Jump to content
Sign in to follow this  
ام سارة

سلسلة ومقام الموعظة....

Recommended Posts

تفسير قول الله تعالى (لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ) الآية

 

وجملة : لقد تقطّع بينَكم * استئناف بياني لجملة : * وما نرى معكم شفعاءكم * لأنّ المشركين حين يسمعون قوله : * ما نَرى معكم شفعاءكم * يعتادهم الطّمع في لقاء شفعائهم فيتشوّفون لأن يعلموا سبيلهم ، فقيل لهم : لقدْ تقطَّع بينكم تأييساً لهم بعد الإطماع التهكمي ، والضّمير المضاف إليه عائد إلى المخاطبين وشفعائهم .

وقرأ نافع ، والكسائي ، وحفص عن عاصم بفتح نون * بينَكم *. ف * بينَ * على هذه القراءة ظرف مكان دالّ على مكان الاجتماع والاتّصال فيما يضاف هُو إليه . وقرأ البقيّة بضمّ نون * بينكم * على إخراج * بين * عن الظّرفية فصار اسماً متصرّفاً وأسند إليه التقطّع على طريقة المجاز العقلي .

وحذف فاعل تقطّع على قراءة الفتح لأنّ المقصود حصول التقطّع ، ففاعله اسم مُبهم ممّا يصلح للتقطّع وهو الاتّصال . فيقدّر : لقد تقطّع الحَبْل أو نحوُه . قال تعالى : * وتقطَّعت بهم الأسباب * * البقرة : 166 * . وقد صار هذا التّركيب كالمثَل بهذا الإيجاز . وقد شاع في كلام العرب ذكر التقطّع مستعاراً للبعد وبطلان الاتّصال تبعاً لاستعارة الحبل للاتّصال ، كما قال امرؤ القيس :

تَقَطَّعَ أسبابُ اللُّبانةِ والهوى

عَشِيَّة جاوزنا حَمَاةَ وشَيْزَرا

فمن ثمّ حسن حذف الفاعل في الآية على هذه القراءة لدلالة المقام عليه فصَار كالمثل . وقدّر الزمخشري المصدر المأخوذ من * تقطّع * فاعلاً ، أي على إسناد الفعل إلى مصدره بهذا التّأويل ، أي وقع التقطّع بينَكم . وقال التفتزاني : * الأوْلى أنّه أسند إلى ضمير الأمْر لتقرّره في النّفوس ، أي تقطّع الأمْر بينكم * .

وقريب من هذا ما يقال : إنّ * بينكم * صفة أقيمت مقام الموصوف الّذي هو المسند إليه ، أي أمر بينكم ، وعلى هذا يكون الاستعمال من قبيل الضّمير الّذي لم يذكر مَعاده لكونه معلوماً من الفعل كقوله : * حتّى توارت بالحجاب * * ص : 32 * ، لكن هذا لا يعهد في الضّمير المستتر لأنّ الضّمير المستتر ليس بموجود في الكلام وإنّما دعا إلى تقديره وجود مَعاده الدّال عليه . فأمّا والكلام خليّ عن معاد وعن لفظ الضّمير فالمتعيّن أن نجعله من حذف الفاعل كما قرّرته لك ابتداء ، ولا يقال : إنّ * توارت بالحجاب * ليس فيه لفظ ضمير إذ التّاء علامة لإسناد الفعل إلى مؤنّث لأنَّا نقول : التّحقيق أنّ التّاء في الفعل المسند إلى الضّمير هي الفاعل .

وعلى قراءة الرّفع جعل * بينكم * فاعلاً ، أي أخرج عن الظّرفية وجعل اسماً للمكان الّذي يجتمع فيه ماصْدق الضمير المضاف إليه اسم المكان ، أي انفصل المكان الّذي كان محلّ اتّصالكم فيكون كناية عن انفصال أصحاب المكان الّذي كان محلّ اجتماع . والمكانية هنا مجازيّة مثل * لا تقدّموا بين يدي الله ورسوله * * الحجرات : 1 * . 6

وقوله : * وضلّ عنكم * عطف على * تقطّع بينكم * وهو من تمام التهكّم والتأييس . ومعنى ضلّ : ضدّ اهتدى ، أي جهل شفعاؤكم مكانكم لمّا تقطّع بينكم فلم يهتدوا إليكم ليشفعوا لكم . و * ما * موصولة ماصْدقها الشفعاء لاتّحاد صلتها وصلة * الّذين زعمتم أنّهم فيكم شركاء * ، أي الّذين كنتم تزعمونهم شركاء ، فحذف مفعولا الزّعم لدلالة نظيره عليهما في قوله : * زعمتم أنّهم فيكم شركاء * ، وعُبّر عن الآلهة ب * ما * الغالبة في غير العاقل لظهور عدم جدواها ، وفسّر ابن عطيّة وغيره ضَلّ بمعنى غاب وتلف وذهب ، وجعلوا * ما * مصدريّة ، أي ذهب زعمكم أنّها تشفع لكم . وما ذكرناه في تفسير الآية أبلغ وأوقع .

 

التحرير والتنوير

Share this post


Link to post
Share on other sites

تفسير قوله تعالى (وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ)

 

والطَّلْع : وعاء يطلع من النخل فيه ثمر النخلة في أول أطواره يخرج كنصل السيف في باطنه شماريخ القِنْو ، ويسمى هذا الطلع الكِمَّ * بكسر الكاف * وبعد خروجه بأيام ينفلق ذلك الوعاء عن الشماريخ وهي الأغصان التي فيها الثمر كحَب صغير ، ثم يغلظ ويصير بُسراً ثم تَمْراً .

والهضيم : بمعنى المهضوم ، وأصل الهضم شدخ الشيء حتى يلين ، واستعير هنا للدقيق الضامر ، كما يقال : امرأة هضيم الكَشح . وتلك علامة على أنه يخرج تمراً جيّداً . والنخل الذي يثمر تمراً جيداً يقال له : النخل الإناث وضده فَحاحِيل ، وهي جمع فُحَّال * بضم الفاء وتشديد الحاء المهملة * أي ذكر ، وطلعه غليظ وتمره كذلك .

