعطي مؤشراً على حقيقة التحسن أو عدمه هي: معدل البطالة، والديون المحلية والإدارات الخدمية كالبلديات والنفقات الاجتماعية... ثم الديون الحكومية... وهذه الثلاثة تدل على تحرك سوق العمل، وتحرك سوق تداول النقد، وكذلك تحرك سوق المشاريع الحكومية والخاصة، لذلك سنركز البحث عليها، ومن ثم نتبين الحقيقة عن تحسن الاقتصاد العالمي أو عدمه:

 

أولاً: الولايات المتحدة الأمريكية:

 

1- معدل البطالة: لقد عمد البنك المركزي منذ أواخر 2008 إلى تخفيض الفائدة على القروض لتقترب من الصفر... وضاعف ميزانيته العمومية ثلاث مرات ليصل إلى حوالي ثلاثة ترليونات دولار منذ ذلك الحين من خلال برنامج شراء السندات، وقد حافظ عليه في اجتماعه الأخير عند معدل شهري يبلغ 85 مليار دولار، وكل ذلك من أجل خفض تكاليف الاقتراض الطويل الأجل، ومن ثم تسهيل أخذ القروض لأصحاب المشاريع والأعمال لتنشيط سوق العمل، ومع ذلك فقد استمر معدل البطالة مرتفعا الشهر الماضي عند نسبة 7,9%"، وهي لا تختلف كثيرا عنها قبل 5 سنوات حيث كانت 8,9%، ومع أن الولايات المتحدة أقرت قانون التحفيز، أي ضخ الأموال في الشركات بشراء أسهمها، وبدأت تطبيقه عام 2009، إلا أن الاقتصاد لم يتعافَ، ولم تنخفض نسبة البطالة كثيرا ما يدل على أن الأزمة عميقة وما زالت مستمرة، وأن الاقتصاد لم يتحسن.

 

2- ديون القطاعات الخدمية "البلديات...": ذكرت صفحة سكاي نيوز عربية في 11/8/2013 أن "أعباء الديون في مدن وبلديات الولايات المتحدة والعجز عن سدادها أدت إلى إفلاس 41 مدينة خلال عامين"، ما يعني أن العديد من المدن الأمريكية لم تفلح في تجاوز تداعيات الأزمة المالية العالمية حتى اليوم. وقد عاد شبح الإفلاس ليخيم على المدن الأمريكية بعد تقديم ولاية ديترويت طلب إشهار إفلاسها رسميا في تموز / يوليو الماضي لعدم قدرتها على سداد ديونها البالغة 18 مليار دولار تقريبا. والإفلاس يمثل الملاذ الأخير للبلديات والمدن للحماية من الدائنين، بمعنى آخر الهروب من الواقع واللجوء إلى أسهل الحلول. وطبقا لبيانات "معهد الإفلاس الأمريكي" شهدت الفترة بين عامي 2007 و 2011 أكثر من 40 حالة إفلاس لمدن ولبلديات أمريكية بمعدل 8 حالات سنويا". فهذا التقرير الإخباري يظهر أن حالات إفلاس المدن خلال السنتين الأخيرتين ما بين عام 2011 و2013 أكثر مما كانت عليه في أوج الأزمة وما قبلها وما بعدها مباشرة. ما يثير الشكوك تجاه القول بتحسن حالة الاقتصاد الأمريكي.

 

3- الديون الحكومية: حذر وزير الخزانة الأمريكي جاكوب ليو في رسالته 26\8\2013 التي بعثها إلى الكونغرس من أن "الإجراءات الاستثنائية التي وضعت في مايو/ أيار الماضي لتجنب عجز الحكومة عن سداد ديونها ستنتهي في منتصف تشرين أول / أكتوبر، وحث الكونغرس على تمديد حق الحكومة في الاقتراض" (صفحة القدس 27\8\2013). وأشار وزير الخزانة الأمريكي جاكوب ليو في رسالته إلى الكونغرس أشار إلى أن: "الحكومة الأمريكية ستخسر الموارد المطلوبة لسداد التزاماتها بحلول 15 تشرين الأول/ أكتوبر من هذا العام إذا لم يرفع السقف الإجمالي لديون الدولة الذي أقصى حد مسموح له حالياً هو 16,7 ترليون دولار". وحذر قائلا: "قد يحدث خلل في عمل الأسواق المالية وينهار الاقتصاد في حال إبقاء سقف ديون الدولة بمستواه الحالي". وأضاف: "تتلخص مهمة الكونغرس في حماية الثقة بالولايات المتحدة لأنه لا توجد هيئة أخرى من صلاحيتها رفع سقف ديون الدولة" (صفحة روسيا اليوم 28\8\2013). أي أن ديون الولايات المتحدة قد وصلت الحد الأقصى المسموح به وهو 16,7 ترليون دولار، ومع ذلك فهي تطالب برفع سقف الدين للوفاء بالتزاماتها!

 

هذه صورة عن وضع أمريكا حيث إن المديونية مرتفعة جدا وتلجأ لزيادة سقف الديون لتسديد نفقاتها ولمعالجة العجز والحيلولة دون الانهيار الاقتصادي. وهذه الصورة لا تشير إلى أن حالة الاقتصاد الأمريكي قد تحسنت وأنها قد خرجت من الأزمة.

 

ثانياً: الاتحاد الأوروبي:

 

1- معدل البطالة: صرحت مديرة صندوق النقد الدولي كرستين لاغارد بأن "نسبة العاطلين عن العمل 27% في إسبانيا ومثلها في اليونان"، (صفحة إيرو نيوز 26\4\2013 ). وذكرت في 3\5\2013 أنه "من المتوقع أن تصل معدلات البطالة في منطقة اليورو التي تضم 17 دولة خلال 2013 إلى متوسط 12,2% ليزيد عن نسبة 11,4 % حققتها عام 2012"، ونقلت تصريح المفوض الأوروبي أولي رين قوله: "في ضوء الركود المستمر، فعلينا القيام بكل ما بوسعنا للتغلب لمواجهة كارثة البطالة".

 

وقال مدير منظمة العمل الدولية ريموند توريس: "في حال عدم اتخاذ سياسات واضحة. هنالك مخاطر من أزمة الركود في سوق العمل في أوروبا مع تعرض مزيد من الأشخاص لبطالة طويلة الأمد قد تؤدي إلى خروجهم من سوق العمل. من المهم أيضا اتباع سياسة محفزة للنمو وخصوصا في منطقة اليورو في حال عدم منح الشركات الصغيرة لقروض ميسرة، فمن غير المتوقع حصول انتعاش في سوق العمل" (إيرو نيوز 3\6\2013). وأضافت إيرو نيوز أن "المنظمة أشارت إلى أنه في السنوات الخمس الماضية سجلت البطالة الطويلة الأمد ارتفاعا بمعدل الثلثين، وقد أوضحت أن هناك حاجة لثلاثين مليون وظيفة جديدة لإعادة معدل التوظيف إلى 56% المعدل الذي كان عليه قبل الأزمة".

 

2- النفقات الاجتماعية: نشرت صفحة إيرو نيوز في 30/8/2013 أن "اقتصاد الدول الإسكندنافية الأضعف لم يعد قادرا على تحمل الاستحقاقات التي يطالب المواطنون وفقا لوزير المالية الدنماركي بيارني كوريدون. وقالت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية إن فرنسا هي الأكثر إنفاقا اجتماعيا بنسبة 33% ثم الدنمارك وبلجيكا بنسبة 30,8% تليها فنلندا 30,6% ومن ثم السويد 28,6%". وكلها نسب منخفضة لا تفي باحتياجات أهالي تلك الدول بشكل كامل... ما عدا ألمانيا حيث نفقاتها الاجتماعية مقبولة إلى حد ما... هذا بالنسبة لأقوى البلدان إنفاقاً، فكيف بالدول الأخرى؟!

 

3- المديونية: نشرت صفحة إيرو نيوز في 22\7\2013 أن "المعطيات الإحصائية كشفت بلوغ عبء ديون منطقة اليورو أعلى مستوياته في نهاية الربع الأول من العام الجاري رغم التدابير التقشفية المتبناة لتصحيح الموازنات الحكومية حيث تصدرت اليونان وإيطاليا والبرتغال قائمة الأسوأ فيما سجلت إستونيا ولوكسمبورغ أدنى معدلات الدين". وأضافت أن "العديد من دول العملة الأوروبية الموحدة تقبع في ركود ومن شأن انكماش الاقتصادات أن يجعل نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي أقل مواتاة. لقد أسهمت التدابير التقشفية في كبح عجلة نمو الاقتصاد الذي يعتمد على الإنفاق الحكومي في حين يمكن للزيادات الضريبية أن تفضي إلى خنق الاستهلاك والاستثمار".

 

ومن الجدير ذكره أن العديد من دول الاتحاد الأوروبي اقترضت المال عندما انضمت إلى الاتحاد، إلى درجة أن الاقتراض تجاوز حجم اقتصاداتها. وعندما وصلت الأزمة إلى أوروبا كان العديد من دول الاتحاد الأوروبي في موقف لا يسمح لها بسداد ديونها السابقة للأزمة. وللعلم فإن الدولة المؤثرة في الاقتصاد الأوروبي بالدرجة الأولى هي ألمانيا، وقد استطاعت أن تفرض سياسة التقشف بتقليل النفقات الحكومية وتخفيض المديونية لدى الدول، وعملت على فرضها على منطقة اليورو في الاتحاد الأوروبي بعكس أمريكا التي اتبعت سياسة ضخ الأموال وزيادة المديونية.

 

وهكذا فإن هذه التصاريح والتقارير تشير إلى أن الاقتصاد في أوروبا ما زال يعاني من تدعيات الأزمة ولم يتمكن من الخروج منها وما زال في حالة ركود، ومن ثم فإنه لم يتحسن تحسناً ملحوظا.

 

ثالثاً: الصين:

 

إن الاقتصاد الصيني أمره مختلف، فإن محللي الاقتصاد الصينيين يذكرون أن "الزيادة في نموه تعتمد إلى حد كبير على قطاعي التصدير والاستثمار ولا يعتمد على الاستهلاك الداخلي. وبذلك لا يشعر عامة الشعب بشكل عميق بمدى ارتفاع مستوى حياتهم المعيشية". فما زالت سوقه الداخلية ضعيفة جدا. فهو ليس مقياسا ولا يؤثر في اقتصاديات الدول الأخرى. وهو معتمد بالدرجة الأولى على التصدير للأسواق الأمريكية بجانب الاستثمارات المتبادلة مع أمريكا سواء بشراء الصين أسهمًا من الشركات الأمريكية بمئات المليارات أو بشرائها لسندات الخزينة الأمريكية بما يتجاوز ترليون دولار، وكذلك قيام الشركات الأمريكية بالاستثمار في داخل الصين، وكذلك جعل الاحتياطي النقدي لها بالدولار بما يزيد عن 3 ترليون دولار. فالصين ليست قائدة العالم الرأسمالي، بل هي تابعة له باتباعها النهج الرأسمالي وارتباطها الاقتصادي بأمريكا، فهي تابعة لسياساته الاقتصادية، وسرعان ما تعمل على تنفيذ القرارات الاقتصادية التي تقودها المؤسسات الرأسمالية العالمية الواقعة تحت التأثير الأمريكي. ولا تستطيع أن تعلن عن نفسها أنها دولة رأسمالية فتقوم وتعمل على قيادة الاقتصاد الرأسمالي، لأنها تعلن عن نفسها بصورة رسمية وتقليدية بأنها دولة شيوعية اشتراكية، وتعمل على المحافظة على هذه الصورة الرسمية خوفا من أن تفقد كيانها المستقل، وخوفا من أن القائمين على الدولة، وهم الذين يتبنون الفكر الشيوعي من أن يفقدوا امتيازاتهم. فيعمل الشيوعيون وحزبهم باستحياء على تطبيق النظم الرأسمالية والمحافظة على الارتباط باقتصاد أمريكا قائدة الرأسمالية. ولهذا ليس من المنتظر على المدى القريب أن تتخلى الصين عن هذه السياسة وتتولى قيادة العالم الرأسمالي فتصبح هي المؤثرة في اقتصاد العالم. ومن هنا عندما نتناول الأزمة المالية الرأسمالية التي أثرت على العالم نركز على أمريكا بالدرجة الأولى ومن ثم على أوروبا بالدرجة الثانية، فالعالم الذي يسيطر عليه النظام الرأسمالي حاليا يتأثر اقتصاديا بهاتين: أولا بأمريكا وثانيا بأوروبا.

 

رابعاً: اقتصاديات الدول الأخرى:

 

إن اقتصاديات باقي الدول ذات أثر قليل في التحكم في الاقتصاد الدولي:

 

- فاليابان قد وصل دينها إلى 245% من إجمالي الناتج المحلي بحسب أرقام صندوق النقد الدولي الذي طالبها مجددا بوضع خطة ميزانية متوسطة ذات صدقية من أجل الحد من هذا الدين الهائل، ولا يقلل من أثره أن أكثر من 90% منه مستحق لدائنين يابانيين...". وقد أعلنت الحكومة اليابانية في 8\8\2013 عن عزمها على اقتطاع حوالي 85 مليار دولار من النفقات العامة خلال سنتين، أي عكس ما تتطلبه سياسة التحفيز اليابانية...

 

- وروسيا فهي تطبق النظم الرأسمالية في داخلها وتعمل على تقليد الغرب في تطبيقها وفي تأسيس المنظمات الاقتصادية مع الدول الأخرى من دون قدرة على الإبداع، ولذلك عملت على تأسيس منظمات اقتصادية مع الدول التابعة لها كالاتحاد الجمركي الذي أسسته مع روسيا البيضاء وكازاخستان عام 2010 محاكاة للاتحاد الجمركي الأوروبي... على كلٍّ، فإن الاقتصاد الروسي تابع للمنظومة الرأسمالية بقيادة الغرب ويعمل على السير فيها وتطبيق قراراتها وتقليد الدول الرأسمالية في إيجاد المنظمات الاقتصادية؛ ولذلك فروسيا من هذه الناحية غير محركة للاقتصاد العالمي، بل هي تتأثر بالاقتصاد الرأسمالي الغربي أكثر مما تؤثر فيه هي بشكل فاعل.

 

- وأما باقي مجموعة البريكس "البرازيل والهند وجنوب أفريقيا" وباقي الدول الناشئة المكسيك وتركيا... فليس لها تأثير يذكر في الاقتصاد العالمي، بل هي تابعة للاقتصاد الغربي بصورة مباشرة ومرتبطة بالأسواق المالية الأمريكية والأوروبية. وقسم منها يعتمد على الديون بشكل رئيس لزيادة النمو كتركيا وليس هو اقتصادًا حقيقيًّا، وبذلك يزيد الاستهلاك فيها باعتماد الناس على الاستدانة وكذلك مؤسسات الدولة والمؤسسات الخاصة والشركات. وقسم منها مُستشرٍ فيها الفساد بشكل كبير كالهند وتهريب أكثر الأموال إلى الخارج، فاقتصاد هذه الدول ليس مستقرا ولا يعتمد على موارد حقيقية للاقتصاد، والبرازيل وجنوب أفريقيا تأثيرهما الاقتصادي في محيطهما، أي في أمريكا الجنوبية وفي أفريقيا وليس في الحركة الاقتصادية العالمية.

 

وهذه الاقتصاديات بشكل إجمالي لا يُركَّز عليها كثيراً في نشوء الأزمات أو إزالة هذه الأزمات.

 

خامساً: أما عن الأرقام والبيانات التي تُعلن فهي توضع كما تريدها المؤسسة الاقتصادية في الدولة المصدرة للبيانات...:

 

1- فالنمو في 2013 الذي ذكرته الولايات المتحدة رسميا كان في الواقع بسبب تغيير الحكومة الأمريكية للطريقة التي تقيس فيه الاقتصاد، فقد غيرت الطريقة التي يقاس فيه النمو وذلك بإدخال الملكية الفكرية في الاقتصاد مثل إنتاج الموسيقي وحقوق ملكية إنتاج الأدوية والعقاقير... وقد تسبب هذا التغيير بإضافة 370 بليون دولار في الاقتصاد مما يمثل تغييراً (زيادة) تمثل 2.5%. ومع ذلك فلا يزال اقتصاد الولايات المتحدة يكافح من أجل النمو في وقت خفض فيه مواطنوها إنفاقهم؛ لذلك فالتقارير التي تفيد بأن الركود قد انتهى يرجع إلى الطريقة التي يتم بها نشر الإحصاءات، وهي مصطنعة وليست حقيقية.

 

2- وأما البيانات الصادرة عن المسؤولين الأوروبيين فلم تكن أيضا عن نمو مستدام. كانت البيانات التي تم الإعلان عنها مجرد تقدير أولي، ولم تشمل كل أوروبا. فلم تدرج البلدان التي تعاني اقتصادياً مثل إيرلندا واليونان. وكانت البيانات الصادرة مجرد تقديرات جمعتها وكالة البيانات الأوروبية - يوروستات التي تعتمد على البيانات المقدمة من المكاتب الإحصائية الوطنية، التي تقوم بجمع البيانات بشكل مختلف، وتعتمد بشكل كبير على الدراسات الاستقصائية في تقديراتها الأولية للنمو. ويتم عادة مراجعة هذه التقديرات مرات عديدة. ويشير مكتب الإحصاء الألماني أن المراجعات يمكن إجراؤها حتى بعد أربع سنوات من التقديرات الأولية لأن البيانات الإضافية تؤخذ في الحسبان. لذلك، وبالنظر للعيوب الإحصائية، فلا يمكن بالفعل القول بأن الأوضاع في أوروبا قد تحسنت.

 

3- أما بخصوص الصين فقد كان هناك دائما العديد من الأسئلة والشكوك حول البيانات التي تصدرها حول اقتصادها. فالصين دولة كبيرة فهي الأكبر أرضاً وسكاناً في العالم. وجمع المعلومات حول كيفية أداء اقتصادها عملية كبيرة جدا...

 

والذي يثير الشكوك عند المراقبين أن الصين تصدر أرقام الناتج المحلي الإجمالي السنوي (GDP) في الأسبوع الثالث من شهر يناير عن العام السابق، ومن الصعوبة بمكان أن تستطيع الحكومة الصينية ضبط أمر نتائج العام بكامله خلال أسابيع ثلاثة! ما جعل وجها للقول بأن بيانات الصين هي في الواقع ما تريد أن يعرفه العالم بشأن اقتصادها!

 

سادساً: الخلاصة:

 

إن الأزمة المالية العالمية لم تنته بعد، وإن تداعياتها ما زالت موجودة وما زالت تعالجها بضخ الأموال كما تفعل أمريكا، أو بالتقشف كما تفعل ألمانيا في أوروبا، فأمريكا تضخ في السوق مبلغ 85 مليار دولار، أي تعطي هذه الأموال للشركات حتى تبقيها على قيد الحياة، وأوروبا تتبع سياسة التقشف. فهذا دليل على أن الأزمة ما زالت موجودة وأن الاقتصاد لا يسير طبيعيا من دون تدخل الدولة ومساعدتها، فكأنه يتنفس تنفسا اصطناعيا. مع العلم أن تدخل الدولة يخالف النظام الرأسمالي؛ حيث إن هذا النظام ينص على تخليص السوق من براثن السلطة، فلا يجيز للدولة التدخل في السوق لإنقاذ الشركات وباقي المؤسسات المالية أو أن يحد من حركة السوق، فيوجب أن تكون هناك حرية تامة، وأن السوق هو الذي يعالج نفسه بنفسه، فالتدخل حسب المبدأ الرأسمالي يعيق التقدم، حيث إن البقاء يكون للأصلح، فالشركات غير القادرة على العمل يجب أن تسقط فتقوم غيرها بالعمل، فلا يبقى في السوق إلا الشركات القادرة على المنافسة، وهكذا يتقدم الاقتصاد ويعمل بشكل حر حسب النظرية الرأسمالية التي يكذبها الواقع وتفندها ممارسات الدول الرأسمالية. فأسباب الأزمة ومصدر المشاكل لم تعالج وهي كامنة في النظام الرأسمالي، وفي كل لحظة ربما تحدث انتكاسة كالمريض الذي يعاني من أمراض مزمنة تعطى عنه تقارير تشير إلى تحسن في صحته بنسبة كذا وكذا وسرعان ما تصدر تقارير أخرى تقول العكس، فتعطى له مسكنات وحقن لإبقائه على قيد الحياة ولكنه يعاني من آلام وأوجاع لا تنتهي...

 

وهكذا فإن الاقتصاد العالمي لم يتحسن والأزمة باقية، والمشاكل قائمة، وستبقى قائمة ما دام النظام الرأسمالي قائما، فينتج عنها فقر وحرمان لمليارات من البشر وضياع أموال كثيرة من دون أن تصل إلى الناس فينتفعون بها عند توزيعها عليهم، فتعم التعاسة والشقاء كثيرا من الناس، ويستأثر قلة من أصحاب رؤوس الأموال بأكثرية الثروات. ولهذا السبب فإن الأزمة باقية كالبركان فتنفجر أحيانا وتهدأ أحيانا، ولكن البركان في الداخل يغلي. ومن هنا نستطيع أن نقول إنه لا يوجد علاج حقيقي إلا في الإسلام الذي يرى أن المشكلة الاقتصادية هي في توزيع الثروات بشكل صحيح، وتمكين كل فرد بعينه من الاستفادة منها والحصول على نصيبه منها والحيلولة دون تكديس الأموال في جيوب معينة. ولا ينظر إلى المجتمع نظرة إجمالية بأن هناك أموالاً وثروات بقيمة كذا فيكون نصيب الفرد كذا وفي الحقيقة ليست من نصيب الفرد بل من نصيب فئة قليلة جدا!

