Jump to content
Sign in to follow this  
أبو مالك

الغلام والساحر

Recommended Posts

السيرة النبوية للناشئة

الحلقة الأولى: الغلام والساحر

عاش فيميون الراهبُ الصالحُ من بقايا النصارى المؤمنين الموحدين، في قرية من قرى الشام،  وكان رجلا مستجاب الدعاء، لا يأكل إلا من عمل يده، عمل بنّاء يبني بالطوب الطيني، وكان يوحد الله تعالى، مخلصا لا يحب أن يُعرف من شأنه أنه مستجاب الدعاء، وليا من أولياء الله تعالى، يقضي الليل متهجدا مصليا لله تعالى، وقد أعجب بصلاحه وعلمه رجل يقال له صالح من أهل تلك القرية، وكان يتبعه خفية، يرى ما يفعل، وتبعه صالح على دينه، وفي ذات يوم دعا رجل من أهل القرية الراهبَ فيميونَ لبيته وأراه ابنا له ضريرا وقال له: يا فيميون، عبد من عباد الله أصابه ما ترى، فادع الله تعالى له!

فدعا له فيميون، فشفاه الله تعالى ورد عليه بصره،

ولما كان فيميون يحب الإخلاص وخشي أن يخسر شيئا من الإخلاص مقابل السمعة وانتشار الخبر بصلاحه، قرر أن يخرج من القرية مهاجرا، فخرج منها ومعه صالح، فخطفهما بعض العرب وهما في الطريق وباعوهما لرَجُلينِ يعيشان في نجران.

كان سكان نجران (وهي مدينة في جنوب الحجاز، شمال اليمن) الهمدانيون والكنديون والمذحجيون وثنيين، يعبدون شجرة نخل طويلة، عاش بينهم فيميون وصالح، وكان فيميون يقوم الليل يصلي كعادته، فعجب سيده الذي ابتاعه من أمره، فقال له فيميونُ: إنما أنتم على باطل، إن هذه النخلة التي تعبدون لا تضر ولا تنفع، ولو دعوت عليها إلهي الذي أعبده لأهلكها، وهو الله وحده لا شريك له،

فقال له سيده: فافعل، فإنك إن فعلت دخلنا في دينك وتركنا ما نحن عليه!

فقام فيميون، وصلى ركعتين لله ودعا الله تعالى على النخلة، فأرسل الله تعالى عليها ريحا فاجتثتها من أصلها وألقتها، فتبع خلق كثير من أهل نجران الرجلَ الصالحَ فيميون، ودخلوا في النصرانية موحدين لله تعالى، وكان هذا قبل ميلاد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بحوالي السبعين سنة،

ثم انتشرت النصرانية في ظفار وفي قبائل الأشاعرة، والمخا، فكان ذلك كله ببركة عمل فيميون من حمل الدعوة والأخلاص في العبودية لله تعالى.

عاش الملك ذو نواس، يوسف أَسْأَرُ بن شرحبيل الحميري في اليمن، واعتنق اليهودية، ورأى أن استقرار حكمه لا يكون إلا بموالاة الفرس الساسانيين، وكان الفرس على عداء مع الامبراطورية الرومية البيزنطية التي كانت تعتنق النصرانية،

وقد حاول الروم تمكين نفوذهم باليمن للوصول إلى تمكين نفوذهم السياسي والاقتصادي، وفتح طرق للتجارة بين الخليج العربي والبحر الأحمر واليمن من خلال النصرانية، فرآى ذو نواس في اضطهاد النصارى فرصة لإظهار الولاء للفرس،  فاضطهد ذو نواس النصارى اضطهادا عظيما، وقتل نحوا من ثلاثة عشر ألفا وأسر  ما يقارب العشرة آلاف من أهل ظفار، وتوجه إلى نجران فحارب الهمدانيين والكنديين والمذاحجة، وقتل منهم خلقا كثيرا،

وبالإضافة إلى ذلك، لجأ هذا الملك إلى السحر ليفتن الناس عن دينهم ويتبعوه، فلجأ إلى ساحر عجوز يعيش على جبل في قرية قريبة، فكان الساحر يلقي بحيله وأباطيله، فيضل الناس عن دينهم،