وخُصّ النخل بالذكر مع أنه مما تشمله الجنات لقصد بيان جودته بأن طلعه هضيم .

 

التحرير والتنوير

Share this post


Link to post
Share on other sites

تفسير قوله تعالى (فلا تكونَنّ ظهيراً للكافرين)

 

والظهير : المعين . والمظاهرة : المعاونة ، وهي مراتب أعلاها النصرة وأدناها المصانعة والتسامح ، لأن في المصانعة على المرغوب إعانة لراغبه . فلما شمل النهي جميع أكوان المظاهرة لهم اقتضى النهي عن مصانعتهم والتسامح معهم ، وهو يستلزم الأمر بضد المظاهرة فيكون كناية عن الأمر بالغلظة عليهم كصريح قوله تعالى * واغلُظْ عليهم * * التوبة : 73 * . وهذا المعنى يناسب كون هذه الآيات آخر ما نزل قبل الهجرة وبعد متاركته المشركين ومغادرته البلد الذي يعمرونه .

وقيل النهي للتهييج لإثارة غضب النبي * صلى الله عليه وسلم * عليهم وتقوية داعي شدته معهم . ووجه تأويل النهي بصرْفِه عن ظاهره أو عن بعض ظاهره هو أن المنهي عنه لا يُفرض وقوعه من الرسول * صلى الله عليه وسلم * حتى يُنهى عنه فكان ذلك قرينة على أنه مُؤوّل .

وتوجيه النهي إليه عن أن يصدوه عن آيات الله في قوله * ولا يصدّنّك عن آيات الله * كناية عن نهيه عن أن يتقبل منهم ما فيه صد عن آيات الله كما يقول العرب : لا أعرفنّك تفعل كذا ، كنوا به عن : أنه لا يفعله . فيعرف المتكلم الناهي فعله . والمقصود : تحذير المسلمين من الركون إلى الكافرين في شيء من شؤون الإسلام فإن المشركين يحاولون صرف المسلمين عن سماع القرآن * وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغَوْا فيه لعلكم تغلبون * * فصلت : 26 * .

وقيل هو للتهييج أيضاً ، وتأويل هذا النهي آكد من تأويل قوله * فلا تكونن ظهيراً للكافرين *.

ويجوز أن يكون النهي في * لا يصدَّنَّك * نهْيَ صِرفَة كما كان الأمر في قوله* فقال لهم الله موتوا * * البقرة : 243 * أمرَ تكوين . فالمعنى : أن الله قد ضمن لرسوله صرف المشركين عن أن يصدوه عن آيات الله وذلك إذ حال بينه وبينهم بأن أمره بالهجرة ويسَّرها له وللمسلمين معه .

والتقييد بالبعدية في قوله * بعد إذ أُنْزِلت إليك * لتعليل النهي أياما كان المراد منه ، أي لا يجوز أن يصدّوك عن آيات الله بعد إذ أنزلها إليك فإنه ما أنزلها إليك إلا للأخذ بها ودوام تلاوتها ، فلو فرض أن يصدوك عنها لذهب إنزالها إليك بُطلاً وعبثاً كقوله تعالى * من بعد ما جاءتهم البينات * * البقرة : 213 * .

والأمر في قوله * وادع إلى ربّك * مستعمل في الأمر بالدوام على الدعوة إلى الله لا إلى إيجاد الدعوة لأن ذلك حاصل ، أي لا يصرفك إعراض المشركين عن إعادة دعوتهم إعذاراً لهم .

ويجوز أن يكون الدعاء مستعملاً في الأكمل من أنواعه ، أي أنك بعد الخروج من مكة أشد تمكناً في الدعوة إلى الله مما كنت من قبل لأن تشغيب المشركين عليه كان يرنِّق صفاء تفرغه للدعوة .

وجميع هذه النواهي والأوامر داخلة في حَيّز التفريع بالفاء في قوله * فلا تكونَنّ ظهيراً للكافرين *.

 

التحرير والتنوير

Share this post


Link to post
Share on other sites

تفسير قوله تعالى(حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) في قوله تعالى (سَلَامٌ هِىَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ)

 

و * حتى مطلع الفجر * غاية لما قبله من قوله : * تنزل الملائكة * إلى * سلام هي *.

والمقصود من الغاية إفادة أن جميع أحيان تلك الليلة معمورة بنزول الملائكة والسلامة ، فالغاية هنا مؤكدة لمدلول * ليلة * * القدر : 1 * لأن الليلة قد تطلق على بعض أجزائها كما في قول النبي * صلى الله عليه وسلم * * من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذَنْبه * ، أي من قام بعضها ، فقد قال سعيد بن المسيب : من شهد العشاء من ليلة القدر فقد أخذ بحَظه منها . يريد شهدها في جماعة كما يقتضيه فعل شهد ، فإن شهود الجماعة من أفضل الأعمال الصالحة .

وجيء بحرف * حتى * لإِدخال الغاية لبيان أن ليلة القدر تمتد بعد مطلع الفجر بحيث أن صلاة الفجر تعتبر واقعة في تلك الليلة لئلا يتوهم أن نهايتها كنهاية الفِطر بآخر جزء من الليل ، وهذا توسعة من الله في امتداد الليلة إلى ما بعد طلوع الفجر .

ويستفاد من غاية تَنَزُّلِ الملائكة فيها ، أن تلك غاية الليلة وغاية لما فيها من الأعمال الصالحة التابعة لكونها خيراً من ألف شهر ، وغاية السلام فيها .

وقرأ الجمهور : * مطلع * بفتح اللام على أنه مصدر ميمي ، أي طلوع الفجر ، أي ظهوره . وقرأه الكسائي وخَلف بكسر اللام على معنى زمان طلوع الفجر .