 

نسأل الله سبحانه أن يعود حكم الإسلام، الخلافة الراشدة، فيحل الرخاء والهناء، والحياة الاقتصادية السليمة، ليس فقط على الأمة الإسلامية، بل يعم الخير كذلك ربوع العالم، والله سبحانه عزيز حكيم.

 

 

03 من ذي القعدة 1434

الموافق 2013/09/09م

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

جواب سؤال

 

هل انتهت الأزمة المالية العالمية؟

 

 

 

السؤال:

 

اختُتمت يوم الجمعة في 6/9/2013 قمة "العشرين" الاقتصادية في سانت بطرسبورغ باعتماد البيان الختامي، وقد جاء في البيان كما نقلته وكالة رويترز في 6/9/2013 "أن الاقتصاد العالمي يتحسن..."، ونقلت الوكالة عن اندريه بوكاريف مدير الإدارة المالية بوزارة المالية الروسية، والذي شارك في صياغة البيان الختامي لقمة العشرين قوله: "أصعب المناقشات وأطولها كان يتعلق بتقييم وضع الاقتصاد العالمي"، وكذلك فقد ظهرت مؤخراً بيانات تشير إلى هذا التحسن، فقد نشر الاتحاد الأوروبي بأن اقتصاده بدأ ينمو وإن كان بنسبة قليلة، والولايات المتحدة قالت إن اقتصادها نما 1% في عام 2013، والصين نشرت أن اقتصادها نما في هذا العام حتى يوليو 2013 أكثر من 7%.

 

فهل حقاً تحسن الاقتصاد العالمي ومن ثم خفت الأزمة الاقتصادية التي مضى عليها أكثر من ست سنوات منذ بدأت في أمريكا في 2007؟ وإن لم يكن الاقتصاد تحسن، فكيف إذن أُعلنت هذه البيانات والأرقام؟ أرجو توضيح ذلك وجزاكم الله خيراً.

 

 

 

 

الجواب:

 

سنستعرض حقيقة الواقع الاقتصادي لأبرز الدول المؤثرة اقتصادياً في العالم، وهي الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين، حيث إن اقتصاد هذه الدول الثلاث يمثل أكثر من 50% من الاقتصاد العالمي، ولأن الأزمة الاقتصادية ذات ارتباط وثيق بالنظام الرأسمالي الذي تتبناه أمريكا والاتحاد الأوروبي؛ لذلك فإن أثرهما في الأزمة هو الفاعل، أما الصين، فكما سنبينه لاحقاً فإن دورها في إيجاد الأزمة أو التغلب عليها هو دور رد الفعل وليس الفعل... وللعلم فإن الاقتصاد الأمريكي وحده يقترب من اقتصادات الصين واليابان وألمانيا مجتمعة، وهي أكبر ثلاث قوى اقتصادية في العالم تأتي بعد الاقتصاد الأمريكي تباعاً. فقد بلغ حجم الاقتصاد الأمريكي في العام 2012م (15.7) تريليون دولار، وهو يمثل 22% من حجم الاقتصاد العالمي، بينما بلغ الاقتصاد الصيني (8.2) تريليون دولار، وأمّا الاقتصاد الياباني والألماني فقد بلغا (5.9) و (3.4) تريليون دولار على التوالي وفق بيانات البنك الدولي ومنظمة التعاون والتنمية. وبسبب هذا الحجم الكبير للاقتصاد الأمريكي فقد انتشرت في العالم أزمة أمريكا الاقتصادية التي نتجت عن انهيار سوق الرهن العقاري في أمريكا. وعليه فسنركز البحث على اقتصاد هذه الدول الثلاث الأكثر تأثيراً في الاقتصاد العالمي، ولأن أبرز العوامل التي تعطي مؤشراً على حقيقة التحسن أو عدمه هي: معدل البطالة، والديون المحلية والإدارات الخدمية كالبلديات والنفقات الاجتماعية... ثم الديون الحكومية... وهذه الثلاثة تدل على تحرك سوق العمل، وتحرك سوق تداول النقد، وكذلك تحرك سوق المشاريع الحكومية والخاصة، لذلك سنركز البحث عليها، ومن ثم نتبين الحقيقة عن تحسن الاقتصاد العالمي أو عدمه:

 

أولاً: الولايات المتحدة الأمريكية:

 

1- معدل البطالة: لقد عمد البنك المركزي منذ أواخر 2008 إلى تخفيض الفائدة على القروض لتقترب من الصفر... وضاعف ميزانيته العمومية ثلاث مرات ليصل إلى حوالي ثلاثة ترليونات دولار منذ ذلك الحين من خلال برنامج شراء السندات، وقد حافظ عليه في اجتماعه الأخير عند معدل شهري يبلغ 85 مليار دولار، وكل ذلك من أجل خفض تكاليف الاقتراض الطويل الأجل، ومن ثم تسهيل أخذ القروض لأصحاب المشاريع والأعمال لتنشيط سوق العمل، ومع ذلك فقد استمر معدل البطالة مرتفعا الشهر الماضي عند نسبة 7,9%"، وهي لا تختلف كثيرا عنها قبل 5 سنوات حيث كانت 8,9%، ومع أن الولايات المتحدة أقرت قانون التحفيز، أي ضخ الأموال في الشركات بشراء أسهمها، وبدأت تطبيقه عام 2009، إلا أن الاقتصاد لم يتعافَ، ولم تنخفض نسبة البطالة كثيرا ما يدل على أن الأزمة عميقة وما زالت مستمرة، وأن الاقتصاد لم يتحسن.

 

2- ديون القطاعات الخدمية "البلديات...": ذكرت صفحة سكاي نيوز عربية في 11/8/2013 أن "أعباء الديون في مدن وبلديات الولايات المتحدة والعجز عن سدادها أدت إلى إفلاس 41 مدينة خلال عامين"، ما يعني أن العديد من المدن الأمريكية لم تفلح في تجاوز تداعيات الأزمة المالية العالمية حتى اليوم. وقد عاد شبح الإفلاس ليخيم على المدن الأمريكية بعد تقديم ولاية ديترويت طلب إشهار إفلاسها رسميا في تموز / يوليو الماضي لعدم قدرتها على سداد ديونها البالغة 18 مليار دولار تقريبا. والإفلاس يمثل الملاذ الأخير للبلديات والمدن للحماية من الدائنين، بمعنى آخر الهروب من الواقع واللجوء إلى أسهل الحلول. وطبقا لبيانات "معهد الإفلاس الأمريكي" شهدت الفترة بين عامي 2007 و 2011 أكثر من 40 حالة إفلاس لمدن ولبلديات أمريكية بمعدل 8 حالات سنويا". فهذا التقرير الإخباري يظهر أن حالات إفلاس المدن خلال السنتين الأخيرتين ما بين عام 2011 و2013 أكثر مما كانت عليه في أوج الأزمة وما قبلها وما بعدها مباشرة. ما يثير الشكوك تجاه القول بتحسن حالة الاقتصاد الأمريكي.

 

3- الديون الحكومية: حذر وزير الخزانة الأمريكي جاكوب ليو في رسالته 26\8\2013 التي بعثها إلى الكونغرس من أن "الإجراءات الاستثنائية التي وضعت في مايو/ أيار الماضي لتجنب عجز الحكومة عن سداد ديونها ستنتهي في منتصف تشرين أول / أكتوبر، وحث الكونغرس على تمديد حق الحكومة في الاقتراض" (صفحة القدس 27\8\2013). وأشار وزير الخزانة الأمريكي جاكوب ليو في رسالته إلى الكونغرس أشار إلى أن: "الحكومة الأمريكية ستخسر الموارد المطلوبة لسداد التزاماتها بحلول 15 تشرين الأول/ أكتوبر من هذا العام إذا لم يرفع السقف الإجمالي لديون الدولة الذي أقصى حد مسموح له حالياً هو 16,7 ترليون دولار". وحذر قائلا: "قد يحدث خلل في عمل الأسواق المالية وينهار الاقتصاد في حال إبقاء سقف ديون الدولة بمستواه الحالي". وأضاف: "تتلخص مهمة الكونغرس في حماية الثقة بالولايات المتحدة لأنه لا توجد هيئة أخرى من صلاحيتها رفع سقف ديون الدولة" (صفحة روسيا اليوم 28\8\2013). أي أن ديون الولايات المتحدة قد وصلت الحد الأقصى المسموح به وهو 16,7 ترليون دولار، ومع ذلك فهي تطالب برفع سقف الدين للوفاء بالتزاماتها!

 

هذه صورة عن وضع أمريكا حيث إن المديونية مرتفعة جدا وتلجأ لزيادة سقف الديون لتسديد نفقاتها ولمعالجة العجز والحيلولة دون الانهيار الاقتصادي. وهذه الصورة لا تشير إلى أن حالة الاقتصاد الأمريكي قد تحسنت وأنها قد خرجت من الأزمة.

 

ثانياً: الاتحاد الأوروبي:

 

1- معدل البطالة: صرحت مديرة صندوق النقد الدولي كرستين لاغارد بأن "نسبة العاطلين عن العمل 27% في إسبانيا ومثلها في اليونان"، (صفحة إيرو نيوز 26\4\2013 ). وذكرت في 3\5\2013 أنه "من المتوقع أن تصل معدلات البطالة في منطقة اليورو التي تضم 17 دولة خلال 2013 إلى متوسط 12,2% ليزيد عن نسبة 11,4 % حققتها عام 2012"، ونقلت تصريح المفوض الأوروبي أولي رين قوله: "في ضوء الركود المستمر، فعلينا القيام بكل ما بوسعنا للتغلب لمواجهة كارثة البطالة".

 

وقال مدير منظمة العمل الدولية ريموند توريس: "في حال عدم اتخاذ سياسات واضحة. هنالك مخاطر من أزمة الركود في سوق العمل في أوروبا مع تعرض مزيد من الأشخاص لبطالة طويلة الأمد قد تؤدي إلى خروجهم من سوق العمل. من المهم أيضا اتباع سياسة محفزة للنمو وخصوصا في منطقة اليورو في حال عدم منح الشركات الصغيرة لقروض ميسرة، فمن غير المتوقع حصول انتعاش في سوق العمل" (إيرو نيوز 3\6\2013). وأضافت إيرو نيوز أن "المنظمة أشارت إلى أنه في السنوات الخمس الماضية سجلت البطالة الطويلة الأمد ارتفاعا بمعدل الثلثين، وقد أوضحت أن هناك حاجة لثلاثين مليون وظيفة جديدة لإعادة معدل التوظيف إلى 56% المعدل الذي كان عليه قبل الأزمة".

 

2- النفقات الاجتماعية: نشرت صفحة إيرو نيوز في 30/8/2013 أن "اقتصاد الدول الإسكندنافية الأضعف لم يعد قادرا على تحمل الاستحقاقات التي يطالب المواطنون وفقا لوزير المالية الدنماركي بيارني كوريدون. وقالت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية إن فرنسا هي الأكثر إنفاقا اجتماعيا بنسبة 33% ثم الدنمارك وبلجيكا بنسبة 30,8% تليها فنلندا 30,6% ومن ثم السويد 28,6%". وكلها نسب منخفضة لا تفي باحتياجات أهالي تلك الدول بشكل كامل... ما عدا ألمانيا حيث نفقاتها الاجتماعية مقبولة إلى حد ما... هذا بالنسبة لأقوى البلدان إنفاقاً، فكيف بالدول الأخرى؟!

 

3- المديونية: نشرت صفحة إيرو نيوز في 22\7\2013 أن "المعطيات الإحصائية كشفت بلوغ عبء ديون منطقة اليورو أعلى مستوياته في نهاية الربع الأول من العام الجاري رغم التدابير التقشفية المتبناة لتصحيح الموازنات الحكومية حيث تصدرت اليونان وإيطاليا والبرتغال قائمة الأسوأ فيما سجلت إستونيا ولوكسمبورغ أدنى معدلات الدين". وأضافت أن "العديد من دول العملة الأوروبية الموحدة تقبع في ركود ومن شأن انكماش الاقتصادات أن يجعل نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي أقل مواتاة. لقد أسهمت التدابير التقشفية في كبح عجلة نمو الاقتصاد الذي يعتمد على الإنفاق الحكومي في حين يمكن للزيادات الضريبية أن تفضي إلى خنق الاستهلاك والاستثمار".

 

ومن الجدير ذكره أن العديد من دول الاتحاد الأوروبي اقترضت المال عندما انضمت إلى الاتحاد، إلى درجة أن الاقتراض تجاوز حجم اقتصاداتها. وعندما وصلت الأزمة إلى أوروبا كان العديد من دول الاتحاد الأوروبي في موقف لا يسمح لها بسداد ديونها السابقة للأزمة. وللعلم فإن الدولة المؤثرة في الاقتصاد الأوروبي بالدرجة الأولى هي ألمانيا، وقد استطاعت أن تفرض سياسة التقشف بتقليل النفقات الحكومية وتخفيض المديونية لدى الدول، وعملت على فرضها على منطقة اليورو في الاتحاد الأوروبي بعكس أمريكا التي اتبعت سياسة ضخ الأموال وزيادة المديونية.

 

وهكذا فإن هذه التصاريح والتقارير تشير إلى أن الاقتصاد في أوروبا ما زال يعاني من تدعيات الأزمة ولم يتمكن من الخروج منها وما زال في حالة ركود، ومن ثم فإنه لم يتحسن تحسناً ملحوظا.

 

ثالثاً: الصين:

 

إن الاقتصاد الصيني أمره مختلف، فإن محللي الاقتصاد الصينيين يذكرون أن "الزيادة في نموه تعتمد إلى حد كبير على قطاعي التصدير والاستثمار ولا يعتمد على الاستهلاك الداخلي. وبذلك لا يشعر عامة الشعب بشكل عميق بمدى ارتفاع مستوى حياتهم المعيشية". فما زالت سوقه الداخلية ضعيفة جدا. فهو ليس مقياسا ولا يؤثر في اقتصاديات الدول الأخرى. وهو معتمد بالدرجة الأولى على التصدير للأسواق الأمريكية بجانب الاستثمارات المتبادلة مع أمريكا سواء بشراء الصين أسهمًا من الشركات الأمريكية بمئات المليارات أو بشرائها لسندات الخزينة الأمريكية بما يتجاوز ترليون دولار، وكذلك قيام الشركات الأمريكية بالاستثمار في داخل الصين، وكذلك جعل الاحتياطي النقدي لها بالدولار بما يزيد عن 3 ترليون دولار. فالصين ليست قائدة العالم الرأسمالي، بل هي تابعة له باتباعها النهج الرأسمالي وارتباطها الاقتصادي بأمريكا، فهي تابعة لسياساته الاقتصادية، وسرعان ما تعمل على تنفيذ القرارات الاقتصادية التي تقودها المؤسسات الرأسمالية العالمية الواقعة تحت التأثير الأمريكي. ولا تستطيع أن تعلن عن نفسها أنها دولة رأسمالية فتقوم وتعمل على قيادة الاقتصاد الرأسمالي، لأنها تعلن عن نفسها بصورة رسمية وتقليدية بأنها دولة شيوعية اشتراكية، وتعمل على المحافظة على هذه الصورة الرسمية خوفا من أن تفقد كيانها المستقل، وخوفا من أن القائمين على الدولة، وهم الذين يتبنون الفكر الشيوعي من أن يفقدوا امتيازاتهم. فيعمل الشيوعيون وحزبهم باستحياء على تطبيق النظم الرأسمالية والمحافظة على الارتباط باقتصاد أمريكا قائدة الرأسمالية. ولهذا ليس من المنتظر على المدى القريب أن تتخلى الصين عن هذه السياسة وتتولى قيادة العالم الرأسمالي فتصبح هي المؤثرة في اقتصاد العالم. ومن هنا عندما نتناول الأزمة المالية الرأسمالية التي أثرت على العالم نركز على أمريكا بالدرجة الأولى ومن ثم على أوروبا بالدرجة الثانية، فالعالم الذي يسيطر عليه النظام الرأسمالي حاليا يتأثر اقتصاديا بهاتين: أولا بأمريكا وثانيا بأوروبا.

 

رابعاً: اقتصاديات الدول الأخرى:

 

إن اقتصاديات باقي الدول ذات أثر قليل في التحكم في الاقتصاد الدولي:

 

- فاليابان قد وصل دينها إلى 245% من إجمالي الناتج المحلي بحسب أرقام صندوق النقد الدولي الذي طالبها مجددا بوضع خطة ميزانية متوسطة ذات صدقية من أجل الحد من هذا الدين الهائل، ولا يقلل من أثره أن أكثر من 90% منه مستحق لدائنين يابانيين...". وقد أعلنت الحكومة اليابانية في 8\8\2013 عن عزمها على اقتطاع حوالي 85 مليار دولار من النفقات العامة خلال سنتين، أي عكس ما تتطلبه سياسة التحفيز اليابانية...

 

- وروسيا فهي تطبق النظم الرأسمالية في داخلها وتعمل على تقليد الغرب في تطبيقها وفي تأسيس المنظمات الاقتصادية مع الدول الأخرى من دون قدرة على الإبداع، ولذلك عملت على تأسيس منظمات اقتصادية مع الدول التابعة لها كالاتحاد الجمركي الذي أسسته مع روسيا البيضاء وكازاخستان عام 2010 محاكاة للاتحاد الجمركي الأوروبي... على كلٍّ، فإن الاقتصاد الروسي تابع للمنظومة الرأسمالية بقيادة الغرب ويعمل على السير فيها وتطبيق قراراتها وتقليد الدول الرأسمالية في إيجاد المنظمات الاقتصادية؛ ولذلك فروسيا من هذه الناحية غير محركة للاقتصاد العالمي، بل هي تتأثر بالاقتصاد الرأسمالي الغربي أكثر مما تؤثر فيه هي بشكل فاعل.

 

- وأما باقي مجموعة البريكس "البرازيل والهند وجنوب أفريقيا" وباقي الدول الناشئة المكسيك وتركيا... فليس لها تأثير يذكر في الاقتصاد العالمي، بل هي تابعة للاقتصاد الغربي بصورة مباشرة ومرتبطة بالأسواق المالية الأمريكية والأوروبية. وقسم منها يعتمد على الديون بشكل رئيس لزيادة النمو كتركيا وليس هو اقتصادًا حقيقيًّا، وبذلك يزيد الاستهلاك فيها باعتماد الناس على الاستدانة وكذلك مؤسسات الدولة والمؤسسات الخاصة والشركات. وقسم منها مُستشرٍ فيها الفساد بشكل كبير كالهند وتهريب أكثر الأموال إلى الخارج، فاقتصاد هذه الدول ليس مستقرا ولا يعتمد على موارد حقيقية للاقتصاد، والبرازيل وجنوب أفريقيا تأثيرهما الاقتصادي في محيطهما، أي في أمريكا الجنوبية وفي أفريقيا وليس في الحركة الاقتصادية العالمية.

 

وهذه الاقتصاديات بشكل إجمالي لا يُركَّز عليها كثيراً في نشوء الأزمات أو إزالة هذه الأزمات.

 

خامساً: أما عن الأرقام والبيانات التي تُعلن فهي توضع كما تريدها المؤسسة الاقتصادية في الدولة المصدرة للبيانات...:

 

1- فالنمو في 2013 الذي ذكرته الولايات المتحدة رسميا كان في الواقع بسبب تغيير الحكومة الأمريكية للطريقة التي تقيس فيه الاقتصاد، فقد غيرت الطريقة التي يقاس فيه النمو وذلك بإدخال الملكية الفكرية في الاقتصاد مثل إنتاج الموسيقي وحقوق ملكية إنتاج الأدوية والعقاقير... وقد تسبب هذا التغيير بإضافة 370 بليون دولار في الاقتصاد مما يمثل تغييراً (زيادة) تمثل 2.5%. ومع ذلك فلا يزال اقتصاد الولايات المتحدة يكافح من أجل النمو في وقت خفض فيه مواطنوها إنفاقهم؛ لذلك فالتقارير التي تفيد بأن الركود قد انتهى يرجع إلى الطريقة التي يتم بها نشر الإحصاءات، وهي مصطنعة وليست حقيقية.

 

2- وأما البيانات الصادرة عن المسؤولين الأوروبيين فلم تكن أيضا عن نمو مستدام. كانت البيانات التي تم الإعلان عنها مجرد تقدير أولي، ولم تشمل كل أوروبا. فلم تدرج البلدان التي تعاني اقتصادياً مثل إيرلندا واليونان. وكانت البيانات الصادرة مجرد تقديرات جمعتها وكالة البيانات الأوروبية - يوروستات التي تعتمد على البيانات المقدمة من المكاتب الإحصائية الوطنية، التي تقوم بجمع البيانات بشكل مختلف، وتعتمد بشكل كبير على الدراسات الاستقصائية في تقديراتها الأولية للنمو. ويتم عادة مراجعة هذه التقديرات مرات عديدة. ويشير مكتب الإحصاء الألماني أن المراجعات يمكن إجراؤها حتى بعد أربع سنوات من التقديرات الأولية لأن البيانات الإضافية تؤخذ في الحسبان. لذلك، وبالنظر للعيوب الإحصائية، فلا يمكن بالفعل القول بأن الأوضاع في أوروبا قد تحسنت.

 

3- أما بخصوص الصين فقد كان هناك دائما العديد من الأسئلة والشكوك حول البيانات التي تصدرها حول اقتصادها. فالصين دولة كبيرة فهي الأكبر أرضاً وسكاناً في العالم. وجمع المعلومات حول كيفية أداء اقتصادها عملية كبيرة جدا...