مضى الحال على ذلك، ما بين الاضطهاد والقتل، وبين السحر والباطل حتى فتن خلق كثير عن دينهم، وتمكن الملك ذو نواس من توطيد حكمه، حتى كان ذلك اليوم الذي شعر فيه الساحر بأنه طعن في الكِبَر، فأشار على الملك أن يرسل له غلاما ذكيا يعلمه أفانين السحر فيستمر الملك في إضلال الناس،

واختار الملكُ لهذه المهمة فتى بالغ الذكاء شديد الهمة اسمه عبد الله بن ثامر، وأمره الملك بأن ينطلق كل يوم ليتعلم من الساحر مهاراته ويعمل بها،

مضت الأيام والغلام يختلف إلى الساحر يتعلم منه، وكان الراهب فيميون يعيش في منتصف الطريق بين الملك وبين الساحر، وأراد الله تعالى بالغلام خيرا، فجعله يرى الراهب وهو في صلاته، تلك التي اعتاد أن يصليها، خاشعا بين يدي الله، متضرعا إليه، فسأله عن أمر دينه، فدعاه الراهب إلى عبادة الله وتوحيده، فأسلم عبد الله، واتبع الراهب على دينه، وجعل يقضي شطرا من نهاره يتعلم من الراهب، ثم يمضي إلى الساحر فيتعلم منه، ثم يذهب إلى الملك، فكان إذا تأخر على الساحر ضربه الساحر، فتذرع بأنه تأخر عند أهله، حتى يكف عنه الساحر،

ثم حبست دابة عظيمة الناس في الطريق، وخافها الناس، ولم يستطيعوا فعل شيء، فرآى الغلام في ذلك فرصة عظيمة، فقال في نفسه: سأرى اليوم أيهما أفضل: الراهب أم الساحر؟

فأخذ حجراً فقال : اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس ، فرماها فقتلها و مضى الناس .... 
فأتى الراهب فأخبره ، فقال له الراهب أي بني أنت اليوم أفضل مني قد بلغ من أمرك ما أرى فإن ابتليت فلا تدل علي ... 

كان الراهب يرى في تلميذه أنه بلغ أن دعاءه أصبح مستجابا، ورآى فيه همة الشباب في حمل الدعوة والثبات عليها، فاستشرف من أمره أنه سيبتلى، فما من دعوة إلا والابتلاء والمحن والفتن وسائل صقلها واختبار صدق أهلها، ورآى أن التلميذ قد يتفوق على أستاذه بثباته على الدعوة وصبره،

وتعلم التلميذ من أستاذه أهمية الصلاة، وقيام الليل، والتهجد والخشوع بين يدي الله، حتى كان من أمره أن وهبه الله تعالى هبة يهبها لعباده المخلصين، وذلك أن يشفي على يديه الأكمه والأبرص، والمريض، بدعائه إلى الله تعالى، فسمع جليس من جلساء الملك بأمر الغلام، وكان ضريرا، فطلب من الغلام أن يشفيه، وأتاه بهدايا كثيرة، وقال له: هذه الهدايا كلها لك إن أنت شفيتني،

فقال الغلام: إني لا أشفي أحدا، إنما يشفي الله تعالى، إن آمنت بالله تعالى دعوت الله فشفاك فآمن بالله تعالى فشفاه الله تعالى
فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس فقال له الملك : من رد عليك بصرك ..؟ 
قال ربي قال ولك رب غيري ؟..! ..

قال ربي و ربك الله فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام 
فقال له الملك : أي بني قد بلغ من سحرك ما تبرئ منه الأكمه و الأبرص و تفعل و تفعل

فقال الغلام : إني لا أشفي أحداً إنما يشفي الله تعالى ... فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب

فجيء بالراهب فقيل له ارجع عن دينك فأبى، فدعا الملك بالمنشار فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه حتى وقع شقاه ،

ثم جيء بجليس الملك فقيل له ارجع عن دينك فأبى ، فوضع المنشار في مفرق رأسه ، فشقه به حتى وقع شقاه .. 