 

التحرير والتنوير

Share this post


Link to post
Share on other sites

تفسير قوله تعالى (يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَآءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِى الاَْرْضِ وَلاَ فِى السَّمَآءِ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِىٍّ وَلاَ نَصِيرٍ)

 

وابتدىء بذكر العقاب لأن الخطاب جار مع منكري البعث الذين حظهم فيه هو التعذيب . ومفعولا فعلي المشيئة محذوفان جرياً على غالب الاستعمال فيهما . والتقدير : من يشاء تعذيبه ومن يشاء رحمته . والفريقان معلومان من آيات الوعد والوعيد ؛ فأصحاب الوعد شاء الله رحمتهم وأصحاب الوعيد شاء تعذيبهم ، فمن الذين شاء تعذيبهم المشركون ومن الذين شاء رحمتهم المؤمنون ، والمقصود هنا هم الفريقان معاً كما دل عليه الخطاب العام في قوله * وإليه تقلبون *.

والقلب : الرجوع ، أي وإليه ترجعون .

وتقديم المجرور على عامله للاهتمام والتأكيد إذ ليس المقام للحصر إذ ليس ثمة اعتقاد مردود . وفي هذا إعادة إثبات وقوع البعث وتعريض بالوعيد .

* 22 * .

عطف على جملة * وإليه تقلبون * * العنكبوت : 21 * باعتبار ما تضمنته من الوعيد .

والمعجز حقيقته : هو الذي يجعل غيره عاجزاً عن فعل ما ، وهو هنا مجاز في الغلبة والانفلات من المكنة ، وقد تقدم عند قوله تعالى * إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين * في سورة الأنعام * 134 * .

فالمعنى : وما أنتم بمُفْلَتين من العذاب . ومفعول * معجزين * محذوف للعلم به ، أي بمعجزين الله .

ويتعلق قوله * في الأرض * * بمعجزين * ، أي ليس لكم انفلات في الأرض ، أي لا تجدون موئلاً ينجيكم من قدرتنا عليكم في مكان من الأرض سهلها وجبلها ، وبدْوِها وحضرها .

وعطف * ولا في السماء * على * في الأرض * احتراس وتأييس من الطمع في النجاة وإن كانوا لا مطمع لهم في الالتحاق بالسماء . وهذا كقول الأعشى :

فلو كنتَ في جبّ ثمانين قامة

ورُقِّيت أسبابَ السماء بسلّم

ومنه قوله تعالى * لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض * * سبأ : 22 * ، ولم تقع مثل هذه الزيادة في آية سورة الشورى * 30 ، 31 * * ويعفو عن كثير وما أنتم بمعجزين في الأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير * لأن تلك الآية جمعت خطاباً للمسلمين والمشركين بقوله * وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير * * الشورى : 30 * إذ العفو عن المسلمين . وما هنا من المبالغة المفروضة وهي من المبالغة المقبولة كما في قول أبي بن سُلْمي الضبي :

ولو طار ذو حافر قبلها

لطارت ولكنه لم يطر

وهي أظهر في قوله تعالى * يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا * * الرحمن : 33 * . وفي هذه إشارة إلى إبطال اغترارهم بتأخير الوعيد الذي تُوعدوه في الدنيا .

ولما آيسهم من الانفلات بأنفسهم في جميع الأمكنة أعقبه بتأييسهم من الانفلات من الوعيد بسعي غيرهم لهم من أولياء يتوسطون في دفع العذاب عنهم بنحو السعاية أو الشفاعة ، أو من نصراء يدافعون عنهم بالمغالبة والقوة .

 

التحرير والتنوير

Share this post


Link to post
Share on other sites

تفسير قوله تعالى ( وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا) في قوله تعالى (وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ)

وهمّت بنو سَلِمَة وبنو حَارثة من المسلمين بالانخزال ، ثُمّ عصمهم الله ، فذلك قوله تعالى : * إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما * أي ناصرهما على ذلك الهَمّ الشيطاني ، الّذي لو صار عزماً لكان سبب شقائهما ، فلعناية الله بهما بَرّأهما الله من فعل ما همَّتا به ، وفي * البخاري * عن جابر بن عبد الله قال : * نحن الطائفتان بنو حارثة وبنو سَلِمة وفينا نزلتْ * إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا * وما يسرّني أنَّها لم تنزل والله يقول : * والله وليهما *

 

 

التحرير والتنوير

Share this post


Link to post
Share on other sites

تفسير قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى) في قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِج الْمَيِّتِ مِنَ الْحَىِّ ذالِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ الَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذاَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ )*.

 

استئناف ابتدائي انتُقل به من تقرير التّوحيد والبعث والرّسالة وأفانين المواعظ والبراهين الّتي تخلّلت ذلك إلى الاستدلال والاعتبار بخلق الله تعالى وعجائب مصنوعاته المشاهدة ، على انفراده تعالى بالإلهيّة المستلزم لانتفاء الإلهيّة عمّا لا تقدر على مثل هذا الصّنع العجيب ، فلا يحقّ لها أن تعبد ولا أن تشرك مع الله تعالى في العبادة إذ لا حقّ لها في الإلهيّة ، فيكون ذلك إبطالاً لشرك المشركين من العرب ، وهو مع ذلك إبطال لمعتقَد المعطّلين من الدُهريين منهم بطريق الأوْلى ، وفي ذلك امتنان على المقصودين من الخطاب وهم المشركون بقرينة قوله : * فأنَّى تُؤفَكُون * ، أي فتكفرون النّعمة . وفيه عِلم ويقين للمؤمنين من المصدّقين واستزادة لمعرفتهم بربّهم وشكرهم .

وافتتاحُ الجملة ب * إنْ * مع أنّه لا ينكر أحد أنّ الله هو فاعل الأفعال المذكورة هنا ، ولكنَّ النّظر والاعتبار في دلالة الزّرع على قدرة الخالق على الإحياء بعد الموت كما قدر على إماتة الحي ، لمّا كان نظراً دقيقاً قد انصرف عنه المشركون فاجْترأوا على إنكار البعث ، كان حالهم كحال من أنكر أو شَكّ في أنّ الله فالقُ الحبّ والنَّوى ، فأكّد الخبر بحرف * إنْ * .