 

والذي يثير الشكوك عند المراقبين أن الصين تصدر أرقام الناتج المحلي الإجمالي السنوي (GDP) في الأسبوع الثالث من شهر يناير عن العام السابق، ومن الصعوبة بمكان أن تستطيع الحكومة الصينية ضبط أمر نتائج العام بكامله خلال أسابيع ثلاثة! ما جعل وجها للقول بأن بيانات الصين هي في الواقع ما تريد أن يعرفه العالم بشأن اقتصادها!

 

سادساً: الخلاصة:

 

إن الأزمة المالية العالمية لم تنته بعد، وإن تداعياتها ما زالت موجودة وما زالت تعالجها بضخ الأموال كما تفعل أمريكا، أو بالتقشف كما تفعل ألمانيا في أوروبا، فأمريكا تضخ في السوق مبلغ 85 مليار دولار، أي تعطي هذه الأموال للشركات حتى تبقيها على قيد الحياة، وأوروبا تتبع سياسة التقشف. فهذا دليل على أن الأزمة ما زالت موجودة وأن الاقتصاد لا يسير طبيعيا من دون تدخل الدولة ومساعدتها، فكأنه يتنفس تنفسا اصطناعيا. مع العلم أن تدخل الدولة يخالف النظام الرأسمالي؛ حيث إن هذا النظام ينص على تخليص السوق من براثن السلطة، فلا يجيز للدولة التدخل في السوق لإنقاذ الشركات وباقي المؤسسات المالية أو أن يحد من حركة السوق، فيوجب أن تكون هناك حرية تامة، وأن السوق هو الذي يعالج نفسه بنفسه، فالتدخل حسب المبدأ الرأسمالي يعيق التقدم، حيث إن البقاء يكون للأصلح، فالشركات غير القادرة على العمل يجب أن تسقط فتقوم غيرها بالعمل، فلا يبقى في السوق إلا الشركات القادرة على المنافسة، وهكذا يتقدم الاقتصاد ويعمل بشكل حر حسب النظرية الرأسمالية التي يكذبها الواقع وتفندها ممارسات الدول الرأسمالية. فأسباب الأزمة ومصدر المشاكل لم تعالج وهي كامنة في النظام الرأسمالي، وفي كل لحظة ربما تحدث انتكاسة كالمريض الذي يعاني من أمراض مزمنة تعطى عنه تقارير تشير إلى تحسن في صحته بنسبة كذا وكذا وسرعان ما تصدر تقارير أخرى تقول العكس، فتعطى له مسكنات وحقن لإبقائه على قيد الحياة ولكنه يعاني من آلام وأوجاع لا تنتهي...

 

وهكذا فإن الاقتصاد العالمي لم يتحسن والأزمة باقية، والمشاكل قائمة، وستبقى قائمة ما دام النظام الرأسمالي قائما، فينتج عنها فقر وحرمان لمليارات من البشر وضياع أموال كثيرة من دون أن تصل إلى الناس فينتفعون بها عند توزيعها عليهم، فتعم التعاسة والشقاء كثيرا من الناس، ويستأثر قلة من أصحاب رؤوس الأموال بأكثرية الثروات. ولهذا السبب فإن الأزمة باقية كالبركان فتنفجر أحيانا وتهدأ أحيانا، ولكن البركان في الداخل يغلي. ومن هنا نستطيع أن نقول إنه لا يوجد علاج حقيقي إلا في الإسلام الذي يرى أن المشكلة الاقتصادية هي في توزيع الثروات بشكل صحيح، وتمكين كل فرد بعينه من الاستفادة منها والحصول على نصيبه منها والحيلولة دون تكديس الأموال في جيوب معينة. ولا ينظر إلى المجتمع نظرة إجمالية بأن هناك أموالاً وثروات بقيمة كذا فيكون نصيب الفرد كذا وفي الحقيقة ليست من نصيب الفرد بل من نصيب فئة قليلة جدا!

 

نسأل الله سبحانه أن يعود حكم الإسلام، الخلافة الراشدة، فيحل الرخاء والهناء، والحياة الاقتصادية السليمة، ليس فقط على الأمة الإسلامية، بل يعم الخير كذلك ربوع العالم، والله سبحانه عزيز حكيم.

 

 

03 من ذي القعدة 1434

الموافق 2013/09/09م

 

Share this post


Link to post
Share on other sites

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

(سلسلة أجوبة الشيخ العالم عطاء بن خليل أبو الرشتة أمير حزب التحرير على أسئلة رواد صفحته على الفيسبوك)

جواب سؤال: حول قبول الحديث وردّه

إلى Mohamed Mahmoud Sarhan

 

 

السؤال:

 

ليس هذا بسبيل المحققين في سبر أغوار حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم...

 

ليس من باب العلم ولا الفضل ولا التواضع، أن تقوموا بحذف التعليقات التي تعترض على الفتيا أو على جانب منها؛ رغم عدم تجاوزها أدبا وعلما؛ مكتفين بعبارة (فلان: وصل تعليقكم)، هديُ مَنْ هذا؟ أم هو ضرب من التعصب الأعمى لشخص الشيخ وتأليهه فيما يرى أو يقول؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

 

اتقوا الله والتزموا نهج العلماء؛ يرد العلم بالعلم، لا بحذفه وإهماله تعصبا أو ترفعا.) انتهى

 

 

 

الجواب:

 

(مع أنك لم تبدأ سؤالك بالسلام، بل بالخصام، إلا أننا نبدأ الجواب مفترضين أنك سلّمت في قلبك على الأقل! ونبدأ جوابنا:

 

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

 

1- على الرغم من أن "الآدمن" قد أجابك، وذكَّرك برسالتي لزوار الصفحة بأن يلتمسوا لنا عذراً لو تأخرنا في الجواب إلا أنك عدت ترسل سهامك وتتنقل من مكان إلى مكان تسأل وتسأل، بل تهاجم وتهاجم، فوصلت إلى صفحة الكنانة، فأرسلت إليهم بنهجك نفسه... وتقول وتقول، ومع ذلك فقد أجابك صاحب الصفحة ونقل لك من أقوال العلماء ما كان يكفيك، لكنك عدت تصول وتجول، وكأن بيننا وبينك خصاماً وخصاما...! مع أن الذي يسأل ليعرف الحق ويسعى إليه بحق ليهتدي ويصل إلى الصواب، مثل هذا يسأل بخير وعلى خير... يسأل سؤال طالب العلم الذي يحترم من يسأله، وحتى لو ظن في نفسه أنه عالم، فينهج في سؤاله نهج أولي العلم...

 

2- لقد عجبت من أمرك، وتهجمك الملحّ على جوابنا عن حديث "أصحابي كالنجوم..."! لقد شُغِلتُ بعض الوقت عن الصفحة... ثم وصلني تعليقك حول الحديث المذكور، فوجدتك تنتقد يمنة ويسرة، وتضرب خبط عشواء، فتقول "الحديث منكر المتن..." وتعلل ذلك بأن الاقتداء بالصحابة لا يصح مع وقوع الخلاف بينهم في المسألة! أفلا تعلم أن كل صحابي مجتهد، ويجوز تقليده في الحكم الشرعي حتى ولو اختلفوا؟ ألم يقلد المسلمون أبا بكر في اعتبار الطلاق الثلاث بلفظ واحد طلقة واحدة؟ ثم لما جاء عمر فاعتبره ثلاثاً أي بينونة كبرى، فقلده المسلمون في ذلك؟ وليس هذا فقط بالنسبة لتبني الإمام، بل يجوز تقليد أي مجتهد على وجهه وبشروطه في غير ما تبناه الإمام... ثم ألم تدرس في كتب الفقه فتجد في المسألة الواحدة عند المجتهدين آراء مختلفة، ومع ذلك يجوز تقليدهم لأن كلاً منهم قد استنبطها من كتاب الله سبحانه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وما أرشدا إليه وفق ما غلب على ظن كل واحد منهم؟

 

هل يخفى هذا على طالب علم، أو على عالم إن أحببت لنفسك ذلك؟! هل الواجب أن يكون المجتهدون كلهم على رأي واحد في المسألة؟ أو المهم هو أن يكون اجتهادهم مبنياً على كتاب الله سبحانه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وفق أصول الاجتهاد؟ ألم تنظر إلى المسائل في كتب الفقه، إن كنت نظرت، فترى كيف تُستنبط الأحكام من الأدلة التي تصح عند أحدهم ولا تصح عند الآخر وفق منهجه في ترجيح الأدلة؟ وحكم المزارعة الذي ذكرته، ومن الفقهاء من يحله ومنهم من يحرمه وفق الأدلة الشرعية الراجحة لديه، هذا الحكم يكفيك للدلالة على أن آراء المجتهدين تختلف في المسألة، ويجوز لك على الوجه الذي أنت عليه أن تأخذ الحكم الشرعي: فإن كنت مقلداً أو متبعاً تقلد مجتهداً تطمئن بعلمه بعد معرفة دليله، أما إن رأيت في نفسك الاجتهاد والقدرة عليه وفق أصوله فاجتهد...

 

3- لقد أحببت أن أبدأ بما سبق لأنني فوجئت بحرصك على تصحيح الأدلة دون أن تتدبر علم الأدلة والاستدلال جيداً، فظننت أن الحديث إذا كان ضعيفاً عند هذا، فلا يمكن أن يكون صحيحاً أو حسناً عند آخر، ودار في ذهنك أنه إذا كان هذا التعريف للحسن عند هذا فلا يمكن أن يكون هناك تعريف آخر! مع أنك نفسك تقول في ردودك علينا في الصفحة، تقول: "إن الحسن عرّفه العلماء بما يزيد عن عشرة تعريفات"، وتضيف، "تعريف الخطابي انتقده العلماء"، و"تعريف الترمذي عليه من الاستفسار والنقول ما يفوق محاولات شرحه"، أي أن الخطابي وهو من هو، والترمذي الرجل الرجل في علم الحديث، لا يعجبانك، وأما تعريفنا للحسن فهو ليس لم يعجبك فحسب، بل تتهجم عليه. ليس هذا فحسب، بل إن حديثاً أخذ به الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة وينطبق عليه تعريفنا للحسن، ومع ذلك فإن هذا الحديث ليس بشيء عند محمد محمود سرحان! ويشتد اعتراضك عليه لأنك ترى أن الحديث حتى لو صح فهو يعني أنه يجوز تقليد الصحابي، وهذا أمر كبير عندك لأن الصحابي يختلف في المسألة مع صحابي آخر! سبحان الله، إن لله في خلقه شئونا!

 

وهكذا فلا تعريف الخطّابي يرضيك، ولا الترمذي يشفيك، وتعريفنا لا ينفعك، وحتى تقليد الصحابي لا يقنعك!

 

وبالمناسبة فكأنك تلميذ ذلك الذي ضعَّف نحو ثلاثين حديثاً في صحيح مسلم، ونحو خمسة عشر حديثاً في صحيح البخاري... وقد تكلمت مع أحد تلامذته متسائلاً كيف ذلك؟ والبخاري العالم الكبير في علم الحديث، ومسلم كذلك كبير في علم الحديث؟ أجابني وهل في ذلك شيء، كلنا بشر، والمهم السَّند! أيرضيك هذا؟ هل تضعيف الأحاديث وردُّها هكذا... يا صاحب الاسم الحسن "محمد"؟

 

4- إن قبول الحديث وردّه علمٌ لا يصح أن يلج بابه من لم يدركه على وجهه، ويحسن هنا أن أذكِّرك بشيء منه، هداك الله لأرشد أمرك فأقول:

 

أ- هنالك رواة يُعتبرون ثقة عند بعض المحدثين، ويُعتبرون غير ثقة عند البعض، أو يعتبرون من المجهولين عند بعض المحدثين، ومن المعروفين عند البعض الآخر. وهناك أحاديث لم تصح من طريق وصحت من طريق أخرى. وهنالك طرق لم تصح عند البعض وصحت عند آخرين. وهناك أحاديث لم تعتبر عند بعض المحدثين وطعنوا بها، واعتبرها محدثون آخرون واحتجوا بها. وهناك أحاديث طعن بها بعض أهل الحديث، وقبلها عامة الفقهاء واحتجوا بها. فإلزام الناس باعتبار الحديث صحيحاً أو حسناً برأي من الآراء هو إلزام غير صحيح، ومخالف لواقع الأحاديث... ومن اطلع على اجتهادات الفقهاء المعتبرين يجد هذا يحتج بحديث لا يأخذ به ذاك، لأنه صح عند الأول، ولم يصح عند الثاني، وترى ذاك عند الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة وغيرهم... فيجب التأني والتفكير في الحديث قبل الإقدام على الطعن فيه أو رده. والمتتبع للرواة وللأحاديث يجد الاختلاف في ذلك بين المحدثين كثيراً، والأمثلة على ذلك كثيرة جداً:

 

ب- فمثلاً: روى أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ. يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ يَرُدُّ مُشِدُّهُمْ عَلَى مُضْعِفِهِمْ، وَمُتَسَرِّيهِمْ عَلَى قَاعِدِهِمْ...» فراوي هذا الحديث عمرو بن شعيب، وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فيه مقال مشهور، ومع ذلك فقد احتج بحديثه كثيرون ورفضه آخرون...

 

ج- ومثلاً في الدارقطني عن الحسن عن عبادة وأنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَا وُزِنَ مِثْلٌ بِمِثْلٍ إِذَا كَانَ نَوْعًا وَاحِدًا وَمَا كيلَ فَمِثْلُ ذَلِكَ، فَإِذَا اخْتَلَفَ النَّوْعَانِ فَلَا بَأْسَ بِهِ». هذا الحديث في إسناده الربيع بن صبيح وثقه أبو زرعة وضعفه جماعة... فإذا استدل أحد بهذا الحديث أو بحديث في إسناده الربيع بن صبيح، يكون قد استدل بدليل شرعي...

 

د- ومثلاً: روى أحمد قال حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، مَوْلَى الْأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، فَقَالَ: «أَلَيْسَ يَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ» قَالُوا: بَلَى. «فَكَرِهَهُ». ورواه أبو داود بلفظ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، أَنَّ زَيْدًا أَبَا عَيَّاشٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاص قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسْأَلُ عَنْ شِرَاءِ التَّمْرِ بِالرُّطَبِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ؟ قَالُوا نَعَمْ، فَنَهَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ».

 

هذا الحديث صححه الترمذي، وأعله جماعة، منهم الطحاوي والطبري وابن حزم وعبد الحق، بأن في إسناده زيداً أبا عياش وهو مجهول. قال في التلخيص والجواب أن الدارقطني قال إنه ثقة ثبت (يعني زيداً أبا عياش) وقال المنذري: قد روى عنه اثنان ثقتان وقد اعتمده مالك مع شدة نقده. فإذا جعل أحد هذا الحديث دليلاً شرعياً أو استدل بحديث فيه زيد أبو عياش، فإنه يكون قد استدل بدليل شرعي.

 

وعليه فإن قبول الأحاديث أو ردَّها علمٌ لا يصح أن يلجه إلا من هم له بأهل...

 

 

5- ثم هناك أمر أذكره لك، فلعله كان سبب التشويش الذي أصابك في المسألة، وهو ظنك بأن الاقتداء الوارد في "بأيهم اقتديتم اهتديتم" يعني الاستدلال بالقول أو بالفعل أو بالتقرير كما هو بالنسبة للرسول صلى الله عليه وسلم، فكبر عليك معها إطلاق الاقتداء بالصحابة، ولعل هذا الظن دفعك للقول "الحديث منكر المتن"!

 

والأمر ليس كذلك، فإن الاقتداء في اللغة له معان مختلفة وسياق الكلام يوضح المقصود. أما الاقتداء بمعناه الاصطلاحي أي الاستدلال بالقول والفعل والتقرير، فهو خاص بالرسول صلى الله عليه وسلم، فهو صلى الله عليه وسلم محل الاقتداء بهذا المعنى، أما المعاني الأخرى البعيدة عن هذا المعنى الاصطلاحي، فيجوز أن تُطلق كأن تقتدي بفلان فتكون مثله، أو تستأنس بفعله، أو تقلده، أو تأتم به، أو ترضى بما رضي... فهذا يمكن أن يطلق على غير الرسول صلى الله عليه وسلم وفق سياق الكلام المتعلق بأولي العلم والنُّهى، وبأصحاب القوة في الحق والتقوى، وبأصحاب الوعي والفطنة والذكاء، أو بأئمة الصلوات.. ونحو ذلك، ومَنْ مثلُ صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فهم خير الخلق بعده صلوات الله وسلامه عليه، وخير القرون قرنهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

جاء في لسان العرب: "الْجَوْهَرِيُّ: الإِمامُ الَّذِي يُقْتَدى بِهِ وَجَمْعُهُ أَيِمَّة...".

 

"والقرآنُ إِمامُ المُسلمين، وسَيدُنا مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِمام الأَئِمَّة، وَالْخَلِيفَةُ إِمَامُ الرَّعِيَّةِ، وإِمامُ الجُنْد قَائِدُهُمْ..."

 

"وأَمَمْتُ القومَ فِي الصَّلاة إِمامةً. وأْتمّ بِهِ أَي اقْتَدَى بِهِ."

 

"والأُسْوَةُ والإِسْوَةُ: القُدْوة. وَيُقَالُ: ائْتَسِ بِهِ أَيِ اقتدِ بِهِ وكُنْ مِثْلَهُ. اللَّيْثُ: فُلَانٌ يَأْتَسِي بِفُلَانٍ أَي يَرْضَى لِنَفْسِهِ مَا رَضِيَهُ ويَقْتَدِي بِهِ وَكَانَ فِي مِثْلِ حَالِهِ."

 

"وَقَالَ الْهَرَوِيُّ: تَأَسَّى بِهِ اتَّبَعَ فِعْلَهُ وَاقْتَدَى بِهِ"

 

"التَّهْذِيبُ: يُقَالُ فُلَانٌ يَحْتَذِي عَلَى مِثَالِ فُلان إِذا اقْتَدَى بِهِ فِي أَمره."

 

"والقُدوة والقِدوة: الأُسْوة. يُقَالُ: فُلَانٌ قُدْوَة يُقْتَدَى بِهِ. ابْنُ الأَعرابي: القَدْوةُ التقَدُّمُ. يُقَالُ فُلَانٌ لَا يُقادِيه أَحد وَلَا يُماديه أَحد وَلَا يُباريه أَحد وَلَا يُجاريه أَحد، وَذَلِكَ إِذا بَرَّز فِي الخِلال كُلِّهَا."

 

فأنت ترى هنا أن لفظ الاقتداء في غير الاصطلاح يمكن استعماله في الكلام عن الأتقياء الأنقياء لتتشبه بهم أو تستأنس بآرائهم أو تقلدهم في اجتهادهم، أو تأتمّ بهم في الصلوات أو في تسوية الصفوف في الجهاد والرباط...

 

6- إن تعريفنا للحسن يا صاحب الاسم الحسن هو الصواب الذي نراه، وهو لم يوضع لماماً، وإنما بعد دراسة مستوفاة بإذن الله، وقد ذكر لك صاحب صفحة الكنانة بعض أقوال للعلماء في ذلك، وذكرنا لك في جوابنا عن حديث "أصحابي كالنجوم..." ما يكفي لمن أراد الحق وسعى له ليهتدي، فذكرنا أن تعريفنا للحسن، وهو الذي نراه صوابا، ينطبق على الحديث الشريف المذكور، وفي حينه اكتفينا بما ذكرناه ولم نذكر أحد الرواة الثقات الذي رواه كذلك وهو "رزين بن حبيب الجهني التمار من أهل الكوفة"، كما جاء في كتاب مشكاة المصابيح لمؤلفه محمد بن عبد الله الخطيب العمري، أبو عبد الله، ولي الدين، التبريزي المتوفى: 741هـ، ورزين بن حبيب الجهني قد وثقه ابن حبان في كتابه الثقات، وابن أبي حاتم في كتابه الجرح والتعديل، وأبو الحجاج جمال الدين المزي في كتابه تهذيب الكمال في أسماء الرجال... وبعض ما ذكرناه يكفي بالنسبة لتحسين الحديث، فكيف بما ذكرناه كله؟ وهكذا فإن الحديث عندنا حسن حتى وإن ضعَّفه آخرون، وفق ما بيّناه فيما سبق، وليس بدعاً من القول أن يكون حديث ما موثقاً عند بعضهم وضعيفاً عند الآخرين، ومن ولج هذا العلم من بابه وتدبر معانيه وأدرك مدلولاته، يهدي الله قلبه ويعرف الحق بوضوح وجلاء، والله الهادي إلى سواء السبيل.