هكذا اختار الله تعالى لفيميون هذه النهاية العظيمة، اختاره شهيدا ثابتا على الحق، لم يرتد حتى وهو ينشر بالمنشار  فيقع شقين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم وعصب، ما يصرفه ذلك عن دينه،  

وجاء الملك بالغلام، وأمره أن يكفر ويرتد عن دينه، فأبى الغلام، فدفع الملك بالغلام إلى جماعة من أتباعه وأمرهم بالصعود به إلى جبل عال ليلقوه منه فيخر ميتا، كان يأمل أن يخاف الغلام على نفسه، فيرتد ويبقى يعين الملك بما تعلمه من السحر، فلما كانوا في قمة الجبل، التجأ الغلام إلى الله وقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فارتج الجبل بمن عليه، وانحط الرجال عن الجبل كجلمود الصخر حتى بلغوا أسفله ميتين، ولم يصب الغلام بسوء،

فرجع الغلام إلى الملك يمشي، لم يفر، ولم يفكر بالنجاة من هذا الملك الذي يعزم على قتله أو فتنته عن دينه، لأنه صاحب رسالة، وحامل دعوة، إنه يعطي درساً عظيماً للدعاة ، في الإصرار على الدعوة و في الإصرار على إظهار الحق و تحديه للباطل، وفي حرصه على هداية الناس،

 فقال له الملك ما فعل بأصحابك فقال كفانيهم الله تعالى ... 
فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال اذهبوا به فاحملوه في قرقور و توسطوا به البحر ، فإن رجع عن دينه و إلا فاقذفوه فذهبوا به فقال اللهم اكفنيهم بما شئت فانكفأت بهم السفينة فغرقوا .و جاء يمشي إلى الملك ... فقال له الملك ما فعل بأصحابك فقال كفانيهم الله تعالى ... 
فقال للملك أنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به قال ما هو ؟ .. 
قال تجمع الناس في صعيد واحد و تصلبني على جذع ثم خذ سهماً من كنانتي ثم ضع السهم في كبد القوس ثم قل : بسم الله رب الغلام ثم ارمني فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني ... 
فجمع الناس في صعيد واحد و صلبه ثم أخذ سهماً من كنانته ، ثم وضع السهم في كبد القوس ثم قال : بسم الله رب الغلام ثم رماه فوقع السهم في صدغه فوضع يده في صدغه فمات .... 
فقال الناس آمنا برب الغلام .. 
فأتى الملك فقيل له أرأيت ما كنت تحذر قد والله نزل بك حذرك قد آمن الناس

وهكذا لم ينفع الملك اضطهاد المؤمنين، ولا قتلهم، ولا أعمال السحر والشعوذة، فأتاه الله من حيث لم يحتسب، فآمن الناس كلهم، فجن جنون الملك ذي نواس

فأمر بالأخدود بأفواهِ السكك فخُدَّت و أضرم فيها النيران، و قال : من لم يرجع عن دينه فأقحموه، ألقوه في النار في ذلك الأخدود العظيم، ففعل الحرس ما أمرهم الملك، وأخذوا يقذفون المؤمنين في الأخدود، ولم يرتد أحد منهم، لم يتردد أي من المؤمنين في أن دينه أغلى ما في وجوده، فبذلوا جميعا أرواحهم ومهجهم فداء لهذا الدين العظيم، حتى جاءت امرأة و معها صبي لها فتقاعست أن تقع فيها فقال لها الغلام : يا أماه اصبري فإنك على الحق، فثبتت، وألقوا بها وبغلامها في النار،

كان هذا كله بفضل فعل غلام، فيا معاشر الشباب، بادروا بالصلاة، وبالإخلاص، وبالدعاء وبحمل الدعوة حتى تبلغوا من أمركم مبلغ هذا الغلام، ولا يقول أحدكم ما زلت صغيرا!