وجيء بالجملة الاسميّة للدّلالة على ثبات هذا الوصف دوامه لأنّه وصف ذاتي لله تعالى ، وهو وصف الفعل أو وصف القدرة وتعلُّقاتها في مصطلح من لا يثبت صفات الأفعال ، ولمّا كان المقصود الاكتفاء بدلالة فلق الحبّ والنّوى على قدرة الله على إخراج الحيّ من الميّت ، والانتقالُ من ذلك إلى دلالته على إخراج الحيّ من الميّت في البعث ، لم يؤت في هذا الخبر بما يقتضي الحصر إذ ليس المقام مقام القصر .

 

والفَلْق : شَقّ وصدعُ بعض أجزاء الشّيء عن بعض ، والمقصود الفلق الّذي تنبثق منه وشائج النّبْت والشّجر وأصولها ، فهو محلّ العبرة من علم الله تعالى وقدرته وحكمته .

والحَبّ اسم جمع لما يثمره النّبت ، واحده حبّة . والنَّوى اسم جمع نواة ، والنّواة قلب التّمرة . ويطلق على ما في الثّمار من القلوب الّتي منها يَنبت شجرها مثل العنب والزّيتون ، وهو العَجَم بالتّحريك اسم جمع عَجَمة .

 

التحرير والتنوير

Share this post


Link to post
Share on other sites

تفسير قوله تعالى (رفيع الدرجات) في قوله تعالى (رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِى الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلاَقِ)

 

* رفيعُ الدرجات * خبر عن مبتدأ محذوف هو ضمير اسم الجلالة في قوله : * فادعوا الله * * غافر : 14 * وليس خبراً ثانياً بعد قوله : * هُو الَّذي يُريكم آياته * * غافر : 13 * لأن الكلام هنا في غرض مستجدّ ، وحذف المسند إليه في مثله حذف اتِّبَاع للاستعمال في حذف مثله ، كذا سماه السكاكي بعد أن يَجري من قبل الجملة حديثٌ عن المحذوف كقول عبد الله بن الزَّبِير أو إبراهيم بن العباس الصولي أو محمد بن سعيد الكاتب :

سأَشكُر عَمْراً إِنْ تَراختْ منيتي

أَيَادِيَ لَم تُمْنَنْ وإنْ هِيَ جَلَّتِ

فَتًى غير محجوب الغِنى عن صديقه

ولا مُظْهِرا للشكوى إذا النعل زَلّت

و * رفيع * يجوز أن يكون صفة مشبهة . والتعريف في * الدرجات * عوض عن المضاف إليه . والتقدير : رفيعةٌ درجاتُه ، فلما حُول وصف ما هو من شؤونه إلى أن يكون وصفاً لذاته سلك طريق الإضافة وجُعلت الصفة المشبهة خبراً عن ضمير الجلالة وجعل فاعل الصفة مضافاً إليه ، وذلك من حالات الصفة المشبهة يقال : فلان حسنٌ فعلُه ، ويقال : فلان حسَنُ الفعل ، فيؤُول قوله : * رَفِيعُ الدَّرَجات * إلى صفة ذاته .

و * الدرجات * مستعارة للمجد والعظمة ، وجمعها إيذان بكثرة العظمات باعتبار صفات مجد الله التي لا تحصر ، والمعنى : أنه حقيق بإخلاص الدعاء إليه . ويجوز أن يكون من أمثلة المبالغة ، أي كثير رفعِ الدرجات لمن يشاء وهو معنى قوله تعالى : * نرفع درجات من نشاء * * يوسف : 76 * . وإضافته إلى * الدرجات * من الإِضافة إلى المفعول فيكون راجعاً إلى صفات أفعال الله تعالى .

والمقصود : تثبيتهم على عبادة الله مخلصين له الدين بالترغيب بالتعرض إلى رفع الله درجاتهم كقوله : * يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات * في سورة المجادلة .

و * ذُو العَرْش * خبر ثان وفيه إشارة إلى أن رفع الدرجات منه متفاوت .

كما أن مخلوقاته العليا متفاوتة في العظم والشرف إلى أن تنتهي إلى العرش وهو أعلى المخلوقات كأنه قيل : إن الذي رفع السماوات ورفع العرش مَاذَا تُقَدِّرون رَفعه درجات عابديه على مراتب عبادتهم وإخلاصهم .

 

التحرير والتنوير

Share this post


Link to post
Share on other sites

تفسير قوله تعالى(والله لا يحب كل مختال فخور) في قوله تعالى (لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ)

 

وقوله : * والله لا يحب كل مختال فخور * تحذير من الفرح الواقع في سياق تعليل الأخبار بأن كل ما ينال المرءَ ثابت في كتاب ، وفيه بيان للمراد من الفرح أنه الفرح المفرط البالغ بصاحبه إلى الاختيال والفخر .

والمعنى : والله لا يحب أحداً مختالاً وفخوراً ولا تتوهمْ أن موقع * كل * بعد النفي يفيد النفي عن المجموع لا عن كل فرد لأن ذلك ليس مما يقصُده أهل اللسان ، ووقع للشيخ عبد القاهر ومتابعيه توهم فيه ، وقد تقدم عند قوله تعالى : * والله لا يحب كل كفار أثيم في سورة البقرة ونبهت عليه في تعليقي على دلائل الإِعجاز .

 

التحرير والتنوير

Edited by ام سارة

Share this post


Link to post
Share on other sites

تفسير قوله تعالى (لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالاَْخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الاَْعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ )

 

هذه الجملة معترضة جواباً عن مقالتهم التي تضمّنها قوله تعالى : وإذا بشر أحدهم بالأنثى سورة النحل : 58 فإن لها ارتباطاً بجملة ويجعلون لله البنات سبحانه سورة النحل : 57 كما تقدّم ، فهي بمنزلة ، جملة سبحانه ، غير أن جملة سبحانه جواب بتنزيه الله عمّا نسبوه إليه ، وهذه جواب بتحقيرهم على ما يعاملون به البنات مع نسبتهم إلى الله هذا الصّنف المحقرّ عندهم .