 

7- وفي الختام، فها نحن قد أجبناك عن ما أشكل عليك، وعن ما كنت تظنه على غير سواء، وإني لآمل أن يكون هذا الجواب وما سبقه كافياً وافياً... فإن شرح الله صدرك له واهتديت به وزالت الغشاوة... فهذا ما نحب ونبغي، وأما إذا كان الموضوع من باب الأخذ والردّ على غير وجه، أي من باب الجدل والمراء... فلا نحب ذلك، فإن وقتنا محسوب علينا، ونحن مسئولون عنه، ولا يصح أن نضيعه في ما لا طائل تحته من جدل ومراء، والمؤمن الذي يقرأ قوله تعالى (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) يبذل الوسع في الابتعاد عن المراء، فقد جاء في لسان العرب عن المراء: "قَالَ: وأَصله فِي اللُّغَةِ الجِدال وأَن يَستخرج الرجلُ مِنْ مُناظره كَلَامًا وَمَعَانِي الْخُصُومَةِ وَغَيْرِهَا..."، وجاء فيه أيضاً: "ومارَيْتُ الرجلَ ومارَرْتُه إِذا خَالَفْتَهُ وتَلَوَّيْتَ عَلَيْهِ..."، فلا يكون الهدف في المراء معرفة الحق والاهتداء إليه، وإنما الأخذ والرد بغرض الإزعاج و"المناكفة" ونحن في غنى عن ذلك! أخرج الطبراني في الكبير عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ آدَمَ الدِّمَشْقِيِّ، قَالَ، حَدَّثَنِي أَبُو الدَّرْدَاءِ، وأَبُو أُمَامَةَ، ووَاثِلَةُ بْنُ الْأَسْقَعِ، وأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالُوا: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمْ يَوْمًا، وَنَحْنُ نَتَمَارَى فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ، فَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا لَمْ يَغْضَبْ مِثْلَهُ، ثُمَّ انْتَهَرَنَا، فَقَالَ: «مَهْلًا يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِهَذَا، أَخَذُوا الْمِرَاءَ لِقِلَّةِ خَيْرِهِ»، ثم إن المراء عند الشخص دليل عدم انغماسه في العمل الصالح وتلبسه فيه وانشغاله به...، ولو كان جاداً مجداً مجتهداً في عمله، ينتفع بما هو خير في ليله ونهاره، لما وجد وقتاً للمراء. جاء في كتاب حديث الزهري لمؤلفه: عبيد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف العوفي، الزهري، القرشي، أبو الفضل البغدادي (المتوفى: 381هـ) قال: "أَخْبَرَكُمْ أَبُو الْفَضْلِ الزُّهْرِيُّ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَانِئٍ، نا عُثْمَانُ بْنُ صَالِحٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ حَفْصٍ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ، عَنْ مَنْ حَدَّثَهُ، عَنْ مَالِكٍ يَعْنِي ابْنَ دِينَارٍ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ الْحَسَنِ، فَسَمِعَ مِرَاءَ قَوْمٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا مَالِكُ، إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مَلُّوا الْعِبَادَةَ، وَبَغَضُوا الْوَرَعَ، وَوَجَدُوا الْكَلَامَ أَخَفَّ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعَمَلِ"، نعم لو كانوا يعملون بصدق وإخلاص لما وجدوا متسعاً للمراء...

 

8- وخاتمة الختام أسأل الله سبحانه لنا ولك ولزوار هذه الصفحة وضيوفها وللمسلمين أجمعين الهداية إلى أرشد الأمر، والوقاية من المراء المفضي إلى الشر، وأن ينزع من قلوب المسلمين ما فيها من غِلٍ، بعضهم على بعض، فيكونوا إخواناً على سرر متقابلين (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ) وأن يظلنا الله سبحانه في الدنيا بظل راية العقاب راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأن يظلنا في الآخرة بظله سبحانه يوم لا ظل إلا ظله، وذلك الفوز العظيم.

 

 

 

 

 

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

 

 

 

 

04 من ذي القعدة 1434

الموافق 2013/09/10م

 

Share this post


Link to post
Share on other sites

بسم الله الرحمن الرحيم

 

(سلسلة أجوبة الشيخ العالم عطاء بن خليل أبو الرشتة أمير حزب التحرير على أسئلة رواد صفحته على الفيسبوك)

 

أجوبة أسئلة حول التحدث بالرؤيا.

وقانون التكافل الاجتماعي.

إلى شام العز

 

 

 

السؤال:

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

بارك الله فيكم وسدد على طريق الحق خطاكم

 

1- هل يجوز التحدث بالرؤيا على صفحتي الشخصية أم أن هذا رياء... رؤيا خاصة ومهمة جداً.

 

2- أعمل صيدلي وفرض علينا قانون التكافل الاجتماعي وهو إلزامي ﻻ ترخيص عمل بدون تسديد الرسوم... يأخذون مبلغاً منا يشغل في البنك، هكذا كتب في البند، وعند وفاة الزميل الصيدلي يقوم صندوق التكافل الاجتماعي بإعطاء أهل الصيدلي 25 ألف دينار أردني. السؤال: هل هذا جائز؟

 

ماذا علي أن أوصي أهلي بخصوص هذا المال؟ هل يصح أن يستردوا ما دفعت ويتصدقوا بالباقي، أم يرد للنقابة، أم ماذا عليهم أن يفعلوا به؟ جزاكم الله خيرا.

 

 

الجواب:

 

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

 

1- بالنسبة للتحدث بالرؤيا، فقد أخرج البخاري عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «إِذَا رَأَى أَحَدُكُمُ الرُّؤْيَا يُحِبُّهَا، فَإِنَّهَا مِنَ اللَّهِ، فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ عَلَيْهَا وَلْيُحَدِّثْ بِهَا، وَإِذَا رَأَى غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَكْرَهُ، فَإِنَّمَا هِيَ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ شَرِّهَا، وَلاَ يَذْكُرْهَا لِأَحَدٍ، فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ».

 

أما هل التحدث برؤيا معينة رياء أو غير رياء، فهذا أنت تقرره، وفقك الله سبحانه وأعانك على كل خير.

 

2- أما عن قانون التكافل الاجتماعي فمعانيه مختلفة... فإن كان يشبه قانون التقاعد في النقابات، أي أن نقابة الصيادلة تلزمك بالاشتراك في قانون التقاعد ودفع رسوم معينة ولا يسمح لك بالعمل صيدلياً دون الاشتراك، أي لا تأخذ رخصة عمل الصيدلي دون الاشتراك فيه وتسديد الرسوم... ثم بعد سن معينة يعطونك راتباً تقاعديا و/ أو مبلغاً معيناً عند الوفاة... إن كان الأمر كذلك، وكان هذا الاشتراك إلزامياً وإلا لا يسمح لك بالعمل صيدلياً، فجائز الاشتراك فيه لأن هذا بمثابة أخذ رخصة عمل مباح وهذا جائز، وفي الوقت الذي يصبح فيه الاشتراك ودفع الرسوم أمراً اختيارياً، ولا يؤثر في رخصة العمل، فلا يجوز الاشتراك فيه.

 

أما عن تشغيل أموال النقابة بالربا، فإن كان هذا متوقفاً على موافقتك، أي إن وافقت على تشغيل ما تدفعه من رسوم بالربا كان، وإن لم توافق لا يكن، فعندها لا يجوز لك الموافقة على التشغيل بالربا. أما إذا كان التشغيل دون موافقتك أي ليس باختيارك فلا شيء عليك، ما دام اشتراكك ودفع الرسوم لا يتجاوز أخذ رخصة العمل.

 

أما ما يعطيه الصندوق لأهلك عند الوفاة في هذه الحالة، أي في حالة اقتصارك في الاشتراك فقط على ما يلزم لأخذ رخصة العمل، فيجوز لهم أخذه، ويستحقه الورثة... وإني أحب لك أن توصي بجزء منه للفقراء والمساكين، فهذا أفضل وأطيب، مدّ الله في عمرك لعمل الخيرات.

 

 

 

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

 

 

 

04 من ذي القعدة 1434

الموافق 2013/09/10م

 

 

 

 

 

 

 

Share this post


Link to post
Share on other sites

بسم الله الرحمن الرحيم

 

(سلسلة أجوبة الشيخ العالم عطاء بن خليل أبو الرشتة أمير حزب التحرير

على أسئلة رواد صفحته على الفيسبوك)

 

أجوبة أسئلة حول الأرض الموات و الخراج على الذمي

إلى زمن الغربة

 

 

السؤال:

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

هناك سؤال من شقين يجول في خاطري وأوقفني كثيرا في كتاب النظام الاقتصادي حول أرض الموات في الخراجية، وتكرر الموضوع في كتاب الأموال بالصيغة نفسها؛ وهو على أن أرض الموات في الخراجية تعامل معاملة العشرية بالنسبة للمسلم، فيحق له أن يحجر ويمتلك ولا خراج عليه، إنما فقط العُشر، أما بالنسبة للذمي فلا يحق له أن يمتلك ويدفع عنها خراجًا. السؤال: لماذا لا يمتلك وهي عوملت معاملة العشر، وهو يحق له أن يحجر ويمتلك في العشر، فالأصل أن يعامل معاملة العشرية كما عومل المسلم هذا بالنسبة للأول.

 

أما السؤال الثاني: فلماذا نقول إن على الذمي أن يدفع خراجًا على أرض العشر، والخراج لا يكون على أرض العشر، فالأصل أن يعامل معاملة الأصل وأن لا نقول خراج؛ لأن له مفهومًا شرعيًّا، وهنا خالفنا التعريف بتسمية المال الذي يؤخذ من الذمي على أرض العشر خراجا، لماذا لا يكون هناك اجتهاد في تسمية هذا المال؟ وجزاك الله خيراً.

 

الجواب:

 

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

 

1- الأرض الميتة إما أن تكون في الأرض العشرية وإما في الأرض الخراجية؛

 

أ- أما الأرض العشرية فإحياء الموات فيها يبقيها عشرية، فإذا أحياها المسلم فهو يملك رقبتها ومنفعتها ويدفع عنها العشر زكاة. وإذا أحياها الكافر الذمي فهي تبقى عشرية، يملك رقبتها ومنفعتها، ولكنه يدفع عنها الخراج وليس العشر، لأن العشر زكاة، ولا تكون الزكاة من الكافر... ولأن الأرض الزراعية إما أن يدفع عنها العشر وفق الأحكام الشرعية، وإما أن يدفع عنها الخراج، ولأن العشر لا يكون من الكافر لذلك يدفع عنها الخراج.

 

ب- وأما الأرض الخراجية الموات، فهي نوعان:

 

- أرض خراجية سبق أن فرض عليها الخراج، ثم أصبحت ميتة، فهذه إذا أحياها المسلم أو الكافر، فلا تتغير صفتها، بل تبقى أرضاً خراجية يدفع المسلم والكافر عليها الخراج.

 

- والنوع الآخر أرض خراجية لم يسبق أن فرض عليها الخراج، فهذه إن أحياها المسلم فتكون أرضاً عشرية ويدفع عنها العشر، وأما إن أحياها الكافر الذمي فلا يتغير وصفها بل تبقى أرضاً خراجية يدفع عليها الخراج.

 

ج- أما لماذا نقول إن على الذمي أن يدفع خراجاً على الأرض العشرية إذا امتلكها، فذلك لأن الأرض لا تخلو من وظيفة، فهي أرض عشرية يدفع المسلم عنها العشر زكاة، ولأن الزكاة لا تكون من الذمي، ولأن الأرض الزراعية لا تخلو من وظيفة وفق أحكام الشرع، فيدفع الذمي عنها الخراج إذا امتلكها.

 

- ولتوضيح هذا الأمر، أي كيف لا تخلو الأرض الزراعية من وظيفة، نقول:

 

إن أدلة أحكام الأراضي الزراعية لم تجعل هناك أرضاً إلا عشرية أو خراجية.

 

وأما كيف ذلك، فإليك البيان:

 

إن أدلة أحكام الأراضي الزراعية الواردة في الشرع:

 

• أدلة عامة في كل أرض، وهي توجب عليها زكاة العشر أو نصف العشر وفق الأحكام الشرعية... «فِيمَا سَقَتْ الأَنْهَارُ وَالْغَيْمُ الْعُشُورُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالسَّانِيَةِ نِصْفُ الْعُشْرِ» وغيرها.

 

• بعد الفتح ظهرت مشكلة جديدة في الأراضي أُخرِجت من النص العام ووضع عليها الخراج، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حدثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: قَبِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ الْبَحْرَيْنِ قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَمَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ قَبِلَ إِسْلَامَهُ، وَأَحْرَزَ إِسْلَامُهُ نَفْسَهُ وَمَالَهُ إِلَّا الْأَرْضَ، فَإِنَّهَا فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَمْ يُسْلِمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ فِي مَنَعَةٍ. وهذا ما قضى به عمر رضي الله عنه في أرض السواد بقوله: "وقد رأيت أن أحبس الأرضين بعلوجها، وأضع فيها الخراج..."، وغيرها.

 

• ولذلك فإن كل أرض زراعية في دار الإسلام عليها زكاة وفق الأحكام الشرعية، إلا نوع معين عليه الخراج.

 

• فالحكم العام يجري على عمومه "كل أرض زراعية في دار الإسلام فيها زكاة" وفق الأحكام الشرعية، ولا يخرج منه إلا ما خصص بنص آخر "الأرض الخراجية".

 

2- هذا هو حكم الأراضي الزراعية، فهي: إما عشرية وإما خراجية، هذا هو تصنيف الأراضي الزراعية، فلا تخلو من وظيفة، أي ليس هناك أرض زراعية لا تسمى عشرية أو خراجية.

 

3- أما قولك بأن الخراج له مفهوم شرعي فإذا دفع الذمي الخراج على أرض العشر نكون خالفنا المفهوم الشرعي للخراج، فهذا القول غير صحيح لأن الأرض الخراجية غير معللة بوصف مفهم في واقع الأرض بين كونها عشرية أو خراجية، فالأرض هي الأرض، أي هي لفظ جامد، فهذه أرض عشرية، وقد يكون قريباً منها أرض خراجية، ولا فارق بينهما لا في التربة ولا في الزرع... فكلمة الخراج ليست وصفاً مفهماً مرتبطاً بالحكم... ولذلك فدفع الذمي الخراج عن أرض العشر التي يمتلكها ليس فيه مخالفة لمفهوم الخراج.

 

 

 

 

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

 

 

 

 

 

09 من ذي القعدة 1434

الموافق 2013/09/15م

 

 

 

 

Share this post


Link to post
Share on other sites

بسم الله الرحمن الرحيم

 

(سلسلة أجوبة الشيخ العالم عطاء بن خليل أبو الرشتة أمير حزب التحرير على أسئلة رواد صفحته على الفيسبوك)

 

 

أجوبة أسئلة: حول الكحول واستخداماتها

إلى

Ghadeer Rooz - مصطفى عبد العال - أبو محمود الخليلي - إكليل الجبل - Manal Bader

 

 

الأسئلة:

 

1- Ghadeer Rooz: ولكن يا شيخ أصبح الآن يخلط مع الكحول مواد سامة لتمنع سكرها -فأصبحت مادة سامة ليست مسكرة- السؤال هنا هل "الكحول السامة المصنعة للعطور" نجسة تفسد طهارة الثياب؟

 

2- أبو محمود الخليلي الكحول الموجود في العطور نوعان؛ أحدهما: مسكر وهو المعروف بالكحول الإيثيلي، وأما السام فهو المعروف بالكحول الميثيلي فهل حكمهما واحد؟

 

3- مصطفى عبد العال: وإذا لم تشرب يا شيخ؟

 

4- إكليل الجبل: وهل يطبق هذا الحكم على المستحضرات الطبية. وخصوصا أن كثيرا من مواد تنظيف الأيدي في معظم القطاعات الصحية عبارة عن مستحضرات كحولية "ethanol + isopropanol"وكذلك الحال لغسول الفم. ونحن نستخدم الكحول في بعض الصناعات الدوائية كمذيب أو حافظ؟

 

 

5- Manal Bader

 

Assalamu alaikum dear sheikh barak allahu feek as you kindly mentioned above that alcohol if consumed will result in a drunken state...whereas sd or denatured alcohol is used in perfumes deodorant lotions and facial creams... in these cases they cannot be consumed internally (due to the change of its chemical state) what is hukm for its use? In another situation, the fuel we use for our cars is also derived from alcohol, is this also the same issue of a haram hukm? Jazak allahu kul khair & May ect you.

 

الجواب:

 

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

 

الأسئلة فيها تشابه، وسأجمل لكم الجواب عنها على النحو التالي:

 

1- الكحول منه صنف يسمى الميثيلي، وقد قيل لي إنه غير مسكر لكنه سام قاتل، وسبيرتو الوقود هو من النوع الميثيلي، ويؤخذ من نشارة الخشب وغيرها، وشربه يسبب العمى ويؤدي إلى الوفاة خلال أيام. وبناء عليه فإن الميثيلي ليس خمراً، ولا يأخذ حكم الخمر من حيث النجاسة والحرمة، إلا من حيث استعمال الميثيلي كسُمّ وفق قاعدة الضرر، فقد أخرج ابن ماجه عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَضَى أَنْ لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ».

 

2- ومنه صنف يسمى الإيثيلي، وهو المستعمل في المشروبات المسكرة المتخمِّرة، أو المقطَّرة، والسبيرتو الطبِّي هو من هذا النوع، كما أن الكحول الإيثيلي يستعمل أيضاً في الصناعة فهو يستعمل كحافظٍ لبعض المواد، وكمادة منشِّفة للرطوبة، وكمُذيب لبعض القَلَويات والدُّهنيات، وكمقاوم للتَّجمُّد، وكمذيب لبعض الأدوية، وكمذيب للمواد العِطرية كالكالونيا والروائح، ويدخل في صناعة بعض مواد النِّجارة. وهذه الاستعمالات ثلاثة أقسام:

 

أ- قسم يُستعمل فيه الكحول كمذيبٍ فحسب، أو كمُضاف إلى بعض المواد، وهذا الاستعمال لا يُفقد الكحول ماهيته ولا خصائصه، وإنما يظل على حاله من التركيب ومن الإسكار، فهذا القسم حرام استعماله مطلقاً، وكمثالٍ عليه الكالونيا، فالكالونيا لا يحل استعمالها وتظل نجسة، لأن النجاسة خالطتها وظل فيها الكحول المسكر على حاله، فهي مواد مخلوطة بخمرٍ، والخمر نجسة، والدليل على ذلك حديث الخشني:

 

أخرج الدارقطني عَنِ الْخُشَنِيِّ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نُخَالِطُ الْمُشْرِكِينَ وَلَيْسَ لَنَا قُدُورٌ وَلَا آنِيَةٌ غَيْرُ آنِيَتِهِمْ، قَالَ: فَقَالَ: «اسْتَغْنُوا عَنْهَا مَا اسْتَطَعْتُمْ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَارْحَضُوهَا بِالْمَاءِ فَإِنَّ الْمَاءَ طَهُورُهَا ثُمَّ اطْبُخُوا فِيهَا» فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «فَإِنَّ الْمَاءَ طَهُورُهَا»، أي أن تلك الآنية كانت نجسة بوضع الخمر فيها، وطهرت بعد غسلها، وهذا دليل على أن الخمر نجسة، وكان السؤال عن تلك الآنية التي يوضع فيها الخمر، كما جاء في رواية الخشني عند أبي داود عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ، أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّا نُجَاوِرُ أَهْلَ الْكِتَابِ وَهُمْ يَطْبُخُونَ فِي قُدُورِهِمُ الْخِنْزِيرَ وَيَشْرَبُونَ فِي آنِيَتِهِمُ الْخَمْرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَكُلُوا فِيهَا وَاشْرَبُوا، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا غَيْرَهَا فَارْحَضُوهَا بِالْمَاءِ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا»، فالخنزير والخمر نجسان، فتتنجس الآنية التي يوضعان فيها، فيجب غسلها لتطهيرها قبل استعمالها.

 

ب- وقسم يتحوَّل الكحول عن ماهيته، ويفقد خاصِّيته في الإسكار، ويتشكل منه ومن المواد الأخرى مادة جديدة لها مواصفات غير مواصفات الكحول، ولكنها غير سامة، وهذه مادة جديدة لا تأخذ حكم الخمر وتكون طاهرة كأي مادة أخرى يطبق عليها قاعدة "الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد دليل التحريم".

 

ج- وقسم يتحوَّل الكحول عن ماهيته، ويفقد خاصِّيته في الإسكار، ويتشكل منه ومن المواد الأخرى مادة جديدة لها مواصفات غير مواصفات الكحول، ولكنها سامَّة، وحكمها حكم السُمّ: طاهر ولكن استعماله حرام لشربه أو لإلحاق الضرر بنفسه أو بغيره.

 

3- وعليه فإن الكحول الإيثيلي إذا مُزج مع مواد أخرى فالحكم فيه يكون بمعرفة هل يفقد المزيج الإيثيلي خاصية الإسكار أو لا، وهل يكون المزيج ساماً أو غير سام... وهذه تحتاج إلى تحقيق مناط حسب الخبراء والمختصين، فإن ثبت علمياً أو عملياً أن هذا المزيج يسكر فإنه يأخذ حكم الخمر ويدلُّ على أن الإيثيلي في هذا المزيج لم يفقد خاصيته وماهيته، أما إن ثبت علمياً أو عملياً أن هذا المزيج لم يعد يُسكر وليس ساماً فإنه لا يأخذ حكم الخمر، ولا حكم السم، وإن ثبت علمياً أو عملياً أن هذا المزيج لم يعد يُسكر ولكنه سام فإنه لا يأخذ حكم الخمر، وإنما يأخذ حكم السم.

 

وبناء عليه:

 

• سؤال "Ghadeer Rooz" الذي يقول "يخلط مع الكحول مواد سامة لتمنع سكرها -فأصبحت مادة سامة ليست مسكرة"، والجواب إذا تأكد هذا الأمر من أهل الاختصاص بأن المزيج في هذه الحالة لا يسكر بل هو مادة سامة، فإذن لا يأخذ حكم الخمر، ولا يكون نجساً، بل يطبق عليه حكم السم بأن استعماله لشربه أو إلحاق الضرر بالآخرين هو الحرام.

 

• سؤال الأخ أبو محمود الخليلي الذي يقول فيه "الكحول الموجود في العطور نوعان؛ أحدهما: مسكر وهو المعروف بالكحول الإيثيلي، وأما السام فهو المعروف بالكحول الميثيلي فهل حكمهما واحد؟"

 

والجواب أن ليس حكمهما واحدا، فالمسكر يأخذ حكم الخمر، أما الخليط مع الكحول الميثيلي السام فيأخذ حكم السم، لكن العطور كما نُقل إليّ لا يدخلها الميثيلي بل الإيثيلي، فتأكد من هذه المسألة من المختصين، لأن الحكم يتوقف عليها كونها تُسكر أو سامة لا تسكر.