لم ينج من أهل تلك البلدة أحد إلا رجل يقال له دوس ذو ثعلبان، هرب على فرس له سابقة، وحاول جنود الملك اللحاق به إلا أنه أفلت منهم، ومضى إلى قيصر الروم ليستنصره على الملك الذي اضطهد النصارى، فلما بلغ قصر قيصر ووقف بين يديه، وقال له: أيها الملك، جئتك أستنصر على هذا الملك الغاشم الذي قتل المؤمنين، وأحرقهم في ذلك الأخدود العظيم

فقال له قيصر: إن بلادك بعيدة عنا، فاذهب إلى النجاشي في الحبشة، وأبلغه بأنك تحمل رسالة مني إليه لينصرك بجنود من عنده، فانطلق دوس ذو ثعلبان إلى النجاشي، فأجابه، وارسل معه سبعين ألفا من الحبشة، وأمَّر عليهم رجلا منهم يقال له أرياط ، ومعه في جنده أبرهة الأشرم ؛ فركب أرياط البحر حتى نزل بساحل اليمن ، ومعه دوس ذو ثعلبان ‏‏، وهاجموا الملك ذا نواس، ففر منهم وغرق في البحر، وكانت نهاية ملكه قبل ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم بأربعة وأربعين سنة،

حكم أرياط اليمن، وبعد سنين من حكمه ثار عليه أبرهة، وشق نصف الحبشة عن أرياط، وانحاز بعضهم لأبرهة وبعضهم لأرياط، فلما تقارب الجيشان ليقتتلا، أرسل أبرهة إلى أرياط ‏‏‏:‏‏‏ إنك لا تصنع بأن تلقى الحبشة بعضها ببعض حتى تفنيها شيئا، فابرز إلي وأبرز إليك ، فأيُّنا أصاب صاحبه انصرف إليه جنده ‏‏‏.‏‏‏

فأرسل إليه أرياط ‏‏‏:‏‏‏ أنصفت فخرج إليه أبرهة ، وكان رجلا قصيرا لحيما حادرا وكان ذا دين في النصرانية ؛ وخرج إليه أرياط ، وكان رجلا جميلا عظيما طويلا ، وفي يده حربة له ‏‏‏.‏‏‏ وخلفُ أبرهة غلامٌ له ، يقال له عتودة، يمنع ظهره ‏‏‏.‏‏‏ فرفع أرياط الحربة فضرب أبرهة ، يريد يافوخه ، فوقعت الحربة على جبهة أبرهة فشرمت حاجبه وأنفه وعينه وشفته ، فبذلك سمي أبرهة الأشرم ، وحمل عتودة على أرياط من خلف أبرهة فقتله ، وانصرف جند أرياط إلى أبرهة ، فاجتمعت عليه الحبشة باليمن ،

وغضب النجاشي من فعل أبرهة، غضبا شديدا وقال ‏‏‏:‏‏‏ عدا على أميري فقتله بغير أمري ، ثم حلف لا يدع أبرهة حتى يطأ بلاده ، ويجز ناصيته ‏‏‏.‏‏‏ فحلق أبرهة رأسه وملأ جرأبا من تراب اليمن ، ثم بعث به إلى النجاشي ، ثم كتب إليه ‏‏‏:‏‏‏

أيها الملك ‏‏‏:‏‏‏ إنما كان أرياط عبدك ، وأنا عبدك ، فاختلفنا في أمرك ،‏‏ وكلٌّ طاعته لك ، إلا أني كنت أقوى على أمر الحبشة وأضبط لها وأسوس منه ؛ وقد حلقت رأسي كله حين بلغني قسم الملك ، وبعثت إليه بجراب تراب من أرضي ، ليضعه تحت قدميه ، فيبر قسمه فيّ ‏‏‏.‏‏‏

فلما انتهى ذلك إلى النجاشي رضي عنه ، وكتب إليه ‏‏‏:‏‏‏ أنِ اثبت بأرض اليمن حتى يأتيك أمري ‏‏‏.‏‏‏ فأقام أبرهة باليمن ‏‏‏.‏‏‏

واستمر حكم أبرهة إلى عام الفيل، عام ولادة رسول الله صلى الله عليه وسلم

كتبه ثائر سلامة أبو مالك

.‏‏‏

Share this post


Link to post
Share on other sites

Join the conversation

You can post now and register later. If you have an account, sign in now to post with your account.

Guest
Reply to this topic...

×   Pasted as rich text.   Paste as plain text instead

  Only 75 emoji are allowed.

×   Your link has been automatically embedded.   Display as a link instead

×   Your previous content has been restored.   Clear editor

×   You cannot paste images directly. Upload or insert images from URL.

Loading...
Sign in to follow this  

×
×
  • Create New...