وقد جرى الجواب على استعمال العرب عندما يسمعون كلاماً مكروهاً أو منكراً أن يقولوا للنّاطق به : بِفيك الحَجَر ، وبفيك الكَثْكَث ، ويقولون : تربت يداك ، وتربت يمينك ، واخسأ .

وكذلك جاء قوله تعالى للذين لا يؤمنون بالأخرة مثل السوء شتماً لهم .

والمَثَل : الحال العجيبة في الحسن والقبح ، وإضافته إلى السوء للبيان .

وعُرّفوا ب الذين لا يؤمنون بالآخرة لأنهم اشتهروا بهذه الصّلة بين المسلمين ، كقوله تعالى : فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون سورة النحل : 22 ، وقوله : بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد سورة سبأ : 8 .

وجملة ولله المثل الأعلى عطفت على جملة للذين لا يؤمنون بالأخرة مثل السوء لأن بها تكملة إفساد قولهم وذمّ رأيهم ، إذ نسبوا إلى الله الولد وهو من لوازم الاحتياج والعجز . ولمّا نسبوا إليه ذلك خصّوه بأخسّ الصنفين عندهم ، كما قال تعالى : ويجعلون لله ما يكرهون سورة النحل : 62 ، وإن لم يكن كذلك في الواقع ولكن هذا جرى على اعتقادهم ومؤاخذة لهم برأيهم .

والأعلى تفضيل ، وحذف المفضّل عليه لقصد العموم ، أي أعلى من كل مثل في العلوّ بقرينة المقام .

والسّوْء : بفتح السين مصدر ساءه ، إذا عمل معه ما يكره . والسّوء بضم السّين الاسم ، تقدم في قوله تعالى : يسومونكم سوء العذاب في سورة البقرة 49 .

والمثل تقدم تفصيل معانيه عند قوله تعالى : مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً في سورة البقرة 17 .

والعزيز الحكيم تقدم عند قوله تعالى : فاعلموا أن الله عزيز حكيم في سورة البقرة 209 .

 

 

التحرير والتنوير

Share this post


Link to post
Share on other sites

تفسير قوله تعالى (قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ) في قوله تعالى (قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الاَْرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ)

 

والتعليم مبالغة في إيصال العلم إلى المعلَّم لأن صيغة التفعيل تقتضي قوة في حصول الفعل كالتفريق والتفسير ، يقال : أعْلَمَهُ وعلّمه كما يقال : أنباه ونَبَّأه . وهذا يفيد أنهم تكلفوا وتعسفوا في الاستدلال على خلوص إيمانهم ليقنعوا به الرسول * صلى الله عليه وسلم * الذي أبلغهم أن الله نفى عنهم رسوخ الإيمان بمحاولة إقناعه تدل إلى محاولة إقناع الله بما يعلم خلافه .

وباء * بدينكم * زائدة لتأكيد لصوق الفعل بمفعوله كقوله تعالى : * وامسحوا برؤوسكم * وقول النابغة :

لك الخيران وارتْ بك الأرض واحداً

والاستفهام في * أتعلمون الله بدينكم * مستعمل في التوبيخ وقد أيد التوبيخ بجملة الحال في قوله : * والله يعلم ما في السماوات وما في الأرض *.

وفي هذا تجهيل إذ حاولوا إخفاء باطنهم عن المطّلع على كل شيء .

 

التحرير والتنوير

Share this post


Link to post
Share on other sites

بيان موقع قوله تعالى (لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا *148* إِن تُبْدُواْ خَيْراً أَوْ تُخْفُوهْ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً )*.

موقع هذه الآية عقب الآي التي قبلها أنّ الله لما شوّه حال المنافقين وشهّر بفضائحهم تشهيراً طويلاً ، كان الكلام السابق بحيث يثير في نفوس السامعين نفوراً من النفاق وأحواله ، وبغضاً للملموزين به ، وخاصّة بعد أن وصفهم باتّخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين ، وأنَّهم يستهزئون بالقرآن ، ونَهى المسلمين عن القعود معهم ، فحذّر الله المسلمين من أن يغيظهم ذلك على من يتوسّمون فيه النفاق ، فيجاهِروهم بقول السوء ، ورخَّص لِمن ظُلم من المسلمين أن يجهر لظالمه بالسوء ، لأنّ ذلك دفاع عن نفسه .

روى البخاري : أنّ رجالاً اجتمعوا في بيت عِتبان بن مالك لطعام صنعه لرسول الله * صلى الله عليه وسلم * فقال قائل : أين مالك بن الدّخْشُم ، فقال بعضهم : ذلك منافق لا يحبّ الله ورسوله ، فقال رسول الله : * لا تقل ذلك ألا تراه قد قال : لا إله إلاّ الله ، يريد بذلك وجهَ الله ، فقال : فإنَّا نرى وجهه ونصيحته إلى المنافقين * . الحديثَ . فظنّ هذا القائل بمالك أنَّه منافق ، لملازمته للمنافقين ، فوصفه بأنَّه منافق لا يحبّ الله ورسوله . فلعلّ هذه الآية نزلت للصدّ عن المجازفة بظنّ النفاق بمن ليس منافقاً . وأيضاً لمّا كان من أخصّ أوصاف المنافقين إظهار خلاف ما يُبطنون فقد ذكرت نجواهم وذكر رياؤهم في هذه السورة وذكرت أشياء كثيرة من إظهارهم خلاف ما يبطنون في سورة البقرة كان ذلك يثير في النفوس خشية أن يكون إظهار خلاف ما في الباطن نفاقاً فأراد الله تبين الفارق بين الحالين .