• سؤال الأخ مصطفى عبد العال: وإذا لم تشرب يا شيخ؟

 

إن كان المزيج الناتج مسكراً مثل الكالونيا فتأخذ حكم الخمر، والخمر حرام في عشرة مواضع وليس فقط إذا شربت أخرج الترمذي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الخَمْرِ عَشَرَةً: عَاصِرَهَا، وَمُعْتَصِرَهَا، وَشَارِبَهَا، وَحَامِلَهَا، وَالمَحْمُولَةُ إِلَيْهِ، وَسَاقِيَهَا، وَبَائِعَهَا، وَآكِلَ ثَمَنِهَا، وَالمُشْتَرِي لَهَا، وَالمُشْتَرَاةُ لَهُ»، فأي واحد من هذه العشرة حرام.

 

• سؤال إكليل الجبل: "وهل يطبق هذا الحكم على المستحضرات الطبية. وخصوصا أن كثيرا من مواد تنظيف الأيدي في معظم القطاعات الصحية عبارة عن مستحضرات كحولية (ethanol+isopropanol) وكذلك الحال لغسول الفم. ونحن نستخدم الكحول في بعض الصناعات الدوائية كمذيب أو حافظ؟"

 

والجواب هو أن استعمال الخمر في الدواء، وكذلك الدواء الذي تدخل فيه الكحول... فحكمه الجواز مع الكراهية، ودليل ذلك:

 

أخرج ابن ماجه من طريق طَارِقِ بْنِ سُوَيْدٍ الْحَضْرَمِيِّ قَالَ: «قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ بِأَرْضِنَا أَعْنَابًا نَعْتَصِرُهَا فَنَشْرَبُ مِنْهَا قَالَ لَا فَرَاجَعْتُهُ قُلْتُ إِنَّا نَسْتَشْفِي بِهِ لِلْمَرِيضِ قَالَ إِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِشِفَاءٍ وَلَكِنَّهُ دَاءٌ»، فهذا نهي عن استعمال النجس أو الحرام "الخمر" دواءً. ولكن أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم التداوي بالنجس "بول الإبل"، أخرج البخاري من طريق أنس رضي الله عنه : «أَنَّ نَاسًا مِنْ عُرَيْنَةَ اجْتَوَوْا الْمَدِينَةَ فَرَخَّصَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْتُوا إِبِلَ الصَّدَقَةِ فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا...»، اجتووا المدينة: أي لم يوافقهم جوها فمرضوا، فأجاز لهم الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتداووا بأبوال الإبل وهي نجسة. وكذلك أجاز الرسول صلى الله عليه وسلم التداوي بالحرام "لبس الحرير"، أخرج الترمذي وأحمد، واللفظ للترمذي من طريق أنس «أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ شَكَيَا الْقَمْلَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي غَزَاةٍ لَهُمَا، فَرَخَّصَ لَهُمَا فِي قُمُصِ الْحَرِيرِ. قَالَ: وَرَأَيْتُهُ عَلَيْهِمَا»، وهذان الحديثان قرينة على أن النهي في حديث ابن ماجه غير جازم، أي أن التداوي بالنجس والحرام مكروه.

 

ولذلك فإن استعمال الدواء الذي يدخل في صناعته الكحول جائز مع الكراهية، والأفضل هو عدم استعمال الكحول في صناعة الدواء، لكنها لو استعملت في صناعة الدواء فحكمها مكروه، وهكذا لو تناول المريض دواءً فيه كحول فهو مكروه، وكل ذلك إذا كان المزيج الذي فيه الكحول هو دواء وفق رأي المختصين، وليس شيئاً آخر.

 

• سؤال الأخت Manal Bader

 

"Assalamu alaikum dear sheikh barak allahu feek as you kindly mentioned above that alcohol if consumed will result in a drunken state...whereas sd or denatured alcohol is used in perfumes deodorant lotions and facial creams... in these cases they cannot be consumed internally (due to the change of its chemical state) what is hukm for its use? In another situation, the fuel we use for our cars is also derived from alcohol, is this also the same issue of a haram hukm? Jazak allahu kul khair & May ect you."

والجواب هو أنك قد ذكرت نوعاً من الكحول من نوع "SD" أو الكحول المعالج كيميائيا، وتقولين إنه "إيثانول سام"، وأنا لا أدري أهذا الصنف يقع تحت الإيثيلي أو الميثيلي، ولكن الخط العريض هو إن كان المزيج الناتج لا يسكر بل سام، فلا يأخذ حكم الخمر بل يأخذ حكم السم، فيحرم إذا استعمله الشخص سماً لإلحاق الضرر بنفسه أو بغيره، وتكون المادة طاهرة إن لم يكن ورد نص عن نجاسة تلك المادة الناتجة.

أما إذا كان المزيج الناتج يسكر فحكمه حكم الخمر، وهو حرام ليس فقط إذا شُرب بل في المواضع العشرة.

أما عن وقود السيارات الممزوج فيه كحول فالخط العريض واحد، فإن كان واقعه أنه يسكر إذا شُرب فيأخذ حكم الخمر، وإن لم يكن مسكراً بل ساماً فيأخذ حكم السم، ويقرر ذلك المختصون.

 

 

 

 

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

 

 

 

 

13 من ذي القعدة 1434

الموافق 2013/09/19م

 

 

 

Share this post


Link to post
Share on other sites

بسم الله الرحمن الرحيم

 

أجوبة أسئلة

 

 

 

1. الجهاد في العمل لإقامة الدولة

 

2. الإفاضة في الحج

 

 

السؤال الأول:

هناك من يقول إن حزب التحرير يعتمد على الدور المكي في سعيه لإقامة الخلافة وليس على الدور المدني، فيعدُّ الأعمال القتالية "الجهاد" في مرحلة الدعوة لإقامة الخلافة مخالفةً للشرع لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقم بذلك... ويضيف القائل: لماذا لا تؤخذ أدلة إقامة الخلافة من الدور المدني حيث كان الجهاد قائماً ومعمولاً به؟ فهل من جواب شاف كاف في هذه المسألة؟ وجزاك الله خيرا.

 

 

الجواب:

إن في هذا السؤال أموراً عدة تحتاج إلى بيان:

 

1- إن الأدلة الواردة، سواء أكانت من الكتاب أم من السنة واجبة الاتباع على وجهها، ولا فرق بين الأدلة الواردة في مكة المكرمة وبين الأدلة الواردة في المدينة المنورة.

 

2- إن الأدلة المطلوبة هي الأدلة على المسألة وليس الأدلة على غير المسألة:

 

أ- مثلاً إذا أردت معرفة كيف أتوضأ، فإني أبحث عن أدلة الوضوء حيث كانت، سواء أنزلت في مكة أم في المدينة، ويُستنبط الحكم الشرعي منها وفق الأصول المتبعة... ولكني لا أبحث عن أدلة الصيام لآخذ منها حكم الوضوء وكيفيته.

 

ب- ومثلاً إذا أردت معرفة أحكام الحج، فكذلك أبحث عن أدلة الحج حيث كانت، سواء أنزلت في مكة أم في المدينة، ويُستنبط الحكم الشرعي منها وفق الأصول المتبعة، ولكني لا أبحث عن أدلة الصلاة لآخذ منها حكم الحج وكيفيته.

 

ج- ومثلاً إذا أردت معرفة أحكام الجهاد: على العين أو على الكفاية، في الدفاع أو ابتداء، ما يترتب على الجهاد من أحكام الفتح ونشر الإسلام، الفتح عنوةً أو صلحاً... فإني أبحث عن أدلة الجهاد حيث كانت، سواء أنزلت في مكة أم في المدينة، ويُستنبط الحكم الشرعي منها وفق الأصول المتبعة، ولكني لا أبحث عن أدلة الزكاة لآخذ منها حكم الجهاد وتفاصيله.

 

د- وهكذا في كل مسألة، فإنه يبحث عن أدلتها حيث وردت في مكة أو في المدينة، ويؤخذ الحكم الشرعي للمسألة من هذه الأدلة وفق الأصول المتبعة.

 

3- والآن نأتي إلى مسألة إقامة الدولة الإسلامية، ونبحث عن أدلتها، سواء أنزلت في مكة أم في المدينة، ونستنبط الحكم الشرعي منها وفق الأصول المتبعة.

 

إننا لا نجد أي أدلة لإقامة الدولة الإسلامية إلا التي بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم في سيرته في مكة المكرمة، فقد دعا إلى الإسلام سراً، فأوجد كتلة مؤمنة صابرة... ثم أعلنها بين الناس في مكة وفي المواسم... ثم طلب نصرة أهل القوة والمنعة، فأكرمه الله سبحانه بالأنصار، فهاجر إليهم وأقام الدولة.

 

هذه هي أدلة إقامة الدولة، ولا توجد أدلة غيرها، فالرسول صلى الله عليه وسلم بيَّنها لنا في سيرته بياناً شافياً، وعلينا التزامها، فالموضوع ليس دوراً مكياً قبل فرض الجهاد، ودوراً مدنياً بعد فرض الجهاد، بل هو البحث عن أدلة إقامة الدولة، وهي ليست إلا في مكة إلى أن هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وأقام الدولة.

 

وهي شيء والجهاد شيء آخر، وكما قلنا فإن أدلة إقامة الدولة تؤخذ من مظانها، وأدلة الجهاد تؤخذ من مظانها، وهذه غير تلك ولا تتوقف الواحدة على الأخرى، ولهذا لا يتعطل الجهاد بعدم وجود دولة الخلافة، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «وَالْجِهَادُ مَاضٍ مُنْذُ بَعَثَنِي اللهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى أَنْ يُقَاتِلَ آخِرُ أُمَّتِي الدَّجَّالَ، لَا يُبْطِلُهُ جَوْرُ جَائِرٍ وَلَا عَدْلُ عَادِلٍ». أخرجه البيهقي في السنن الكبرى عن أنس بن مالك. ولذلك فإن الجهاد ماض وفق أحكامه الشرعية سواء أكانت الخلافة قائمة أم غير قائمة.

 

وكذلك لا يُعطَّل العمل لإقامة الخلافة بسبب تعطيل الحكام للجهاد، فالعمل للخلافة ماض إلى أن تقام لأنه يحرم على المسلمين القادرين أن لا تكون في أعناقهم بيعة لخليفة... أخرج مسلم عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ، لَقِيَ اللهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا حُجَّةَ لَهُ، وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً».

 

وعليه فالجهاد ماض، والعمل للخلافة ماض إلى أن تقام، ولا يتوقف أحدهما على الآخر، فهما مسألتان، ويبحث لكل مسألة عن أدلتها الشرعية، ويستنبط منها الحكم الشرعي الخاص بالمسألة وفق الأصول المتبعة.

 

4- ولذلك فالتزام الحزب بطريقة الرسول صلى الله عليه وسلم التي بينها في مكة إلى أن أقام الدولة في المدينة، وعدم استعمال الأعمال القتالية خلال مرحلة الدعوة لإقامة الدولة ليس فيه دور مكي ودور مدني، بل لأن أدلة إقامة الدولة ليست إلا التي بينها الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة إلى أن أقام الدولة في المدينة، فالمسألة هي طريقة إقامة الدولة، وليست هناك من طريقة بينها الرسول صلى الله عليه وسلم إلا تلك التي في سيرته صلى الله عليه وسلم في مكة.

 

ولو كانت المسألة هي عن أعمال الدولة الإسلامية وأجهزتها... لأخذناها من الأدلة التي بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة لأن الدولة أقيمت هناك.

 

5- والخلاصة:

 

أ- أن أحكام أية مسألة تؤخذ من الأدلة الواردة في المسألة سواء أنزلت في مكة أم في المدينة، فأحكام الصيام من أدلة الصيام، وأحكام الصلاة من أدلة الصلاة، وأحكام الجهاد من أدلة الجهاد وأحكام إقامة الدولة من أدلة إقامة الدولة... وهكذا.

 

ب- أن الالتزام بطريقة الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة المكرمة لإقامة الدولة هو لأنه لا توجد أدلة لإقامة الدولة إلا تلك المبينة في مكة المكرمة... ولو كان هناك أدلة وردت في المدينة لإقامة الدولة لكان الاستدلال بها أيضاً.

 

نسأل الله سبحانه العون والتوفيق لإقامة الدولة الإسلامية، الخلافة الراشدة، فيعز الإسلام والمسلمين، ويذل الكفر والكافرون، ويعم الخير في ربوع العالم، وما ذلك على الله بعزيز.

 

السؤال الثاني:

استوقفني قوله تعالى في سورة البقرة: ((فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)).

 

إن الآية الأولى ((فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ)) تفيد الإفاضة من عرفات إلى المشعر الحرام، أي إلى مزدلفة. وأما الآية التي بعدها "ثُمَّ أَفِيضُوا"، فتفيد أن هناك إفاضة أخرى من مزدلفة إلى منى، فهل هذا يعني أن هناك إفاضتين: واحدة يقف فيها الحجيج في عرفات ويفيضون إلى مزدلفة، والثانية يقف فيها الحجيج في مزدلفة ويفيضون إلى منى، علماً بأن ما نعلمه هو أن الوقوف في عرفة ومن هناك تكون الإفاضة...؟

 

أرجو توضيح هذا الأمر وجزاك الله خيراً.

 

الجواب:

إنها يا أخي إفاضة واحدة، وهي من عرفات إلى المزدلفة، هذه هي المسماة إفاضة، ولبيان ذلك أوضح لك معنى الآيتين الكريمتين:

 

((فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ)) أي إذا دفعتم أنفسكم بكثرة من عرفات، من فاض الماء إذا سال مُنصبا فهو من إفاضة الماء أي صبه بكثرة.

 

و((عَرَفَاتٍ)) هنا ليست جمع لعرفة، بل هي معنى المكان المعروف في الحج، وهي اسم من لفظ الجمع، فلا تجمع ولا واحد له، أي ليست هناك أجزاء في الموقف كلّ واحد منها يسمى (عرفة) ثم جمعت (عرفات)، بل (عرفة) و(عرفات) بمعنى واحد علم على المكان المعروف، و(التاء) في (عرفات) ليست تاء التأنيث ولهذا صُرِف، أي لم يمنع من الصرف.

 

((وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ)) أي إن كنتم من قبل مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم لكم بالهداية، وبيان أحكام الشرع للحج وغيره، من الضالين.

 

((الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ)) هي مزدلفة كلها كما قال ابن عمر - رضي الله عنهما - ويطلق على مزدلفة كذلك (جَمْع).

 

((ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ))، أي لتكن إفاضتكم يا أهل مكة مثل باقي الناس، من عرفة إلى مزدلفة وليس من مزدلفة، أي أن يكون وقوفكم في عرفة وليس في مزدلفة، وفي ذلك إبطال لما اعتادته قريش في الجاهلية أن تقف في مزدلفة ولا تقف في عرفة كسائر الناس، فقد كانت قريش في الجاهلية لا تقف في عرفات حيث الحلّ بل تقف في مزدلفة لأنها من الحرم، ويقولون نحن قطّان بيت الله الحرام فلا نخرج من الحرم، وكانوا يُسمَّون (الحمس) ويقفون وقوفا خاصا في مزدلفة دون الناس، فأمر الله سبحانه في هذه الآية الكريمة قريشاً أن تفيض من عرفة حيث يفيض الناس دونما تمييز، وأن تستغفر الله بسبب أخطائها السابقة في عدم حجها على هدى، والله سبحانه غفور لعباده المخلصين رحيم بهم.

 

أخرج البخاري ومسلم واللفظ للبخاري عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: «كَانَتْ قُرَيْشٌ وَمَنْ دَانَ دِينَهَا يَقِفُونَ بِالْمُزْدَلِفَةِ، وَكَانُوا يُسَمَّوْنَ الحُمْسَ، وَكَانَ سَائِرُ العَرَبِ يَقِفُونَ بِعَرَفَاتٍ، فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلاَمُ أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْتِيَ عَرَفَاتٍ، ثُمَّ يَقِفَ بِهَا، ثُمَّ يُفِيضَ مِنْهَا» فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ((ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ))».

 

وعلى هذا المعنى يكون ((ثُمَّ)) عطف على آخر الآية السابقة ((وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ))، أي أن في الآيات تقديمًا وتأخيرًا من حيث المعنى، فكأن ترتيب المعنى على النحو التالي: (وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس من عرفات وليس من مزدلفة كما كانت تصنع قريش في الجاهلية، فإذا أفضتم من عرفات ونفذتم أمر الله سبحانه فاذهبوا إلى مزدلفة واذكروا الله عند المشعر الحرام - أي مزدلفة - واحمدوا الله على هدايته لكم بعد أن كنتم قبل ذلك من الضالين غير المهتدين).

 

ويبدو أن الدافع للسؤال هو أن السائل قرأ أنَّ "ثم" حرف عطف يفيد الترتيب في الأفعال مع التراخي بمعنى وقوع ما بعدها بعد ما قبلها على التراخي أي بعد مهلة، وبناء عليه فهم معنى الآيتين على النحو التالي:

 

فهم من الآية السابقة ((فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ)) أي عند مزدلفة فالحجيج يكون قد وصل مزدلفة.

 

وفهم من الآية الثانية ((ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ))، مع ما في ذهنه من معنى "ثم" أن المعنى: وقد وصلتم إلى مزدلفة وبعد ذكركم الله وصلاة الفجر ادفعوا إلى (منى) أي المعنى كما رآه من ((ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ)) هو: ثم أفيضوا من مزدلفة إلى منى، ويبدو أن هذا هو سبب السؤال لديه.

 

 

والأمر ليس كذلك، وبيانه من وجهين:

 

الوجه الأول: أن ما رواه البخاري ومسلم حول نزول الآية يجعل معنى ((ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ)) أي أفيضوا من عرفة وليس من مزدلفة، فقد فرض الله على كل الحجيج أن يفيضوا من عرفة، وقريش كذلك.

 

الوجه الثاني: أن "ثم" تعني الترتيب مع التراخي وأن ما بعدها يكون من حيث الوقوع بعد ما قبلها، ولكن هذا ليس كلّ معناها، بل إنها تستعمل في غير ذلك، فإن من استعمالاتها أن يكون ما بعدها من حيث الوقوع قبل ما يسبقها في الكلام، ولكن هذا يحتاج إلى قرينة وإلى إبراز غرض مطلوب، فالعرب يقولون: (أعجبني ما صنعت اليوم ثم ما صنعت أمس أعجب). وهنا عطف بها (ما صنع أمس) على (ما صنع اليوم) أي عطف اللاحق على السابق بدون نسق التتابع بينهما، غير أن المعنى المشهور لها هو أن يقع اللاحق بعد السابق بمهلة بينهما، ولذلك قلنا إن استعمالها على نحو آخر يحتاج إلى قرينة، ويكون المقصود من هذا الاستعمال إبراز أمر مطلوب التركيز عليه لأن اختلاف النسق في الاستعمال من العربي الفصيح يكون لغرض وليس دون غرض.

 

وبدراسة قول العرب السابق نجد أن القرينة الدّالة على أن ما بعد "ثم" سابق لما قبلها هو الاستعمال الصريح لكلمة (أمس) بعد (ثم) واستعمال (اليوم) قبل (ثم).

 

أما الأمر المراد إبرازه في قولهم هذا فهو التقليل من قيمة ما صنعه اليوم، فظاهر الكلام مدح لما صنعه أمس وحقيقته ذمّ لقدراته... فبدل التقدم بالعمل للأمام تراجع عن ذي قبل، فكان عمل اليوم أدنى من عمل أمس.

 

وفي الآية الكريمة فإنَّ القرينة هي سبب النزول فيما رواه البخاري ومسلم.

 

أما الغرض المراد إبرازه فهو إبطال ما اعتادته قريش من الوقوف في مزدلفة وعدم ذهابهم للوقوف في عرفة أي أن الله سبحانه بعد أن ذكر في الآية السابقة إفاضتهم من عرفات إلى مزدلفة عاد فذكرهم أنّ هذه الإفاضة من عرفات إلى مزدلفة واجبة على قريش كغيرهم من الناس.

 

آمل أن يكون الأمر قد اتضح، وأن الإفاضة هي من عرفات، وأن الآية اللاحقة ((ثُمَّ أَفِيضُوا...)) هي في المعنى قبل ((فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ...))، والتقديم والتأخير في لغة العرب هي لغرض، والغرض هنا هو إزالة ما كان في الجاهلية من تمييز قريش عن باقي الناس.

 

 

 

17 من ذي القعدة 1434

الموافق 2013/09/22م

 

Share this post


Link to post
Share on other sites

بسم الله الرحمن الرحيم

 

(سلسلة أجوبة الشيخ العالم عطاء بن خليل أبو الرشتة أمير حزب التحرير على أسئلة رواد صفحته على الفيسبوك)

 

أجوبة أسئلة متنوعة

جمع القرآن الكريم - القراءات السبع - تفسير آية (والله خلقكم وما تعملون)

إلى Kamalkamal Kamal

 

 

الأسئلة:

 

أخي الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

1- كتاب الشخصية 3 - موضوع "الدليل الأول - الكتـاب"، النقطة "رابعا"، ورد فيها: "فإنه لم يكن البحث عنها في كونها قرآنا وإنما في تقديمها وتأخيرها...". ما المقصود بذلك؟

 

2- بالنسبة للقراءات بعضهم اعتبر القراءات المتواترة سبعًا وبعضهم اعتبرها عشرًا فما الرأي في المسألة؟

 

3- القراءات الواردة آحادا والتي توافق الرسم العثماني وتوافق المعنى العربي كيف نتعامل معها؟ وهل يجوز القراءة بها؟

 

وكذلك القراءات الشاذة التي وردت آحادا ولكنها لا توافق ما كتب في المصحف كيف نتعامل معها؟

 

4- وهل لديكم ترجيح معين في موضوع الأحرف السبعة؟

 

5- ولدي سؤال آخر، وإن كان متعلقا بالتفسير، وأرجو أن لا أكون أثقلت عليك، والسؤال عن تفسير الآية الكريمة: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ)، بعض ما اطلعت عليه من التفاسير تقول: يصح أن تكون ما مصدرية ويصح أن تكون ما موصولة فكيف نرجح بينهما هنا؟ وما هو تأثير ذلك على المدارس الإسلامية بالنسبة للقضاء والقدر؟

 

بارك الله فيك وفتح لك من فضله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

الجواب:

 

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،

 

1- إن ما ذكرته عن الوارد في الشخصية الثالث... فإن فيها التباساً، وقد روجعت وصُححت وأصبحت على النحو التالي:

 

"رابعاً: إن جمع القرآن هو خلاف نقله عن الرسول صلى الله عليه وسلم لأن النقل هو السماع من الرسول صلى الله عليه وسلم مشافهة، وهذا هو موضوع البحث. وأما جمع آيات القرآن في مصحف واحد، فإنه لم يكن البحث عنها في كونها قرآناً، ولم يكن جمع القرآن كتابة من الحفاظ، وإنما كان جمعاً للصحف التي كتبت بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم ووضعها وراء بعضها في كل سورة كما أقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومقابلة ما لدى الحفاظ من القرآن عليها، ووضعها في مكان واحد...".

 

2- القراءات المتواترة:

 

أ- القراءات السبع المتواترة، وهي التي يقرأ بها المسلمون من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ماشاء الله، وهي التي تجمعها مصاحف عثمان رضي الله عنه لفظاً ورسماً. وقد قام عدد من التابعين وتابعيهم من علماء القراءات بجمع هذه القراءات وأسانيدها، وأثبتوها في الكتب مفصلين سند وصولها إليهم وضابطين كلّ ما يتعلق بها.

 

وهؤلاء هم الأعلام أصحاب القراءات السبع:

 

● نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم الليثي (مولاهم) أبو رويم المقرئ المدني، المتوفى سنة 169هــ بالمدينة.

وراوياه "قالون" توفي بالمدينة قريبا من 220، و"ورش"، وتوفي بمصر سنة 197 هـ.

 

● عبدالله بن كثير أبو معبد مولى عمرو بن علقمة الكناني الداري المكي، ولد بمكة سنة 45 هــ، وتوفي بها 120هـ، راوياه: "البزى"، ابن أبي بزة المؤذن المكي، وتوفي بمكة 250، و"قنبل" المكي المخزومي، وتوفي بمكة 291هـ.

 

● أبو عمرو بن العلاء المازني مقرئ أهل البصرة، ولد بمكة 68 هـ أو "70" ونشأ بالبصرة وتوفي بالكوفة 154هـ.

وراوياه: "الدوري". والدور موضع ببغداد. توفي سنة 246 هـ، و"السوسي" توفي سنة 261 هـ.

 

● عبدالله بن عامر اليحصبي إمام أهل الشام في القراءة، وهو من التابعين وتوفي بدمشق 118هـ، راوياه: هشام بن عمار الدمشقي، وتوفي 245 هـ، وابن ذكوان الدمشقي، ولد 173 هـ، وتوفي بدمشق سنة 242 هـ.

 

● عاصم بن أبي النجود الأسدي (مولاهم) الكوفي، توفي في آخر سنة 127 هـ.

راوياه: شعبة الكوفي الأسدي، توفي في الكوفة سنة 194، وحفص الأسدي البزاز الكوفي، وتوفي قريبا من 190 هـ.

 

● حمزة بن حبيب الزيات الكوفي، ولد سنة 80 هـ، وتوفي سنة 156 بحلوان.

راوياه: خلف بن هشام البزاز، توفي ببغداد سنة 229 هـ، وخلاد بن خالد الكوفي، وتوفي بها سنة 220 هـ.

 

● الكسائي (لأنه أحرم في كساء) الكوفي المقرئ النحوي، ولد في حدود 120 هـ، وتوفي برنبويه سنة 189هـ.

راوياه: أبو الحارث الليث بن خلد البغدادي، توفي سنة 240، وحفص الدوري وهو الراوي السابق عن أبي عمرو.

 

والمصاحف المطبوعة حاليا هي وفق قراءة حفص عن عاصم بالرسم نفسه الذي استنسخه عثمان رضي الله عنه، وهناك مصاحف أخرى مطبوعة وفق قراءة نافع "ورش، قالون" وبخاصة في بعض مناطق من أفريقيا...

 

وقد اشتهر من العلماء الذين جمعوا القراءات السبع الإمام أحمد بن موسى بن العباس المشهور بابن مجاهد المتوفى سنة (324هـ) فأفرد القراءات السبع المعروفة، فدونها في كتابه: "السبعة في القراءات" حيث ذكر العلماء السبعة للقراءات، وقد احتلت هذه القراءات السبع مكانتها في التدوين، وأصبح يقصدها طلاب القراءات. وقد بنى ابن مجاهد اختياره هذا على شروط عالية جدا، فلم يأخذ إلا عن الإمام الذي اشتهر بالضبط والأمانة، وطول العمر في ملازمة علم القراءات، مع الاتفاق على الأخذ منه، والتلقي عنه، فكان له من ذلك قراءات هؤلاء السبعة الذين ذكرناهم.

 

ب- ولما جاء شمس الدين أبو الخير ابن الجزري، محمد بن محمد بن يوسف (المتوفى : 833 هـ) بحث في أسانيد القراءات فوجد ثلاث قراءات أخرى رآها مثل القراءات السبع المتواترة لا تخالف الرسم العثماني، وأثبتها في كتابه "النشر في القراءات العشر" ذاكراً أسماء الأعلام الثلاثة الذين أضافهم، وهم:

 

أبو جعفر يزيد بن القعقاع المدني، المتوفى سنة (130هـ).

 

يعقوب بن إسحاق الحضرمي الكوفي، المتوفى سنة (205هـ).

 

خلف بن هشام أبو محمد البزار الأسدي البغدادي المتوفى سنة (229 هـ).

 

ولقد كان اهتمامي بالقراءات السبع المتواترة، وقد ذكرتها في كتابي "تيسير الوصول إلى الأصول"، وذلك بأسانيدها وبرواتها... ولم أدرس القراءات الثلاث الأخرى التي ذكرها الجزري، مع أن الجزري وعلماء آخرين وضعوها في مرتبة القراءات السبع المتواترة، ولعلي أبحثها مفصلة مستقبلاً إن شاء الله سبحانه، وفوق كل ذي علم عليم.

 

3- أما قراءة القرآن بالقراءات غير المتواترة، سواء أوافقت خط المصحف العثماني أم لم توافق، فلا تجوز القراءة بها، فهي ليست قرآناً، بل القرآن هو ما نُقل متواتراً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

4- نزول القرآن على سبعة أحرف:

 

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ هَذَا القُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ»، متفق عليه.

 

وقال: «أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ عَلَى حَرْفٍ فَرَاجَعْتُهُ، فَلَمْ أَزَلْ أَسْتَزِيدُهُ وَيَزِيدُنِي حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ»، البخاري.

 

ولقد اختلف العلماء في المقصود من "سبعة أحرف"، فمنهم من استقرأ أوجه الاختلاف اللغوي في القراءات المتواترة وجمعها على سبع مجموعات "• وجوه الإعراب، • الزيادة والنقص، • التقديم والتأخير، • والقلب والإبدال، • أنواع اللفظ من ترقيق وتفخيم وإمالة وفتح..."، ومنهم من استقرأ لغات العرب التي لم تخرج عنها القراءات المتواترة...

 

وبعد دراستي للموضوع فإني أرجح أن الأحرف السبعة هي لغات "لهجات" القبائل العربية التي أُخذ عنها اللسان العربي، وكانت محل التنافس عند الفصحاء وقت نزول القرآن الكريم؛ وذلك لأن القراءات المتواترة لا تخرج عن لغات "لهجات" هذه القبائل، وهي السبع المشهورة الفصيحة عند نزول القرآن الكريم:

(• قريش • تميم • قيس • أسد • هذيل • قسم من كنانة • قسم من الطائيين).

 

هذا ما أرجحه في المسألة أي أن معنى الأحرف السبعة هو لهجات القبائل العربية السبع المذكورة آنفا، ولكن هذا لا يعني أنه يجوز قراءة القرآن في كل كلماته بلهجات هذه القبائل السبع، بل فقط بما تواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن القراءة بغير المتواتر لا تجوز لأن غير المتواتر ليس قرآناً.

 

5- وأما تفسير آية "والله خلقكم وما تعملون" فإن "ما" موصولة، أي أن الله سبحانه خلقكم وخلق الأصنام التي تعبدونها، ونص الآية يدل على ذلك، فالله سبحانه وتعالى يقول (فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (91) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (92) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (93) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (94) قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (95) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ)، وواضح أن الآية (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) هي بعد (قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ)، فالحديث عن الأصنام.

 

أما الذين فسروا "ما" بأنها مصدرية وفهموا منها (والله خلقكم وأعمالكم)، وفهموا منها أن الله خلق أفعال الإنسان، فإن فهمهم لو وقف عند الخلق، أي أن الله خلقهم وخلق الأفعال، بمعنى خلق إمكانية الفعل، أي خلق في الإنسان طاقة الفعل، لما ابتعدوا كثيراً... ولكنهم فسروا "والله خلق أفعالكم" بمعنى "أجبركم على القيام بها"، أي أن الله سبحانه أجبرنا على كل أفعالنا، فليس لنا اختيار في فعل أي شيء، لا فعل الخير ولا فعل الشر، وهذا بطبيعة الحال خطأ، لأن هناك أفعالاً اختيارية للإنسان يثاب ويعاقب عليها، فالقول بأن الله سبحانه يجبرنا على القيام بكل أفعالنا دون أي اختيار لنا هو قول خاطئ... (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه).

 

وأما موضوع القضاء والقدر وعلاقته بالفرق الإسلامية، فهو موضوع طويل، ومذكور بتفاصيله في الشخصية الجزء الأول، فراجعه في بابه، والله معك.

 

 

 

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

 

 

 

18 من ذي القعدة 1434

الموافق 2013/09/24م

 

Share this post


Link to post
Share on other sites

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

(سلسلة أجوبة الشيخ العالم عطاء بن خليل أبو الرشتة أمير حزب التحرير على أسئلة رواد صفحته على الفيسبوك)

 

جواب سؤال: الفرق بين الكتلة أو التكتل والحزب المبدئي

إلى Abu Yala Natshe

 

 

السؤال:

 

السلام عيكم

 

إنا إليك مشتاقون عسى أن يظلنا سقف الخلافة قريبا إن شاء الله.

 

لدي سؤال: ما الفرق بين الكتلة أو التكتل والحزب المبدئي؟

 

 

 

الجواب:

 

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

 

1- الكتلة والتكتُّل لا تختلف من حيث الإطلاق على تجمع من الناس تربطهم رابطة معينة لهدف معين، فيجوز أن تقول هذا التجمع تكتُّل ويجوز أن تقول كتلة...

 

2- لفظ "التكتُّل" أقوى في الدلالة من لفظ "الكتلة"، ويشعر بالحركة أكثر من لفظ "كتلة"، لأن الزيادة في المبنى زيادة في المعنى، فلفظ التكتُّل يناسب التجمع الكبير المتحرك أكثر مما يناسبه لفظ الكتلة.

 

3- أما الحزب المبدئي فهو يتوقف على ما يتبناه التكتُّل، فإن كان قائماً على مبدأ أي عقيدة ونظام منبثق منها، فهو حزب مبدئي، وقد يكون حزباً مبدئياً صحيحاً إذا كانت العقيدةُ والنظام المنبثق منها صحيحين، ويكون حزباً مبدئياً خاطئاً ضالاً إذا كانت العقيدة والنظام المنبثق منها خاطئين ضالَين.

 

 

 

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

 

 

 

 

22 من ذي القعدة 1434

الموافق 2013/09/28م

 

Share this post


Link to post
Share on other sites

بسم الله الرحمن الرحيم

 

(سلسلة أجوبة الشيخ العالم عطاء بن خليل أبو الرشتة

أمير حزب التحرير على أسئلة رواد صفحته على الفيسبوك)

جواب سؤال حول التأمين الصحي

إلى Sawt Altahrir

 

 

السؤال:

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

ما هو حكم اشتراك موظف مؤسسة غير تابعة للدولة في تأمين المؤسسة المتعاقدة مع شركة تأمين صحي؟

 

وما هو حكم الموظف الذي يمثِّل المؤسسة في العقد والتفاوض مع شركة التأمين الصحي الخاصة؟

 

 

الجواب:

 

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

 

لعلك يا أخي توضح السؤال أكثر...

 

على كلٍّ، إذا كان مفهوم السؤال مقصوداً به حكم التأمين الصحي للموظفين من مؤسساتهم التي يعملون بها، أي أن المؤسسة تقتطع جزءاً من راتب الموظف، مقابل أن تتكفل بمعالجته وعائلته... فهذا هو جوابه:

 

 

بالنسبة للتأمين الصحي:

 

إذا كان ملحقا بعقد العمل أي كشرط من شروطه وليس عقداً قائماً بذاته فإنه يجوز، وإن كان عقداً بذاته فلا يجوز.

 

وتفصيل ذلك، إذا اتفق صاحب العمل مع العامل على أن يتعهد صاحب العمل بمعالجة العامل وحده أو مع أفراد عائلته مقابل اقتطاع جزء من راتب العامل فهذا جائز، لأن العقد الأصلي هو عقد الإجارة وهذا معلوم، والتزام صاحب العمل معالجة العامل أو أفراد عائلته شرط ملحق بعقد العمل، والشروط في العقود لا تمنع إلا إذا ورد نص بمنعها كأن تحل حراماً أو تحرم حلالاً، وليست بحاجة لنص يجيزها حتى تجوز بل تحتاج إلى عدم وجود نص يمنعها، أي هي ليست كالأفعال الأصل فيها التقيد فتحتاج نصاً بجواز فعلها، بل إن شروط العقود تجوز إلا إذا ورد نص بمنعها فعن كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْمُزَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «وَالْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إِلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا» رواه الترمذي.

 

هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنها جزء من أجر العامل تقتطع منه. وعليه فإن التأمين الصحي من صاحب العمل للعمل وأفراد عائلته مقابل اقتطاع جزء من الراتب، هو جائز سواء أكان للعامل وعائلته ابتداءً، أم كان للعامل وحده ثم ألحقت عائلته فيما بعد بالاتفاق بين العامل وصاحب العمل وأصبحت جزءًا من العقد، فهذا كله جائز.

 

أما إذا كان عقد التأمين الصحي عقداً قائماً بذاته، أي كأن تنشأ مؤسسة وتعلن للجمهور من أراد أن تعالجه إذا مرض فليدفع لنا مبلغاً شهرياً كذا مقابل معالجته عندما يمرض فهذا لا يجوز لأنه عقد على مجهول فلا يدري متى يمرض، وهل مرضه كبير أو صغير...

 

 

 

 

 

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

 

 

26 من ذي القعدة 1434

الموافق 2013/10/02م

 

Share this post


Link to post
Share on other sites

بسم الله الرحمن الرحيم

 

جواب سؤال

 

معنى الكلي المشكك

 

 

 

السؤال:

جاء في كتاب الشخصية الجزء الثالث صفحة 129 سطر 2 من أسفل إلى نهاية الفقرة ما يلي:

 

"... وأما إن اختلف معنى الكلي في أفراده فهو المشكك كلفظ الوجود والأبيض، سواء كان اختلافه بالوجوب والإمكان، كالوجود، فإنه واجب في الباري ممكن في غيره، أم بالاستغناء والافتقار، كالوجود، يطلق على الأجسام مع استغنائها عن المحل، وعلى الأعراض مع افتقارها إليه، أم بالزيادة والنقصان، كالنور، فإنه في الشمس أكثر منه في السراج. وسمي مشككاً؛ لأن الناظر فيه يشكك هل هو متواطئ لكون الحقيقة واحدة، أو مشترك لما بينهما من الاختلاف." انتهى

 

لقد ذكر "الوجود والأبيض"، فضرب مثلاً على لفظ "الوجود" ثم كرره بعد ذلك، ولم يضرب مثلاً على "الأبيض"... ثم ذكر الاستغناء والافتقار بشكل التبس عليَّ فهمه... فكيف يمكن فهم العبارة بشكل واضح جلي؟ وجزاك الله خيراً.

 

الجواب:

 

إن العبارة الواردة هي موجزة غير مفصلة، على عادة كتب الأصول. ونعم هي لم تذكر مثلاً على "الأبيض"، لأن مَثَلَ "النور" هو ينطبق كذلك على "الأبيض". كما أن لفظ "الوجود" المكرر هو "الموجود"، فهو هنا على المفعول "الموجود" أدق منه على المصدر "الوجود" في حالة الاستغناء والافتقار.

 

وحتى تتضح العبارة، فإني سأذكرها لك أدناه بشكل أكثر تفصيلاً وتوضيحاً على النحو التالي:

 

وأما إن اختلف معنى الكلي في أفراده فهو المشكك كلفظ الوجود والأبيض، سواء:

 

أكان اختلافه بالوجوب والإمكان، كلفظ "الوجود"، فإنه واجب في الباري سبحانه ممكن في غيره.

 

أم كان اختلافه بالاستغناء والافتقار، كلفظ "الموجود"، يطلق على الأجسام مع استغنائها عن المحل، ويطلق على الأعراض التي تفتقر لمحل غيرها، مثل إطلاق "الموجود" على "المسك، والرجل"، وهي أجسام، وإطلاق "الموجود" على "عطر المسك، ومرض الرجل"، وهي أعراض تفتقر إلى محل غيرها، فعطر المسك عَرَضٌ من أعراض المسك، ومرض الرجل عَرَضٌ من أعراض الرجل، ومع ذلك تقول المسك موجود، وتقول عطر المسك موجود، وتقول الرجل موجود، وتقول مرض الرجل موجود مع اختلاف المعنى بالاستغناء والافتقار.

 

أم كان اختلافه بالشدة وعدمها، أي بالزيادة والنقصان، كلفظ "الأبيض" يطلق على الثلج وعلى العاج وهو في الثلج أشد وأنصع، وكلفظ "النور" فإنه في الشمس أكثر منه في السراج.

 

وهكذا فإن لفظ "الوجود، الموجود، الأبيض، النور"، لفظ كلي مشكك، وسمي مشككاً؛ لأن الناظر فيه يتشكك هل هو متواطئ لكون الحقيقة واحدة، أو مشترك لما بينهما من الاختلاف.

 

وللعلم فإنه يجوز في لفظ "مشكك" تشديد الكاف الأولى وكسرها على اسم الفاعل، ويجوز بتشديد الكاف وفتحها على اسم المفعول، وهو صحيح في الحالتين لأن هذا النوع من الكلي يشكِّك الناظر فيه فهو مشكِّك، وفي الوقت نفسه يتشكك فيه الناظر إليه فهو مشكَّك.

 

آمل أن يكون معنى الكلي المشكك قد اتضح لك. وسنرى إن كان من المناسب صياغة ما جاء في الكتاب بشكل أكثر تفصيلاً وتوضيحاً إن شاء الله.

 

 

27 من ذي القعدة 1434

الموافق 2013/10/03م

 

 

Share this post


Link to post
Share on other sites

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

(سلسلة أجوبة الشيخ العالم عطاء بن خليل أبو الرشتة أمير حزب التحرير

على أسئلة رواد صفحته على الفيسبوك)

 

جواب سؤال: حول المدة التي يمهل فيها المسلمون لإقامة الخلافة

إلى Madina Watiqah

 

 

السؤال:

 

أميرنا المحبوب حفظك الله ورعاك وفتح على يديك. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

جاء رواية في كتاب نِظَامُ الحُكْمِ فِي الإِسْلاَم وأجهزة دولة الخلافة (في الحكم والإدارة). وهذه الرواية أن نقلت من تاريخ الطبري كما يلي: "فإن اجتمع خمسة ورضوا رجلا وأبى واحد فاشدخ رأسه أو اضرب رأسه بالسيف وإن اتفق أربعة فرضوا رجل منهم وأبى اثنان فاضرب رؤوسهما ... الخ"

 

داخل هناك الرواية من الراوي يدعى أبو مخنف لوط بن يحيي بن سعيد بن مخنف بن سليم الأزدي، ثم قال العلامة تقي الدين النبهاني: "ولم يبق من كتبه الصحيحة إلا ما نقله ابن جرير الطبري في تاريخه. وقد طعن فيه كثير من المحدثين وقالوا أنه كان يروي عن جماعة من المجهولين." (الشَّخْصِيَّةُ الإِسْلاَمِيَة ج 1 ص 354)

 

السؤال: إذا كان الأمر كذلك، كيف يمكن ذكر العلامة تقي الدين النبهاني رواية أبي مخنف في تاريخ الطبري رواية صحيحة؟ شكرا على اهتمامكم.

 

 

 

 

الجواب:

 

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته...