وجملة * لا يحبّ * مفصولة لأنَّها استئناف ابتدائي لهذا الغرض الذي بينّاه : الجهر بالسوء من القول ، وقد علم المسلمون أنّ المحبّة والكراهية تستحيل حقيقتهما على الله تعالى ، لأنّهما انفعالان للنفس نحو استحسان الحسن ، واستنكار القبيح ، فالمراد لازمهما المناسب للإلهية ، وهما الرضا والغضب .

 

التحرير والتنوير

Share this post


Link to post
Share on other sites

تفسير قوله تعالى ( فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما) في قوله تعالى (إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما)

 

 

والتبديل: جعل شيء بدلا عن شيء آخر، وتقدم عند قوله تعالى (ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة) في سورة الأعراف، أي يجعل الله لهم حسنات كثيرة عوضا عن تلك السيئات التي اقترفوها قبل التوبة وهذا التبديل جاء مجملا وهو تبديل يكون له أثر في الآخرة بأن يعوضهم عن جزاء السيئات ثواب حسنات أضداد تلك السيئات، وهذا الفضل الإيمان بالنسبة للشرك ولفضل التوبة بالنسبة للآثام الصادرة من المسلمين.

وبه يظهر موقع اسم الإشارة في قوله (فأولئك) المفيد التنبيه على أنهم أحرياء بما أخبر عنهم به بعد اسم الإشارة لأجل ما ذكر من الأوصاف قبل اسم الإشارة، أي فأولئك التائبون المؤمنون العاملون الصالحات في الإيمان يبدل الله عقاب سيئاتهم التي اقترفوها من الشرك والقتل والزنا بثواب. ولم تتعرض الآية لمقدار الثواب وهو موكول إلى فضل الله، ولذلك عقب هذا بقوله (وكان الله غفورا رحيما) المقتضي أنه عظيم المغفرة.

 

التحرير والتنوير

Share this post


Link to post
Share on other sites

تفسير قوله تعالى (أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِى رَحْمَتِهِ) في قوله تعالى (وَمِنَ الاَْعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاَْخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِى رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)

 

وجملة : ألا إنها قربة لهم مستأنفة مسوقة مساق البشارة لهم بقبول ما رجوه . وافتتحت الجملة بحرف الاستفتاح للاهتمام بها ليعيها السامع ، وبحرف التأكيد لتحقيق مضمونها ، والضمير الواقع اسم إنَّ عائد إلى ما ينفق باعتبار النفقات . واللام للاختصاص ، أي هي قربة لهم ، أي عند الله وعند صلوات الرسول . وحذف ذلك لدلالة سابق الكلام عليه . وتنكير قربة لعدم الداعي إلى التعريف ، ولأن التنكير قد يفيد التعظيم .

وجملة : سيدخلهم الله في رحمته واقعة موقع البيان لجملة إنها قربة لهم ، لأن القربة عند الله هي الدرجات العلى ورضوانه ، وذلك من الرحمة . والقربة عند صلوات الرسول صلى الله عليه وسلم إجابة صلاته . والصلاة التي يدعو لهم طلب الرحمة ، فمآل الأمرين هو إدخال الله إياهم في رحمته . وأوثر فعل الإدخال هنا لأنه المناسب للكون في الجنة ، إذ كثيراً ما يقال : دخل الجنة . قال تعالى : وادخلي جنتي الفجر : 30 .

 

التحرير والتنوير

Share this post


Link to post
Share on other sites

تفسير قوله تعالى (وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً)

 

التسيير : جعل الشيء سائراً ، أي ماشياً . وأطلق هنا على النقل من المكان أي نقلت الجبال وقلعت من مقارّها بسرعة بزلازل أو نحوها كما دل عليه قوله تعالى : * يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كثيباً مهيلاً * * المزمل : 14 * ، حتى كأنها تسيّر من مكان إلى آخر وهو نقْل يصحبه تفتيت كما دل عليه تعقيبه بقوله : * فكانت سراباً * لأن ظاهر التعقيب أن لا تكون معه مهلة ، أي فكانت كالسراب في أنها لا شيء .

والقولُ في بناء * سُيرت * للمجهول كالقول في * وفتحت السماء * * النبأ : 19 * .

وكذلك قوله : * فكانت سراباً * هو كقوله : * فكانت أبواباً * * النبأ : 19 * .

والسراب : ما يلوح في الصحاري مما يشبه الماءَ وليس بماء ولكنه حالة في الجو القريب تنشأ من تَراكُمِ أبخرة على سطح الأرض . وقد تقدم عند قوله تعالى :* والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً في سورة النور .

 

 

التحرير والتنوير

Share this post


Link to post
Share on other sites

تفسير قوله تعالى (حَتَّى) في قوله تعالى (وَلاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ)

 

* حتى * ابتدائية وهي تفيد ارتباط ما بعدها بما قبلها لا محالة فالضمائر التي في الجملة الواقعة بعد * حتى * عائدة على ما يصلح لها في الجُمل التي قبلها . وقد أفادت * حتى * الغاية بأصل وضعها وهي هنا غاية لما أفهمه قوله : * إلا لمن أذن له * من أن هنالك إذناً يصدر من جانب القدس يأذن الله به ناساً من الأخيار بأن يشفعوا كما جاء تفصيل بعض هذه الشفاعة في الأحاديث الصحيحة وأن الذين يرجون أن يشفع فيهم ينتظرون ممن هو أهل لأن يشفع وهم في فزع من الإِشفاق أن لا يؤذن بالشفاعة فيهم ، فإذا أذن الله لمن شاء أن يشفع زال الفزع عن قلوبهم واستبشروا إذ أنه فزع عن قلوب الذين قبلت الشفاعة فيهم ، أي وأيس المحرومون من قبول الشفاعة فيهم . وهذا من الحذف المسمى بالاكتفاء اكتفاء بذكر الشيء عن ذكر نظيره أو ضده ، وحسنه هنا أنه اقتصار على ما يسرّ المؤمنين الذين لم يتخذوا من دون الله أولياء.