 

لقد سبق أن أجبنا نحو هذا السؤال بالتفصيل على هذه الصفحة

 

 

وإني أوجز لك الجواب:

 

1- إن رواية الطبري تقول: "حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ شبة، قال: حدثنا علي بن محمد، عن وَكِيعٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيِّ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عن قتادة، عن "شهر بن حوشب وأبي مِخْنَفٍ"، عَنْ يُوسُفَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلٍ وَمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَيُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الأَوْدِيِّ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّاب لَمَّا طُعِنَ... فَقَالَ..." انتهى

 

2- يتضح منها أن قتادة لم يرو عن أبي مخنف وحده، بل روى عن شهر بن حوشب وأبي مخنف، ثم روى الاثنان "شهر بن حوشب وأبو مخنف" عن يوسف بن يزيد، وكون أبي مخنف فيه مقال لا يؤثر لأن شهر بن حوشب وثقه جماعة من رجال الحديث:

قال العجلي (المتوفى: 261هـ) في كتابه الثقات: (شهر بن حوشب: "شامي"، تابعي، ثقة.)

وقال الهيثمي (المتوفى: 807هـ) عن شهر بن حوشب في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد في أكثر من موضع:

(شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، وَقَدْ وُثِّقَ)، (شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَلَكِنَّهُ وَثَّقَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَعِينٍ وَأَبُو زُرْعَةَ وَيَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ)، (شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ وَفِيهِ بَعْضُ كَلَامٍ وَقَدْ وَثَّقَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ)، (شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ وَفِيهِ كَلَامٌ وَوَثَّقَهُ جَمَاعَةٌ)

وقال ابن شاهين (المتوفى: 385هـ) في كتابه تاريخ أسماء الثقات: (وَقَالَ يحيى شهر بن حَوْشَب ثَبت وَفِي رِوَايَة أُخْرَى عَنهُ شَامي نزل الْبَصْرَة وَكَانَ من الْأَشْعَرِيين من أنفَسِهم وَهُوَ ثِقَة).

 

ولذلك فإن قتادة روى عن أبي مخنف وشهر بن حوشب، وليس فقط عن أبي مخنف، ولذلك أخذنا هذه الرواية. علماً بأنها ليست وحدها في هذا الموضوع، فقد روى نحوها ابن سعد في الطبقات، وابن شبَّه في كتابه تاريخ المدينة...

 

 

 

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

 

 

 

رابط الجواب من صفحة الأمير على الفيسبوك

 

 

 

 

01 من ذي الحجة 1434

الموافق 2013/10/06م

 

 

 

 

Share this post


Link to post
Share on other sites

بسم الله الرحمن الرحيم

 

جواب سؤال

 

رفع سقف الدين الأمريكي

 

السؤال:

يدور الآن صراع ساخن في الولايات المتحدة بين إدارة أوباما والحزب الديمقراطي من جهة، وبين الحزب الجمهوري المنافس من جهة أخرى، وذلك حول الموازنة، وحول رفع سقف الدين الذي تُلِحُّ عليه حكومة أوباما، وقد بلغت الأزمة أشدها في عدم إقرار الموازنة ما ترتب عليه تعطيل عمل مئات الآلاف من موظفي الحكومة الاتحادية فيما سمي إجازة قسرية دون راتب...

 

والسؤال: كيف يحدث هذا في أمريكا زعيمة الدول الرأسمالية الديمقراطية؟ فما هذه الديمقراطية التي يزعمون أنها تنصف الشعب وهي توقف رواتبهم ليس لذنب ارتكبوه أو تقصير في عملهم؟ ثم كيف يكون إلحاح الحكومة على رفع سقف الدين بدل أن يكون الإلحاح على خفض الديون لا رفعها؟

 

نرجو توضيح ذلك بشكل يسهل فهمه وجزاك الله خيراً.

 

الجواب:

 

إن أجوبة أسئلتك تتضح ويسهل فهمها بتدبر الأمور التالية:

 

أولاً: الموازنة الأمريكية:

 

إن إقرار الموازنة الأمريكية يتطلب الموافقة عليها من مجلسي «الكونجرس»، وهما «مجلس الشيوخ» الذي يسيطر على الأغلبية فيه الديمقراطيون، و«مجلس النواب» والأغلبية فيه من الجمهوريين، وقد استمرت جولة مفاوضات مكثفة، وتبادل النصوص والاقتراحات بين مجلسي النواب والشيوخ حتى مساء الاثنين 30/9/2013، ومع ذلك فقد عجز الكونجرس الأمريكي عن إقرار الموازنة المؤقتة قبل الساعات الأولى من 1/10/2013 وهو بداية العام المالي الجديد.

 

ثانياً: موضوع سقف الدين:

 

الدين العام الأمريكي هو مجموع الدين العام المقرر على الحكومة الاتحادية؛ وهو جملة سندات الضمان المملوكة لأطراف خارج الولايات المتحدة، إلى جانب سندات الضمان التي تصدرها وزارة الخزانة الأمريكية والمملوكة لأطراف داخل الولايات المتحدة.

ويحدد الكونغرس الأمريكي سقف الدين الذي لا يجوز للحكومة الاتحادية تجاوزه وهو حاليا 16.7 تريليون دولار، والمتوقع أن تتجاوزه الحكومة أو تكاد في 17/10/2013، ولذلك فإن الحكومة الاتحادية تحبس أنفاسها بانتظار قرار الكونغرس في ذلك التاريخ.

 

ثالثا: الأزمة التي حدثت وأسبابها:

 

1- عرض أوباما مشروعاً للرعاية الصحية سماه باسمه "أوباما كير"، وهو يعني توفير الضمان الاجتماعي والصحي لـ46 مليون أمريكي من أصحاب الدخل المنخفض، حيث يستطيع أولئك الذين لا يتمتعون بخدمات تأمينية أن يحصلوا على التأمين الصحي، وحتى يصبح المشروع قيد التنفيذ فيجب إقرار المخصصات اللازمة له في ميزانية 2013 - 2014 التي تبدأ في 1/10/2013. ولكن الجمهوريين أدركوا أن المشروع مقصود منه "شعبية انتخابية" ورأي عام للحزب الديمقراطي، وبخاصة وأن انتخابات الكونغرس النصفية هي في تشرين الثاني/نوفمبر 2014، ويُتوقع أن تكون فيها خطة أوباما للرعاية الصحية موضع نقاش، ولهذا فقد رفض الجمهوريون تخصيص ميزانية لمشروع أوباما وطلبوا تأجيله إلا إذا خضع القانون للتفاوض عليه وتعديله، وذلك ليصدر باسم الحزبين، أي بعد وضع تصور الحزب الجمهوري في المشروع، فلا يكون بتصور أوباما وحده، وذلك لكي لا يكسب أوباما أي رصيد انتخابي قادم للحزب الديمقراطي، وحيث إن الجمهوريين لهم الأغلبية في مجلس النواب فإنهم يستطيعون تعطيل صدور القانون.

 

ولأن القضية عند الحزبين ليست خدمة الناس، بل هي مناكفة سياسية من أجل حصاد انتخابي قادم، فقد أصر كل من الحزبين على موقفة حتى وإن كان فيه ضررٌ للناس كما ظهر لاحقاً، فأوباما يريد إقراره، والجمهوريون يريدون تأجيله من أجل التفاوض بشأنه، وإخراجه بلون غير لونه الذي هو بصبغة أوباما، بل بلون يكون للجمهوريين صبغتهم فيه... وهكذا تصاعدت الأزمة بفشل الكونغرس في إقرار الموازنة المؤقتة قبل الساعات الأولى من شهر أكتوبر وهو الموعد المحدد لإقرارها. ولا زال الأخذ والرد بين الحزبين حتى تاريخه.

 

2- لقد ترتب على ذلك تفعيل "آلية تعطيل الدولة الفدرالية" بسبب رفض الحزب الجمهوري التصويت على قانون الميزانية لعام 2014 في 30/9/2013، وكان من جراء ذلك دخول أكثر من 800 ألف موظف حكومي في عطلة إجبارية غير مدفوعة الأجر مع توقعات بتخفيض جميع المؤسسات الأمريكية لموظفيها وتسريح عدد كبير منهم... كما حدث سابقاً عندما تعطلت أنشطة الحكومة ولمدة 21 يوماً من تاريخ ديسمبر 1996 حتى يناير عام 1997، في عهد الرئيس "بيل كلينتون" حيث تحملت الدولة آنذاك خسائر بنحو ملياري دولار.

 

3- إن هذا جزء من الأزمة، بل هو مدخل للأزمة القادمة وهي مطالبة الحكومة برفع سقف الدين في الموعد المحدد لبحثه في الكونغرس الواقع بعد نحو أسبوع في 17/10/2013، وذلك لأن الحكومة في استدانتها قد تجاوزت السقف المسموح به للدين وهو 16700 مليار دولار، وهو السقف الذي قرره الكونغرس وأوجب على الحكومة أن لا تستدين أكثر منه، ولكن مالية الحكومة ستكون على وشك الإفلاس في 17/10/2013 حيث لن يبقى في خزينتها حسب التقديرات المتوقعة سوى 30 مليارًا، ومن ثم تكون الدولة عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها المالية.

 

4- لقد أصبح الحزبان يتراشقان التهم وبخاصة عندما ظهر الضيق على الناس بسبب مشاكل الحزبين، فأصبح كل حزب يحاول إلقاء المسئولية على الآخر، فأوباما يعتبر الحزب الجمهوري هو السبب ويصفه بأنه يأخذ البلد عنده رهينة مقابل تحقيق مصالحه الحزبية، فيقول في مؤتمر صحفي بالبيت الأبيض الثلاثاء 8/10/2013 "إن أعضاء الكونغرس، والجمهوريين في مجلس النواب بشكل خاص لا يمكنهم أن يطالبوا بفدية مقابل القيام بعملهم. واثنتان من مهماتهم هما المصادقة على الميزانية وضمان سداد الولايات المتحدة لفواتيرها".

 

ورئيس مجلس النواب الجمهوري يقول إنه "لن يسمح للكونغرس برفع سقف الدين إلا إذا قدم أوباما تنازلات بشأن برنامج الرعاية الصحية المعروف باسم أوباما كير، ووافق على إجراء المفاوضات، فلا يمكن أن نرفع سقف الدين بدون أن نتعامل مع ما يدفعنا لاقتراض مزيد من الأموال".

 

5- واضح من تجاذبات الحزبين أنّ كليهما يريد رفع سقف الدين إلا أن الحزب الجمهوري يربط موافقته هذه بتعديل قانون الرعاية الصحية لتكون صبغة الحزب الجمهوري فيه... لكن الذي يستأهل الوقوف عنده هو أن الأوضاع العادية للدول تدار بشكل يضبط أوضاعها الاقتصادية والمالية لخفض ديونها وليس لزيادتها، لكن أمريكا هي الدولة الوحيدة التي لا تعبأ في أن تغرق حتى سَمْتِ رأسها في الديون، فهي تصدر سندات كما شاءت، وتضمن سدادها في الظروف المناسبة، وحتى لو لم تستطع بسبب وضعها المالي، فإنه يُمكنها، إذا رأت لها مصلحة راجحة، طبع المزيد من الدولارات دون قيود من عملات صعبة في خزائنها كالدول الأخرى، وبخاصة وأن نقدها يتحكم بنسبة كبيرة في احتياطي الدول الأخرى، وهي تستطيع طبع المزيد بموافقة صندوق النقد الدولي سراً أو "حتى علناً" دون موافقته، فإنها ذات النفوذ الفعلي في الصندوق، ويمكنها أن تظهر أسباباً مزيفة وتخفي حقيقة الأمر ويسندها الصندوق في ذلك! حتى وإن ترتب على طبع هذه الأوراق انخفاض في سعر الدولار أو تضخم في الأسعار ما دامت هي ترى لها مصلحة في هذا الأمر، فمثلاً تناقلت الأنباء أن أمريكا طبعت ما بين "2 تريليون - 4 تريليون" خلال المضاربات النفطية التي سببت زيادة الأسعار حتى قرابة 150 دولار للبرميل في 2008م، ولم تكن أمريكا بعيدة عن تلك المضاربة، فطبعت أمريكا تلك الأوراق لتتمكن من شراء أكبر كمية من النفط مباشرة أو غير مباشرة لتضيفها إلى مخزونها، وهي رأت في ذلك مصلحة لها تفوق تصاعد الأسعار، وانخفاض الدولار...

 

ولذلك فإن سقف الدين في الحكومة الأمريكية الاتحادية يرتفع بشكل مضطرد، فمثلاً ارتفعت الديون الحكومية (الإدارة المركزية والإدارات المحلية) من 4.3 تريليونات دولار في عام 1990 إلى 8.4 تريليونات دولار في عام 2003 وإلى 8.9 تريليونات دولار في عام 2007. وفي بداية حكم أوباما 2009 كانت المديونية 10.3 ترليون دولار، وفي سنة 2011 تجاوزت حاجز 14 ترليون دولار أمريكي، وهي الآن تتجاوز 16.7 ترليون دولار، ولو غرقت دولة أخرى في أقل من هذه الديون بكثير لانهارت وأصبح اقتصادها أثراً بعد عين! ولكن أمريكا لا تعبأ بالدين لأنه مشكلة داخلية عندها، فالكونغرس يرفع سقف الدين كلما أراد، واقتصادها يسير، وتسدد الدين بقوة اقتصادها إن كان وإلا فتصدر أوراقاً نقدية دون قيود كالدول الأخرى، وانهيار اقتصاد أمريكا هو في أن تظهر دولة لا تقيم وزناً لدولار أمريكا، بل تعاملها إما مقايضة بسلع مقابل سلع أو بالعودة إلى قاعدة الذهب والفضة في التبادل النقدي.

 

6- وهكذا فإن زعيمة المعسكر الرأسمالي الديمقراطي تثبت فشل النظام الرأسمالي الديمقراطي، وأنه ليس أكثر من تحكم الطبقة الرأسمالية الحاكمة في رقاب الناس، وبخاصة الطبقة الوسطى وبخاصة أخص عامة الناس، فأوباما جعل قضيته "مشروع أوباما كير" بحجة أنه يساعد ملايين الناس في التأمين الصحي، ولكنه في المقابل عطل أعمال مئات الآلاف من العمال في إجازة دون أجر...! وهذا يعني أن الحزب الديمقراطي ليس بهذا القانون مدفوعاً لخدمة الناس وإنما لأغراض انتخابية قادمة، وإلا كيف يترتب على خدمة الناس حرمانهم من أعمالهم دون تقصير منهم؟ والحزب الجمهوري ليست القضية لديه هي التأمين الصحي أو عدمه، بل أن لا ينسب المشروع إلى منافسه وإنما يشاركه فيه... والحزبان لا يهمها الرعاية الصحية للناس بدليل أنه يوافق على إقرار المشروع بعد التفاوض عليه لينسب إلى الحزبين، فالعبرة ليست في محتواه، بل في مدى جدواه الانتخابية حتى لو ترتب عليه شقاء للناس وعناء! وكذلك فإن المشروع كانت فيه مادة تلزم الشركات الكبرى بالتأمين الصحي على منتسبيها، فصاحب المشروع نفسه أوباما أعلن في يوليو الماضي عن رغبته في تأجيل هذه المادة لمدة عام وهي المتعلقة بقيام الشركات الكبرى بتوفير التأمين الصحي، وذلك لإرضاء هذه الشركات، وإرضاء داعمها الحزب الجمهوري، ظناً منه أن الحزب الجمهوري سيوافق على مشروعه... ومن ذلك يتبين أن لا همَّ للحزبين في رعاية شئون الناس الرعاية الصحيحة بقدر اهتمامهما بتحصيل "شعبية انتخابية"، ويتبين من كل ذلك أن رأسماليتهم هي استغلال الرأسمالي للعامة لزيادة رأسماله، وديمقراطيتهم ليست لخدمة الشعب بل ليخدم الشعب الأصحاب "الكبار" للديمقراطية حتى دون أجر!

 

7- وفي الختام فإننا نحمد لله أن كنا من المسلمين، وأن هدانا الله سبحانه لنظام من لدن حكيم خبير... يجوع الخليفة إذا جاعت الرعية، ويشبع إذا شبعوا، ولا يأمن إلا إذا أمنوا... نظام يكفل سد الحاجات الأساسية من مسكن وملبس ومأكل لجميع أفراد الرعية، من يستطيع العمل يوفر له العمل، ومن لا يستطيع ولا قريب ينفق عليه، فالخليفة وليُّه يتكفل بنفقته بالمعروف... نظام توزع فيه الملكية العامة على الناس لحفظ أمنهم وعيشهم، فتوزع أعطياتهم عليهم منذ الولادة... نظام يحقق حياة اقتصادية آمنة عادلة تُصلح شأن المخلوقات، فالخالق جل وعلا أدرى بما يُصلح الناس ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾.

 

إننا نسأل الله سبحانه العون والتوفيق لإعادة الخلافة الراشدة، فيعم الخير ليس فقط دار الإسلام، بل كذلك كل من كان صاحبَ لُبٍّ يحب الأمنَ والسلام... والحمد لله رب العالمين.

 

06 من ذي الحجة 1434

الموافق 2013/10/11م

 

Share this post


Link to post
Share on other sites

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

(سلسلة أجوبة الشيخ العالم عطاء بن خليل أبو الرشتة أمير حزب التحرير

على أسئلة رواد صفحته على الفيسبوك)

 

جواب سؤال حول كشف المرأة لقدميها أثناء الصلاة

إلى أبو حذيفة

 

 

 

السؤال:

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

هل يجوز أن تصلي المرأة وقدماها مكشوفتان؟

 

الجواب:

 

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

 

إن ستر العورة شرط من شروط صحة الصلاة، فلا تصح الصلاة إلا بستر العورة، يستوي في ذلك الذكور والإناث، سواء أكانت الصلاة أمام الناس أم في خلوة، فينبغي للمصلي أن يستر عورته في الصلاة، وذلك لما رواه ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إذا صلَّى أحدُكم فَلْيَتَّزِرْ ولْيَرتدِ» رواه ابن حِبَّان وأحمد والبيهقي والطحاوي. وعن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «لا يقبل الله صلاة حائضٍ إلا بخمار» رواه ابن ماجه وأحمد وأبو داود وابن حِبَّان.

 

وعورة المرأة هي كل جسمها ما عدا وجهها وكفيها، والدليل على ذلك:

 

أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) [النور: 31] قَالَ: «وَجْهُهَا، وَكَفُّهَا»

 

وأخرج البيهقي في الآداب (قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) [النور: 31] . قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: إِلَّا وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا. وَرُوِّينَا مَعْنَى هَذَا عَنْ عَائِشَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ.)

 

وأخرج أبو داود في مراسيله عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّ الْجَارِيَةَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ يَصْلُحْ أَنْ يُرَى مِنْهَا إِلَّا وَجْهُهَا وَيَدَاهَا إِلَى الْمَفْصِلِ».

 

ويفهم من الأدلة السابقة أن كل جسم المرأة عورة إلا وجهها وكفيها، أي أن القدمين هما من العورة، ويؤكد ذلك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّهَا سَأَلَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَتُصَلِّي الْمَرْأَةُ فِي دِرْعٍ، وَخِمَارٍ لَيْسَ عَلَيْهَا إِزَارٌ؟ قَالَ: «إِذَا كَانَ الدِّرْعُ سَابِغًا يُغَطِّي ظُهُورَ قَدَمَيْهَا». أخرجه الحاكم وقال: "هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ"، وصححه الذهبي في التلخيص وقال "على شرط البخاري"

 

 

 

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

 

 

 

 

06 من ذي الحجة 1434

الموافق 2013/10/11م

 

Share this post


Link to post
Share on other sites

بسم الله الرحمن الرحيم

 

(سلسلة أجوبة الشيخ العالم عطاء بن خليل أبو الرشتة أمير حزب التحرير على أسئلة رواد صفحته على الفيسبوك)

 

 

جواب سؤال حول أعمال الحكم وأعمال الإدارة

إلى محسن العظامات

 

 

السؤال:

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

أميرنا الحبيب فتح الله لك أبواب الجنة والنصر إن شاء الله

 

والله لقد ترددت كثيرا أن أبعث لك هذه الرسالة فعلمي بمشاغلك وهمك وكثرة ما يردك فما أردت أن أزيد العبء ولكن شوق مخاطبتك غلبني فاعذر عقلاً غلبه الشوق.

 

أميرنا الغالي أشكل علي أمر فوجدته حجة في خطابك فلقد ورد في كتيب الخلافة ما نصه: (وإذا عقدت الخلافة لخليفتين في بلدين في وقت واحد لم تنعقد لهما، لأنه لا يجوز أن يكون للمسلمين خليفتان. ولا يقال البيعة لأسبقهما، لأن المسألة إقامة خليفة وليست السبق على الخلافة، ولأنها حق المسلمين جميعاً وليست حقاً للخليفة، فلا بد أن يرجع الأمر للمسلمين مرة ثانية ليقيموا خليفة واحداً إذا أقاموا خليفتين. ولا يقال يقرع بينهما، لأن الخلافة عقد والقرعة لا تدخل في العقود). ففهمت أن العقود لا يجوز فيها القرعة وعند مراجعتي لقانون الهيئة الانتخابية لدينا ورد النص التالي في المادة التاسعة عشرة: (وإذا تساوت أصوات اثنين من المرشحين وكان العدد المطلوب يحتاج إلى واحد منهما أقرع بينهما) فما الفرق بين الواقعتين وهل انتخابنا للهيئة ليس من العقود، عذرا أميرنا على الإطالة نصرك الله ووفقك وأجرى النصر على يديك والله إني أحبك في الله وفقك الله.

 

 

الجواب:

 

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

 

إن أعمال الحكم تختلف عن أعمال الإدارة، فأعمال الحكم تحتاج إلى نص فيها، وأما موضوع الإدارة فهو واقع في باب المباح إلا إذا ورد نص في عمل معين من أعمال الإدارة.