وقد طويت جمل مِن وراء * حتى * ، والتقدير : إلا لمن أذن له ويومئذٍ يبقى الناس مرتقبين الإِذن لمن يشفع ، فَزعين من أن لا يؤذن لأحد زمناً ينتهي بوقت زوال الفزع عن قلوبهم حينَ يؤذن للشافعين بأن يشفعوا ، وهو إيجاز حذف.

 

التحرير والتنوير

Share this post


Link to post
Share on other sites

تفسير قوله تعالى (وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا) في قوله تعالى (فَدَمْدمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا)

 

 

والعقبى : ما يحصل عقِب فعل من الأفعال مِن تبعة لفاعِلِه أو مَثوبة ، ولما كان المذكور عقاباً وغلبة وكان العرف أن المغلوب يكنّى في نفسه الأخذ بالثأر من غالبه فلا يهدَأ له بال حتى يثأر لنفسه ، ولذلك يقولون : الثَّأْر المُنِيم ، أي الذي يزيل النوم عن صاحبه ، فكان الذي يغلب غيره يتقي حذراً من أن يتمكن مغلوبُه من الثأر ، أخْبَرَ الله أنه الغالب الذي لا يقدر مغلوبُه على أخذ الثأر منه ، وهذا كناية عن تمكن الله من عقاب المشركين ، وأن تأخير العذاب عنهم إمهال لهم وليس عن عجز فجملة * فلا يخاف عقباها * تذييل للكلام وإيذان بالختام .

ويجوز أن يكون قوله : * فلا يخاف عقباها * تمثيلاً لحالهم في الاستئصال بحال من لم يترك مَن يثأر له فيكون المثَل كناية عن هلاكهم عن بكرة أبيهم لم يبق منهم أحد .

 

التحرير والتنوير

Share this post


Link to post
Share on other sites

تفسير قوله تعالى (بين يديه) في قوله تعالى (وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين)

 

ومعنى * بين يديه * القريب منه سواء كان سابقاً كقوله تعالى : * إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد * * سبأ : 46 * وقول النبي * صلى الله عليه وسلم * * بعثت بين يدي الساعة * أم كان جائياً بعده كما حكى الله عن عيسى عليه السّلام * ومصدقاً لما بين يدي من التوراة في سورة آل عمران . وليس مراداً هنا لأنه غير مفروض ولا مدّعى .

 

التحرير والتنوير

Share this post


Link to post
Share on other sites

تفسير قوله تعالى (نَّ اللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ) في قوله تعالى (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِى بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ فَلَمَّا جَآءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُّوسَى أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ فَلَمَّآ أَلْقُواْ قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ)

 

فجملة : إن الله لا يصلح عمل المفسدين معترضة ، وهي تعليل لمضمون جملة إن الله سيبطله ، وتذييل للكلام بما فيه نفي الإصلاح . وتعريف المفسدين بلام الجنس ، من التعميم في جنس الإصلاح المنفي وجنس المفسدين ليُعلم أن سحرهم هو من قبيل عمل المفسدين ، وإضافة عمل إلى المفسدين يؤذن بأنه عمل فاسد ، لأنه فعل مَنْ شأنُهم الإفساد فيكون نسجاً على منوالهم وسيرة على معتادهم ، والمراد بإصلاح عمل المفسدين الذي نفاه أنه لا يؤيده . وليس المراد نفي تصييره صالحاً ، لأن ماهية الإفساد لا تقبل أن تصير صلاحاً حتى ينفى تصييرها كذلك عن الله ، وإنما إصلاحها هو إعطاؤها الصلاح ، فإذا نفى الله إصلاحها فذلك بتركها وشأنَها ، ومن شأن الفساد أن يتضاءل مع الزمان حتى يضمحل .

 

التحرير والتنوير

Share this post


Link to post
Share on other sites

تفسير قوله تعالى(ومَا يَتَذَكَّرُ إلا مَن يُنيب) في قوله تعالى (هُوَ الَّذِى يُرِيكُمْ ءَايَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السَّمَآءِ رِزْقاً وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ)

 

ولذلك ذيلت إراءة الآيات وإنزالُ الرزق لهم بقوله : * وما يتذكر إلا من ينيب * أي من آمن ونبذ الشرك لأن الشرك يصدّ أهله عن الإِنصاف وإعمال النظر في الأدلة .

والإِنابة : التوبة ، وفي صيغة المضارع إشارة إلى أن الإِنابة المحصلة للمطلوب هي الإِنابة المتجددة المتكررة ، وإذ قد كان المخاطبون منيبين إلى الله كان قوله : * وما يتذكر إلاّ من ينيب * دَالاً بدلالة الاقتضاء على أنهم رأوا الآيات واطمأنوا بها وأنهم عرفوا قدر النعمة وشكروها فكان بين الإِنابة وبين التذكر تلازم عادي ، ولذلك فجملة * وما يتذكر إلاّ من ينيب * تذييل .

 

التحرير والتنوير

Share this post


Link to post
Share on other sites

تفسير قوله تعالى (أليس الله بعزيز ذي انتقام) في قوله تعالى (وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ)

 

تعليل لإِنكار انتفاء كفاية الله عن ذلك كإنكار أن الله عزيز ذو انتقام ، فلذلك فصلت الجملة عن التي قبلها .

والاستفهام تقريري لأن العلم بعزة الله متقرر في النفوس لاعتراف الكل بإلاهيته والإِلاهية تقتضي العزة ، ولأن العلم بأنه منتقم متقرر من مشاهدة آثار أخذه لبعض الأمم مثل عاد وثمود . فإذا كانوا يقرّون لله بالوصفين المذكورين فما عليهم إلا أن يعلموا أنّه كافٍ عبده بعزته فلا يقدر أحد على إصابة عبده بسوء ، وبانتقامه من الذين يبْتغون لعبده الأذى .