 

أما انتخاب الخليفة، فالإسلام يوجب أن يكون للمسلمين خليفة واحد، وهو صاحب البيعة الأولى الصحيحة، فإن تبع ذلك خليفة آخر ينازعه فيقتل. يقول صلى الله عليه وسلم: «إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ، فَاقْتُلُوا الْآخَرَ مِنْهُمَا» أخرجه مسلم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ. ويقول صلوات الله وسلامه عليه: «... وَإِنَّهُ لاَ نَبِيَّ بَعْدِي، وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ» قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: «فُوا بِبَيْعَةِ الأَوَّلِ فَالأَوَّلِ... » أخرجه مسلم عن أبي هريرة. أي أن الذي تولى الأمر وبويع بيعة صحيحة قبل غيره هو صاحب البيعة التي يجب الوفاء بها، وبيعة الثاني باطلة يحرم الوفاء بها مطلقا. فالموضوع إذن البحث عمن بويع أولاً بيعة صحيحة فيكون هو الخليفة الشرعي الذي لا يجوز لآخر أن ينازعه.

 

فإذا بويع لخليفتين في وقت واحد، فليس هناك إذن خليفة بويع أولاً، ومنطوق الأحاديث ومفهومها أن الخليفة الشرعي هو الذي يُبايع أولاً، فإذن يجب إقامة هذا الحكم وهو بيعة الخليفة الأول، وهذه لا توجد بالقرعة فالقرعة ليست بيعة، فإذن لا بد من إعادة الانتخاب.

 

أما الأمور الإدارية فينظمها صاحب الصلاحية لأنها في دائرة المباحات إلا إذا ورد نص فيها بعينها فيُتبع، فأن تداوم الدوائر الساعة الثامنة صباحاً أو التاسعة صباحاً فهذه لا تحتاج إلى نص، وأن ينظم المرور فيسمح في هذا الشارع ولا يسمح في ذاك فهذا لا يحتاج إلى نص بل ينظمه صاحب الصلاحية، وأن ينتخب أعضاء مجلس الولاية أو يعينون فهذا لا يحتاج إلى نص بل ينظمه صاحب الصلاحية، وأن يكون عددهم 5 أو 6 أو 10 فهذا لا يحتاج إلى نص بل ينظمه صاحب الصلاحية، وإذا تساوى اثنان في أعمال الإدارة والمطلوب واحد فأقرع بينهما فكذلك ينظمه صاحب الصلاحية.

 

والخلاصة أن أعمال الحكم تختلف عن أعمال الإدارة من حيث الاستدلال، فالأولى تحتاج إلى نص فيها، والثانية في دائرة المباح إلا إذا ورد نص آخر.

 

 

 

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

 

 

 

رابط الجواب من صفحة الأمير على الفيسبوك

 

 

 

18 من ذي الحجة 1434

الموافق 2013/10/23م

 

 

 

Share this post


Link to post
Share on other sites

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

(سلسلة أجوبة الشيخ العالم عطاء بن خليل أبو الرشتة أمير حزب التحرير على أسئلة رواد صفحته على الفيسبوك)

 

 

جواب سؤال:

Share on facebookpdf.pngprint.gifgroup.png

حول التواصل بين الرجال والنساء عبر الإنترنت

إلى (أبو القاسم) و Abdullah Abdulrahman

 

 

الأسئلة:

Abdullah Abdulrahman

في إحدى الجلسات حول ما يدور في الإنترنت من أحاديث ذُكر أن عالم الإنترنت هو عالم افتراضي فلا يؤاخذ من يكتب فيه على كلامه، وذُكر أيضاً أن الحديث حتى بين الرجال والنساء لا شيء فيه مهما كان الكلام لأنه ليس اختلاطاً... فهل هذا صحيح؟ نرجو توضيح هذا الأمر وبارك الله فيكم.

 

أبو القاسم

السلام عليكم ورحمة الله

 

"سؤال حول حكم دردشة الجنسين على الفيس بوك أو الإيميل"

كثيراً ما تواجه هذه المسألة شباب عصرنا وخاصة المراهقين منهم، ولذلك وجب الاستفسار عن المسألة حتى لا يقع شبابنا في الإثم، وحتى نصون المجتمع من أمر قد تكون به معصية ولعلها معصية كبيرة.

 

 

الجواب:

 

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،

 

سؤالكما متشابه، وقد سبق أن أجبنا على مثله، وأعيده عليكم:

 

إن من الناس من يفلسف الأمور، فمثلاً يركز هذا على التساؤل: هل التواصل في الفيس بوك هو اختلاط؟

 

وكأنّ الاختلاط هو فقط الحرام، وإن لم يكن اختلاطاً فلا شيء فيه!

 

ويركز ذاك على التساؤل بأنه عالم افتراضي، وكأنه مجرد خيال ذهني يجوز له أن يتخيل ما شاء!!

 

ومنهم من يجهل بعض الأمور المؤثرة في الحكم الشرعي بالنسبة للتواصل بالفيس بوك، أو يظنون أن الأمر ما دام ليس اختلاطاً فلا بأس، أو نحو ذلك مما يختلط عليهم من باب الجهل أو الالتباس...

 

وليس الأمر كذلك، بل إن الخطاب الموّجه في رسالة من شخص إلى شخص آخر إذا ثبت حدوثها من صاحبها ووصولها إلى المرسلة إليه، فهي تأخذ حكم الخطاب الموّجه مباشرة من ذلك الشخص إلى الشخص الآخر.

 

ولا فرق بين أن تكون الرسالة كُتبت باليد وبين أن تكون كُتبت بآلة...

 

وكذلك لا فرق بين أن تُنقل إلى المرسلة إليه بأن يحملها شخص إليه، وبين أن تنقل إلى المرسلة إليه عبر الإنترنت أو الفيسبوك أو أي وسيلة أخرى، بل المهم أن يثبت حدوثها من صاحبها، ويثبت وصولها إلى المرسلة إليه، فتحقيق المناط واحد من هذا الوجه...

 

ولذلك فإن الحكمَ بالنسبة للرسالة واحد، والإنسان يؤاخذ عليها لأنها فعل من أفعاله، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ» أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، واللفظ للبخاري.

 

وكذلك فإنه قد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إرسال رسائل مكتوبة إلى الملوك والحكام لتبليغهم الإسلام، وهو يثبت أن التبليغ بالرسالة، وهو حكم شرعي، كالتبليغ بالخطاب المباشر...

 

أخرج البخاري: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَأَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ أَنَّهُ كَانَ بِالشَّأْمِ فِي رِجَالٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَدِمُوا تِجَارًا فِي المُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ، فَوَجَدَنَا رَسُولُ قَيْصَرَ بِبَعْضِ الشَّأْمِ... إلى أن قال: ثُمَّ دَعَا القيصر بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُرِئَ، فَإِذَا فِيهِ: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، سَلاَمٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلاَمِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَأَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ، فَعَلَيْكَ إِثْمُ الأَرِيسِيِّينَ وَ: (( يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ، أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَإِنْ تَوَلَّوْا، فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ))...»

 

 

وبناء عليه فإن الجواب على السؤال المذكور هو كما يلي:

 

1- إن المراسلة سواء أكانت بالبريد العادي أم كانت بالنت أم بالفيس بوك أم تويتر... فحكمها واحد، فهي لا تختلف عن الكلام بالمشاهدة. ولا يقال هذا عالم افتراضي وذاك عالَم حقيقي، بل هذا إغراق في الجهل والإثم... فإذا قلتَ لامرأة أجنبية عنك كلاماً محرماً مشاهدةً، فتعاقب عليه شرعاً، فهو كذلك بالمراسلة، فبعد ثبوت البينة على حدوث المراسلة تبحث العقوبة، تماماً كما لو قلت الكلام نفسه بالمشاهدة.

 

وهكذا، فكما لا يجوز الحديث مشاهدة مع امرأة أجنبية لغير حاجة يقرها الشرع ، فكذلك هو بالنسبة للمراسلة، فما يجوز في هذا الموضوع بالمشاهدة يجوز بالمراسلة، وما لا يجوز بالمشاهدة لا يجوز بالمراسلة.

 

2- الاختلاط لغير حاجة يقرها الشرع حرام، ولكن ليس فقط الاختلاط هو الحرام، فلو ناديت امرأة بعيدة عنك بكلام سيء فحرام حتى لو لم تكن بجوارك، ولو بعت متاعاً لامرأة في السوق ونظرت إليها بلذة فحرام حتى وإن كان الاختلاط للبيع في السوق مباحاً، ولو ركبت حافلة عامة وتكلمت مع امرأة بعيدة عنك، حتى وإن لم تكن جالسة بجانبك، كلاماً فاحشاً فحرام...

 

ومثل هذا لو كتبت بالمراسلة أي كلام فأنت مسئول عنه تماماً كما لو تكلمته مشاهدة...

 

3- إننا ندعو كل مسلم ومسلمة وبخاصة الشباب والشابات من حملة هذه الدعوة التقية النقية الذين حملوها ويحملونها وسط أمواج عاتية من أمامنا ومن خلفنا وعن يميننا وعن يسارنا، حيث لا ملجأ إلا الله سبحانه، ندعوهم إلى أن يلتزموا بأحكام الشرع التزاماً قوياً، ليس فقط بالابتعاد عن الحرام، بل حتى عن بعض المباحات خشية وجود حرام قريب منها، فالصحابة كانوا يبتعدون عن أبواب عدة من المباح خشية الوقوع في الحرام.

 

4- كما نؤكد على كل مسلم ومسلمة، وبخاصة الشباب والشابات من حملة الدعوة، أن يعملوا بجد واجتهاد على استعمال هذه الوسائل الحديثة استعمالاً منتجاً لنشر الإسلام بطريقة مؤثرة، وفي الوقت نفسه حكيمة واعية، بعيدة ليس فقط عن كل رماد غير نظيف، بل كذلك عن كل غبار لرمادٍ غير نظيف.

 

 

أسأل الله سبحانه أن نبقى أتقياء أنقياء، فنفوز في الدنيا والآخرة وبشر المؤمنين.

 

 

 

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

 

 

 

رابط الجواب من صفحة الأمير على الفيسبوك

 

 

 

 

22 من ذي الحجة 1434

الموافق 2013/10/27م

 

 

 

 

 

Share this post


Link to post
Share on other sites

بسم الله الرحمن الرحيم

 

(سلسلة أجوبة الشيخ العالم عطاء بن خليل أبو الرشتة أمير حزب التحرير على أسئلة رواد صفحته على الفيسبوك)

جواب سؤال:

 

حول استعمال لفظ وزير و وزارة في الدولة الإسلامية

 

إلى Tamer Al-jabuh

 

 

 

 

السؤال:

 

السلام عليكم، هل يجوز استعمال لفظ وزير في الدولة الإسلامية مع أن هذا اللفظ له واقع في النظام الرأسمالي؟

 

 

الجواب:

 

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

 

إن هناك تبايناً بين مفهوم الوزير والوزارة في الإسلام، وبين مفهومها في النظام (الديمقراطي). ولما كان المعنى الذي تعنيه (الديمقراطية) للوزير والوزارة هو المعنى الطاغي على الناس، وإذا أطلق لا ينصرف إلا إلى المعنى (الديمقراطي)؛ لذلك، ودفعاً للالتباس، ولتعيين المعنى الشرعي بالذات دون غيره، لا يصح أن يطلق على المعاون للخليفة لفظ وزير ووزارة مطلقاً من غير تقييد، بل يطلق عليه لفظ معاون وهو معناه الحقيقي، أو يوضع قيد مع لفظ وزير أو وزارة يصرف المعنى (الديمقراطي)، ويعين المعنى الإسلامي وحده كأن يقال وزير تفويض...

 

 

 

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

 

 

 

رابط الجواب من صفحة الأمير على الفيسبوك

 

 

 

27 من ذي الحجة 1434

الموافق 2013/11/01م

 

 

 

 

 

Share this post


Link to post
Share on other sites

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

(سلسلة أجوبة الشيخ العالم عطاء بن خليل أبو الرشتة أمير حزب التحرير على أسئلة رواد صفحته على الفيسبوك)

 

جواب سؤال: حول اللباس الشرعي للمرأة

إلى Hassan Ali Ali

 

 

السؤال:

 

السلام عليكم

 

سؤالي عن الحجاب هل هو فريضة مع الدليل أو عادة كانت وفرضت لتمييز الحرة عن العبدة ((فالحجاب في أصله تشريع ذو مضمون طبقي غايته تمييز الحرة من الأمَة، وهذا ما فهمه الصحابة؛ إذ كان عمر بن الخطاب (يطوف في المدينة فإذا رأى أمة محجبة ضربها بدرته الشهيرة حتى يسقط الحجاب عن رأسها ويقول: فيما الإماء يتشبهن بالحرائر؟ أحب في النهاية أن أقول في زمن لا يوجد فيه جوارٍ أو عبيد والحمد الله وسبب إدناء الجلباب قد سقط. لا يوجد شي في القرآن ولا السنة يقول أن الحجاب فرض لأنه يمنع الفتنة أو يعف، ومن قال هذا فهو آثم وقد افترى على الله الكذب، والمرأة التي تلبس الحجاب لأنه من ضمن عادات قومها أو مجتمعها لم ترتكب أي خطأ طالما فهمت أن لبس الحجاب ليس فرضًا من الله سبحانه وتعالى.. ولكن المرأة التي تلبس الحجاب وتدعو إليه معتقدة أن الله أمر به إنما ترتكب ذنبا كبيرا لأنها أشركت في حكم الله أناسا فرضوا قوانين لم يأت بها الله ولا رسوله الكريم وضللت من رسالة القرآن وطريقه المستقيم. الحجاب ليس فريضة إسلامية بل عادة اجتماعية موجودة قبل الإسلام ليس له علاقة بالأديان إطلاقا، وإن من أخطر الأمور أن نخلط بين العادات والتقاليد وبين ما يأمرنا الله به في كتابه الكريم لأن الإدعاء بأن أي عادة من العادات هي من عند الله هو ادعاء كاذب يماثل الشرك بالله والكذب في حقه جل جلاله)). وأرجو تعليقكم على هذا الكلام بارك الله بكم وهدانا وإياكم.

 

 

الجواب:

 

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،

 

اللباس الشرعي للمرأة أدلته الشرعية واضحة وصريحة، وليس هذا اللباس من باب العادة فإذا اعتاد الناس عليه كان وإن لم يعتادوا لم يكن، بل هو فرض فرضه الله سبحانه وتعالى على النساء:

 

لقد أوجب الشرع على المرأة عند خروجها من البيت إلى الحياة العامة لباساً شرعياً معيناً، فقد أوجب على المرأة أن يكون لها ثوب تلبسه فوق ثيابها حين تخرج للأسواق أو تسير في الطريق العام، فأوجب عليها أن يكون لها جلباب بمعناه الشرعي تلبسه فوق ثيابها وترخيه إلى أسفل حتى يغطي قدميها، فإن لم يكن لها جلباب تستعير من جارتها أو صديقتها أو قريبتها جلباباً، فإن لم تستطع الاستعارة أو لم يعرها أحد لا يصح أن تخرج من غير جلباب، وإذا خرجت من غير جلباب تلبسه فوق ثيابها أثمت، لأنها تركت فرضاً فرضه الله عليها. هذا من حيث اللباس الأسفل بالنسبة للنساء. أما من حيث اللباس الأعلى فلا بد أن يكون لها خمار، أو ما يشبهه أو يقوم مقامه من لباس يغطي جميع الرأس، وجميع الرقبة، وفتحة الثوب على الصدر، وأن يكون هذا معداً للخروج إلى الأسواق، أو السير في الطريق العام، أي لباس الحياة العامة من أعلى، فإذا كان لها هذان اللباسان جاز لها أن تخرج من بيتها إلى الأسواق أو أن تسير في الطريق العام، أي إلى الحياة العامة، فإن لم يكن لها هذان اللباسان لا يصح أن تخرج ولا بحال من الأحوال، لأن الأمر بهذين اللباسين جاء عاماً فيبقى عاماً في جميع الحالات لأنه لم يرد له مخصص مطلقاً.

 

أما الدليل على وجوب هذين اللباسين للحياة العامة فقوله تعالى في اللباس من أعلى: ((وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ)) وقوله تعالى في اللباس الأسفل: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ)) وما روي عن أم عطية أنها قالت: «أَمَرَنا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أن نُخْرِجَهُنَّ في الفِطْرِ والأضحى، العواتقَ والحُيَّضَ وذواتِ الخدورِ، فأما الحيّضُ فيَعْتَزلْنَ الصلاةَ وَيَشْهَدْنَ الخَير، ودعوةَ المسلمين. قلت يا رسولَ اللهِ إحدانا لا يكونُ لها جلبابٌ، قال: لِتُلْبِسْها أختُها من جِلبابِها» أخرجه مسلم، فهذه الأدلة صريحة في الدلالة على لباس المرأة في الحياة العامة. فالله تعالى قد وصف في هاتين الآيتين هذا اللباس الذي أوجب على المرأة أن تلبسه في الحياة العامة وصفاً دقيقاً كاملاً شاملاً، فقال بالنسبة للباس النساء من أعلى: ((وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ)) أي ليلوين أغطية رؤوسهن على أعناقهن وصدورهن، ليخفين ما يظهر من طوق القميص وطوق الثوب من العنق والصدر. وقال بالنسبة للباس النساء من الأسفل: ((يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ)) أي يرخـين عليهن جلابيبهن التي يلبسنها فوق الثياب للخـروج، يرخينها إلى أسـفل، وقال في الكيفية العامة التي يكون عليها هذا اللباس: ((وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا)) أي لا يظهرن مما هو محـل الزينة من أعضـائهن كالأذنين والذراعين والساقين وغير ذلك إلا ما كان يظهر في الحياة العامة عند نزول هذه الآية أي في عصر الرسول، وهو الوجه والكفان. وبهذا الوصف الدقيق يتضح بأجلى بيان ما هو لباس المرأة في الحياة العامة وما يجب أن يكون عليه، وجاء حـديث أم عطية فبين بصـراحـة وجوب أن يكون لها جلباب تلبسه فوق ثيابها حين الخروج، حيث قالت للرسول صلى الله عليه وسلم «إحدانا لا يكونُ لها جلبابٌ» فقال لها الرسول صلى الله عليه وسلم: «لِتُلبسْها أختُها من جِلبابِها» أي حين قالت للرسول: إذا كان ليس لها جلباب تلبسه فوق ثيابها لتخرج فيه، فإنه صلى الله عليه وسلم أمر أن تعيرها أختها جلبابها، ومعناه أنه إذا لم تعرها فإنه لا يصح لها أن تخرج، وهذا قرينة على أن الأمر في هذا الحديث للوجوب، أي يجب أن تلبس المرأة جلباباً فوق ثيابها إذا أرادت الخروج، وإن لم تلبس ذلك لا تخرج.

 

ويشترط في الجلباب أن يكون مرخياً إلى أسفل حتى يغطي القدمين، لأن الله يقول في الآية: ((يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ)) أي يرخين جلابيبهن لأن (مِن) هنا ليست للتبعيض بل للبيان، أي يرخين الجلباب إلى أسفل، ولأنه روي عن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاَءَ لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ فَكَيْفَ يَصْنَعْنَ النِّسَاءُ بِذُيُولِهِنَّ قَالَ يُرْخِينَ شِبْرًا فَقَالَتْ إِذًا تَنْكَشِفُ أَقْدَامُهُنَّ قَالَ فَيُرْخِينَهُ ذِرَاعًا لاَ يَزِدْنَ عَلَيْهِ» أخرجه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح، فهذا صريح بأن الجلباب الذي تلبسه فوق الثياب يجب أن يرخى إلى أسفل حتى يستر القدمين، فإن كانت القدمان مستورتين بجوارب أو حذاء فإن ذلك لا يُغني عن إرخائه إلى أسفل حتى القدمين بشكل يدل على وجود الإرخاء، ولا ضرورة لأن يغطي القدمين فهما مستورتان، ولكن لا بد أن يكون هناك إرخاء أي يكون الجلباب نازلاً إلى أسفل حتى القدمين بشكل ظاهر يعرف منه أنه ثوب الحياة العامة التي يجب أن تلبسه المرأة في الحياة العامة، ويظهر فيه الإرخاء أي يتحقق فيه قوله تعالى: ((يُدْنِينَ)) أي يرخين.

 

وكما ترى فهو لباس محدد تحديداً واضحاً بنصوص صريحة لا لبس ولا غموض في دلالتها حتى إن الرسول صلى الله عليه وسلم لما سألته أم عطية عن الخروج إن لم يكن لها جلباب أجابها الرسول صلى الله عليه وسلم أن تستعير من جارتها أو لا تخرج، وهي دلالة قوية على وجوب هذا اللباس وجوباً شرعياً.

 

 

 

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

 

 

 

رابط الجواب من صفحة الأمير على الفيسبوك

 

 

 

01 من محرم 1435

الموافق 2013/11/04م

 

 

 

 

 

Share this post


Link to post
Share on other sites

السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة

على حد علمي القاصر ان الحجاب الذي هو غطاء الوجة والذي يطلق علية

في بعض المناطق النقاب او البرقع هو غير الخمار الذي هو غطاء الراس

فالسائل يسال عن الحجاب والجواب كان عن الخمار وهناك بحث في

كتاب النظام الاجماعي في الاسلام عن الحجاب وانة ليس فرضا على

نساء المسلمين وفرق تفريقا دقيقا بين الخمار والحجاب والجلباب ارجوا

توضيح الامر وبارك الله فيكم

Share this post


Link to post
Share on other sites

Create an account or sign in to comment

You need to be a member in order to leave a comment

Create an account

Sign up for a new account in our community. It's easy!

Register a new account

Sign in

Already have an account? Sign in here.

Sign In Now
Sign in to follow this  

×