والعزيز : صفة مشبهة مشتقة من العزّ ، وهو منَعَة الجانب وأن لا يناله المتسلط وهو ضد الذل ، وتقدم عند قوله تعالى : * فاعلموا أن اللَّه عزيز حكيم في سورة البقرة .

والانتقام : المكافأة على الشر بشر ، وهو مشتق من النقْم وهو الغضب كأنه مطاوعه لأنه مسبب عن النَّقْم ، وقد تقدم عند قوله تعالى : فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم في سورة الأعراف . وانظر قوله تعالى : واللَّه عزيز ذو انتقام في سورة العقود .

 

التحرير والتنوير

Share this post


Link to post
Share on other sites

تفسير قوله تعالى (فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الاَْخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا) في قوله تعالى(فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الاَْرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعًا وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِى إِسْرَاءِيلَ اسْكُنُواْ الاَْرْضَ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الاَْخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا)

 

ووعد الآخرة ما وعد الله به الخلائق على ألسنة الرسل من البعث والحشر .

واللفيف : الجماعات المختلطون من أصناف شتى ، والمعنى : حكمنا بينهم في الدنيا بغرق الكفرة وتمليك المؤمنين ، وسنحكم بينهم يوم القيامة .

ومعنى جئنا بكم أحضرناكم لدينا . والتقدير : جئنا بكم إلينا .

 

التحرير والتنوير

Share this post


Link to post
Share on other sites

تفسير قوله تعالى (وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُوراً)

عود إلى بيان التبذير والشح ، فالجملة عطف على جملة ولا تبذر تبذيراً الإسراء : 26 . ولولا تخلل الفصل بينهما بقوله ؛ وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك الإسراء : 28 الآية لكانت جملة ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك غَيْر مقترنة بواو العطف لأن شأن البيان أن لا يعطف على المبين ، وأيضاً على أن في عطفها اهتماماً بها يجعلها مستقلة بالقصد لأنها مشتملة على زيادة على البيان بما فيها من النهي عن البخل المقابل للتبذير .

وقد أتت هذه الآية تعليماً بمعرفة حقيقة من الحقائق الدقيقة فكانت من الحكمة . وجاء نظمها على سبيل التمثيل فصيغت الحكمة في قالب البلاغة .

فأما الحكمة فإذ بينت أن المحمود في العطاء هو الوسط الواقع بين طرفي الإفراط والتفريط ، وهذه الأوساط هي حدود المحامد بين المذام من كل حقيقة لها طرفان . وقد تقرر في حكمة الأخلاق أن لكل خلق طرفين ووسطاً ، فالطرفان إفراط وتفريط وكلاهما مقر مفاسد للمصدر وللمورد ، وأن الوسط هو العدل ، فالإنفاق والبذل حقيقة أحد طرفيها الشح وهو مفسدة للمحاويج ولصاحب المال إذ يجر إليه كراهية الناس إياه وكراهتيه إياهم . والطرف الآخر التبذير والإسراف ، وفيه مفاسد لذي المال وعشيرته لأنه يصرف ماله عن مستحقه إلى مصارف غير جديرة بالصرف ، والوسط هو وضع المال في مواضعه وهو الحد الذي عبر عنه في الآية بنفي حالين بين لا ولا .

وأما البلاغة فبتمثيل الشح والإمساك بغل اليد إلى العُنق ، وهو تمثيل مبني على تخيل اليد مصدراً للبذل والعطاء ، وتخيُّل بَسطها كذلك وغلها شحاً ،وهو تخيل معروف لدى البلغاء والشعراء ، قال الله تعالى : وقالت اليهود يد الله مغلولة ثم قال : بل يداه مبسوطتان المائدة : 64 وقال الأعشى :

يَداك يدَا صدق فكف مفيدة

وكف إذا ما ضُن بالمال تنفق

ومن ثم قالوا : له يدُ على فلان ، أي نعمة وفضل ، فجاء التثميل في الآية مبنياً على التصرف في ذلك المعنى بتمثيل الذي يشح بالمال بالذي غُلّت يده إلى عنقه ، أي شدت بالغُلّ ، وهو القيد من السير يشد به يد الأسير ، فإذا غُلت اليد إلى العنق تعذر التصرف بها فتعطل الانتفاع بها فصار مصدر البذل معطلاً فيه ، وبضده مُثِّلَ المسرف بباسط يده غاية البسط ونهايته وهو المفاد بقوله : كل البسط أي البسطَ كله الذي لا بسط بعده ، وهو معنى النهاية . وقد تقدم من هذا المعنى عند قوله تعالى : وقالت اليهود يد الله مغلولة إلى قوله : بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء في سورة العقود المائدة : 64 . هذا قالب البلاغة المصوغةُ في تلك الحكمة .

وقوله : فتقعد ملوما محسوراً جواب لكلا النهيين على التوزيع بطريقة النشر المرتب ، فالملوم يرجع إلى النهي عن الشح ، والمحسور يرجع إلى النهي عن التبذير ، فإن الشحيح ملوم مذموم . وقد قيل :

إن البخيل ملوم حيثما كانا

وقال زهير :

ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله

على قومه يُستغن عنه ويذمم

والمحسور : المنهوك القوى . يقال : بعير حسير ، إذا أتعبه السير فلم تبق له قوة ، ومنه قوله تعالى : ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حسير الملك : 4 ، والمعنى : غير قادر على إقامة شؤونك . والخطاب لغير معين . وقد مضى الكلام على تقعد آنفاً .

 

التحرير والتنوير

Edited by ام سارة

Share this post


Link to post
Share on other sites

Join the conversation

You can post now and register later. If you have an account, sign in now to post with your account.

Guest
Reply to this topic...

×   Pasted as rich text.   Paste as plain text instead

  Only 75 emoji are allowed.

×   Your link has been automatically embedded.   Display as a link instead

×   Your previous content has been restored.   Clear editor

×   You cannot paste images directly. Upload or insert images from URL.

Loading...
Sign in to follow this  

×
×
  • Create New...